الاثنين، ٢٤ تشرين الأول، ٢٠١١

جثة بلا نياشين

معمر عطوي

دائماً كان محط أنظار مناهضيه ومعجبيه على حد سواء، حتى وهو مسجّى في غرفة تبريد أصبحت محجّاً لكل الشامتين والفضوليّين. آلاف الليبيين جاؤوا الى مصراتة لإلقاء النظرة الأخيرة على جثة بلا نياشين، ولا أزياء مزركشة اشتهر بها في ظهوره المتكرّر.

جثة الزعيم الليبي السابق معمر القذافي مصابة بطلق ناري في الرأس وآخر في البطن وعدد من الإصابات الأخرى. هكذا خرج تقرير الطبيب بعد تشريح الجثة أمس، بناءً على طلب السلطة الانتقالية في طرابلس.

الجثة، التي لا تزال في مصراتة بعد نقلها من سرت الخميس الماضي، ستسلَّم الى أقرباء القذافي، حسبما أعلن رئيس الوزراء المؤقت أحمد جبريل. المسؤول الليبي الذي توقع أن يكون القذافي قد قُتل برصاصة طائشة، تمنى لو أن الزعيم السابق ظل على قيد الحياة، ولم يُقتل. يقولها جبريل بصراحة: «تمنيت لو كنت المدعي العام لمعرفة أسباب تنكيله بالشعب الليبي. ولماذا حكم ليبيا 42 عاماً. وسأرحب بفتح تحقيق كامل بشأن أسباب مقتله» تحت إشراف دولي.

المشهد في غرفة التبريد غير مكتمل، فالإصابات مغطاة بالقماش حتى لا يظهر دليل على كيفية مقتله. رأسه منحنٍ إلى الناحية اليسرى ليبقى مكان العيار الناري مخفياً. والحراس بكماماتهم الخضراء التي تقيهم رائحة العفونة، يراقبون الجثة خوفاً منها وعليها.

العقيد وحيد مسجّى على خرقة بالية، لا أحد يبكيه. لا نساء تولول أو تندب بجوار جثته ولا من تشقّ ثيابها، فقط صوت صفيّة أرملته وصل عبر أثير قناة «الرأي» ليُطالب المنظمات الدولية بالضغط على المجلس الانتقالي لتسليم جثته مع جثة ابنه المعتصم، الذي قتل في نفس المدينة، ونفس اليوم، لكن المصادر الرسمية ترجّح أن «إمام المسلمين» سيُدفن حسب «الشريعة الإسلامية» في مكان سري تفادياًُ لزيارة أنصاره لقبره.

لحظة الاحتضار شابها الالتباس، لعل المقاتلين الذين حاربوه على مدى ثمانية أشهر من مدينة الى مدينة ومن دار الى دار، قد ضاقوا ذرعاً به في الزنقة الأخيرة «فأخذتهم الحماسة وأخذوا القانون بأيديهم عندما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الرجل الذي يكرهونه»، على حد تصريح قائد عسكري. القائد المصراتي يؤكد ما قاله رجل السياسة: «كنا نريد إبقاءه حياً لكن الشبان... الأمور خرجت عن السيطرة». الفوضى والعنف سادا الدقائق التي أدت إلى مقتله، كما أظهرت رسائل الهواتف المحمولة المصوّرة التي شاهدها العالم. كان القذافي سيد الشاشات، لكن هذه المرة نصف عارٍ من أحدث صرعة للأزياء الأفريقية، ومن دون نياشين حصل عليها بلا حروب. وفي تسجيل مصور آخر، حصلت عليه «رويترز»، ظهرت قافلة من الحافلات تسرع على طريق صحراوي والأبواق تدوي ويصيح الرجال قائلين «لقد أمسكنا بمعمر. إنه معمر».

يصيح رجل ملتحٍ وهو يمسك بيد شاب تحمل مسدساً: «هذا هو الشاب الذي قتل القذافي. باستخدام هذا. فهمتم. لقد فعلها أمامي. لقد رأيته أمامي». مع ذلك لا يبدي الليبيون انزعاجاً من الطريقة التي قُتل بها «ملك الملوك»، الذي قتل الآلاف منهم خلال الانتفاضة الشعبية.

الابن أيضاً مسجّى في مصراتة، وضع بجوار جثمان والده في غرفة التبريد. هو الآخر لا تزال ظروف مقتله غير واضحة. لقد شوهد المعتصم قبيل مقتله، معتقلاً في غرفة ويدخّن سيجارة ولم يبد أنه مصاب بإصابة بالغة. في غرفة التبريد غُطّي جثمان المعتصم بغطاء أول من أمس. وخيطت الجروح التي كانت موجودة في فكه وفي رقبته.

وزير الدفاع السابق أبو بكر يونس جابر، أبت جثته أيضاً أن تفارق «قائدها» فوُضعت على محفّة بين القذافي وولده. ظهرت فيها الجروح التي سببتها طلقات الرصاص في صدره وأعلى ذراعه اليسرى. هكذا أصبحت القيادة الليبية السابقة مجموعة جثث مسجّاة تنتظر المفاوضات حول طريقة دفنها ومكانه وتوقيته.

"الأخبار": 24 تشرين الأول 2011



الأحد، ٢٣ تشرين الأول، ٢٠١١

تضاربت الروايات والموت واحد

الالتباس لا يزال سيد الموقف في قضية مقتل العقيد معمر القذافي، والروايات حول المرحلة الفاصلة ما بين اعتقاله وإعلان موته عديدة ومتضاربة. لكن بالتأكيد كان الحدث مادة دسمة لتنافس ساخن بين قناتي «العربية» و«الجزيرة» الفضائيتين



معمر عطوي

تعددت الروايات وتضاربت، لكن الموت واحد، ففي الوقت الذي تستعد فيه ليبيا اليوم لإعلان التحرير من مرحلة حكم العقيد معمر القذافي بعد 42 عاماً من الاستبداد، وبعد ثمانية أشهر من انطلاق الانتفاضة الشعبية ضد حكمه، أظهرت التغطيات الإعلامية، بوضوح، حجم الخلاف بين قيادات المرحلة الانتقالية التي تحكم ليبيا الآن. أماّ الروايات حول اعتقال القذافي وقتله فقد تعددت بتعدد المتحدثين، بيد أن ثمة إجماعاً على أنه اعتقل حياً بالقرب من سرت أول من أمس ومات بعيد اعتقاله قبل أن يساق الى محاكمة كانت مفترضة. الأمر الذي دفع المفوضية العليا لحقوق الانسان في الأمم المتحدة الى تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات مقتله. خطوة تلتقي مع ما دعت إليه أرملته، صفية القذافي، طالبة من المنظمة الدولية التحقيق في ظروف مقتل القذافي، واصفة اياه بـالمجاهد، حسبما نقلت عنها قناة «الرأي» أمس.

