26‏/9‏/2008

المخدّرات في إيران: موت آتٍ من الشرق




العقوبات الصارمة والتعاليم الدينية لم تمنع «السموم البيضاء»


أصبحت مشكلة إدمان المخدرات والاتجار بها تحديّاً صعباً تواجهه الحكومة الإيرانية، التي لم تفلح تعاليمها الدينية ولا فرض القواعد الأخلاقية بالقوة أحياناً كثيرة، في ردع أكثر من مليوني مواطن عن تعاطي هذه السموم. والمفارقة أن غض نظر الجمهوريّة الإسلامية عن الاحتلال الغربي لأفغانستان في عام 2001، بهدف التخلّص من عدوتها اللدود حركة طالبان، التي حكمت بلداً تبلغ طول حدوده مع إيران حوالى 900 كيلومتر، لم يخفّف من حدة أزمة التهريب عبر الحدود، بل ضاعف منها تحت أنظار قوات الاحتلال التي تُسهم على ما يبدو بشكل أو بآخر بإغراق المجتمع الإيراني بهذه المادة السامّة.

-----------------------------------------------------

معمر عطوي

ربما كان التحدّي الأكبر الذي يواجهه نظام الملالي في إيران، هو مشكلة المخدرات الآتية من الشرق، بيد أن التحدي الأكثر أهمية منه هو كيف يمكن معالجة الأسباب التي دفعت الإيرانيين، ولا سيما الشباب منهم، إلى تعاطي السموم البيضاء، في ظل سياسة اقتصادية عقيمة زادت من مستوى التضخّم ورفعت من نسبة البطالة، فضلاً عن ضيق مساحة الحريّات الشخصيّة، التي تُسهم أيضاً في صناعة أجواء الكآبة واليأس الذي يجرّ بدوره إلى ما لا تُحمد عقباه.مشكلة عبّر عنها قائد شرطة محافظة خراسان الشرقية، حميد رضا شرفي، في 13 أيلول الحالي، حين أعلن ضبط 20 طناً و430 كيلوغراماً من المخدرات في المحافظة منذ بداية العام الفارسي الحالي (20 آذار الماضي) وحتى الآن.لقد أصبحت أفغانستان أكبر منتج للأفيون (المكوّن الأساسي لإنتاج الهيرويين) في العالم، وزاد إنتاج هذه المادة هناك بواقع خمسين في المئة العام الماضي ليغطّي 90 في المئة وأكثر من الطلب العالمي، وذلك حسب تقديرات الأمم المتحدة.والمفارقة أن إيران، التي تتاخم هذا البلد المضطرب، هي «الممر الذهبي» للمخدرات من أفغانستان إلى العالم (يمر عبر أراضيها حوالى ثلثي كمية الهيرويين الآتي من أفغانستان).لكن على ما يبدو، أن قدرات الحرس الثوري الإيراني وحرس الحدود في الولايات المحاذية لباكستان وأفغانستان، لم تتمكن بعد من حسم المعركة مع عصابات الاتجار بالمخدرات، التي باتت ترتبط بتجّار الأسلحة وبالتناقضات المذهبية في هذه المنطقة التي يغلب عليها الحضور السنّي.عوامل عديدة يتداخل فيها السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي، فضلاً عن دور قوات الاحتلال الغربي المحيطة بإيران من الغرب والشرق والشمال، كلها أسهمت في جعل هذا البلد المحافظ في المرتبة الأولى لجهة استخدام المخدرات في العالم. وبحسب منظمة «اليونيسف»، فإن معدل إدمان المخدرات في إيران من أعلى المعدلات في المنطقة.إضافة إلى آثاره الاجتماعية والاقتصادية، أصبح إدمان المخدرات عاملاً أساسياً يُسهم في الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب ومرض الإيدز.

