31‏/10‏/2006

صائد القنافذ يكلّل مسيرته بقتل ضبع


معمر عطوي
صيد القنافذ بدل الطيور عادة لدى بعض أهالي الشحّار الغربي. وقد احتل صلاح أبو عاصي (62 سنة)، الصدارة في تنفيذ هذه المهمة، فأصبحت الطبيعة جزءاً من حياته، يتسلل إليها شاقاً الدروب بين الأشجار والأعشاب الشائكة نحو “منطقة المناجم” التي تعتبر معقل حيوانات متعددة مثل الثعالب والقنافذ (النيص) والخنازير.الوادي الواقع على شكل مثلث، بين عين درافيل وبعورتا وعبيه، صار شبه مهجور في الفترة الأخيرة، سُدّت الطرق المؤدية إليه، وتحولت مناجم الفحم القديمة التي كانت تستخدم لتزويد القطارات بالطاقة في منتصف القرن الماضي، الى ملاذات للقنافذ والضباع والثعالب.يروي أبو عاصي أن رحلة الصيد كانت تتم على النحو التالي: يذهب الصياد نهاراً فيضع على باب جحر القنفذ، عيداناً صغيرة، ثم يعود قبل منتصف الليل، حاملاً سلاح الصيد و“ضوءاً” يعمل على البطارية، فإذا كانت العيدان مقلوبة باتجاه الخارج يعرف ان القنفذ خرج ليرعى، وسيعود قبل طلوع الفجر. عندها يجلس الصياد أمام الجحر وينتظر عودته. وعندما يسمع صوته أو يراه قادماً، يقترب منه ويوجّه إليه الضوء، ويقوم بالوقت عينه بقنصه بالبندقية.بعض الصيادين يستخدمون كلاب الصيد المدرّبة، يخرجون مع كلابهم ليلاً ويطلقونها لتقتفي أثر القنافذ السارحة. وعندما تصل الكلاب الى أحد هذه القنافذ، تحيط بها، ولا تسمح لها بالهروب حتى يصل إليها الصياد.والقنفذ هذا الحيوان الغريب الذي ما إن ترى صورته حتى يقشعر بدنك، ورد اسمه في المعاجم على النحو التالي: إنه الدلول أو الدلدول، المعروف شعبياً بالقنفذ أو النيص. وهو حيوان بري يغطي ظهره ومؤخرته شوك طويل وحاد، يدافع به عن نفسه. وحول رأسه وبطنه، شعر خشن. يأكل الخضر والفاكهة والبلوط، وله أسنان قوية جداً يستطيع بواسطتها كسر حبة الصنوبر السوداء وأكل ما بداخلها. ويروي الصيادون، ان لحم القنفذ من أطيب اللحوم وأطراها، وهو يشبه الى حدٍ كبير لحم الأرنب، ويؤكل نيئاً أو مشوياً أو مطبوخاً.أما الريش أو الشوك الذي على ظهر القنفذ، والذي يشبه المسلّة، ويمتاز باللون الأسود والأبيض، فيستخدمه سلاحاً للدفاع عن نفسه، نظراً إلى رأسه الصلب والحاد جداً. وقد يكون إطلاق اسم “ريش” عليه عائداً إلى استخدامه ريشةً للكتابة. غير انه في الواقع لا يشبه ريش الطيور في شيء.عندما ذهب أبو عاصي للمرة الأولى في رحلة صيد بحثاً عن القنافذ، كان يبلغ من العمر 22 سنة. ويروي أنه خلال “تجربته” الطويلة تمكّن من اصطياد أكثر من ثمانين قنفذاً وعدداً من الثعالب والخنازير، وقد كلل هذه المسيرة “الحافلة” قبل سنتين بقتل “ضبع كاسر”، كما يروي.على رغم تقدم سنه لا يزال صلاح يخدم المزارعين الذين يطلبون منه التخلص من “الوحوش التي تفتك بمزروعاتهم”. لكنه يعترف أن للنيص فوائد لا يدركها كثيرون، ويقول “طبعاً هناك خلل يحدث لدى قتل النيص. لأن لكل حيوان مهمة إيجابية في الحياة الفطرية. لكن القنفذ يسبّب أيضاً بعض الأضرار للمزروعات”، وهذا ما يبرر رغبة المزارعين في التخلص منه.
