30‏/6‏/2011

المعارضة الليبيّة وسياسة الاحتواء

لم تكن الدول الغربية مع بداية الثورة الليبية في 15 شباط الماضي، قد أعدّت خططها لدعم المعارضة ضد النظام الليبي، لكن ترددها لم يطل حين قفزت شهية المصالح إلى الواجهة


معمر عطوي



فيما كانت فرنسا وبريطانيا في طليعة الدول الداعية إلى التدخل في الهضبة الأفريقية، وفي مقدمة من اعترف بالمجلس الوطني الانتقالي ممثلاً للشعب الليبي، كانت الولايات المتحدة تماطل في إصدار قرار دولي يحد من قمع قوات القذافي للمتظاهرين عبر إقامة منطقة حظر جوي فوق منطقة النزاع.



مماطلة يبدو أن أحد أهم أسبابها تريّث واشنطن في معرفة هوية الثوار والخوف من تحول الأوضاع في غير مصلحتها.

على الأرض، كانت الحركة مختلفة؛ إذ حاولت دول الحلف الثلاثي (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) احتواء المعارضة، واستغلال ضعفها التسليحي والتنظيمي، لوضع أقدامها على أرض النفط الغنية.

وظهر تضارب كبير بين الدول التي تدعو إلى التدخل العسكري في الجماهيرية (فرنسا وبريطانيا وإلى حد ما إيطاليا) والدول التي تحذّر من تكرار تجربة العراق وأفغانستان (ألمانيا وتركيا وقطر والصين وبعض الدول العربية والإسلامية)، بينما وصلت معارضة روسيا للعسكرة إلى تشبيه ما يجري بدعوات الحملات الصليبية.

بيد أن تطورات الأوضاع الميدانية أعادت خلط الأوراق وصياغة التحالفات، فظهرت خلطة جديدة من شأنها تجميل صورة التدخل الغربي حتى لا يكون شبيهاً باحتلال العراق، فعمدت الدول الكبرى إلى إنشاء غطاء عربي إسلامي للعملية التي تسلمها حلف شماليّ الأطلسي من الحلف الثلاثي في 20 آذار. فشاركت قطر وإلى جانبها الإمارات وتركيا، بعملية فرض حظر جوي فوق ليبيا تحت شعار «حماية المدنيين».

وفيما رفض الرئيس الأميركي، باراك أوباما، دعوات حلفائه العرب والأوروبيّين إلى غزو ليبيا، ذكرت صحيفة «الغارديان» في 18 نيسان، أن الاتحاد الأوروبي وضع خططاً لعمليات نشر قوات عسكرية في ليبيا.

غير أن الولايات المتحدة كانت تعدّ للتدخل على طريقتها، فبدأت في 22 نيسان، باستخدام طائرات من دون طيار، فيما ظلت واشنطن وغيرها من العواصم رافضة لمبدأ تسليح الثوار بحجة إمكان وصول الأسلحة إلى تنظيمات إرهابية، وبيت القصيد هنا في إصرار الغرب على بقاء المعارضة ضعيفة حتى لا تصل إلى مرحلة إدارة الظهر للغرب وحرمانه موطئ قدم في ربوعها.

مع مطلع أيار، بدأ الانحراف عن جوهر القرار 1973 يتضّح أكثر؛ إذ تطورت عملية الأطلسي من فرض حظر جوي إلى استهداف القذافي وعائلته مباشرة في معقلهما بباب العزيزية، حيث قتل نجله سيف العرب وثلاثة من أحفاده.

وقد يكون استخدام مروحيات من دون طيار أو أخرى هجومية من طراز «أباتشي»، أو إرسال مستشارين عسكريين من إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وأميركا إلى بنغازي «لتقديم المساعدة للثوار»، جزءاً من مخطط احتواء حركة المعارضة في وجه النظام. وثمة تحركات أخرى تصب في هذا الإطار لعل أبرزها اللعب على وتر القبائل، كما حاولت إيطاليا عمله، بدعوتها التي فشلت في جمع زعماء القبائل بمؤتمر يعقد في روما. الواضح أن عودة الصين وروسيا إلى الساحة واعترافهما بدور المجلس الوطني الانتقالي شريكاً في الحوار، يسير في سياق سياسة دولية تأخذ قبل كل شيء مصالح هؤلاء اللاعبين، أقلّه اقتصادياً على المدى الطويل، ما يعني أن احتواء المعارضة مسألة لا تراجع عنها.



29‏/6‏/2011

سوريا: المعارضة والتدخّل الخارجي

الحركة الاحتجاجية في سوريا تعرضت هي الأخرى للاستغلال من الأطراف الإقليمية والدولية. ومنذ اليوم الأول حصلت محاولات خارجية لركوب موجتها. كان واضحاً أن هناك من أراد توظيف الضغط الشعبي للضغط على النظام السوري لتصفية حسابات أو الحصول على مكاسب لم يكن في الحسبان تحقيقها في الظروف العادية. لذا، برزت تسريبات في وسائل الإعلام عن تحركات خليجية تحمل رسائل غربية للحكم السوري تطالبه بفك ارتباطه بإيران ووقف دعمه للمقاومة في لبنان وفلسطين. وأخذت الضغوط الغربية شكل حملة إعلامية وسلسلة من العقوبات وتحريك الوضع السوري في مجلس الأمن الدولي.


وبرفضه التدخل الخارجي في ما يجري على الساحة السورية، اعترف اللقاء التشاوري، الذي عقد في دمشق، أول من أمس، بمشاركة نحو 200 شخصية من المعارضين للنظام السوري، بأن الحراك الشعبي الداعي إلى تطبيق إصلاحات شاملة في البلاد، يتعرّض للاختراق من دول عربية وغربية، بهدف زعزعة استقرار سوريا الحليفة للمنظمات والدول المناهضة للسياسة الأميركية في المنطقة.

المعارضة، وإن اعترفت بوجود تدخل أجنبي، رأت أن «العملية الأمنية الجارية هي التي تستدعي مثل هذه التدخلات».

ويبدو أن تصريحات واشنطن وباريس التي تقف كرأس حربة ضد السلطة في دمشق، من شأنها تشويه صورة المعارضة السلمية، أكثر من خدمتها؛ فقد أشارت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، فيكتوريا نولاند، إلى أن «العديد من المعارضين على اتصال بالسفارة الأميركية في سوريا». تصريح من شأنه إحراق ما بقي من صورة المعارضة التي تحولت إلى «مجموعات سلفيّة» أو «عناصر إرهابية مسلّحة» تارة وإلى «مندسّين» ينفذون أجندة خارجية لفك الارتباط بين المقاومة وإيران وبين دمشق.

رواية السلطة هذه تدعمها تحركات الدول الكبرى، وبعض الدول الخليجية التي وظّفت وسائل إعلامها على مدار الساعة للتحريض على النظام، بينما تحاول عدة دول أوروبية، بينها فرنسا وبريطانيا، استصدار قرار دولي يدين «قمع» السلطات للمتظاهرين. محاولة تصطدم برفض روسيا وتحفظات الصين والهند.