تبدأ الرواية بتصريح رئيس المجلس العسكري لطرابلس عبد الحكيم بلحاج، على قناة «العربية»، معلناً اعتقال الزعيم الليبي، فيما نقلت وسائل الاعلام بعد فترة وجيزة تصريحاً لرئيس المكتب التنفيذي للمجلس الانتقالي، محمود جبريل، قال فيه إنه «عندما وجدوه كان في صحة جيدة ومسلحاً». لكن «عندما تحركت الآلية علق في تبادل لاطلاق النار بين المقاتلين الموالين للقذافي وثوار وقتل برصاصة في الرأس»، مؤكداً انه كان «على قيد الحياة حتى وصوله الى المستشفى».

قناة «العربية» على المقلب الآخر كانت تستضيف على الهواء مباشرة قوات المجلس في سرت الذين لم يتردد بعضهم في توجيه انتقادات حادة لإقدام البعض على محاولة نسب الانتصار له من خلال مسارعته إلى الظهور واعلان نبأ اعتقال القذافي ووفاته، في اشارة غير مباشرة إلى بلحاج.

لكن وزير الدفاع الفرنسي جيرار لونغيه، حاول طمأنة الليبيين الى أن ظالمهم قتل بأيديهم لا بقذائف حلف شمالي الأطلسي، فالطائرات الفرنسية «أوقفت» القافلة التي كانت تنقل القذافي ومرافقيه. ثم تدخل مقاتلو المجلس الانتقالي، ليدمروا الآليات «التي أخرجوا منها القذافي».

وفي سرت، أكد مقاتل يدعى محمد الهويب شعبان لوكالة فرانس برس، أنه كان حاضراً عند أسر القذافي وانتزع منه مسدساً من ذهب. وأضاف أن القذافي كان يزحف في انبوب اسمنتي. أمرٌ أكده سائق القذافي نفسه لقناة «العربية»، بأن القذافي ووزير دفاعه أبو بكر يونس جابر وآمر الحرس الشعبي الخاص بالقذافي منصور ضو، كانوا مختبئين في إحدى هذه القنوات، بينما كان السائق في قناة أخرى. وقال إن القذافي وستة من مرافقيه كانوا يبيتون في شقة في الحي «رقم 2» في مدينة سرت وقرروا مغادرة المدينة فجر اليوم الثاني الى جهة لم يعرفها.

كذلك، تفاوتت تغطية القناتين السعودية والقطرية في ما يتعلق بالتدقيق في تفاصيل مقتل القذافي ونجله معتصم. فبينما غاب اهتمام «الجزيرة» بالتفاصيل التي تحدثت عن اعدام القذافي على الرغم من وجود فرصة لإخضاعه للمحاكمة، سلطت «العربية» على مدى ساعات الضوء على الموضوع، واستضافت الطبيب إبراهيم تيكا، الذي قال إنه فحص جثته وتبين له انه أصيب بجروح مميتة برصاصة اخترقت أحشاءه، تلتها رصاصة أخرى في الرأس. وأكد تيكا أنه «أثناء القبض على القذافي كان حياً لكنه قتل لاحقاً برصاصة اخترقت الاحشاء. وأخرى دخلت وخرجت من رأسه».

لقطات «يوتيوب» التي أصبحت سيدة المشهد الإعلامي أظهرت القذافي ذاهلاً ومخضّباً بالدماء، يناشد آسريه الرأفة: «حرام عليكم.. حرام عليكم.. إنتو ما تعرفوا الحرام؟»، فيما كان أحدهم يصوّب مسدسه الى رأس القذافي الذي بدا يمسح الدماء عن جبهته.

«الأخبار» كان لها أيضاً رواتها في مكان الحدث، فقد أشار أحد شهود العيان الى اختباء القذافي في حفرة في الحي الثاني في سرت، و«حين أُسر كان بصحة جيدة، ثم تعرّض للضرب على وجهه وكتفيه وأصيب بجراح في الرأس أثناء دفعه وضربه قبل أن يُسحب في الشوارع لاحقاً، ثم أطلقت عليه رصاصة في الرأس ووضع في سيارة إسعاف، حيث كان يلبس زياً عسكرياً». وأضاف الشاهد أن إعدام العقيد قد تم في الساعة الثانية عشرة والنصف تقريباً، وهو ما يتقاطع مع مشاهد الفيديو التي بثتها «العربية».

المرحلة التالية كانت نقل جثته في سيارة الى مسجد في مدينة مصراتة، التي ذاقت الأمرّين من جراء حصار قوات القذافي لها قبل آب الماضي. وذلك وسط إجراءات مشددة منعت الصحافيين من الدخول وتصوير الجثة قبل أن تتناقل الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي صوراً للجثة التقطت بكاميرات الهواتف المحمولة.

رواية أخرى قد تكون أقرب إلى التصديق بحكم أن من رواها هو أحد من رافق العقيد. منصور ضو، روى لـ«العربية» الساعات الأخيرة التي سبقت مقتل «الأخ القائد»، مؤكداً أن القذافي لم يكن خائفاً ولم يكن مسؤولاً أيضاً عن إدارة العمليات العسكرية، بل كان يتولاها نجله المعتصم الذي قتل أيضاً.