يؤكد هذه الوقائع قائد قوات الشرطة الإيرانية، العميد إسماعيل أحمدي مقدم، بقوله إن ايران تتحمّل سنوياً نفقات تصل إلى 600 مليون دولار في مكافحة المخدرات، بينما ينفق المجتمع الدولي 60 مليون دولار فقط في هذا المجال.ويوضح العميد مقدم، خلال أحد المؤتمرات التي عقدت في طهران لمناقشة هذه الأزمة، الإجراءات التي اتخذتها بلاده في مجال مكافحة المخدرات، قائلاً: «إن قوات الشرطة الإيرانية قدمت خلال العقود الثلاثة الماضية 3600 شهيد و12 ألف جريح في مجال مكافحة المخدرات». وأضاف أن المخدرات تستهدف الطبقة الشابة في كل المجتمعات وأن إيران تحمّلت نفقات كبيرة في مجال علاج مدمني المخدرات والإجراءت الأمنية.وكان تقرير آخر أعدّته هيئة الشؤون الثقافية والفنية في طهران في عام 2002، قد ذكر أن هناك نحو مليوني مدمن مخدرات في البلاد، بعضهم من تلاميذ المدارس. ويقدر أن نحو خمسة أطنان من المخدرات تستهلك يومياً في طهران.غير أن رئيس منظمة السلامة الاجتماعية الإيرانية، محمد رضا راه جمني، يكشف أن ثلاثة في المئة من مجموع السكان في إيران مدمنون حالياً للمخدرات.‏ويقول جمني، الذي رعى افتتاح المركز الصحي لمعالجة ‏مدمني المخدرات في مدينة كركان (شمال إيران) العام الماضي، إن «ثلاثة في المئة من ‏مجموع السكان البالغ عددهم حوالى 70 مليوناً، يدمنون المخدرات، وهي نسبة تمثّل 5 في المئة من مجموع السكان الراشدين».وحسب وزارة الصحة في عام 2007، تشير الإحصاءات إلى أن نسبة الشباب، بدءاً من 15 عاماً، الذين يتعاطون المخدرات في إيران، بلغ 12 في المئة. کذلك فإن 15 في المئة من الذين تتراوح أعمارهم بين 13 ـــــ 15 عاماً يدخّنون النارجيلة، في حين 3 في المئة منهم يدخنون السيجارة.

ولم تسلم النساء من هذه الآفة، إذ أظهر تقرير مستقل صدر في عام 2005 أن عدد النساء المدمنات في إيران يتراوح بين 100 و150 ألف امرأة. (أي إن 9.6 في المئة من المدمنين نساء)، بينما تتحدث وزارة الصحة الإيرانية عن وجود امرأة في مقابل 8 رجال مدمنين. فيما تقول إدارة السجون إن 50 في المئة من السجينات مدمنات.ويعزو الباحث كيم هاولز، تزايد نسبة المتعاطين، في دراسة أعدّها عن قضية المخدرات في المنطقة ونشرت في العام الماضي، إلى أن مهربي المخدرات في يومنا هذا لا يدفعون أموالاً نقدية لمن يوزعون المخدرات، بل يمنحونهم حصة من هذه السموم البيضاء، «وبالتالي هناك أسواق جديدة تبرز على طول دروب تهريب المخدرات، وهذا يعني تعلق مدمنين جدد بآفة الإدمان».

رغم العداوة التي كانت تربط بين إيران وجارتها أفغانستان إبان حكم طالبان، فإن تفاهماً بين البلدين برز إلى العلن يتعلق بدعم مشروع الزراعة البديلة للمخدرات. وقدّمت طهران في سبيله خمسين مليون دولار لدعم مشاريع لزراعة الحبوب بدلاً من المخدرات في أفغانستان، التي تبقى خاصرة إيران المؤلمة، سواء في القضايا الأمنية والسياسية أو القضايا المتعلقة بنشر السموم البيضاء بين أجيال لم تستطع العقوبات الشديدة والتعاليم الأخلاقية ردعها عن التعبير عن «حريتها» حتى بأبشع الصور الممكنة للتعبير.
المخدرات والإرهاب
يرى نائب وزير الخارجية الإيراني، مهدي صفري، أن الشباب في بلاده يدفعون ثمن فشل قوات منظمة حلف شمال الأطلسي في مكافحة إنتاج مخدر الأفيون في أفغانستان ومنع تهريبه للخارج.ويقول، في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نُشرت في 11 أيلول الجاري: «إن الوضع في أفغانستان، للأسف، يزداد سوءاً يوماً بعد يوم وقاد إلى تزايد تهريب الأفيون عبر الأراضي الإيرانية من أفغانستان وبمعدل خمسة أضعاف خلال السنوات القليلة الماضية».وبعد عودته من زيارة للندن، كشف صفري عن أن «هناك الآن 350 معملاً في أفغانستان تقوم بتحويل الأفيون إلى مخدرات أخرى، من بينها الهيرويين، وتهريبها عبر إيران، 65 في المئة منها موجودة في إقليم هلمند»، حيث تنتشر غالبية القوات البريطانية.ويشدّد المسؤول الإيراني على وجود رابط قوي بين المخدرات والإرهاب، «لأن المخدرات تموّل العمليات الإرهابية».