لكن التحرك الدولي لم يتوقف عند هذه المحاولة، فأقرّ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات أحادية: فرضت واشنطن في 19 أيار عقوبات مباشرة على الرئيس بشار الأسد وستة من كبار المسؤولين، لدورهم في «قمع الحركة الاحتجاجية». أما الاتحاد الأوروبي، فقد أعلن في العاشر من أيار الماضي، حظراً على تصدير الأسلحة والمعدات التي يمكن أن تستخدم في «قمع الاحتجاجات» إلى سوريا، وفرض عقوبات بحق 13 مسؤولاً سورياً. ثم ما لبث في 23 أيار أن قرر اتخاذ عقوبات إضافية، بينها تجميد أرصدة الرئيس بشار الأسد، ومنعه من الحصول على تأشيرات دخول على خلفية «قمع الاحتجاجات». وواصل الاتحاد الأوروبي ضغوطه على دمشق حين وسّع عقوباته لتشمل 3 مسؤولين في حراس الثورة الإيرانية بذريعة أنهم على صلة بـ«قمع المتظاهرين في سوريا».

أمام هذه التطورات، ترى دمشق أن مجموعة مواقف لدول غربية تأتي في إطار حملة الضغوط عليها «للحصول على تنازلات في مواقفها من القضايا الوطنية والإقليمية». أما المحللون فيرون أن قرارات فرض العقوبات على دمشق تهدف إلى تشجيع الاحتجاجات في سوريا، وبالتالي المساهمة في تصعيد الموقف إلى نقطة اللاعودة.

(الأخبار)

27‏/6‏/2011

«لويا جيرغا» ليبي: رغبة غربية ورفض داخلي

ثمة التباس رافق الدعوة التي وجّهها وزير خارجية إيطاليا، فرانكو فراتيني، لأكثر من 200 شخصية تمثّل القبائل الليبية الى «اجتماع موسع» في ربوعها. التباس ظهر من خلال تأجيل هذه القمة التي كانت مقررة الأسبوع الماضي، بينما أعلنت مصادر المعارضة الغاءها لأنها دعوة أحادية الجانب لم يكن المجلس الوطني الانتقالي على علم بها

معمر عطوي



رغم محاولة التلطيف التي قام بها وزير الخارجية الإيطالي، فرانكو فراتيني، للمشكلة الناتجة من دعوة بلاده إلى عقد مؤتمر للقبائل الليبية تضم «ما بين 200 و300 شخصية» في روما، بإعلانه تأجيل هذا «الاجتماع الموسّع» الذي كان مقرراً الجمعة الماضي، تؤكد مصادر المعارضة الليبية إلغاءه وليس تأجيله، لأن الدعوة أتت من الحكومة الإيطالية منفردة من دون التنسيق مع المجلس الوطني الانتقالي والقوى الوطنية الليبية المعارضة للعقيد معمر القذافي.

لقد حمل مندوب المعارضة الليبية لدى الأمم المتحدة، عبد الرحمن شلقم، الدعوة الى وجهاء وزعماء القبائل ومسؤولي المجتمع المدني في ليبيا من دون علم المجلس الوطني الذي يمثل الثوار الليبيين. هذا ما يؤكده المعارض المقيم في واشنطن، الدكتور صالح جعودة، خلال اتصال هاتفي أجرته معه «الأخبار». ففي نظر جعودة وبعض أطياف المعارضة الليبية لا يمثّل انشقاق شلقم عن العقيد معمر القذافي سبباً ليقوم بمبادرات منفردة مع حكومات أجنبية من دون الرجوع الى المجلس الانتقالي والقوى الوطنية الناشطة على الساحة الليبية.

بعض الكوادر في المعارضة الليبية لا ترى أن شلقم مؤهل الآن لأن يقوم بمبادرات كهذه،«لقد كان سفيراً لنظام العقيد معمر القذافي لدى روما لمدة عشر سنوات، ورغم أنه انضم الى الانتفاضة في آخر شباط وأصبح ممثل المعارضة في الأمم المتحدة، فهو لا يزال خارج إطار المجلس الوطني الانتقالي وليس عضواً في المجلس التنفيذي للمعارضة».

ثمة أسباب عديدة تقف وراء رفض القوى الوطنية الليبية عقد مؤتمر على هذه المنوال، وخصوصاً أن مؤتمرات أخرى للقبائل الليبية عقدت في كل من الدوحة وأبو ظبي واسطنبول ولم تكن ذات جدوى أو أثر واضح على تطورات الأوضاع إلا من حيث إعلان العديد من زعماء القبائل وقوفهم الى جانب المعارضة ضد سلطة القذافي. لعل أهم الأسباب التي يتحدث عنها الناشط الليبي هو أن «الدعوة إلى أي مؤتمر وطني لا تصح إلّا إذا كانت برعاية المجلس الوطني، وواضحة المعالم والأهداف وبالاتفاق بين القوى الوطنية في الداخل والخارج، وبناءً على لجنة تحضيرية».

أما السبب الثاني، بنظر جعودة، فهو أنه «ثبت لدينا أن هذا المؤتمر ممول من شركة نفطية إيطالية يملك النظام الليبي حصة في أسهمها، وتشارك وزارة الخارجية الإيطالية في تنظيم هذا المؤتمر وتمويله. لذلك قد تكون دعوة فراتيني من الأعمال الارتجالية التي لا يمكن القبول بها».

وفي نظر العديد من القيادات والناشطين الليبيين، كما ينقل جعودة، أن هذا النوع من المؤتمرات يفتح الباب واسعاً لتدخلات خارجية من الدول. ويفتح باب الاجتهادات للدول المعنية بالشأن الليبي، بحيث تختلط مصالح الدول مع مصالح بعض الأفراد. وينصح «كل مشايخ القبائل بألّا ينجرّوا الى اجتماعات خارج وطنهم لأن القبائلية مسألة حساسة في بلدنا. لا نريد أن يستخدم مشايخ وأعيان قبائل في جداول أعمال دول لا ندري عنها شيئاً. هذه الدول ليست جمعيات خيرية، هذه دول لها مصالحها في العمل السياسي ولا يوجد لديها نوايا طيبة». ويتساءل جعودة «لماذا يتكبد هؤلاء مصاريف؟ هي مجرد محاولة من الإيطاليين للدخول على الخط من أجل اثبات وجودهم إلى جانب القوى الأخرى».

أما المتحدث باسم المجلس المحلي لمدينة سرت التابع للمجلس الانتقالي، أبو بكر الفرجاني، فيرى من جهته، أن إلغاء المؤتمر أمر طبيعي لأنه لم يأت بالتنسيق أو بدعوة من المجلس الوطني. ويشير لـ«الأخبار» إلى أن إيطاليا تهدف من خلال عقد هذا المؤتمر التوصل الى إجماع ليبي على ضرورة وقف إطلاق النار «لدواع إنسانية»، فيما ترفض المعارضة وقف النار قبل إسقاط النظام في طرابلس.

ربما كانت دعوة فراتيني الى هذا «الاجتماع الموسّع» تؤسس لسياسة دولية جديدة من شأنها الالتفاف على القوى الشرعية التي باتت تمثل الشعب الليبي بعد ثورة 17 شباط، بما يشبه سياسة الولايات المتحدة في أفغانستان وتطويع مجلس القبائل الموسع المُسمّى «لويا جيرغا» لخدمة أهداف السياسات الدولية، بتكوين نظام على قياس تطلعات هذه الدول.