بدأ ضو، الذي وقع في الأسر، حديثه عن لحظة سقوط طرابلس في 20 آب الماضي، وخروج أركان النظام منها، قائلاً: «بعد سقوط طرابلس ذهبت إلى سرت ووجدت القذافي هناك أيضاً» حيث كان يتنقل بين بيوت عادية. ويتابع أن الوضع ساء كثيراً في الأيام الأخيرة مع حصار الحي الثاني في سرت وقصفه، وكانت تقيم فيه المجموعة، وهو ما دفع بهم إلى محاولة مغادرة الحي باتجاه منطقة «جارف».

في تلك الليلة الليلاء «قررنا الخروج بعدما أصبحت المنطقة غير آمنة، وكانت قوات الثوار تحاصر الحي كله. حدثت اشتباكات عنيفة أثناء محاولة الخروج إلى جارف، وبعد التحرك قليلاً طوقنا الثوار مرة أخرى، وشنوا غارات دمرت الآليات والمركبات التي كانت بحوزتنا، فاضطررنا إلى الترجل والسير في مجموعات، كل مجموعة على حدة».

في اللحظات الأخيرة غاب ضو عن الوعي بسبب اصابته في ظهره، لكن وسائل الإعلام بقيت على وعيها تنقل تلك الأنباء المتضاربة حول الساعات الأخيرة لعقيد ثبت موته المحتّم.





الجمعة، ٢١ تشرين الأول، ٢٠١١

المعتصم: من لعوب إلى مقاتل

معمر عطوي

شخصية غريبة الأطوار جمعت بين المجون والعدوانيّة، فدخلت المشهد السياسي الليبي من باب البطش وأصبحت مادة خصبة للصحافة الصفراء بممارسات باذخة إلى حد الجنون. هو المعتصم بالله القذافي (مواليد 1977)، الابن الخامس للعقيد الراحل معمر القذافي، والذي اعتُقل أمس بعد سيطرة قوات المجلس الوطني الانتقالي على مدينة سرت، حيث مسقط رأس والده ومقتله.

لعل أفضل تعبير عن حياة المعتصم ما ذكرته صديقته عارضة الأزياء الإيطالية تاليثا فون زون، بأن حياته انتقلت «من لعوب محبوب إلى مقاتل لا يرحم». فالنجل المُدلّل للعقيد، كان يفتخر في لقاءاته الخاصة بإنفاقه نحو مليوني دولار في الشهر على حفلاته ونزواته، لدرجة أنه فقد السيطرة على العديد من مصالحه التجارية الشخصية بين عامي 2001 و2005 بسبب أسفاره المتواصله.

واللافت أن من وصفه السفير الصربي لدى ليبيا بأنه «لا يتمتع بذكاء حاد»، كان يشغل منصب «مستشار الأمن القومي». إلّا أن الشاب استغل منصبه وقربه من العقيد، ليمارس الضغوط على رئيس مؤسسة النفط شكري غانم في العام 2008، طالباً منه مبلغ 1.2 مليار دولار لإنشاء وحدة عسكرية أو أمنية شبيهة بتلك التي يقودها أخوه الأصغر خميس، حسبما كشفت البرقيات المسربة من السفارة الأميركية في ليبيا ونشرها موقع «ويكيليكيس».

وعُرف عن المعتصم بالله دمويته ‏ومزاجيته المتطرفة، لدرجة أن كبار المسؤولين كانوا يخشونه، حتى إنه تعرض بالضرب المبرح للعديد منهم.

المفارقة الأهم في حياة المعتصم السياسية، هي ما كشفته وثائق نشرها موقع «المؤتمر الوطني»، تشير إلى أن مؤسسات أميركية وبريطانية أمنية تقوم بالإشراف على إعداد المعتصم ليكون قائداً أمنياً لليبيا حسب المواصفات الأميركية.

وربما لذلك ترددت أنباء عن اختفاء المعتصم لفترة من الزمن، الأمر الذي فسره بعض المراقبين بأنه خلاف مع إخوته وبعض أركان النظام، بعد محاولته الانقلاب على والده وإطاحته عن الحكم. ولعل ما يعزز حظوته الخاصة لدى الأميركيين هو أن آخر ظهور علني له كان مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في واشنطن في نيسان 2009.

أما دوره في مرحلة ما بعد انطلاق الثورة في شباط الماضي فكان يقود وحداته العسكرية الخاصة في منطقة البريقة، ويقوم شخصياً بإعدام عدد من جنود وحدته لأنهم رفضوا قتل المدنيين الأبرياء، على ما يروي بعض الشهود. اللافت أن الشاب الذي كلّفته والدته صفية بأمن الأسرة الخاص، كان قد بدأ حياته الجامعية بدراسة الطب في كلية طرابلس، التي تخرج منها من دون أن يتابع اي محاضرة، حسبما يروي معارضو نظام القذافي.

واشتهر بسلوكه غير الأخلاقي بين الليبيين، وخصوصاً مع نشر صور تظهره في أوضاع حميمة جداً مع عشيقته عارضة الأزياء الإيطالية فانيسيا هاسلير. ونشرت مواقع الانترنت العديد من أشرطة تصوّر حياته الماجنه وطريقة إنفاقه لأموال الشعب الليبي على نزواته، الأمر الذي أثار استياءه فأمر بحجب موقع «يوتيوب» وبعض المواقع الأخرى. ولعل أبرز قصص المعتصم المثيرة للجدل هي دعوته إلى طرابلس صديقته الهولندية السابقة تاليثا ( 39 سنة)، التي تعرَّف إليها في 2004 داخل ملهى إيطالي، وسط المعارك بين قوات النظام والثوار في آب الماضي، حيث أمضت هناك أسبوعين، كان خلالها يراها ليلاً في معظم الأحيان، لانشغاله نهاراً بمقاتلة الثوار.

تاليثا روت لمراسل «صنداي تلغراف» البريطانية بعض من قصتها مع المعتصم الذي أخبرها أنه ينفق: «تقريباً مليوني دولار» في الشهر. ومما قالته أنها اعتادت رؤيته في الفيلا «يجلس على أريكة وفي إحدى يديه رشاش أوتوماتيكي وكأس وسكي في الثانية». وتشير إلى أنه أنفق في حفلة أقامها ليلة رأس سنة 2009 في جزيرة «سانت بارتس» الكاريبية 4 ملايين دولار.