(يو بي آي)
الأخبار٢٦ أيلول ٢٠٠٨

20‏/9‏/2008

كوريا الشمالية تستعيد صبغتها النوويّة



أعادت العمل بمفاعل «يونغبيون» و«لم تعد راغبة» بإزالة اسمها عن «اللائحة السوداء»


لا يمكن فصل الأحداث الأخيرة، التي باتت تهدّد الاتفاق «النووي» بين بيونغ يانغ وواشنطن، عن مرض الزعيم الشيوعي، كيم ايل يونغ، الذي أثار خوف الحرس القديم على النظام في مرحلة شديدة الحساسية
معمر عطوي

أصبحت الولايات المتحدة، ومن ورائها بعض القوى المعنية بمناقشة الأزمة النووية لكوريا الشمالية، محل ارتياب في نظر بيونغ يانغ، بعد مماطلتها في تنفيذ تعهداتها التي قطعتها لـ«الدولة الحديدية» بإعطائها حوافز دبلوماسية ومساعدات اقتصادية، وإزالة اسمها عن «اللائحة السوداء» للدول الراعية للإرهاب، في مقابل تخلّيها عن الأنشطة النووية الحساسّة.لهذا قررت كوريا الشمالية أمس إعادة تشغيل المفاعل النووي في يونغبيون (شمالي العاصمة)، الذي باشرت تفكيكه الشهر الماضي، بموجب اتفاق دولي، فيما بلغت نقمتها على الولايات المتحدة درجة إعلان عدم رغبتها في شطب اسمها من اللائحة الأميركية للدول الداعمة للإرهاب.وبدت لهجة المتحدث الكوري حادةً تجاه واشنطن بقوله «الآن وقد ظهرت النيّات الأميركية الحقيقية علناً، فإن كوريا الشمالية لم تعد ترغب في سحب اسمها من لائحة الدول الداعمة للإرهاب. ولم تعد تتوقّع أن يحصل ذلك».في الواقع، أبدت واشنطن مماطلة مكشوفة في تنفيذ تعهّداتها تجاه اتفاق عام 2007، بين الدول الخمس (الصين وروسيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان)، التي تتفاوض منذ عام 2003 مع بيونغ يانغ، بشأن تفكيك برامجها النووية.مماطلة ظهرت في خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش أول آب الماضي في سيول، حين رأى أنه «من المبكر جداً» إزالة هذه الدولة من «محور الشر»، معتبراً أن عليها «بذل الكثير من الجهود» إذا أرادت أن تُشطب سريعاً عن اللائحة الأميركية «السوداء»، ومتذرّعاً بأن «انتهاكات حقوق الإنسان في الدولة الستالينية لا تزال قائمة. ولا تزال هناك خطوات إضافية يجب اتخاذها بالنسبة إلى برنامج البلوتونيوم».وبدا هذا الموقف الأميركي بمثابة تحذير مبطّن للدولة الشيوعية، التي أعلنت في 26 آب الماضي أن العمل على تفكيك المفاعل، الذي كان ينتج مادة البلوتونيوم المستخدمة في صنع قنابل نووية، قد توقّف، وأنه سيصار إلى إعادة تشغيله إذا ظلت واشنطن تتردد في تنفيذ تعهداتها.الجانب الآخر ألقى الكرة في الملعب الشمالي، إذ أعلن أحد المفاوضين الكوريين الجنوبيين الأسبوع الماضي أن كوريا الشمالية اقترحت عقد لقاء مع المسؤولين في سيول في آب الماضي للبحث في مساعدات الطاقة، غير أن بيونغ يانغ ألغت بشكل مفاجئ الاجتماع، مدّعيةً أن سبب هذا الإلغاء يعود الى ما أثير في الأسابيع الأخيرة عن «نكسة» الزعيم الشيوعي الصحيّة.في نظر الكوريين الجنوبيين، فإن الشائعات عن تدهور صحة كيم، قد تؤثّر كثيراً في مسيرة تفكيك البرنامج النووي لبلاده. إذ إن الحرس القديم يخشى من إفلات الأمور من بين أيديه في حال وفاة «أب الشعب»، وخصوصاً أن الحرس المتمثّل بالجيش تضاعفت ريبته في الفترة الأخيرة تجاه التعهدات الأميركية.وبالعودة إلى الوراء، يمكن تقدير سبب موافقة «النظام الحديدي» على وقف أنشطته النووية بالمعلومات الاستخباريّة التي سرت في كوريا الشمالية، عن إمكان رفع اسم البلد آلياً عن «اللائحة السوداء»، بعد تقديمها لائحة البرامج النووية إلى الصين (جرى في 26 حزيران الماضي).والمفارقة أن سياسة المدّ والجزر بين بيونغ يانغ، التي أجرت تجربة نووية ناجحة في خريف عام 2006، وبين واشنطن التي شكّكت في نجاح هذه التجربة، ليست حديثة العهد؛ لقد بدأت أول محادثات جوهرية بين البلدين، في عام 1993، وانتهت بتوقيع الإطار المتفق عليه، الذي جرى بموجبه إغلاق ثلاثة مفاعلات.وخلال ذلك، عقدت اجتماعات عديدة رباعية (الولايات المتحدة والكوريتان والصين) بين عامي 1997 و1999، لمناقشة مطلب كوريا الشمالية باستبدال هدنة الحرب الكورية (1950 ـــ 1953) بمعاهدة سلام، إلا أن المحادثات انهارت في نهاية المطاف. وتطورت الأزمة مع قيام بيونغ يانغ في كانون الأول 2002 بطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أزمة بدأت تأخذ منحىً دراميّاً أكثر عام 2003، حين أعلنت كوريا انسحابها من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية وأعادت تشغيل أحد المفاعلات.بيد أن هذا الوضع تغيّر في آب من العام نفسه، حين بدأت الاجتماعات السداسية، بوساطة روسية ورعاية صينية، لتتوصل إلى اتفاق عام 2007، يقضي بتزويد كوريا الشمالية بمليون طن من الوقود وحوافز أخرى، في مقابل وقفها لأنشطتها النووية الحساسّة، التي أصبحت بمثابة «فزّاعة» لدول الجوار.السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل للموقف الكوري دوافع تتعلق بمرض الزعيم، أم أن التحوّلات التي شهدها العالم، ولا سيما بعد أزمة القوقاز، قد أعادت خلط الأوراق لمصلحة المعسكر «اليساري»، فباتت المراهنة على تحسين الشروط منوطة بتغيّر سيد البيت الأبيض؟.
الأخبار: ٢٠ أيلول ٢٠٠٨