و«اللويا جيرغا»، عبارة بشتونية تعني «مجلس المصالحة الموسع»، حيث يجتمع رؤساء القبائل ووجهاؤها السياسيون والدينيون وسواهم للتشاور في حل مشاكلهم المتعلقة بشؤونهم السياسية والعامة، وتقليدياً كان يستمر اجتماعهم إلى حين التوصل إلى قرار يتخذونه بالتفاهم والإجماع، من دون تصويت رسمي.

هكذا يمكن روما، ومن وراءها من الدول التي تشارك في رسم صورة ليبيا المقبلة، أن تلعب لعبة القبائل لتطويق مساعي المجلس الانتقالي والقوى الوطنية الأخرى المعارضة لنظام القذافي. فكما أُقر الدستور الأفغاني في «اللويا جيرغا» التي عقدت في كابول في أوائل 2004، ممهدة الطريق أمام أول انتخابات رئاسية في البلاد في العام نفسه، والتي جاءت بحامد قرضاي رئيساً، قد تكون الخطة المقبلة لليبيا مشابهة لما جرى في أفغانستان بحيث يصار إلى إرضاء زعماء القبائل الذين يشكّلون ثقلاً في المشهد السياسي والديموغرافي في الهضبة الأفريقية، وذلك على حساب الأحزاب والتجمعات السياسية الحديثة.

لكن الواقع الليبي الذي يشهد الآن مرحلة تأسيس قوى جديدة للمجتمع المدني، يكشف أن نفوذ القبيلة تضاءل كثيراً. فرغم أن النظام لعب ورقة القبائل في أكثر من محطة من محطات حكم القذافي على مدى العقود السالفة، كان لثورة أيلول عام 1969 ايجابياتها في هذا الإطار (على الأقل في العقد الأول من عمرها)، إذ أعطت لتشكيلات اللجان الثورية واللجان الشعبية دوراً على حساب التوزيع القبائلي. وللتذكير، فقد تعهد القذافي ومجموعته من «الضباط الوحدويين الأحرار» بالقضاء على النزعة القبائلية فور وصولهم الى مقاليد الحكم عام 1969.

لكن هذه السياسة لم تدم طويلاً، فبعد أقل من عشر سنوات من عمر الثورة عاد القذافي ليحتمي بالقبائل في معركته لإثبات نفسه في الحكم وتحويل السلطة من سلطة مؤسساتية الى سلطة شخصانية. لقد خالف القذافي عهده وعهد رفاقه «الضباط الأحرار» بعد أقل من عقد على انتصار ثورته، حين بدأ باستبعاد قيادات مهمة من حوله وترسيخ نفسه قائداً للجماهيرية تمهيداً لأن يصبح «ملك ملوك أفريقيا» و«إمام المسلمين». لذلك ظهرت الصراعات القبائلية بنحو سافر في القوات المسلحة، حيث كانت القبائل الكبرى ممثلة في الجيش.

ومنذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي، تغلغلت القبائلية بقوة في جسم الدولة، فدخلت الى المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية واللجان الثورية والأمنية. ووجد الليبيون في ظل نظام أمني صارم، أن القبيلة هي الملاذ الوحيد للحصول على الحماية والامتيازات والحقوق.

ولعل ما يؤكد دور القبائل بما هي وقود في لعبة السلطة، ما جاء على لسان نجل العقيد القذافي، سيف الإسلام، بعيد اندلاع ثورة شباط الماضي، حين حذّر من عواقب دخول بلاده في دوامة حرب أهلية إذا استمرت الاحتجاجات على النظام، بالقول إن «القبائل ستتقاتل في ما بينها في الشوارع».

وترتبط أسماء القبائل الليبية بما قدمته من شهداء في حروب ليبيا ضد الاستعمارين التركي والإيطالي، حسبما يقول الباحث عبد الستار حتيتة، الذي يعتقد أن ليبيا فيها نحو 140 قبيلة ومجموعات عائلية لها امتدادات جغرافية عبر الحدود. لكن الباحث الليبي، فرج عبد العزيز نجم، يرى أن القبائل الكبيرة لا يتجاوز عددها الـ30 قبيلة في ليبيا.

وشكلت قبيلة القذافي (القذاذفه) مع قبيلة المقارحة وأولاد سليمان في المناطق الغربية، حلفاً في وجه القبائل الأخرى. وقبيلة القذافي قبيلة قريبة من قبيلة الورفله، التي يعتقد أن تعدادها يبلغ قرابة مليون نسمة. أما المقارحة الذين يتمركزون في سبها، فقد شغل ابنهم، عبد السلام جلود، موقع الرجل الثاني في ليبيا بعد القذافي لسنوات طويلة بعد ثورة 1969.

ولا تزال قيادة المقارحة من المؤيدين للنظام لأنها تعتقد أن القذافي جهد لاستعادة ابنها، عبد الباسط، من سجنه في اسكتلندا، بعدما أدين بتفجير طائرة لوكربي. لكن اللافت أن الاحتجاجات الأخيرة على سياسة القذافي جذبت عدداً من أبناء المقارحة، وخصوصاً في المدن الواقعة شرقي العاصمة طرابلس وجنوبها.

وفي المقابل، ترتبط قبيلة الورفله بعلاقات قوية مع قبيلة الزنتان (من بلدة زنتان)، التي تبعد نحو 120 كيلومتراً الى الجنوب من طرابلس، وهي أولى المدن في غرب ليبيا التي تلتحق بالثورة ضد القذافي. وهذا لا ينفي أن بعض أبناء قبائل القذاذفة والأورفلة وأولاد سليمان والمقارحة هم مع الثوار ضد القذافي. وقبائل زوية وورفلة والمقارحة تتركز في منطقة فزان ومناطق جنوب وشرق وغرب طرابلس، تأتي بعدها قبيلة مسلاتة، ثم بعض قبائل طرابلس الذين تنتمي غالبيتهم إلى قبائل مصراتة.

أما «قبائل مصراتة»، المدينة المحاصرة من كتائب القذافي منذ أكثر من شهرين، فهناك ما يعرف بـ«الأهالي» وأولاد المحجوب، وأولاد بعيو وزمورة، والكوافي، والدبابسة والزواوية والصوالح والجرشة.

وفي المقابل، تقف معظم القبائل الليبية الأخرى، وخصوصاً في الشرق وفي الجبل الغربي وجبل نفوسة، إلى جانب قيادة المجلس الوطني الانتقالي، حسبما يذكر الفرجاني ابن مدينة سرت. وقبيلة الفرجان تتمركز في ترهونة وسرت وزليتن وطرابلس (غرب) وهي من القبائل التي ساندت الثوار.

أما أقوى قبيلة ليبية فهي «العواقير»، التي يمتد انتشارها من بنغازي حتى الحدود المصرية ـــــ الليبية في الشرق. ويتكثف تواجد «العواقير» في منطقة البطنان وباقي منطقة برقة. وعُرف عن رجالها وقوفهم في وجه الاستعمار الإيطالي والسلطة العثمانية.