الأخبار: 21 تشرين الأول 2011

الأربعاء، ٥ تشرين الأول، ٢٠١١

ليبيا: صراع مبكر على هيكل السلطة

لم تنته الأزمة في ليبيا بعد، ولن يكون اعتقال العقيد معمر القذافي أو تصفيته، نهاية المطاف لبلد انعكست طبيعته الصحراوية على بيئته السياسية، فعاش التصحّر الحزبي والسياسي على مدى 42 عاماً، في ظل كتاب أخضر لم يحمل من معنى لونه أي خصوبة في الحراك السياسي والتعددية الحزبية. انتهت المعركة وبدأت عملية تقاسم المغانم بين تكتلات سياسيّة متباينة



معمر عطوي

أكد التباين الواضح في وجهات النظر بشأن تأليف الحكومة الليبية المؤقتة والخلافات الصاخبة على كعكة السلطة في البلاد، أن المجلس الوطني الانتقالي بقيادة وزير العدل السابق مصطفى عبد الجليل، ما هو إلّا إطار لتيارات متباينة في نظراتها ومنطلقاتها، بيد أن ما يجمعها هو سعيها نحو السلطة بما تملكه من قوة بشرية وعتاد عسكري وأموال وطموحات سياسية. بالتأكيد ليبيا اليوم على صفيح ساخن.

ففي بلد لم تشهد حياته السياسية سوى لجان ثورية وشعبية طوال أربعة عقود ونيف من حكم الشخص الواحد، كانت المعارضة تتمثل في شراذم من الإسلاميين الذين استطاع نظام القذافي تصفية بعضهم واحتواء البعض الآخر منذ منتصف التسعينيات، فيما كانت معارضة الخارج تتمثل بـ «الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا» التي، بسبب، ما رشح عن علاقتها مع الاستخبارات الأميركية لم تكن موضع ثقة لدى الكثيرين من معارضي سياسة القذافي خلال سنوات حكمه.

بالطبع لن تعود ليبيا الى حكم الشخص، ولا الى صورة اللجان الشعبية التي كانت تنفّذ مشيئة صاحب الكتاب الأخضر، لكن الطريق نحو الحياة الديموقراطية القائمة على التعددية الحزبية، لن تكون مفروشة بالورود. إضافة إلى ذلك، هناك العامل القبلي الذي يمثّل حساسية خاصة بالنسبة إلى الكثير من التيارات السياسية الطارئة.

المسألة لا علاقة لها بهيمنة إسلامية متشددة هنا أو بإيعاز خارجي هناك، بقدر ما تتعلق بطبيعة التشكلات السياسية وعلاقتها بالواقع الديموغرافي، الذي وإن شهد اختلافاً لجهة حق تمثيل القبائل فإنه متوحّد حول رؤية إسلامية «معتدلة»، يبشّرنا بها العديد من القادة، وعلى رأسهم رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل.

صعوبة الموقف هنا نابعة من تنافس التكتلات السياسية التي بدأت نشاطها كمجموعات عسكريّة شاركت في قتال كتائب القذافي وصولاً إلى تحرير طرابلس، وتحوّلت الى العمل السياسي، مدعومة بما حازته من رجال وسلاح، وأموال متعددة المصادر، لتضمن حقّها في كعكة السلطة الدسمة.



ثوار طرابلس



لعل ظهور رئيس «مجلس ثوار طرابلس» عبد الله الزنتاني في حديث مع صحيفة «الشرق الأوسط» هذا الأسبوع، قد أحدث صدمة أخرى، بعد صدمة ظهور قائد المجلس العسكري لثوار طرابلس عبد الحكيم بلحاج إثر تحرير باب العزيزية.

فالمنافس الرئيس لبلحاج، ليس إسلامياً بالمعنى الحركي للإسلام السياسي، لكنه يمثل قطباً آخر من أقطاب المعادلة إذا ما صحّت تصريحاته عن حجم قدراته وعناصره. لقد طالب الزنتاني بنصف مقاعد الحكومة العتيدة للثوار، مشيراً إلى أن مجلسه «يضم نحو 25 ألف عضو يمثلون مختلف ألوان الطيف السياسي والقبائلي في ليبيا»، لكنه يوضح أن القوة الحقيقية للمجلس تكمن في جناحه العسكري، الذي يضم نحو سبعة آلاف مقاتل، مسلّحين على نحو جيد.

وبدت مجموعة الزنتاني نسخة عن قوى عديدة تقوم حالياً بدور الشرطة وحماية المدنيين في طرابلس وبنغازي والعديد من المدن الليبية، في غياب قوى أمن رسمية. لذلك ستطالب هذه القوى، على غرار الزنتاني، بحصة في المعادلة السياسية الجديدة، في دحض واضح لما أعلنه عبد الجليل على أن النضال ضد نظام القذافي لا يجوز أن يكون معياراً للدخول إلى الحكومة.

فحسب رأي الزنتاني أنه «ليس صحيحاً أن المقاتلين لا يفهمون في السياسة وأنهم رجال حرب فقط، هذه فكرة خاطئة تماماً، لدينا كوادر سياسية وحتى علمية وأكاديمية مخضرمة على أعلى مستوى، يجب أن نكون في الحكومة، ويجب أن نحصل على خمسين في المئة من مقاعدها الوزارية».

الزنتاني لا يمثل حزباً إسلامياً ولا يوحي شكله بجهادي آتٍ من أفغانستان، هو رجل حليق يرتدي البزة العسكرية كما صورته الصحيفة السعودية، لكنه لا يبتعد عن الطابع الإسلامي «المعتدل» للشعب الليبي، هو يؤمن بمبادئ أهمها «أولاً حماية ثورة 17شباط، وثانياً إعادة الأمن والاستقرار، وثالثاً أن ديننا وسط لا يعرف الفتاوى ولا الديانات المستوردة من الخارج، ورابعاً العمل على تحويل ليبيا إلى دولة غنية مستقرة كما هي الحال في دول منطقة الخليج العربي أو أوروبا».