18‏/9‏/2008

اليمن ساحة لتصفية الحسابات

معمر عطوي
لم يكن الهجوم الذي استهدف السفارة الأميركية في صنعاء،أخيراً، هجوماً عابراً في بلد يشكّل عمقاً استراتيجيّاً لتنظيم «القاعدة»، حيث مسقط رأس أجداد الشيخ أسامة بن لادن. هجوم بدا محاولة التفاف على التعاون الأمني بين السلطات اليمنية والإدارة الأميركيةيندرج الهجوم الذي استهدف السفارة الأميركية في صنعاء في 17 ايلول الجاري، والذي أدى إلى سقوط 16 قتيلاً على الأقل، في سياق سلسلة من الهجمات الناجحة والفاشلة التي نفذها إسلاميون في اليمن منذ تشرين الأول 2000، حين ضُربت المدمرة الأميركية «يو. أس. أس. كول» في ميناء عدن وقتل فيها 17 بحّاراً أميركياً. ربما تختلف التسميات، لكن منفّذي الهجمات يشربون جميعاً ـــ على ما يبدو ـــ من معين تنظيم «القاعدة»؛ فقد أعلنت مجموعة «الجهاد الإسلامي في اليمن» مسؤوليتها عن الهجوم "الانتحاري". واللافت أن السفارة نفسها قد تعرضت لهجوم «فاشل» في 18 آذار الماضي، بقذائف الهاون تبنته مجموعة «كتائب جند اليمن»، وهي الفرع المحلّي لتنظيم «القاعدة».أما عن سبب استهداف السفارة الأميركية دون غيرها، فيمكن القول إن أحد هذه الأسباب على صلة بالاتفاقات الأمنية اليمنية ـــــ الأميركية، التي تعزّزت الأسبوع الماضي بحضور مساعد وزير الدفاع مايكل فيكرز الى صنعاء، حيث أجرى مع رئيس هيئة الأركان العامة اليمني أحمد الأشول، وقائد القوات الخاصة أحمد علي صالح، ابن الرئيس علي عبد الله صالح. مباحثات تطرقت إلى التعاون القائم مع الحكومة اليمنية بشأن عودة اليمنيين المعتقلين في غوانتانامو (ما يقارب 100 سجين)، و«الجهود الرامية لمكافحة الإرهاب»، حسبما أكد فيكرز، الذي ثمّن بدوره العمليات التي قامت بها أخيراً السلطات اليمنية، «التي أحبطت تهديدات إرهابية خطيرة» في البلاد.وبدا التدخّل الأميركي مستفزّاً لـ«القاعدة»، من خلال تصريحات فيكرز، الذي أشار إلى «الحاجة إلى تبنّي تشريعات قانونية فاعلة لمكافحة الإرهاب في اليمن واتخاذ تدابير أخرى كفيلة بحرمان الإرهابيين الدوليين من اتخاذ اليمن كملاذ آمن لهم».أمّا بخصوص قضية المعتقلين اليمنيين في غوانتانامو، فإن ذلك يعود الى شباط عام 2004، حين تلقّت صنعاء قائمة من واشنطن بأسماء 107 معتقلين على الجزيرة الكوبية، وتم الحديث عن مباحثات جارية لتسليم بعضهم الى بلدهم.