عدد الثلاثاء ٣١ تشرين الأول

14‏/10‏/2006

محمد يونس: رجل السلام قدّيس الفقراء

معمر عطوي
بقطع النظر عن المعايير المتبعة في منح جائزة نوبل، التي جاءت تكفيراً عن ذنب ارتكبه ألفرد نوبل باختراعه لمادة الديناميت القاتلة، فإن تحوّل الجائزة المخصصة للسلام من الفضاء السياسي الى الفضاء الاقتصادي والإنمائي يعيد مصطلح السلام الى بيئته الأصلية، ذلك أن المجتمع السويّ الخالي من التعقيدات والفاقة والظلم يؤلّف مناخاً ممكناً لمجتمع قائم على الحوار بدل الاقتتال
“إنكم تدعمون حلماً بصياغة عالم خال من الفقر”. عبارة نطق بها البروفسور البنغالي محمد يونس أمس، عقب فوزه بجائزة نوبل للسلام مناصفة مع مصرف “غرامين” أي “بنك القرية”، الذي أسسه عام 1976، لتثير تساؤلات عن مدى تحقق شروط إمكان وجود عالم خال من الفقر.الفكرة بحد ذاتها ضرب من الخيال، لكن يونس اختار أن يضيء شمعة على أن يلعن الظلام. فتحول النموذج الذي قدمه، من خلال “بنك غرامين”، طوق النجاة الذي أنقذ عشرات الملايين من الفقراء في بنغلادش وبعض دول العالم النامي من هول الفقر.النقطة الأبرز في هذا الحدث هي التحول الذي طرأ على هذه الجائزة، التي كانت تعنى بالسياسة فانتقلت الى الاقتصاد والتنمية، لتكتشف أن ثمة علاقة جدلية بين مشاريع القضاء على الفقر وبين إيجاد مناخ ملائم للسلام، ذلك أن مع انتشار الفقر الى جانب الظلم والتخلف والأمية لا يمكن تحقق مناخ كهذا. من هنا جاء بيان لجنة نوبل النروجية أمس ليؤكد أن “تحقيق السلام الدائم لن يكون ممكناً من دون تمكن مجموعات كبيرة من السكان من التخلص من الفقر. حيث تمثل القروض الصغيرة إحدى هذه الوسائل”.رسالة في الحياةومحمد يونس (مواليد عام 1940)، الذي يقف وراء حركة غرامين للمصارف المتناهية الصغر التي تعرف باسم (مصارف الفقراء)، والتي قدمت مساعدات لملايين من مواطني بنغلادش، هو ابن مدينة شيتاغونغ الساحلية، التي كانت تعدّ في ذلك الوقت مركزاً تجارياً لمنطقة البنغال الشرقي في شمال شرق الهند.من هناك، وفي أسرة تتمتع برغد العيش (هو ثالث أبناء أسرة رزقت بـ14 طفلاً، توفي خمسة منهم بعد ولادتهم بسنوات قليلة)، يعمل الوالد فيها صائغاً، انطلق الاقتصادي الواعد نحو تحقيق طموحاته. كان لأمّه صفية خاتون دور في تكوين شخصيته، وهي التي كانت لا تردّ سائلاً من المحتاجين، فعلّمته أن تكون له رسالة في الحياة.بدأت طموحاته تكبر شيئاً فشيئاً، بعدما حصل عام 1965 على منحة من مؤسسة “فولبرايت” لدراسة الدكتوراه في جامعة “فاندربيلت” في ولاية تينيسي الأميركية، حيث بدأت خلال فترة وجوده بالبعثة حرب تحرير بنغلادش واستقلالها عن باكستان عام 1972. وهو ما دفعه للاشتراك في الحركة الطالبية البنغالية المؤيدة للاستقلال، ليعود بعدها الى بنغلادش المستقلة حديثاً ويصبح رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاغونغ. كان أهالي بلاده يعانون في ذلك الحين ظروفاً معيشية صعبة.ولعل فترة المجاعة التي مرت فيها بنغلادش في عام 1974، والتي قتل فيها نحو مليون ونصف مليون شخص، كانت محطة من محطات التحول نحو تحقيق الطموحات. وبدأ يونس منذ عام 1974 بقيادة طلابه في رحلات ميدانية إلى قرية “جوبرا” القريبة من الجامعة.