27‏/4‏/2007

إسلاميّو تركيا نحو آخر قلاع العلمانية

معمر عطوي
أعادت انتخابات الرئاسة في تركيا إحياء الجدل القديم بين الإسلاميين والعلمانيين، في ظل نظام يعتبر فيه الجيش سلطة قوية حامية للدستور الذي اختطه مصطفى كمال أتاتورك على رأس مجموعة ضباط غيّروا وجه تركيا الإسلامي وحولوها إلى النمط الغربي في عام 1923، وأنهوا حقبة دامت أكثر من أربعة قرون من حكم «الخلافة العثمانية»
أنقرة تشهد اليوم الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية... والمعارضة تقاطع
حوّلت السيطرة الأتاتوركية على تركيا في عام 1923 البلاد من سلطة دينية مستبدة إلى نظام علماني بالغ في تطرفه تجاه مظاهر التديّن، فحظر وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة لعقود خلت. غير ان تغلغل الإسلاميين داخل المجتمع والمؤسسات السياسية مكّنتهم من الوصول إلى رئاسة البرلمان والحكومة، فيما بقيت الرئاسة الأولى بيد العلمانيين، باعتبارها القلعة الأخيرة لهم.يبدو أن هذه القلعة في طريقها إلى السقوط في يد الإسلاميين، إذ تشهد معركة الرئاسة، التي تُجرى مرحلتها الأولى اليوم الجمعة والثانية في أواسط أيار المقبل، وللمرة الأولى، ترشيح شخصية إسلامية إصلاحية، أثارت نقاشاً واسعاً في إمكانية تهديدها أسس النظام العلماني.هذه الشخصية المتمثلة بمرشح حزب العدالة والتنمية الإسلامي وزير الخارجية الحالي عبد الله غول الذي سيصبح قائداً للجيش أيضاً في حال انتخابه رئيساً، من شأنها قيادة البلاد نحو تجربة تعتبر سابقة، وخصوصاً أن الرئيس المرتقب الذي كان تعرّض للسجن العسكري أثناء انقلاب عام 1980، سيتمكّن بمساندة البرلمان من تعديل الدستور، إضافة إلى تعيين كبار القضاة وعمداء الجامعات.منعطفات خطيرةلقد أراد مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، أن تكون الدولة التركية الجديدة ذات هيكلية وهوية علمانيتين، وبالغ في تطبيق ذلك من خلال منع المظاهر الدينية، ليس فقط في الدوائر الرسمية والسياسية، بل أيضاً في بعض قطاعات المجتمع. لذلك بقيت «تركيا الحديثة» ولعقود ثلاثة منذ تأسيسها، خاضعة لحكم الحزب الواحد وتحت حماية المؤسسة العسكرية، التي تضمّ كبار الضباط الأوفياء لأتاتورك.ولكن في عام 1945، فُتح الباب أمام التعددية الحزبية، مع بقاء حظر الأحزاب الدينية طبعاً، وهذا ما مكّن أحزاباً (تحمل شعار الديموقراطية في الظاهر والإسلامية في الباطن)، من التغلغل في المشهد السياسي وفق خطوات طويلة وشاقة، شملت الكثير من قطاعات المجتمع، أبرزها المؤسسات التربوية والبلديات والجمعيات الخيرية، والى حد ضئيل المؤسسة العسكرية نفسها.وثمة منعطفات خطيرة شهدتها تركيا منذ الخمسينيات، بسبب القيود التي فرضها الدستور العلماني. فقد تمكّن الإسلامي عدنان مندريس من الفوز في ثلاث دورات انتخابية نيابية متتالية، سمحت بإعادة بعض المظاهر الإسلامية الى البلاد، لكن مندريس أُعدم في 1960 عندما قام الجيش بأول انقلاب عسكري ضد محاولات الالتفاف على النظام العلماني.