كتيبة مصراتة



مجموعة أخرى دخلت المشهد السياسي بقوة أخيراً بعدما حققت انجازات عسكريّة هائلة بصمودها في وجه حصار قوات القذافي لأسابيع في مدينة مصراتة الساحلية (شرقي طرابلس). انجازات كلّلتها هذه الكتيبة بدورها الكبير في حسم معركة طرابلس، وبما تقوم به حتى الآن على جبهتي بني وليد وسرت. هذه الكتيبة التي عُرف عناصرها بشراستهم تحولت الآن الى رافد لـ «اتحاد ثوار مدينة مصراتة»، الذي أصدر بياناً دعا فيه إلى ترشيح عبد الرحمن السويحلي، المعارض السياسي السابق، لمنصب رئيس الحكومة.



إرث «المُقاتلة»



أما العنصر الأكثر إثارة للجدل في هذا المضمار، فهو العنصر الجهادي الإسلامي، ممثلاً برئيس المجلس العسكري لمدينة طرابلس عبد الحكيم بلحاج. الشاب الأربعيني الذي تزعم في السابق أكثر التنظيمات تأثيراً في الساحة الليبية (الجماعة الإسلامية المقاتلة) منذ عام 1988، أصبح من الشخصيات المثيرة للاهتمام في وسائل الإعلام منذ تحرير باب العزيزية. لقد كان انضمام الرجل الى الانتفاضة في شباط الماضي، وظهوره في أكثر من مناسبة الى جانب زعماء المجلس الانتقالي، مؤشّراً واضحاً على دور هام مرتقب لإسلاميّين من ذوي الجذور السلفية الجهادية في المشهد السياسي المقبل. وراجت الكثير من الأنباء والتقارير عن مفاوضات بين هذا الجناح الإسلامي وواشنطن على قاعدة اعتماد نموذج إسلامي «معتدل» يوفق بين الجذور الإخوانية (الشيخ حسن البنا) والممارسة التركية للإسلام السياسي، فيما كان بلحاج يصرّ في تصريحاته على تقديم أميركا وبريطانيا اعتذاراً شخصياًّ إليه لدور أجهزة أمن البلدين في تسليمه للسلطات الليبية عام 2004 أثناء قيامه بجولة في بعض دول شرق آسيا.

بلحاج اليوم في موقع من يطالب بمنح الإسلاميين الليبيين حصة في السلطة، وخصوصاً انه يقود نحو 3000 مقاتل، حسب تقارير المراقبين. لقد حذّر بلحاج هذا الأسبوع من أن الجماعات الإسلامية لن تسمح للساسة العلمانيين بتهميشها أو باستبعادها في مرحلة ما بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي.

وكتب بلحاج، في مقال نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية الأسبوع الماضي، «علينا أن نقاوم محاولات سياسيين ليبيين استبعاد بعض الذين شاركوا في الثورة، لأن قصر النظر السياسي هذا يجعلهم غير قادرين على رؤية المخاطر الضخمة من وراء هذا الاستبعاد، أو خطورة رد فعل الأطراف التي يجري استبعادها».

وفي تهديد غير مباشر، قال عبد الله الصادق (الاسم الحركي لبلحاج) في مقاله إن «الإسلاميين الليبيين أعلنوا التزامهم بالديموقراطية، وبالرغم من ذلك رفض البعض مشاركتهم في السلطة، ودعوا إلى تهميشهم، كأنهم أرادوا من وراء ذلك دفعهم نحو خيار غير ديموقراطي».



قطر والإخوان



البصمات القطرية باتت واضحة على سجل المتغيرات السياسية التي تشهدها الساحة الليبية. ثمة عمل دؤوب تقوم به الإمارة الخليجية من أجل احتواء قوى اسلامية ومعارضة في بعض الدول العربية التي تشهد ثورات ضد الأنظمة. سياسة لا تبتعد عنها أصابع الطبّاخ التركي، الذي خبر على مدى عقود كيف يمكن الحفاظ على الجذور الدينية وممارسة البراغماتية في آن واحد. بهذا تكون قطر التي تدعم في الوقت نفسه أطرافاً ليبيين ليبراليين وقوميين، قد قربّت المسافات بين واشنطن والقاعدة الجماهيرية التي تفضّل التيارات الإسلامية المحافظة غير المتشددة، بينما ترتاح الولايات المتحدة لتحديد الطرف الذي ستتعاطى معه في المستقبل وفق قواعد جديدة للاشتباك مع الإسلام السياسي في المنطقة.

لعل دور الكاتب والمفكر الإسلامي الليبي علي الصلابي، المقيم في قطر، الذي تربطه علاقة طيبة مع حكام الدوحة، كان بمثابة المحرّك لتوطيد هذه العلاقة بين إسلاميي ليبيا وقيادة قطر، وخصوصاً أن الرجل الثاني في «المقاتلة»، هو قائد ثوار بنغازي إسماعيل الصلابي، أي شقيق الشيخ علي الصلابي.

فالشيخ الصلابي، الذي تحدثت تقارير عن دوره سابقاً في مفاوضات مع سيف الإسلام القذافي نتج عنها إصدار عفو عن الإسلاميين الليبيين بعد المراجعات لفكر الجماعة الجهادي، التي قاموا بها أثناء وجودهم في سجون النظام السابق عام 2009، شن خلال الأيام الأخيرة هجوماً شديداً على المجلس الانتقالي، مطالباً إياه باحترام إرادة الشعب الليبي.

لقد رفض الصلابي أن تؤلَّف حكومة وزير النفط فيها عاش 40 سنة من حياته في الغرب، قاصداً بذلك، علي الترهوني، الذي تحوم حوله الشبهات بتعاونه مع الاستخبارات الأميركية «سي آي إيه». لعل الخلافات التي أفشلت تأليف الحكومة حتى الآن كانت بسبب هذا التباين بين رجال السلطة الانتقالية الحالية والساسة الجدد المُفترضين لحكم البلاد. لهذا نأى بنفسه رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الانتقالي عن تأليف الحكومة الجديدة او الانخراط فيها. لقد طالبه الصلابي سابقاً بالاستقالة «لأنه لا يحظى بإجماع وطني، ولأنه لا يصلح لمنصب رئيس الوزراء».