وفي هذه القرية، لمعت في ذهنه فكرة أثناء محاورته امرأة هناك كانت تصنّع كراسي من البامبو، فقد علم من المرأة أنها لا تملك رأس المال الخاص بها، ولذلك فهي تلجأ إلى اقتراضه من أحد المرابين في القرية لشراء البامبو الخام، وكان هذا الوضع ينسحب على أحوال الملايين من الفقراء الذين لاحظ أنهم لا يحتاجون سوى لرأس مال يتيح لهم الاستفادة من عوائد أموالهم، فبدأ مشروعه بإقراض 42 امرأة يعملن في نسج السلال نحو 27 دولاراً لتوسيع أعمالهن، من جيبه الخاص، ومن دون فائدة، ودونما تحديد لموعد الرد، معتبراً أن تشجيع النساء على العمل وتحسين ظروفهن هو المنطلق لتحسين ظروف المجتمع.لكنه بعد ذلك خاض صراعاً مريراً في سبيل إقناع المصرف المركزي بوضع نظام لإقراض الفقراء من دون ضمانات، واستمر هذا الصراع من عام 1976 حتى عام 1979 عندما نجح المشروع الذي أقامه في قرية جوبرا بمساعدة طلابه نجاحاً باهراً وغيّر مسار حياة 500 أسرة من الفقراء. عندها، اقتنع المصرف المركزي بنجاح الفكرة وتبنّى “مشروع غرامين” الذي حصل على صفة مصرف في عام 1983. وكبر المصرف مع الوقت حتى بات يمنح 5.7 مليارات دولار من القروض الصغيرة تتوزع على نحو 6.5 ملايين مقترض. وانتشرت صيغته في أكثر من 40 بلداً، كما تبنّى البنك الدولي فكرته.“قديس الفقراء”لعل أبرز ما يمتلكه “رجل السلام” الجديد، أو كما يعرف بـ“بقديس الفقراء”، هو نظرته النقدية لمؤشرات التنمية السائدة، واهتمامه بالطبقة الاجتماعية المسحوقة، اي نظرة تبدأ من القاع الى القمة وليس العكس.اضافة إلى ذلك، عمل يونس وفق المثل القائل “لا تعط الفقير مالًا بل علّمه حرفة”، معتبراً أن حثّ الفقراء على مساعدة انفسهم بأنفسهم هو المحرك الأساسي لعجلة التنمية في أي مجتمع، مؤكداً ذلك بقوله إن “الاحسان ليس الحل للفقر، لأنه يقضي على روح المبادرة”.دكتوراه فخريةمن الجدير ذكره أن البروفسور يونس حاز في 24 حزيران الماضي شهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الاميركية في بيروت، حيث وصف الدكتوراه بأنها تدعم رؤياه لأهمية القروض الصغيرة في التغلب على الفقر وفي حفظ الكرامة الانسانية، قائلاً “إني اؤمن بأن في الإمكان بناء عالم خال من الفقر، الفقر يجب أن يكون في المتحف، والصغار سيلومون آباءهم لأنهم قبلوا به لفترات طويلة”.مكتشف الرأسمال الاجتماعيوقال عنه رئيس الجامعة الاميركية في بيروت واتربوري “اكتشف يونس في السبعينيات من القرن الماضي ما سمّي لاحقاً الرأسمال الاجتماعي، الذي يمثّله تعاون مجموعات من الناس، محمد يونس اطلق هذا الرأسمال بين النساء البنغاليات فأطلق معه ثورة مصرفية وإنمائية”.لقد كانت “جائزة نوبل” التي سيتسلمها يونس في العاشر من كانون الأول المقبل محطة مهمة على طريق تعزيزه مشروعه “نحو عالم خال من الفقر”؛ فقد قال أمس “ستشتد الحرب على الفقر في شتى انحاء العالم. سيتعزز النضال ضد الفقر من خلال القروض الصغيرة في غالبية الدول”.لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن تحقيق ذلك في ظل تضخم السياسة الرأسمالية التي تشنّ حرباً “هوجاء” على العالم فتزيد الفقراء فقراً والأغنياء غنىً؟ من السهل التكهن بإيجاد “عالم محمد يونس” لكن الإرادة وحدها قد لا تكون كفيلة بإيجاد شروط إمكان تحققه.