وكان لعدد من أبناء العواقير حضور لافت في المواقع السياسية أيام النظام الملكي السابق وخلال فترة حكم القذافي. تولى بعض منهم مواقع قيادية في الدولة، منها مواقع وزارية. وكان الشيخ عبد الحميد العيار، (أحد زعماء هذه القبيلة) رئيساً لمجلس الشيوخ في عهد الملك محمد بن ادريس السنوسي. أما ابن «العواقير» عبد الونيس العيار، فقد اتهم بتدبير انقلاب عسكري ضد الملك.

ومن أشهر القبائل في منطقة برقة التي تضم غالبية مدن الشرق، هناك الكراغلة والتواجير والرملة. وفي طبرق وما حولها وحتى نواحي منطقة بنينة، وبالقرب من بنغازي، تنتشر قبائل أخرى منها العبيدات، التي تتكون من نحو 15 عشيرة، وتعد من أقوى قبائل برقة. أما قبيلة المجابرة، فتتركز في مناطق جنوب غرب طرابلس قرب منطقة الجبل الغربي، لكن عدداً من مشايخ هذه القبيلة يقيم في بنغازي كالعشيرة التي ينتمي إليها وزير الدفاع أبو بكر يونس جابر.

من الواضح أن تقسيم القبائل الليبية بحسب المساحة الجغرافية قد تشوبه بعض التعقيدات، بحيث يتداخل انتشار بعض القبائل المهمة بين شرق وغرب وجنوب، ما يؤكد أن الولاء السياسي لا يستقيم وفق التقسيم القبائلي بنحو تام، إذ تبقى هناك بعض الجيوب التي تحتضن أبناء قبائل موالية للسلطة في مناطق المعارضة وبالعكس. وقد تؤدي المصالح الاقتصادية والضغوط الأمنية دوراً في تحويل موقف زعماء هذه القبيلة أو تلك لهذا الطرف او ذاك حسب طبيعة إقامة الجزء الأكبر من أبنائها. لكن في أي حال لا يمكن «لويا جيرغا» على الطريقة الليبية أن ينجح بحكم وجود تعقيدات جغرافية وبسبب عدم توافر إرادة سياسية لدى المعارضين لجعل القبائل بديلاً عن المؤسسات السياسية التي تضم كافة أبناء الشعب الليبي.



جعودة: لا للصفقات السريّة



يرى المعارض الليبي صالح جعودة أن المجلس الوطني الانتقالي له مهمة انتقالية واضحة ولا يمكنه اتخاذ خطوات منفردة بعيداً عن التنسيق والاتفاق مع القوى الوطنية الليبية المعارضة لنظام العقيد معمر القذافي.

من هنا ينتقد جعودة ما تسرب من أنباء عن مفاوضات تقوم بها أطراف من المعارضة مع السلطة الليبية في بعض العواصم. ويشير الى أن بعض المفاوضات وصلت الى الاتفاق على أن يبقى القذافي في ليبيا، ويقيم في مزرعة يملكها داخل قرية تقع جنوب غرب البلاد. ويكشف جعودة ان هذه المزرعة هي المكان الذي يخبئ فيه القذافي الثروات التي نهبها من الشعب الليبي من أموال وسبائك ذهبية.

ويحذّر المعارض المقيم في واشنطن من أن أي اتفاق بين شخصيات في المعارضة وسلطة القذافي وأسرته قد يسبب مشاكل في داخل الصف الواحد، لأن معظم قوى المعارضة ترفض أن تحل الأمور بصفقات سرية «لأن هذه الصفقات تتعلق بمصير شعب».



24‏/6‏/2011

باب العزيزيّة... حصن العقيد

ثكنة تحتوي على مقارّ أمنيّة وسراديب وصالة أفراح

في الضاحية الجنوبية من العاصمة الليبية طرابلس وعند دوّار تتفرّع منه طرقات تؤدي الى الأماكن الرئيسية مثل المطار والساحة الخضراء (وسط) وشاطئ البحر والمستشفى العسكري وأحد الفنادق الفخمة، يقع مجمّع باب العزيزية، حيث معقل الزعيم الليبي معمر القذافي. موقع محصّن ومزوّد بكافة التجهيزات والمعدات العسكرية والحصون والسراديب والخنادق، التي يحتمي فيها «الأخ القائد» من غضب شعبه وغارات حلف شمال الأطلسي. المفارقة أن تسمية هذا المجمّع الضخم أتت من كون مدخله الأساسي كان واحداً من اثني عشر باباً من أبواب طرابلس، إلا أنه دخل التاريخ منذ قصفه الأميركيّون عام 1986... ولا يزال

18‏/6‏/2011

رامي مخلوف: "السيّد 5 في المئة"





«Mr five percent» هكذا يسمّونه في أروقة العملة والاقتصاد في سوريا، فمن لا يعرف رامي مخلوف الذي ارتبط اسمه بالفساد وأصبح الهدف الثاني بعد النظام للمحتجيّن السوريين؟ هو ابن خال الرئيس بشار الأسد والذي قرر منذ يومين تحويل بعض ممتلكاته الى ذوي الدخل المحدود

معمر عطوي



لم تكن الاحتجاجات الشعبيّة التي شهدتها العديد من المدن السورية منذ آذار الماضي سوى محطة من محطات وضع اليد على الجرح الاقتصادي السوري الذي ارتبط باسم أحد أنسباء الأسرة الحاكمة، بما هو رمز للفساد والمحسوبيات، ونتيجة واضحة لوثيقة زواج بين الأمن والثروة. رامي محمد مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، رجل الأعمال المعروف بأنه ظل النظام المالي، وصورته الاقتصادية التي لا يمر أي مشروع في البلاد إلّا من خلالها وبعد موافقتها أو مشاركتها. هو الشاب الأربعيني الذي أعلن أول من أمس أنه سيترك العمل في التجارة ليشارك في الأعمال الخيرية.



إعلان لم يكن ليكون لولا استفحال المواجهات بين النظام والشعب على خلفية صدور لائحة مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية أصبحت محاكمة مخلوف على رأسها.

أول الغيث كان بقرار خارجي حين أدرجت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مخلوف على قائمة العقوبات التي تشمل تجميد الأصول والمنع من السفر.

وأصبح مخلوف المتهم الأول بعد النظام بإفقار السوريين ونهب ثرواتهم والسبب في هجرة العديد من المستثمرين الذي ضاقوا ذرعاً بتدخلاته ومحاولاته المشاركة أو وضع اليد على أي وكالة لماركة عالمية أو مشروع اقتصادي يدخل الى سوريا. لكن الاقتصادي الشاب رد بعصبية على مطالبات الشعب بمحاسبته على أعماله، محذراً اسرائيل والغرب بقوله «لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا».

لكن تطور المواجهات وسقوط المزيد من الضحايا على مذبح انتهاكاته لثروات السوريين، جعلت الرجل يبحث عن وسيلة للتنفيس بدلاً من الإثارة التي ارتدّت سلباً عليه بتصريحه السابق، فأعلن أنه لن يدخل في أي مشاريع جديدة تدر عليه ربحاً شخصياً، وأنه سيطرح جزءاً مما يملكه من أسهم في شركة الاتصالات السورية قريباً لذوي الدخل المحدود للاكتتاب العام. وفي ما يبدو أنه استجابة لنقد قد يكون وجّهه اليه الرئيس بشار الأسد، قال مخلوف «لن أسمح بأن أكون عبئاً على سوريا ولا على شعبها ورئيسها بعد اليوم».