الشيخ الصلابي، الذي اضطلع بدور مهم في تمويل المقاتلين المعارضين للقذافي وتسليحهم، هاجم جبريل بشدة في تصريح لـ «فرانس برس»، قائلاً «بدأت ملامح دولة استبدادية قادمة تلوح في الأفق يقودها جبريل تعتمد اسلوب تكميم الأفواه بالمال والسلطة». وذهب الشيخ الصلابي الى حد اتهام جبريل بـ «سرقة الثورة».

لقد بدا الصلابي بمثابة المرشد الروحي للثورة الليبية، يدلي بآرائه وتعليماته للثوار بما يصب في خدمة مشروعه الإسلامي، فقد شدد على رئيس المجلس الانتقالي بأن يأخذ بتوصيات العلماء (رئيس مجلس الإفتاء الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني)، وقادة الثوار (عبد الحكيم بلحاج).

في تعليقه على هذه الحادثة، يرى رئيس المجلس المحلي لمنطقة غريان المقرب من الإسلاميين، وحيد برشان، في حديث لوكالة فرانس برس، أن «التيار الإسلامي استطاع بالفعل ان يبعد جبريل... وعلى المجلس الانتقالي ان يقود المرحلة المقبلة ويعيد تكوين نفسه ليمثل ليبيا بالكامل».

غير أن مسؤولاً رفيع المستوى في المجلس الانتقالي يرى أن «المشكلة ليست بين العلمانيين والإسلاميين، انما جبريل يريد أن يقدم الأمور على هذا النحو للعالم»، موضحاً أن «الليبيين مسلمون معتدلون، وليس لدينا متطرفون الا بعض الأفراد». لكن في نظر الكاتب الليبرالي بشير زعبية، أن الخلاف بين التيار الإسلامي وجبريل «لم يبلغ مرحلة الصراع بعد، لكن هناك مخاوف من أن يحدث هذا الأمر».

في مقابل ذلك يرى رئيس المؤتمر الليبي للأمازيغية ذو التوجه الليبرالي، ابراهيم قرادة، في حديثه لـ «فرانس برس»، أن «طريقة تواصل جبريل مع الجميع غير متوازنة وإقصائية، وخصوصاً مع الأطراف الفاعلين في الساحة الوطنية».



الحراثي والسلاح



شخصية أخرى مثيرة للجدل هي مهدي الحراثي أحد قادة الثوار «الإسلاميين» في طرابلس، المقرّب من بلحاج. وقد نشر موقع «الشفاف» الإلكتروني خبراً يفيد أن الحراثي كان في قطر لمدة أيام، ثم رجع إلى ليبيا محمّلاً بملايين الدولارات، حيث بدأ بشراء الدبابات والآليات الثقيلة من الناس.

يبقى السؤال المشروع هنا، لمن يشتري الحراثي الأسلحة وما مصلحة الدوحة في دفع أموال لتيارات إسلامية باتت قوية على الساحة الليبية بفضل أموال الإمارة النفطية؟ المفارقة أن قطر كما وفّقت بين التناقضات دائماً في علاقاتها الدولية ها هي تدعم الطرف ونقيضه في الهضبة الأفريقية.

ربما كان عبد الجليل محقّاً في تقويمه للوضع الليبي هذه الأيام، حين قال إن «الذي عطل الحكومة هو عقلية الليبيين التي تربوا عليها خلال أكثر من 40 عاماً، فالكل يريد نصيبه من الحكومة، جهات مكانية وقبائل، اضافة الى أن هناك مدناً ترى أنها من خلال نضالها الذي نقدره، لها أفضلية».

لكن على ما يبدو أن الجميع، بمن فيهم الليبراليون والقوميون، يتنافسون على ترويج عنوان «الإسلام المعتدل» ليضمنوا حصتهم من الكعكة، فالإسلاميون المتشددون، مثل الجماعة المقاتلة، يستخدمون هذا الشعار لتبييض صفحة قديمة، أما الإخوانيّون، فيتحركون بضمانة قطرية، بينما يسعى الآخرون الى مغازلة الشعب، الذي يتفاعل مع الشعارات الدينية من دون أي دافع آيديولوجي.





--------------------------------------------------------------------------------



تيارات متعددة



يشرح الخبير الفرنسي في شؤون الإرهاب الإسلامي ماتيو غيدار، لقناة «فرانس 24، أن في ليبيا تيارات إسلامية متعددة، وليست كتلة واحدة متجانسة، مشيراً إلى 3 فروع، الأول، التيار الإسلامي التقليدي، وريث الجماعة السنوسية المتصوفة، وهو تيار شعبي لديه نفوذ واسع، وخاصة في شرق البلاد، وكان هذا التيار قد شارك بنشاط في القتال ضد الاستعمار الإيطالي. الثاني هو الفرع الذي تأثر بمواقف حركة الإخوان المسلمين في مصر، لكن شعبيته تراجعت بعد قبوله المصالحة مع السلطة. أما الفرع الثالث، فيضم عدداً من الجهاديين الإسلاميين الذين يؤمنون بالعمل المسلح، وبالرغم من قلة عدد عناصر هذا التيار، غير أنهم أثبتوا فعاليتهم في الميدان في الشهرين الماضيين، يضم الفرع الثالث بين 500 وألف مقاتل، وهو غير مرتفع مقارنةً بأمراء حرب آخرين يقودون مجموعات تتجاوز 1000 رجل. الفروع الإسلامية الثلاثة هذه لا تتفق في ما بينها ولا تنتمي إلى جبهة مشتركة. واضطروا إلى التوافق على مواجهة عدوهم المشترك معمر القذافي.