بيد أن العلاقات الثنائية، ليست وليدة هذه التطورات التي نشأت بعد أحداث 11 أيلول، والتي عزّزها صالح بزيارة قام بها الى الولايات المتحدة بعد شهرين من الزلزال الذي هز واشنطن ونيويورك. تلاها انضمام صنعاء إلى الحرب على «الإرهاب». غير أن التعاون الأمني بين الجانبين بدأ منذ عام 1996، حين باشرت سفن الأسطولين الخامس والسادس الأميركية زياراتها الروتينية لميناء عدن، تحت عنوان «تسهيلات تجارية». بعد ذلك انخرط البلدان في برنامج تعاون أمني، تضمّن تدريب المئات من رجال الشرطة اليمنية على مكافحة الإرهاب. وكانت أول مناورة عسكرية مشتركة في آذار عام 1997.في المقابل، باتت المنظمات الإسلامية تتحرّك بشكل يبدو مريحاً، رغم كل الإجراءات الأمنية حول السفارات في صنعاء، وقرار الحكومة الأميركية منذ نيسان الماضي تقليص بعثتها الدبلوماسية في اليمن.مناخات عزّزتها تهديدات صدرت قبيل بدء شهر رمضان، عن مجموعات جهادية، باستهداف سفارات بريطانيا والسعودية والإمارات هناك.في الواقع، إن لعبة الانتقامات بين الاستخبارات الأميركية وتنظيم «القاعدة» في اليمن بلغت ذروتها، ولا سيما أن هذا التنظيم كان قد فقد أحد أهم قياداته (ثنيان الحارثي)، الذي قتل في غارة أميركية على سيارته في تشرين الثاني 2002 في قلب اليمن.إلا أن نشاط التنظيم، الذي مرّ بمرحلة ركود بعد 11 أيلول 2001، عاد الى الضوء مجدداً منذ فرار قائده في اليمن، ناصر الوحيشي (أبو بصير)، من سجن يمني في بداية عام 2006.ولطالما حذّر المسؤولون الأميركيون من «خطورة» اليمن كأرض خصبة للإسلاميين؛ عبّر عن ذلك الرئيس جورج بوش، الذي اتصل أمس بصالح لتعزيته، بمناسبة مرور ستة أشهر على تفجيرات مركز التجارة العالمي، بقوله «الولايات المتحدة تسعى لإنقاذ اليمن من التحوّل الى أفغانستان ثانية».وبحسب مسؤول استخباري أميركي، فإن اليمن، وخصوصاً محافظتي مأرب وحضرموت، يوفر قاعدة لوجستية لـ«المجاهدين» في أفغانستان والعراق وشرق أفريقيا والشرق الأقصى.لذلك بدا اليمن، الخارج من حرب ضد المتمردين الحوثيّين في شماله، ساحة هجمات شرسة لـ«القاعدة» في الأشهر الأخيرة، وساحة عمليات أمنية متقدّمة لواشنطن والغرب.
الاخبار: ١٨ أيلول ٢٠٠٨

2‏/9‏/2008

«عاصمة السلاطين»... والتناقضات

مساجد ومحجّبات وبائعات هوى وعلب ليلية








في اسطنبول تختتم الرحلة، والختام مسك كما يقول العرب. وخصوصاً لدى زيارة «عاصمة السلاطين» التي تربط الحاضر بالتاريخ وتستشرف مستقبل البلاد المقبلة على تحوّلات مفصلية تحدّد علاقتها بالاتحاد الأوروبي ودورها الجيو ــ استراتيجي لكونها جسراً للتواصل بين الشرق والغرب