وفي تقرير عن رامي مخلوف أعدّته صحيفة «نيويورك تايمز» في الأيام الأخيرة تحت عنوان «رجل الأعمال السوري يصبح مغناطيساً للغاضبين والمنشقّين»، وصف مخلوف بأنه «مصرفي أسرة الأسد» و«السيد 5 في المئة»، في اشارة الى العمولات التي يحصل عليها من كل مشروع يدخل البلاد.

المفارقة أن الرجل في أعين مؤيديه هو محل مديح وثناء لما يقوم به من استثمارات ومشاريع توظيف للشباب، لكنه بنظر معارضيه هو لص ناهب لثروات سوريا ومحتكر لقطاعاتها الاقتصادية. لذلك كان من الطبيعي أن يرفع المواطنون في درعا وغيرها من المدن «رامي مخلوف يسرقنا» مع التذكير بأن زوجة مخلوف هي ابنة محافظة درعا.

لم تتوان «نيويورك تايمز» عن وصفه بأنه النسخة السورية عن أحمد عز في مصر أو ليلى طرابلسي في تونس. لقد اصبح اسمه مرتبطاً بالمطالب الإصلاحية بعدما «حوّل الاقتصاد السوري من الاشتراكية إلى الرأسمالية، ما جعل الفقراء أكثر فقراً والأغنياء أكثر ثراءً وبنحو خيالي»، على حد وصف الصحيفة الأميركية.

وتنقل «نيويورك تايمز» عن محلل سياسي سوري لم تذكر اسمه قوله إن رامي مخلوف «هو رمز للنظام في الجانب الاقتصادي... انهم يكرهون عملاء الاستخبارات ورامي مخلوف».

ويبدو أن مخلوف لم يتوقف عمله على الشأن الاقتصادي، فقد استخدم نفوذه المتولد من قرابته لآل الأسد ومن قوته الاقتصادية التي لا تقدّر، من أجل «التلاعب بالنظام القضائي، واستخدام الاستخبارات السورية لترهيب منافسيه»، بحسب ما جاء في مسوغ قرار للعقوبات بحقه صدر عن الحكومة الأميركية عام 2008. وذلك بعد اتهامه بالعمل على رفع الحصانة عن النائب رياض سيف وسجنه لمدة سبع سنوات لمجرد أنه تجرأ وسأل عن مخالفات شركة «سيرياتيل»، التي يمتلكها مخلوف.

نفوذ ابن خال بشار الأسد، الذي أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إدراج عدد من شركاته على لائحة الإرهاب، هو نتيجة علاقة عميقة وتاريخية بين والده محمد مخلوف والرئيس الراحل حافظ الأسد، الذي أفسح أمام «أبو رامي» المجال لـ«الاستفادة»، بدعم من الأسد شخصياً، حيث تسلم مخلوف الأب إدارة «الريجي»، ثم المصرف العقاري.

لكن مخلوف الابن كان «محظوظاً» أكثر، إذ تولى حصرياً تجارة السجائر، من لبنان إلى سوريا، عبر معبر الجدَيدة، وأنشأ لاحقاً شركة «غوتا» التي تولّت التفاوض مع شركات السجائر والمشروبات الكحولية الأجنبية لترتيب الوكالات لها في السوق الحرة التي سيطر عليها بدعم من النظام.

في سنة 1998 طرحت وزارة المواصلات السورية مناقصة «صورية» لتشغيل قطاع الهاتف الخلوي، ظهر فيها رامي مخلوف شريكاً لشركة «أوراسكوم» المصرية لصاحبها المليونير نجيب ساويروس، لكن مخلوف ما لبث ان اختلف مع ساويروس فصودرت أموال الشركة المصرية في سوريا، ووضع عليها حارسان قضائيان هما إيهاب مخلوف (شقيق رامي)، ونادر قلعي (مدير أعمال رامي). لكن التهديد باللجوء إلى التحكيم الدولي دفع إلى الإعلان عن «حل ودي» للخلاف في تموز 2003، بحيث باتت شركة «سيرياتل» التي يمتلكها مخلوف، إحدى شركتين تشغلان الهاتف المحمول في سوريا.

وتسيطر «سيرياتل» حالياً على 55 في المئة من السوق المحلية، ولديها مليون ونصف مليون مشترك، بينما تركت الحصة الباقية لشركة «أريبا». ويملك مخلوف أيضاً شركة «راماك» التي تعمل في المجال العقاري، وتلتزم مشاريع كبرى بمناقصات وهمية، وأخيراً أسس في سوريا شركة «شام القابضة»، بالشراكة بين عماد غريواتي، وهي شركة تعمل في الاستثمار السياحي. ولمخلوف استثمارات في قطاع الإسمنت والغاز والنفط. وله أكثر من نصف أسهم مصرف المشرق الاستثماري، وشركة «الكورنيش السياحية» لإقامة المشاريع التجارية والخدمية.

حاول مخلوف السيطرة على قطاع تجارة السيارات، لكنه اصطدم بشركة أبناء عمر سنقر، الوكيل الحصري لسيارات مرسيدس الألمانية، وقد وقفت «مرسيدس» إلى جانب سنقر، ما دفع الحكومة السورية إلى إلغاء الوكالات الحصرية، وفرض عقوبات على «مرسيدس». كذلك استولى مخلوف على وكالة BMW وصارت وزارة الدفاع «ملزمة» بشراء السيارات للضباط المسرّحين والمتقاعدين برتبة لواء وعميد منه. وأسس مخلوف شركة خاصة لمراقبة تطابق السيارات المستوردة مع المواصفات الحكومية، بالشراكة مع نجل الرئيس اللبناني السابق، إميل إميل لحود.

وكانت أعماله المشبوهة مثل تبييض الأموال، سبباً في منعه من الاستثمار في أوكرانيا. لكنه استطاع الفوز باستثمار كبير في مجال الاتصالات في اليمن، وقد يكون الاستثمار الخارجي الأهم لمخلوف قد بدأ مع اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري، حيث حوّل الأول قسماً من أمواله إلى دبي، واشترى برجين، سجّل أحدهما باسم زوجته والآخر باسم أولاده.

ويقال إن مالك صحيفة «الوطن» ضالع بفضيحة بنك المدينة اللبناني الشهيرة. وقيل عنه إنه وضع يده على آثار سورية نادرة وكنوز لا تقدر بثمن، عُثر عليها في جانب باب توما في دمشق، وبيعت في الخارج بمبالغ طائلة. ويكشف العارفون بشؤون البيت السوري أن من لا يشارك مخلوف بأعماله التجارية الكبرى يصب عليه سيل من الاتهامات وتُسلط عليه جميع أنواع الابتزاز من وزارة تموين وجمارك ومفتشين وغيره حتى يضطر إلى مشاركته أو تصفية أعماله والخروج خارج سوريا.