105 أعوام على جائزة نوبل للسلام
منحت جائزة نوبل للسلام للمرة الأولى عام 1901 الى مؤسس اللجنة الدولية للصليب الاحمر هنري دونانت (سويسرا) ومؤسس جمعية السلام الفرنسي فريدريك باس.وحصل على هذه الجائزة خلال الاعوام الـ15 الماضية كل من: الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومحمد البرادعي (مصر)، ونغاري ماتاي (كينيا) وشيرين عبادي (إيران)، وجيمي كارتر (الولايات المتحدة)، ومنظمة الأمم المتحدة وأمينها العام كوفي انان (غانا)، وكيم داي ـــ جونغ (كوريا الجنوبية) ومنظمة “أطباء بلا حدود” غير الحكومية الفرنسية.كما حصل عليها كل من جون هيوم وديفيد تريمبل (ايرلندا الشمالية)، والحملة العالمية لحظر الألغام المضادة للأفراد ومنسّقتها جودي وليامز (الولايات المتحدة)، والاسقف كارلوس بيلو وجوزيه راموس هورتا (تيمور الشرقية)، وحركة “بغواش” المناهضة للأسلحة النووية (تأسست في كندا)، وجوزف روتبلات (بريطانيا)، وياسر عرفات (فلسطين) وإسحق رابين وشمعون بيريز (إسرائيل)، ونلسون مانديلا وفرديريك دو كليرك (جنوب افريقيا)، وريغوبرتا مينشو (غواتيمالا).وتبلغ قيمة الجائزة اليوم 10 ملايين كرونة (1.37 مليون دولار). وهي تقدم عادة في العاشر من كانون الأول الموافق ذكرى وفاة مخترع الديناميت السويدي ألفريد نوبل.
عدد(الاخبار) السبت ١٤ تشرين الأول 2006

2‏/10‏/2006

الأزمة الجورجية ــ الروسية: أعمق من قضية تجسس عابرة


معمر عطوي
لا يمكن اختصار النزاع الدائر حالياً بين جورجيا وروسيا بقضية تجسس عابرة، ابطالها ضباط روس يعملون في القاعدة العسكرية الروسية في تبليسي، ذلك ان الخلاف اعمق من ذلك في بلد يتمتع بموقع جيو ــ ستراتيجي مهم على السفوح الجنوبية لجبال القوقاز.
تعود الازمة بين موسكو وتبليسي الى سنين طويلة خلت، منذ كانت جورجيا “دولة مشاغبة” من دول الاتحاد السوفياتي। لكن منذ حصولها على الاستقلال عام 1991 بعد تفكك المنظومة الاشتراكية، تشهد العلاقات بين البلدين لعبة شد حبال تحضر فيها واشنطن كلاعب هام، في محاولة لتعزيز نفوذها في القوقاز على حساب “الدب الروسي”।لعل أبرز تداعيات هذه التجاذبات الدولية قيام ثورة “الزهور” في عام 2003، التي أسقطت الرئيس إدوارد شيفاردنادزه وأتت بميخائيل ساكاشفيلي رئيساً للبلاد. وهو الذي لا تنظر اليه موسكو بعين الرضا منذ وصوله الى السلطة عام 2004 بسبب سياساته المؤيدة للغرب بما في ذلك الانضمام إلى حلف شمالي الأطلسي.