إسطنبول ــ معمر عطوي
لا تكاد تطلّ على مدينة إسطنبول، حتى تبدأ تجربة الازدحام الصعبة، إذ إن انسيابية الطرقات السريعة التي تتميّز بها تركيا، والتي تستخدم لقاء بدل مالي ببطاقة إلكترونية، تجعلك تعتاد سهولة السير.في إسطنبول وضع آخر. هنا يدخل 3 ملايين سائح أيام العطلة الأسبوعية. هي ليست مدينة عادية، فلها من المميزات ما يجعلك لا تستغرب هذا الكم الهائل من روّادها وزوّارها.اهتمام زائد بالمدينة يفوق بكثير العاصمة السياسية أنقرة، التي انتقلت إليها مؤسسات الدولة بعد قيام الجمهورية التركية في عام 1923.
تختلف إسطنبول الآسيوية عن نصفها الأوروبي بأنها أكثر فقراً وأقلّ نمواً من ذلك الشطر الذي يسحرك بجمالية مداخله وفنادقه ومعالمه السياحية. لكن هذا المشهد الذي يرافقك أثناء ولوجك المدينة سرعان ما يضمحل عند بعض الأحياء مثل لالالي، الفقير الذي يذكّر بضواحي بيروت المهمّشة. في هذا الحي، الذي ينحدر من منطقة أكسراي، تنتشر القمامة على جنبات الشوارع، وتكثر بائعات الهوى في الطرق الضيقة وفي المقاهي والمطاعم.

تصطاد الفتيات الزبائن، تقودهم في «نزهة قصيرة» إلى فندق رخيص في الجوار، أو قد تبدأ النزهة بـ«غداء عمل» على إحدى طاولات المطاعم الممتدة على طول الشارع، التي يبدو أن بعضها قد تعاقد مع فتيات من أوروبا الشرقيّة لجلب الزبائن من خلال الإغراء.قد يمكن تسميتها مدينة المتناقضات حيث المساجد الكثيرة والمآذن والمحجّبات في مقابل علب الليل والمراقص والحانات والغانيات.لقد بدأ حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) الحاكم خططاً إصلاحية لتحسين وجه إسطنبول، منذ كان رئيس الحكومة الحالي، رجب طيب أردغان، رئيساً لبلدية المدينة. حينها، نجح في محاربة الفساد. لكن مشكلة الدعارة الكثيفة التي تشهدها المدينة، وبحسب قول المرشد السياحي التركي، هي في طريقها للمعالجة: «الحكومة الحالية تحاول أن تجعل إسطنبول مؤهلة لتكون إحدى أهم مدن الاتحاد الأوروبي مستقبلاً».

تشهد المدينة حركة عمرانية ضخمة وبناء فنادق فخمة، فالكثافة السكانية وحركة السياحة تدفعان قدماً إلى التطوير، وخصوصاً إذا ما علمنا أن في إسطنبول وضواحيها أكثر من 12 مليون نسمة، يعيشون على مساحة تقدّر بـ 5220 كيلومتراً مربعاً.لعل أهم أسواق المدينة، السوق المغطّى «غراند بازار». هو المكان المفضّل لدى السياح، يحتوي على 4000 محل تجاري وفيه 8 شوارع كل منها متخصص في مجال.أمّا شارع الاستقلال، فهو معلم سياحي وتجاري بحد ذاته. هو من أشهر شوارع إسطنبول، حيث يحلّ فيه يومياً ما يقارب 3 ملايين شخص. طوله تقريباً ثلاثة كيلومترات ويحوي الكثير من المباني الأثرية ومحال ملابس والمعارض والمكتبات ودور السينما والملاهي الليلية، ويخترقه مترو قديم أقيم منذ العهد العثماني. إضافة إلى ذلك، يضم الشارع العديد من السفارات والقنصليات والإدرات الهامة.تكثر في إسطنبول مطاعم المطبخ التركي الذي يشتهر بيخنات البندورة والخضار مع اللحم أو الدجاج، إلى جانب «الدونر كباب» أي الشاورما. لكن هذا لا يمنع وجود مطاعم عالمية معروفة إلى جانب مطاعم المأكولات التركية التي تنتشر بكثافة في بعض أحياء إسطنبول.الشعب التركي، رغم تعصبّه لقوميته ولغته، وأحياناً لدينه، يعطي البعض منه هامشاً للحوار والمزاح أحياناً مع الزائر، هذا ما أمكن ملاحظته في سيارة الأجرة إلى منطقة الفاتح؛ يسأل السائق عن جنسية الراكب، وعندما يجيبه «لبناني» يسأله عن حزب الله و«حماس»؛ فبالنسبة إلى معظم الناس هنا، قضية لبنان مرتبطة بقضية فلسطين عضوياً. يرفع السائق إبهامه إعجاباً قائلاً: «نصرالله قبضاي». وكثير من التجّار أو السائقين يسألون السائح عن ديانته، فإذا أجاب «أنا مسلم» قال مضيفه «الحمد لله». وقد يُسهم ذلك في خفض تعرفة السلعة أو أجرة النقل إكراماً لديانة السائح.ربما كان موقع المدينة الاستراتيجي لكونه نقطة عبور بين قارّتين قد جعلها تؤدي دوراً هاماً في العديد من المجالات السياسية والثقافية والتجارية بين آسيا وأوروبا وشمال أفريقيا، وخاصة بين المتوسط والبحر الأسود. غير أن السياحة في هذا البلد، من غير شك، هي من القطاعات الاقتصادية المهمة، بسبب دورها في الحد من العجز التجاري.لذلك، تعجّ المدينة بالسيّاح من كل حدب وصوب لتصبح مدينة «عالمية» بامتياز. هنا في إسطنبول تنتهي الرحلة، حيث يمكن السائح أن يشاهد ما لا يمكن مشاهدته في المناطق التركية الأخرى.
الأخبار: ٢ أيلول ٢٠٠٨