لعل آخر ألعاب مخلوف الخطيرة، التي تبين حجم قوته المؤثرة في صنع القرار في دمشق، ما فعله في شهر نيسان الماضي في رد فعل على الاحتجاجات التي شهدتها سوريا. فقد كشف مصدر مصرفي لبناني عن «لعبة» أقدم عليها مخلوف في 30/4/2011، حين عمد إلى سحب عشرات الملايين من الدولارات من السوق السورية دفعة واحدة، وخلال بضع ساعات فقط، من خلال شرائها بالليرة السورية وتحويلها إلى لبنان ودبي. لكنه عاد لضخ كمية أكبر من الدولارات المسحوبة عصر اليوم نفسه، في السوق السورية مرة أخرى. وهو ما أدى إلى إصابة سوق الصرف السوري خلال اليوم المذكور بحالة ذعر لا سابق لها منذ عقود، وإلى خسارة الليرة نحو 13 في المئة من قيمتها خلال بضع ساعات.

الشاب الثري الذي لا يظهر حرجاً في التعبير عن رغبته في بدء الاصلاح رغم أنه الهدف الأول لهذه العملية، لم يجد في صفحاته الكثيرة أي نقطة سوداء ينتقد من خلالها ولو بعضاً من ممارساته، ففي حديث صحافي عن هدف الولايات المتحدة من وضعه على لائحة العقوبات عام 2008، اكتفى مخلوف بالإجابة «لأن الرئيس هو ابن عمتي، أو لأنني ابن خال الرئيس. نقطة على السطر».























2‏/6‏/2011

يوميّات ثورة لم تنتهِ: مئة يوم هزّت عرش القذافي

لم يكن أحد من المراقبين يتوقع أن تستنسخ الثورتان المصرية والتونسية ثورة جديدة بينهما، ظلت طوال أربعين عاماً حلماً يختبئ في أقبية ثورة الفاتح من سبتمبر منذ أن حوّلها العقيد معمر القذافي إلى مزرعة على قائمة ممتلكاته الخاصة، ولم يكن أحد ليتوقع أن العقيد الذي ساند الرئيسين التونسي والمصري، سيكون الهدف الثالث لربيع الثورات العربية




معمر عطوي

ربما استطاع الزعيم الليبي معمر القذافي تحويل الثورة الشعبية الجديدة، التي بزغت في 15 شباط، إلى حرب أهلية دخل فيها العامل القبائلي عنصراً أساسياً لتقسيم ليبيا إلى شطرين: الأول في الغرب تحكمه السلطة من طرابلس، والثاني في الشرق تحكمه المعارضة من بنغازي. بيد أن الحقيقة تكمن في الخامس عشر من شباط، تاريخ بدء الاحتجاجات التي قادها المحامون والشباب الجامعي من بنغازي، ثانية كبرى المدن الليبية، ما أسس لتنظيم يوم للغضب في 17 شباط، للمطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومزيد من الحريات.



وبحكم العلاقة التاريخية الفاترة بين الشرق والنظام، كانت بنغازي أول مدينة تعلن تحررها من هيمنة السلطة في طرابلس، وتسلّم أمورها للمعارضة المتكونة حديثاً، لتصبح معقل الثوار الليبيين.

ومع انشقاق العديد من القيادات السياسية والعسكرية والدبلوماسية عن نظام العقيد القذافي، توسعت دائرة المعارضة لتستولي على البيضاء والبريقة وأجدابيا وطبرق وباقي المناطق الشرقية. وتطور الأمر في 24 شباط، حين سقطت مناطق عديدة في محيط العاصمة الليبية طرابلس بيد الثوار ومن بينها منطقة الزاوية.

في هذه الأثناء، كانت قوات الزعيم الليبي تستخدم كل الوسائل بما فيها القصف الجوي لقمع المعارضة، ما حفّز مجلس حقوق الإنسان في جنيف، في الخامس والعشرين من شباط، لإصدار قرار يقضي بتأليف لجنة لتقصي الحقائق بشأن جرائم القذافي بحق الإنسانية، موصياً الجمعية العامة للأمم المتحدة بتعليق عضوية ليبيا في المجلس.

المعارضة الليبية التي وجدت نفسها أمام واقع جديد في ظل عدم وجود تصور واحد، استوعبت كل التيارات المعارضة في إطار «المجلس الوطني الانتقالي الليبي المؤقت»، وولد هذا المجلس في 27 شباط بناءً على التوافق بين المجالس البلدية في مختلف المناطق المُحرّرة.

في الوقت نفسه، كانت الدول الكبرى مشغولة في كيفية امتصاص غضب الشعب الليبي أمام مجازر النظام، وخصوصاً في ظل تردد العديد من هذه الدول في مساعدة المعارضة. ورغم أن فرنسا وبريطانيا كانتا أولى الدول المعترفة بالمجلس الوطني، كانت الولايات المتحدة تماطل في إصدار قرار دولي يحد من قمع قوات القذافي للمتظاهرين. لذلك، كان تنفيس الاحتقان من خلال القرار 1970 الذي صدر في 27 شباط عن مجلس الأمن الدولي بإجماع أعضائه الـ15. قرار قضى بفرض عقوبات قاسية على الزعيم الليبي وعائلته ومقربين من نظامه شملت 16 شخصاً مُنِعوا من السفر إلى أراضي الدول الأعضاء، وفرض حظراً على بيع الأسلحة والذخائر لليبيا.

وفيما كان العديد من أركان النظام، بمن فيهم وزراء ودبلوماسيون وضباط كبار قد انضموا إلى المعارضة، اختار المجلس الانتقالي في الخامس من آذار، وزير العدل المنشق مصطفى عبد الجليل، رئيساً، وعبد الحفيظ غوقة، نائباً له وناطقاً رسمياً باسم المجلس.

ولكي لا يكون التدخل الغربي في ليبيا شبيهاً باحتلال العراق، عمدت الدول الكبرى إلى إنشاء غطاء عربي يسوّغ أي تحرك عسكري في الهضبة الأفريقية، فكانت قطر وإلى جانبها الإمارات والأردن، في طليعة الدول المطالبة بفرض منطقة حظر جوي فوق البلاد.

هذه المحادثات المكثفة التي سبقت اتخاذ قرار في مجلس الأمن بهذا الخصوص، دفعت الزعيم الليبي في الثامن من آذار، إلى التحذير من فرض حظر جوي، مهدّداً بأن الشعب كله سيقاتل، وأن انهيار الاستقرار في ليبيا سينعكس على أوروبا وعلى منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها إسرائيل.

وعمد القذافي إلى توظيف عناصر أجنبية في حربه ضد معارضيه، ففي 12 آذار، كان اعتقال أول دفعة من المرتزقة الأفارقة.

المواقف الدولية كانت متفاوتة لجهة التدخل الغربي في ليبيا، ولا سيما الموقف التركي، ففي 13 آذار، أعلن رئيس الوزراء التركي، رجب طيّب أردوغان، أن قيام حلف شمالي الأطلسي بأي عملية عسكرية في ليبيا لن يكون مفيداً وسيكون محفوفاً بالمخاطر.

لكن التدخل العربي مهّد لظهور قرار دولي جديد، واجتمع وزراء خارجية الجامعة العربية في القاهرة في 13 آذار. وطالبوا بانعقاد مجلس الأمن لإصدار قرار بفرض حظر جوي على ليبيا.