الأخبار: 5 تشرين الأول 2011

الخميس، ١٥ أيلول، ٢٠١١

زيارات «إعلان النصر» وتقاسم المغانم

يكاد الاحتفال الذي شهدته العاصمة الليبية طرابلس، أمس، بمناسبة سقوط نظام العقيد معمر القذافي، يشبه احتفالات الذكرى السنوية لإنزال النورماندي في 6 حزيران 1944، الذي نفذته القوات الجوية للحلفاء ضد القوات الألمانية النازية على الشاطئ في شمال فرنسا، قبل أن تزحف على العاصمة الألمانية برلين وتقضي على فلول الجيش النازي عام 1945




معمر عطوي


لم يكتمل المشهد الاحتفالي أمس بالنصر على قوات العقيد معمر القذافي في العاصمة الليبية طرابلس، حيث اقتصر على حضور الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، بينما لوحظ غياب الرئيس الأميركي باراك أوباما، ورئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، إضافة الى أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني. زعماء يمثلون الدول التي تصدّرت عملية تنفيذ القرار الدولي بحظر جوي فوق ليبيا.






حفل الانتصار بدا مبتوراً إن لم يكن فاشلاً، حيث أعلن رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل أن الحديث عن النصر لا يزال مبكراً طالما أن هناك جيوباً أساسية لا تزال تخضع لكتائب العقيد القذافي. الرئيس الفرنسي، الذي حضر برفقة وزير خارجيته آلان جوبيه، يأتي الى طرابلس وعينه على الانتخابات الرئاسية في العام المقبل، لعله أدى قسطه للعلى بحق الناخب الفرنسي فصدق بوعده في انهاء العملية في ليبيا بسرعة (سبعة اشهر على بدء الانتفاضة)، وبدأ يستعد لتوقيع اتفاقات استثمارية وتجارية قد يكون له فيها حصة الأسد، التي سترتد ايجاباً على الاقتصاد الفرنسي، الذي يئن تحت ضغوط الأزمة. ساركوزي بذل جهداً غير طبيعي في محاولته لمحو خطيئة وزيرة خارجية بلاده السابقة ميشيل إليو ماري التي عقدت صفقة مع النظام المخلوع في تونس لمساعدته على قمع الثوار هناك، ولعله بالغ في دعمه للثوار حين خالف القرار 1973 وزوّد الثوار بالأسلحة.


أما كاميرون، الذي أصيب بالإحراج بعدما فاحت رائحة الفساد من حكومته بسبب محاولة سابقة لبيع نظام القذافي أسلحة، من بينها بنادق قناصة قبيل بدء الثورة، فقد أتى الى العاصمة الليبية مصحوباً بقرار حكومي صدر في لندن يقضي بصرف 600 مليون جنيه استرليني (942 مليون دولار أميركي) من الأموال الليبية المجمدة لصالح المجلس الوطني الانتقالي.


لعل «تاريخية» الزيارة كما وُصفت، نابعة من كونها الزيارة الأولى لمسؤولين أجانب رفيعي المستوى الى طرابلس منذ سقوط العاصمة بأيدي الثوار في 23 آب الماضي. إضافة الى أن هاتين الدولتين، الى جانب الولايات المتحدة، كانتا من بين الدول السباقة الى تنفيذ عمليات عسكريّة في ليبيا باسم «فجر الأوديسة» قبل تسليم المهمة لحلف شمال الأطلسي تحت اسم «الحامي الموحد».


في أي حال لقد قدم الزعيمان، الأنكلوسكسوني والفرنكفوني، على نحو احتفالي مدروس جداً لحضور حفلة تقاسم الكعكة النفطية الليبية، وقد صدقهما مضيفهما عبد الجليل القول حين خصّ «الحلفاء والأصدقاء» بأن لهم الأولوية في عقود النفط، وبأن «كل من ساعد ليبيا سيكون له الأولوية في جميع الميادين، لا في قطاع الطاقة والنفط فحسب».


الزعيمان الأوروبيان حرصا على تذكير الليبيين بأن الحاجة إلى حلف الأطلسي لم تنته بعد، ففيما حذّر سيد الإليزيه من خطر القذافي لما «يمتلكه من أموال وذهب»، كرّر سيد الداوننغ ستريت معزوفة التحذير من التشدد الإسلامي. مع ذلك حرص ساركوزي وكاميرون على إضفاء طابع انساني على زيارتهما «التاريخية» بزيارة مستشفى طرابلس ومعايدة بعض جرحى الحرب، وفي تأكيد على عمق العلاقة مع السلطة الانتقالية (المعارضة السابقة) توجها الى بنغازي أيضاً.


«ضربات الأطلسي ستستمر طالما هناك خطر على الليبيين»، هذا ما أكده ساركوزي بحضور كاميرون وعبد الجليل، والرجل الثاني في المجلس الانتقالي محمود جبريل، في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس، متظاهراً بأن تدخّل بلاده في الأزمة الليبية جرى من دون مطامع، حيث ليس هناك «عقود أو اتفاقيات قد وقعت مع ليبيا في ما يتعلق بثرواتها.. وكل ما فعلناه لإنقاذ الشعب الليبي، كان علينا فعله من باب تحقيق العدالة» .


أما كاميرون، فقد أدّى دور الشهم الذي يأخذ على عاتقه مساعدة الليبيين في القضاء على القذافي، بقوله «الأمر لم ينته... سنساعدكم على العثور على القذافي وتقديمه إلى العدالة». وأضاف الرجل، الذي شاركت قوات من بلاده في عمليات تجسس واستطلاع على الأراضي الليبية، وفق ما ذكرت تقارير استخبارية عديدة وصحف بريطانية، «نحن على استعداد لتقديم العون، لكن نريد أن نعرف ما هو أهم شيء تريدونه منا... هذه هي اللحظة التي يمكن ان يتحول فيها الربيع العربي إلى الصيف العربي، ونرى الديموقراطية تزحف إلى دول أخرى أيضاً».


المفارقة أن التحذير من بقاء القذافي حراً، الذي بدت الدول الغربية قد اتخذته ذريعة لاستمرار تدخلها وعملياتها في الهضبة الأفريقية، قد دعمه تصريح للمتحدث باسم القذافي موسى ابراهيم، الذي أكد استمرار القذافي في القتال.