1‏/9‏/2008

«القسطنطينيّة» المدينة المعلّقة بين قارّتين





تحتضن «آيا صوفيا»... روعة الفنون الإسلاميّة المسيحيّة



لم يخطئ الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين حين وصف مدينة اسطنبول التركية بقوله «هناك، الإله، الإنسان، الطبيعة، والفن، كلها اجتمعت لتصنع هذه المدينة الرائعة، فعلاً إنها تستحق أن ترى»اسطنبول ــ معمر عطوي




حين تصل إلى مشارف اسطنبول، تستقبلك بهضباتها المزينة بأبنية شامخة هي عبارة عن مساجد وقصور وقلاع وفنادق تدرك عندها أنك في ربوع القسطنطينية التي يعود تاريخها إلى عام 680 قبل الميلاد، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية تاريخياً، التي اتخذت لسم «إسلامبول» و«الأستانة» بعد سيطرة العثمانيين عليها.لعلّ ما يميّز هذه المدينة الرائعة أنها جنة لا تعوزها المياه ولا الخضرة ولا وجهها الحسن. جنة حقيقية يميّزها موقعها المشرف على مضيق البوسفور. فهي إحدى المدن الضخمة القليلة في العالم التي تتقاسمها قارّتا أوروبا وآسيا، لذلك بات الجسر المعلّق الذي يربط بين الشطرين بمثابة همزة الوصل الاستراتيجية بين الشرق والغرب.خلال رحلة بحرية في مضيق البوسفور قد تستغرق حوالى ساعتين ذهاباً وإياباً، يمكن رؤية كمّ هائل ومتنوع من الأبنية التاريخية والحديثة، من قصور وقلاع ومتاحف ومنتجعات سياحية ومطاعم، تتلاصق جنباً إلى جنب على ضفتي المضيق، لا سيما على الضفة الأوروبية. المفارقة هنا أن اهتمامات بعض السيّاح قد تجاوزت البعد الاستكشافي لحضارة البلد، فبلغت من التسطيح مستوى البحث عن قصر «مهنّد»، بطل أحد المسلسلات التركية المدبلجة إلى العربية، أو القصر الذي مُثّل فيه مسلسل «نور»، فيما دأب البعض الآخر على ممارسة هوايته في التسوّق غير آبه بزيارة معلم تاريخي مثل متحف «آيا صوفيا».الزائر هنا يحتار من أين يبدأ، هل من وسط المدينة حيث شارع الاستقلال الشهير، أم من ميدان سباق الخيل «هيبودرووم» الذي تحوّل إلى حديقة خلف مسجد السلطان أحمد أو ما يعرف بـ«المسجد الأزرق» المقابل لمتحف آيا صوفيا. أم من متحف توب كابي الذي يقصده بعض السيّاح بهدف رؤية محتوياته، لا سيما بعض متعلقّات النبي محمد والخلفاء المسلمين؟أمّا «توب كابي»، أي الباب العالي، فهو أحد أهم القصور التاريخية، حيث كان مركز الخلافة العثمانية. اتخذه السلطان محمد الفاتح بعد دخوله القسطنطينية مقراً له لإدارة أمور الدولة. وتبلغ مساحته اليوم نحو 700 ألف متر مربع، يحيط به 27 برجاً وأسوار بحرية وبريّة.بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، ترك آخر السلاطين العثمانيين وحيد الدين وعائلته وسائر آل عثمان، القصر الذي تحوّل إلى متحف في العام التالي، حيث يزوره سنوياً أكثر من مليوني سائح ويضم نحو 65 ألف قطعة أثرية، وفيه أكبر قطعة ألماس في العالم (كانت بالأساس ملكاً لوالدة نابليون بونابرت).