ويبدو البعد الدولي للصراع الدائر في جورجيا، القريبة من ثروات بحر قزوين النفطية، واضحاً في الاحداث الاخيرة التي فجرت ازمة دبلوماسية بين موسكو وتبليسي. فقد ظهر هذا البعد خلال المحادثات التي جرت الجمعة الماضي بين حلف شمالي الاطلسي وروسيا، حيث اتهم وزير الدفاع الروسي سيرغي ايفانوف بعض دول الحلف ببيع أسلحة سراً للدولة السوفياتية السابقة، فيما اتهمت وسائل الاعلام الروسية ساكاشفيلي بتأجيج الصراع بدعوة من الولايات المتحدة. وعزز ذلك في الأشهر الماضية، تكثيف التعاون الأمني بين جورجيا والولايات المتحدة، بإرسال واشنطن نحو 200 من القوات الخاصة الأميركية بهدف إعادة تأهيل الجيش الجورجي.ولطالما كانت جورجيا احدى مناطق التوتر بين الروس والاميركيين؛ ففي عهد الرئيس الاميركي جورج بوش (الأب) كانت صفقة مقايضة عدم الاعتراض السوفياتي على الحملة الأميركية على العراق في عام 1990، في مقابل عدم الاعتراض الأميركي على التدخل السوفياتي في منطقة البلطيق، احدى النقاط الاساسية في المفاوضات بين واشنطن وموسكو.في المقابل، تنظر موسكو تقليدياً إلى الجمهورية القوقازية على أنها تقع في نطاق نفوذها وتشعر بالغضب من جهود جورجيا للتحول نحو الغرب، ومن بين ذلك طلبها الانضمام إلى عضوية حلف شمالي الاطلسي، كذلك مراهنة تبليسي الدائم على الولايات المتحدة في طرح مبادرات سلام جديدة تأمل في أن تعيد لها منطقتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية (اعلنتا انفصالهما عن جورجيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991)، وينتشر هناك حوالى 3000 جندي روسي كقوة لحفظ السلام.وقد تكون قضية التجسس، التي سببت ازمة دبلوماسية بين جورجيا وروسيا، احد اهم الارهاصات التي تسعى جورجيا من خلالها الى اعادة تسليط الضوء على المسألة الابخازية، بيد أن تحويل موسكو القضية الى مجلس الامن الدولي قد يكون علامة فارقة في تدويل هذه الازمة المستعصية.
عدد (الأخبار)الإثنين ٢ تشرين الأول 2006

1‏/10‏/2006

كوريا “تقتحم” النادي النووي

معمر عطوي
تفجير في ذكرى ميلاد كيم إيل سونغ واستشهاد تشي غيفارا
بإعلانها عن نجاح تجربتها النووية الأولى أمس، تكون كوريا الشمالية قد وضعت حداً للتكهنات والشكوك، لتنضم «رسمياً» الى النادي النووي العالمي، وإن بصورة “غير شرعية” بحسب المعايير الدولية التي يضعها “السيد الأميركي”। وبهذا تكون شبة الجزيرة الكورية قد دخلت فصلاً جديداً من «مسلسل الرعب النووي»، الذي يطرح إشكاليات معاصرة حول خطورة الأسلحة غير التقليدية وجدوى استخدام ورقة التهديد بامتلاكها أو باختبارها، في لعبة تحسين شروط المواقع على ساحة التجاذبات السياسية الدولية.