النتيجة كانت في 17 آذار، حين تبنى مجلس الأمن القرار (1973) الذي يقضي بفرض حظر طيران فوق الأجواء الليبية واتخاذ كل الإجراءات الضرورية لحماية المدنيين. وامتنعت كل من روسيا والصين وألمانيا والبرازيل والهند عن التصويت.

الرد الليبي الرسمي جاء على لسان الزعيم الليبي في 20 آذار، حيث أعلن تسليح الشعب الليبي، وقال إن ليبيا أصبحت «جمراً».

وفي اليوم نفسه، أعلن رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية، الأميرال مايكل مولن، أن القوات المشاركة في عملية «فجر الأوديسا» بدأت فعلياً تطبيق منطقة الحظر الجوي فوق ليبيا، وذلك بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، فيما قررت قطر نشر أربع طائرات في الأجواء الليبية. وغداة هذه التطورات، وصف رئيس الوزراء الروسي، فلاديمير بوتين، القرار الدولي بأنه «ناقص ومعيب»، وقال إنه «يشبه دعوات العصور الوسطى لحملات صليبية».

المعارضة بدورها سرّعت من وتيرة تنظيم صفوفها للحد من الفوضى الحاصلة في الميدان، فقامت في 22 آذار، بتعيين محمود جبريل رئيساً لحكومة مؤقتة.

غداة ذلك، تبدّل الموقف التركي تجاه نظام القذافي، فحثّ الرئيس عبد الله غول، الزعيم الليبي على التنحّي لوقف حمام الدم في بلاده ومنع تحوّل ليبيا إلى عراق آخر، فيما أكّد رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان، أن تركيا «لن تكون إطلاقاً من يسدّد فوهة سلاح إلى الشعب الليبي». تزامن هذا الموقف مع إعلان رئيس الوزراء البريطاني، دايفيد كاميرون، أن الكويت والأردن سيقدّمان «دعماً لوجستياً» للعمليات الدولية في الجماهيرية.

وبعد نحو شهر من تولي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا قيادة العمليات، تولى حلف الأطلسي في 20 آذار قيادة كل العمليات العسكرية في ليبيا.

على الضفة المقابلة، كانت الانشقاقات على مستوى المسؤولين والقبائل تتوالى عن نظام العقيد. ففي 31 آذار، أعلن المتحدث باسم الحكومة الليبية، موسى إبراهيم، استقالة وزير الخارجية، موسى كوسا.

وكانت الدول الغربية تحاول جسّ نبض المعارضة لجهة التعاون معها ضد النظام، فأرسلت في بدايات أيام الثورة دبلوماسيين للتفاوض مع قيادة بنغازي بالتزامن مع إرسال ضباط من الوحدات الخاصة ألقى الثوار القبض عليهم ورُحِّلوا. وجاء تأكيد هذه التطورات في 31 آذار، حين نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين، قولهم إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، أدخلت عناصر سرية إلى ليبيا لجمع معلومات استخبارية عن الهجمات العسكرية والاتصال بمناهضي القذافي.

وتباينت المواقف الدولية تجاه طريقة التعاطي مع القذافي، بعد قصف منطقة باب العزيزية التي فيها العقيد الليبي، بين من يدعو إلى التخلص منه ومن يدعو إلى ترحيله. ففي الخامس من نيسان، حسمت باريس موقفها تجاه هذه المسألة، حيث أعلن وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، أن هدف التدخل العسكري الدولي في ليبيا «ليس قتل القذافي»، بل إضعاف آلة القمع التي يستخدمها لوقف غارات حلف شمالي الأطلسي في أقرب وقت.

وفيما كانت الولايات المتحدة تحاول إظهار نفسها أنها بمنأى عن التدخل العسكري في ليبيا، رفض الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في 16 نيسان، دعوات حلفائه العرب والأوروبيّين إلى غزو ليبيا. لكن رغم هذه التصريحات، ذكرت صحيفة «الغارديان» في 18 نيسان، أن الاتحاد الأوروبي وضع خططاً لعمليات نشر قوات عسكرية في ليبيا.

وفي 22 نيسان، بدأت الولايات المتحدة استخدام طائرات من دون طيار، في خطوة رحّبت بها المعارضة الليبية، آملة أن تحمي المدنيين. في خضم المعارك الدموية الشديدة في مناطق الغرب بين كتائب السلطة والثوار، تمكنت المعارضة في 24 نيسان، من السيطرة على مدينة مصراتة التي أصبحت المعقل الأخير للمعارضة في المناطق الغربية من البلاد.

وعلى المستوى السياسي، كانت نتائج محادثات «مجموعة الاتصال» حول ليبيا في لندن، قد تمخضت عن اتفاق على عقد اجتماع في قطر في 27 نيسان، بُحثت خلاله المساعدة المالية للمجلس الانتقالي.

وفي مطلع أيار، شهدت التطورات العسكرية تحولات لافتة تحمل رسائل دموية مباشرة للزعيم الليبي، حيث قتلت قوات الأطلسي نجل القذافي سيف العرب وثلاثة من أحفاده بغارة جوية على باب العزيزية. في المقابل، تعرضت بعثات دبلوماسية غربية في طرابلس لعمليات تخريب، ردت عليها لندن بطرد السفير الليبي.

في غضون ذلك، تابعت مجموعة الاتصال عملها واجتمعت في الخامس من أيار في روما، حيث نتج منها إنشاء صندوق خاص لمساعدة الثوار.

وتلاحقت التطورات السياسية المتزامنة مع أعمال حربية، إلى أن كانت نهاية الشهر الثالث من عمر الثورة قضائية بامتياز، حين أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو ـــــ أوكامبو، في 16 أيار، أنه طلب إصدار مذكرات توقيف بحق العقيد القذافي وابنه سيف الإسلام ورئيس الاستخبارات الليبية عبد الله السنوسي، بتهمة ارتكاب جرائم بحق الإنسانية.

ولا تزال التطورات السياسية بعد اعتراف بعض الدول بالمجلس الانتقالي ممثلاً للشعب الليبي مثل فرنسا وإيطاليا وقطر، تواكب التصعيد الميداني، وخصوصاً بعد استقدام الحلف مروحيات من نوع «أباتشي» هدفها التسريع في القضاء على قوات السلطة الليبية، رغم الانتقادات التي تتعرض لها القوات الدولية بسبب عدم تمييزها بين العسكر والمدنيين أحياناً.





--------------------------------------------------------------------------------



الانطلاق



لطالما كانت الثورة الليبية مكبوتة منذ 29 حزيران عام 1996، حين ارتكبت سلطات الزعيم معمر القذافي، مجزرة بحق المعتقلين في سجن أبوسليم بإحدى ضواحي العاصمة طرابلس، حيث سقط نحو 1200 معتقل معظمهم من سجناء الرأي.