والمسجد الأزرق، الذي يمثّل إحدى التحف الرائعة بإطلالتها على البوسفور، كان قد أنشئ في عهد السلطان أحمد الأول الذي استمر حكمه بين عامي 1603 و1617، ويُعدّ من أهم مساجد اسطنبول وأجملها، يليه جامع السليمانية وجامع الفاتح وجامع بايزيد وجامع السلطان سليم.من الجهة الشمالية للمسجد الأزرق يقودك الطريق المزيّن بالورود والأشجار ونوافير المياه إلى متحف آيا صوفيا الذي يشدّك إليه من بعيد بعظمة إطلالته ذات الطابعين الإسلامي ـــ المسيحي.وكنيسة آيا صوفيا هي من تراث بيزنطيا، سيطر عليها العثمانيون وحوّلوها إلى مسجد وأضافوا إليها أربع مآذن؛ وعمدوا خلال فترة حكمهم إلى تغطية بعض رسوم المسيح وتلاميذه من دون إزالتها.تتجلى في آيا صوفيا روعة الجمال المعماري الذي يمزج بين الفنون البيزنطية المسيحية والنقوش الإسلامية، وخصوصاً بعدما حُوّل في عام 1924 على يد النظام العلماني إلى متحف.ولا يمكن تجاهل، طبعاً، جامع السليمانية الذي يُعدّ أكبر مسجد في اسطنبول، وهو مثال للأثر المعماري الآخّاذ. مساحته سبعة وثلاثين دونماً. وصرف في بنائه 996300 قطعة ذهبية. هذا المسجد الذي يعدّ أيضاً من المعالم السياحية المهمة، يملك دلالات رمزية، إذ تشير مآذنه الأربع إلى أن السلطان سليمان القانوني هو الحاكم الرابع في اسطنبول. أما الشرفات العشر الموجودة في كل مئذنة فتشير إلى أن سليمان القانوني هو السلطان العاشر في الدولة.لقد عرفت الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر تطوّراً وتقدماً في جميع مناحي الحياة، حين حكم السلطان سليمان القانوني الإمبراطوريّة لمدة 47 عاماً، وبذلك تكون فترة حكمه هي الأطول من بين سلاطين الدولة العثمانية الـ136.ثمة قصور أخرى مثل قصر السلاطين «ضولمة باهشي»، الذي يتميز بمحتوياته الرائعة وإطلالته الجميلة على البوسفور.لكن الأهم من كل ذلك هو الرحلة البحرية التي تشمل جزر الأميرات، في بحر إيجه والبحر المتوسط. الزيارة تشمل فقط أربع جزر مأهولة، أما الثلاث الباقية فتُستخدم لأغراض عسكرية. يمكن الوصول إلى هذه الجزر عبر بحر مرمرة، حيث ينتهي بك المطاف في «بيوك آضا» الشهيرة وهي الجزيرة الأكبر والأهم سياحياً، لما تتمتع به من جمال الطبيعة وترتيب المشهد، حيث تستطيع من خلال جولة على الدراجة الهوائية أو بواسطة عربة الخيل في محيط الجزيرة البالغ حوالى 12 كيلومتراً، أن تكتشف معالمها ورونقها من دون صخب أو تلوّث، لعدم وجود السيارات عليها.




عاصمة السلاطين التي دخلت عهد العثمانيين على يد السلطان محمد الثاني «الفاتح» في 24 أيار 1453، بعدما كانت في عهدة الإمبراطور قسطنطين البيزنطي. في الأصل، أنشئت على أيدي اليونانيين وسميت «بيزنطيوم». وأصبحت العاصمة الشرقية للإمبراطورية الرومانية عام 324 م، فيما أعاد قسطنطين تسميتها بروما الجديدة «نوفا روم»، ولكن هذا الاسم فشل في الحصول على الشعبية وسرعان ما أصبحت المدينة تسمى «مدينة قسطنطين» أو «القسطنطينية».

الاخبار: ١ أيلول ٢٠٠٨