ربما ليس مصادفة أن يتزامن موعد التجربة النووية الكورية مع ذكرى ميلاد الزعيم الكوري الشمالي الراحل كيم ايل - سونغ (1912 ــ 1994)، والد «الزعيم» الحالي لكوريا الشمالية كيم جونغ - ايل، ومع ذكرى استشهاد الثائر الأممي أرنستو تشي غيفارا؛ فالتوجهات الايديولوجية الشيوعية للنظام الحاكم تشكل بحد ذاتها «مصدر إزعاج» واضح للولايات المتحدة وحلفائها في آسيا، في عملية استحضار، قد تكون رمزية، لملامح الحرب الباردة।فكوريا الشمالية مصممة، على ما يبدو، الى جانب دول أخرى أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم “الدول المارقة”، ألا تكون “مكسر عصا” لواشنطن، طالما أنها باتت تشكل تهديداً فعلياً، ليس فقط للقواعد الأميركية في اليابان، بل حتى للأراضي الأميركية نفسها।ولم يكن إعلانها الرسمي والعلني، عن امتلاكها السلاح النووي، في شهر شباط 2001، وتعليقها إلى أجل غير مسمى مشاركتها في المفاوضات حول برنامجها النووي، صدفة للأميركيين الذين يرصدون، منذ أيام الحرب الباردة، تحركات بيونغ يانغ وطبيعة نشاطاتها العسكرية مع الاتحاد السوفياتي السابق، الذي كان يشكل رافداً أساسياً، الى جانب الصين، لما تمتلكه من ترسانة غير تقليدية للأسلحة.القوة تحمي العدالةكان إعلان كوريا الشمالية عن تطوير أو امتلاك أو تجارب تتعلق بالأسلحة النووية، مرتبطاً دوماً بخطر واشنطن في المنطقة، ذلك أن اميركا، بنظر الدولة الشيوعية، هي الخطر الذي لا يمكن أن تأمن جانبه طالما انه يسعى الى السيطرة على العالم بذهنية تسلطية، ويلاحق كل الفلول الباقية من المنظومة الاشتراكية، إضافة إلى القوى الاسلامية واليسارية التي تقف على يسار “الامبراطور الاميركي”.وكانت بيونغ يانغ، لدى إعلانها عن حيازتها للأسلحة النووية عام 2001 ، قد اتهمت واشنطن بالسعي إلى إسقاط نظامها. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية في عاصمة كوريا الشمالية “نحن صنعنا أسلحة نووية للدفاع عن النفس والتعامل مع سياسة إدارة بوش الهادفة إلى عزل وتقييد (الشمال)”، مضيفاً أن “الواقع الحالي يثبت أن القوة فقط هي التي يُمكنها حماية العدالة والحق”.وفي عام 2002، اعترفت كوريا الشمالية بتطوير “إجراءات عسكرية مضادة قوية، بما في ذلك أسلحة نووية” لمواجهة ما سمته “تهديدات نووية من الولايات المتحدة”.وكانت معلومات صحافية واستخبارية عديدة تتحدث منذ سنوات طويلة عن إخفاء بيونغ يانغ معلومات حول تطويرها لأسلحة خطيرة وصواريخ باليستية ذات قدرات على حمل رؤوس بيولوجية وكيميائية ونووية.
المثير للجدل أن المفاوضات السداسية التي تشمل كلاً من الولايات المتحدة واليابان وروسيا والصين والكوريتين الشمالية والجنوبية لم تفلح في إقناع بيونغ يانغ بالتخلي عن تطوير أسلحة نووية، ذلك أن التجربة مع واشنطن والدول التي تدور في فلكها لا تثبت حسن نيات “الكاوبوي الأميركي” الذي يسعى لاصطياد “الثيران” المعارضة لسياسته في العالم واحداً تلو الآخر।حبر على ورقووافقت كوريا الشمالية، بموجب معاهدة العام 1994، على تجميد برنامجها النووي في مقابل الحصول على نصف مليون طن من وقود النفط في العام على شكل مساعدات।لكنها ألغت المعاهدة عندما اعترفت مصادر عسكرية أميركية أن مدمرتين من طراز “آجيس”، التي تحمل صواريخ موجهة مضادة للصواريخ في أوزاكا اليابانية، ستتمركز على مقربة من الشاطئ الكوري الشمالي.وقد اعتمدت بيونغ يانغ، خلال مفاوضاتها المتقطعة حول برنامجها النووي، سياسة حافة الهاوية والتصعيد المتواصل في سبيل الحصول على مساعدات اقتصادية، لطالما وصفتها بـ“التعويض الكافي” على وقف البرنامج النووي.