أما الحضور الأميركي، ورغم غياب أي مسؤول رفيع عن هذا الحفل «النورماندي»، فقد كان بمثابة المايسترو الذي يدير الأمور من خلف الكواليس. فالمساعد الأقوى لوزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان، الذي أصبح خبيراً في دس أنفه في كل قضية من قضايا الشرق الأوسط، بدأ الحفل على طريقته منذ أول من أمس، حين زار طرابلس واضعاً نقاط التحليل الأميركي على حروف التطورات الميدانية الليبية. فكما كان لفيلتمان ذلك الدور الخفي في مباشرة الهجوم على طرابلس عشية سقوط باب العزيزية، حين اجتمع بالمعارضة السابقة في معقلها ببنغازي، جاء الى طرابلس عشية الاحتفال بالنصر وتقاسم الكعكة الدسمة، ليعطي الإشارة بالتحرك نحو الخطوات التالية.


فيلتمان الذي جاء لينفي أي وجود عسكري لأميركا في ليبيا، دخل من باب حماية الأسلحة غير التقليدية التي لا تزال بحوزة الليبيين، فكما تذرع البريطانيون والفرنسيون بخطر استمرار وجود القذافي وبعض كتائبه طلقاء، وبخطر تنامي التيارات الدينية كمسوّغ لتدخل عسكري أرضي مفترض في أي لحظة على الأراضي الليبية، جاء مساعد وزير الخارجية الأميركية ليتحدث فقط عن «القوات الأميركية الموجودة الآن على الأراضي الليبية(هي) لتوفير الحماية لأفراد البعثة الدبلوماسية وتأمين السفارة الأميركية وحمايتها فقط»، لكن هذا لا يعني أن أي تدخل مستقبلي سيكون من باب «توفير الخبرات الفنية لليبيين والتعاون معهم لحماية مواقع الأسلحة غير التقليدية».


في نفس السياق، كان حديثه عن «صعوبة المهمة» التي أوكلت لقوات الأمن والشرطة، مكملاً للإيحاء بحاجة ليبيا الى خبرات بلاده العسكرية والأمنية، مجدداً التزام واشنطن بـ «مواصلة العمليات العسكرية مع حلف شمال الأطلسي، طالما الأمر يتطلب ذلك لحماية المدنيين الليبيين».


لقد بدا جلياً أن لدى أميركا جدولاً لمحاولة تطويق السلطة الليبية الواعدة بذريعة المساعدة في صد مخاطر القذافي الطليق ومحاربة الإسلاميين المتنامين في المنطقة. لعل ما ذكره مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأميركية من أن الجماعات «الإرهابية» تحاول تأسيس وجود طويل الأمد لها في ليبيا، يصب في هذا الإطار.


هذا التصريح الذي نقلته شبكة «سي إن إن» الأميركية عن المسؤول، يتضمن أن الجماعات «الإرهابية تعمل على نحو آمن على المدى القصير، لكنها تحاول إيجاد موطئ قدم لها وإنشاء شبكة داخلية على المدى البعيد».


لعل التحذيرات التي خففت من دوي الاحتفال بالنصر ترسم مستقبلاً باهتاً للثوار، الذين ربما يجدون أنفسهم أمام اتفاقيات أمنية سرية مع أجهزة الاستخبارات الغربية بحجة مقاتلة القاعدة في دول المغرب الإسلامي والصحراء الكبرى.


ولعله في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن قادة الثوار الإسلاميين الذين ساهموا في تحرير طرابلس، فرغم نأي هؤلاء بأنفسهم عن التطرف واعترافهم بإجراء مراجعات لأفكارهم التكفيرية السابقة، لا تزال واشنطن تعتقد بوجود عناصر من هذه الجماعات في المجلس الانتقالي الليبي «على الأرجح» كما قال المسؤول الذي رفض الكشف عن هويته.


يبقى الغائب الأبرز عن احتفال النصر رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، الذي فضل أن يكون مسك ختام الزيارات، حيث سيكون اليوم في طرابلس. وزيارة الزعيم التركي، الأطلسي المسلم العلماني، لها رمزية خاصة لدى الشعب الليبي، فمشاركة أنقرة في عملية «الحامي الموحد» كانت بمثابة الضمانة الإسلامية لعدم خروج العملية عن أهدافها المرسومة في حماية المدنيين، ومنع قصف مواقع مناهضي القذافي بالمدفعية، مع انها خرجت عن أهدافها مرات عديدة. فرغم تردد تركيا في البداية من المشاركة ومحاولتها اعطاء وقت للقذافي للحوار مع المعارضة، عادت لتشارك بقوة لدرجة أنها اصبحت من الدول الصديقة التي خصها عبد الجليل بحظوة في مجال الاستثمارات النفطية والعقود التجارية.


لقد كان رئيس السلطة الانتقالية في ليبيا واضحاً حين وصف أردوغان بأنه «شخصية مختلفة، فمقاربته تجاه المسلمين وردّ فعله على حصار غزة وموقفه من الحرب على لبنان والمجاعة في الصومال، أثارت اهتمام المسلمين الذين يقدّرون أردوغان فهو بتصرفاته، قد أضاف شيئا إلى شجاعة العثمانيين». وفي سياق حديثه عن مصالح تركيا في ليبيا، أكد عبد الجليل، الذي قال إن زيارة اردوغان اليوم الى طرابلس ستكون «تاريخية»، أن «عقود الشركات الليبية الموقعة خلال حكم القذافي ستكون صالحة في الحكم الجديد».


ربما كانت الدولة الاستعمارية السابقة لليبيا أيضاً من الرموز التي أدّت دوراً لافتاً في الأزمة الليبية، من دون أن تكون حاضرة في حفل تقاسم الكعكة. لقد اكتفت إيطاليا بأن يكون سفيرها الجديد الى طرابلس، جوزيبّي بوتشّينو، «أول سفير يحظى بموافقة سلطة المجلس الوطني الانتقالي».


لم تنته الاحتفالات بنصر لم يتم طالما أن السيطرة على جيوب سرت وبني وليد وسبها والقضاء على القذافي ورجاله لا تزال غير محققة، لذلك جاءت صورة احتفالات طرابلس نسخة غير كاملة عن احتفالات النورماندي، التي لا تزال محل مباهاة الحلفاء، رغم مرور اكثر من نصف قرن على حدوثها. مع الإشارة إلى أن ليبيا ليست ألمانيا.