وعلى خلفية هذه القضية نفسها انطلقت الثورة الليبية الحديثة، لتكون ثورة الشعب على «ثورة الفاتح من سبتمبر». فقد اعتقل منسق لجنة الدفاع في قضية سجن أبو سليم، المحامي فتحي تربل (39 عاماً) بعد ظهر يوم 15 شباط، واعتقل معه عضو رابطة الدفاع عن أهالي ضحايا سجن أبو سليم، فرج الشراني. نتيجة هذا الاعتقال تنادى المحامون والشباب لتنظيم مسيرات واعتصامات، للمطالبة بالإفراج عنهما. ومنذ ذلك الحين بدأت الاعتصامات والاحتجاجات في الوسطين الطلابي والقضائي إلى أن كانت الشرارة الأقوى في 17 شباط، أي بعد يومين مع انضمام جماهير مدينة بنغازي للتظاهرات السلمية التي تحولت إلى مواجهات واسعة تطالب بإسقاط النظام.



31-5-2011


































محمد القذافي انشق... والغرب يطيل أمد النظام

معمر عطوي

لا يمكن اختصار المشهد الليبي الحالي بقوة العقيد معمر القذافي العسكرية والأمنية كسبب لاستمراره في السلطة حتى هذا الحين، ولم يعد الموضوع القبائلي ورقة رابحة في يد السلطة، كما كانت الصورة عليه في بداية ثورة 17 شباط. ففي نظر المتحدث باسم المجلس المحلي لمدينة سرت، التابع للمجلس الوطني الانتقالي المعارض، أبو بكر الفرجاني، يتقدم حلف شمال الأطلسي نفسه ببطء في عمليته العسكرية ضد كتائب القذافي، بهدف إبقائه فترة أطول في السلطة، وبالتالي ارتفاع قيمة الفاتورة المطلوب من المعارضة دفعها للدول العظمى والشركات الكبرى التي تقف خلفها.

المعارض الليبي، الذي خرج حديثاً من مدينة سرت (معقل قبيلة القذافي)، يرى أن «المناطق التي تسيطر عليها الكتائب سيطرة شبه تامة الآن هي طرابلس وسرت وسبها، لكن هذه السيطرة لا تعني تأييد القبائل الموجودة في هذه المناطق كلياً للنظام». ثمة ثلاث قبائل كبرى في ليبيا هي الورفلة والمقارحة والفرجان، لكن ما يمكن استنتاجه الآن أن القذافي لا يتمتع على المستوى القبائلي سوى بدعم القذاذفة، ومنهم فخذ «بيت القحوص»، فيما تراجع تأييد المقارحة للنظام، بسبب مقتل وزير الاتصالات السابق عضو اللجان الثورية الفاعل، سعيد راشد المقرحي، على يد القذافي. وراشد هو ابن عم الرجل الثاني في النظام (سابقاً) عبد السلام جلود، وقريب مدير الاستخبارات عبد الله السنوسي، والأخيران يخضعان للإقامة الجبرية بسبب خلافهما مع العقيد.

إضافةً الى مماطلة الأطلسي في تسريع الحسم، ثمة عوامل ذاتية قد تكون أحد أسباب استمرار العقيد في السلطة، هي قوته العسكرية والأمنية وما لديه من أسلحة وعناصر مرتزقة. عن هذه العوامل يوضح الفرجاني في حديثه لـ «الأخبار»، أن هنيبعل معمر القذافي قائد الفوج (32) المسؤول عن الحرس الثوري أيضاً (الجمهوري)، هو الشخصية العسكرية الأقوى في النظام الآن، وخصوصاً بعد المشاكل التي حصلت بين شقيقيه خميس وسيف الإسلام، لذلك يحظى هنيبعل بدعم قوي من والده ومن رجال السلطة.

وفي ما يتعلق بنجل القذافي الأكبر، يؤكد الناشط الليبي أن محمد القذافي، الذي يبتعد من الأصل عن السياسة، انشقّ عن والده، وهو يقيم في تونس إلى جانب شقيقته عائشة، وزوجة القذافي صفيّة. أما ما قيل عن مقتل نجل العقيد سيف العرب، في الغارات الجوية، فيدحض هذه الأقوال، مؤكداً أن سيف العرب كان يعاني مشاكل صحية، لذلك ضحّى فيه القذافي ودفع الى قتله لاستغلال ذلك في تعبئة الجماهير ضد الأطلسي.

وعن المرتزقة، يوضح الفرجاني أن النظام استقدم في الفترة الأخيرة عدداً كبيراً من الموريتانيين ومنحهم الجنسية الليبية ليقاتلوا في صفوف الجيش الليبي. على كل حال، يبدو أن النظام بات في مأزق صعب هذه الأيام، حسب الأجواء التي يرسمها الفرجاني. ففي العاصمة التي تسيطر عليها السلطة يطلق معارضون بالونات تحمل شعارات الثوار بين حين وآخر، ما يدل على تغييرات تحصل على الأرض. في الوقت نفسه يقدّم العقيد تنازلات منها استعداده لوقف إطلاق النار، خوفاً من ضربات المروحيات التابعة للأطلسي. لذلك «يتنقّل القذافي متخفيّاً بين الفنادق التي يصلها بأنفاق من مقره في باب العزيزية».

ورغم انتقاده أداء الحلف الأطلسي، يعترف الناشط الليبي بأن هذه القوات تتقدم خطوات إلى الأمام ولو ببطء، فمن حظر التحليق الجوي لطائرات السلطة مروراً باستخدام طائرات أميركية من دون طيار، وصولاً الى استخدام مروحيات «الأباتشي» الهجومية في الأيام الأخيرة، تتحرك الأوضاع لمصلحة المعارضة ولتحقيق هدف حماية المدنيين.

لكن الوضع لن يتغير بسرعة في حال عدم تسليح الثوار، إذ إنّ ضعف الاتصالات بين المعارضين في المناطق الغربية ومعقل الثوار في الشرق، وخصوصاً بعد قصف قوات الأطلسي لمجمع الاتصالات في البريقة، لا يصب في مصلحة المعارضة. يؤكد الفرجاني أن الثوار انتظموا الآن في جيش وطني، وباتت الفصائل الأخرى خاضعة لهذا الجيش وتعمل بإمرته. وعن الخشية من تحول العلاقة مع الغرب الى علاقة تبعية، يشدّد المعارض الليبي على أن «القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الثوار هي القضية الأولى»، وأن العلاقة مع أميركا أو فرنسا أو بريطانيا لا تعني التنازل عن هذه القضية، بل «هذه العلاقة لا تتعدى علاقات مصالح، ذات طابع اقتصادي». بمعنى إعطاء الأولوية لشركات من هذه الدول للاستثمار في قطاعات النفط والغاز في ليبيا.

وينفي الفرجاني الصورة التي يزرعها القذافي عن رجالات المعارضة بأنهم يقيمون في فنادق بأنّهم مرفّهون، ويعلّمون أبناءهم في أفضل المدارس، فيما يدفعون بالشباب الليبي الى القتال. ولا ينسى الناشط الليبي في نهاية حديثه لـ «الأخبار» توجيه بعض اللوم الى المسؤولين اللبنانيين، الذين لم يحددوا موقفهم مما يجري في ليبيا بوضوح.

على ما يبدو فإن موقف الثوار الليبيين يمر بمرحلة دقيقة هذه الأيام، تراوح بين الحفاظ على استقلاليتهم ودفع فواتير دعم الأطلسي لقضيتهم. لعل النفط الذي يثير شهية الغرب هو نفسه التعزية للثوار، لدفع فواتير التدخل الغربي من دون ارتهان.



الأخبار: 2-6-2011