الأزمة الراهنةومنذ طرد العاصمة الكورية الشمالية للمفتشين التابعين لوكالة الطاقة الذرية الدولية في كانون الأول من العام 2002، ثمة محاولات استخبارية مكثفة لرصد تحركات أو غازات معينة تثبت إجراء محاولات لاستخلاص البلوتونيوم، علماً أن المعالجة الكيميائية للوقود المنضب من مفاعل ينبعث منها غاز الكريبتون 75، الذي لا يمكن رصده.ويرجح جون وولفستال، الذي عمل مراقباً ميدانياً تابعاً للحكومة الأميركية في كوريا الشمالية خلال العامين 1995 و1996، أن الولايات المتحدة نشرت أجهزة رصد للكريبتون 75 في كوريا الجنوبية وفي المياه قبالة كوريا الشمالية، وفي الجو من خلال طائرات تجسس، مشيراً إلى تقارير تفيد عن رصد مسؤولين أميركيين لغاز الكريبتون.وكانت كوريا الشمالية دوماً بمثابة عالم مجهول بالنسبة للاستخبارات، على حد قول وولفستال، الذي يؤكد أنه «نادراً ما يخرج من هذا البلد، الذي يعيش بمعزل عن الدنيا، أي شيء يمكن الاعتماد عليه».خطر الصواريخولعل ما يمكن أن يقوم به السلاح الصاروخي اليوم من تهديد، قد أعاد خلط الأوراق وعزز مخاوف الدول تجاه بعضها البعض. وبات واضحاً ان معظم البلدان تجنح الى السلم في اتخاذ قراراتها ضد الدول المعارضة للسياسة الأميركية، مثل إيران التي تعاونت مع كوريا الشمالية لإنتاج صواريخ شهاب 5 و6، بسبب ما يمكن أن تشكله هذه الدول من خطر بامتلاكها لصواريخ بعيدة المدى وعابرة للقارات.ويعتقد مسؤولون أميركيون أن صاروخ «تايبودونغ» الكوري الشمالي، قادر على ضرب ألاسكا وهاواي وغيرها من مناطق الساحل البعيدة عن البر الأميركي، في حين أن نسخة معدلة من الصاروخ تدعى «تايبودونغ ـ 2» يمكن أن تضرب مناطق أخرى من الأراضي الأميركية.وليس أدل على التذرع بهذا الخطر، من بدء طوكيو وواشنطن العمل الحثيث على إقامة درع صاروخي، بعدما أطلقت كوريا الشمالية صاروخاً فوق اليابان عام 1998.مخاوف واشنطنوالحديث عن إمكانية امتلاك كوريا الشمالية لأسلحة غير تقليدية، قد دفع الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية الى تشكيل ما يشبه الحلف لمواجهة خطر محتمل، كما بدت الصين وروسيا، الحلفاء التقليديون لبيونغ يانغ، بعد تجربة الصواريخ في الخامس من تموز الماضي، أكثر حذراً تجاه ترسانة الحليف الشيوعي، وهذا ما تجسد في مواقفها الداعية الى “ضبط النفس”، والتي تطورت مع التجربة الاخيرة الى مستوى الانتقاد الشديد ووصف إجراء بيونغ يانغ بـ“التجاهل السافر” للضغوط الدولية.مخاوف متبادلةومما لا شك فيه أن المخاوف لا تقتصر على الدول التي أعطت لنفسها حق امتلاك أسلحة غير تقليدية بل أيضاً لكوريا الشمالية هواجسها ومبرراتها؛ فقد أعلنت أكثر من مرة أن أنباء اختبارات نووية كورية جنوبية جعلتها أكثر إصراراً على عدم التخلي عن برنامج التسلح النووي.ودعمت بيونغ يانغ موقفها بمعلومات عن قيام سيول باختبارات سرية لانتاج 0.2 غرام من اليورانيوم المخصب في العام 2000.كما تشكل القواعد الأميركية المنتشرة في اليابان وشمال شرق آسيا تهديداً كبيراً للدولة الشيوعية التي تسعى الى حماية وجودها وسط تحولات عالمية بدأت مع الحرب الباردة وتصاعدت وتيرتها مع تفكك المنظومة الاشتراكية وظهور الاسلام السياسي، ومن ثم رواج ما يسمى “الحروب الاستباقية” و“الحروب الوقائية” التي تحمل مشروعاً جديداً للعالم، لا يهدد فقط بالسيطرة على الثروات النفطية والطبيعية، بل بـ“فوضى خلاقة” لا إمكانية معها للرضوخ لشروط المجتمع الدولي في عدم امتلاك الطاقة النووية كحق طبيعي.

الأخبار-الثلاثاء ١٠ تشرين الأول 2006