وكان آخر هذه الانعطافات حظر حزب «الرفاه» الإسلامي بقيادة رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان، في مطلع 1998، بعد إطاحته من السلطة في حزيران 1997 بضغط من الأوساط العلمانية التركية المدنية والعسكرية.ودفعت هذه الأحداث عبد الله غول إلى ترك حزب «الرفاه» على غرار العديد من أعضاء البرلمان المنتمين لهذا الحزب، والانضمام الى حزب الفضيلة آنذاك. لكن حزب الفضيلة تعرض بدوره للحل أيضاً بحكم قضائي بسبب «أنشطة مناهضة للعلمانية» في عام 2001. وحلّ محله حزب العدالة والتنمية، الذي حصل على الغالبية البرلمانية في عام 2002، وأوصل غول في مرحلة أولى إلى رئاسة الحكومة التي انتقلت بعد ذلك إلى رئيس الحزب رجب طيب أردوغان.أتاتورك والحجاباللافت أن الحزب الحاكم الذي برع في تقديم صورته غير الإسلامية على رغم الهوية الملاصقة لأعضائه ومسؤوليه، نجح في ممارسة سياسة براغماتية حافظت على إرث أتاتورك من دون أن تحدث قطيعة مع الموروث الديني المنغرس في المنظومة الاجتماعية منذ قرون.لكن المؤسسة العسكرية المتطرفة في حماية الدستور والهوية العلمانية للبلاد لا تزال حريصة على عدم وصول شخصية من حزب ذي جذور دينية الى الرئاسة، في جمهورية تمنع النساء المحجبات من ارتياد المؤسسات الرسمية والجامعات.وخير شاهد على أزمة الحجاب الجدل الذي رافق ترشيح غول للرئاسة، والذي جاء في إطار تحدي نواب حزب العدالة والتنمية للمؤسسة العسكرية والنظام العلماني لإدخال امرأة محجّبة (زوجة غول) إلى القصر الرئاسي كسيدة أولى للبلاد.ولا يزال أقطاب حزب العدالة والتنمية، الأقوى اليوم على الساحة التركية، ينفون تخطيطهم لتنفيذ برنامج إسلامي، وهذا ما تجلى أخيراً من خلال تعهّد أردوغان وغول العمل بموجب المبادئ العلمانية الرئيسية في البلاد، التي أرساها «مؤسس تركيا الحديثة»، ولا سيما ان الحكومة وفق الدستور التركي تسيطر على معظم السلطات.في المقابل، لا يزال العسكر وبعض الأحزاب العلمانية المعارضة يتعاطون بحذر مع هذه الموجة التي اكتسحت المشهد السياسي متسلّحة بإنجازات تمكّنت من تحقيقها خلال مراحل سيطرتها على بعض البلديات، وفي ما بعد من خلال السلطة التنفيذية التي يتربّع الإسلاميون «الإصلاحيون الديموقراطيون» على عرشها منذ سنوات قليلة.ولعل هذا الحذر نابع من الخوف على هوية تركيا التي تسير نحو منظومة عقائدية لا تزال راسخة في العقل الجماعي لمجتمع متديّن يتماهى مع التحولات الحاصلة في العالم والمتجسّدة بصعود الحركات الدينية وسط موجة تطرف واسعة، وخصوصاً أن هذه الموجة العنيفة جاءت رد فعل على سياسات الدول العظمى تجاه قضايا تعتبر الإساءة إليها مساساً بمقدسات وهويات راسخة في الوعي الجماعي للكثير من المسلمين، ومنهم الأتراك، أبرزها القضية الفلسطينية وما تمثله القدس من بعد في هذا الوعي.المقاطعة هي الحليبدو أن الخوف لدى بعض الأحزاب العلمانية، دفعها الى اتخاذ قرار بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، بعدما بات فوز الإسلاميين حتمياً لما يتمتع به حزب العدالة والتنمية من سيطرة قوية داخل البرلمان (يملك 353 مقعداً من أصل 550). وفي هذا السياق، كان قرار حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديموقراطي) برئاسة دينيز بايكال، أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان التركي، بمقاطعة هذه الانتخابات التي تجري دورتها الأولى اليوم، بحجة «عدم اختيار المرشح ضمن مقاربة تصالحية».ولم يكتف الحزب بقرار المقاطعة بل أشار، على لسان نائب رئيسه مصطفى أوزوريك، إلى انه سيطعن في الانتخابات أمام المجلس الدستوري إذا تمت الدورة الأولى من دون مشاركة 367 نائباً على الأقل.وكان أردوغان قد تعرض لضغوط قوية من النخبة العلمانية التي تضم قادة الجيش والقضاة، حتى لا يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة بسبب مخاوف من أنه سيقوّض الفصل بين الدين والدولة في البلاد. وتعرّضت الحكومة لهزة في وقت سابق من هذا الشهر عندما احتشد أكثر من 350 ألفاً في أنقرة للتعبير عن رفضهم احتمال تولّي أردوغان الرئاسة.وحذر قائد الجيش يشار بويوكانيت والرئيس التركي الحالي أحمد نجدت سيزر من المخاطر التي تتهدّد الجمهورية في تصريحات فُسّرت بأنها تحذيرات لأردوغان. وقال سيزر، الذي ألقى خطاباً في الضباط الطلاب في كلية الحرب في 14 نيسان، إن «النظام العلماني التركي معرّض لتهديدات غير مسبوقة منذ 1923». وأضاف أن الخطر على العلمانية التركية ينبع من قوى داخلية وخارجية على السواء، ملمحاً الى «دول تريد تقديم تركيا نموذجاً لدول العالم الإسلامي الأخرى، باعتبارها دولة إسلامية معتدلة»، ومعتبراً أن «المعتدل» سرعان ما يتحول إلى «راديكالي».مفاجأة أردوغانيبدو ان التكتيك الذي اتبعه حزب «العدالة والتنمية» من خلال صرف النظر عن ترشيح أردوغان، والذي طالما أعلن أنه سيفاجئ شعبه في ما يخص إعلان مرشح حزبه، سببه الخشية من أن يفقد الحزب أصواتاً في الانتخابات العامة المقررة في تشرين الثاني المقبل. فإذا أصبح أردوغان رئيساً وترك العمل السياسي الحزبي، هناك احتمال قوي لأن يضطر إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب قومية، ما يضرّ بالإصلاحات التي تعهد السير فيها منذ وصوله وتمكن من تحقيق بعضها، وأبرزها النمو الاقتصادي والبدء بمحادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي.يبقى السؤال أمام هذا الاستحقاق المثير للجدل: الى أي مدى يمكن تركيا ان تحتمل خضّات سياسية جديدة في ظل منعطفات خطيرة تتحول فيها البلاد من هوية إلى أخرى، وهي على أعتاب النادي الأوروبي ومن خلفها الأزمة الكردية التي لا يبدو أن نهايتها قريبة، وبين هذا وذاك أين سيكون موقع تركيا الإسلاموية على خريطة الشرق الأوسط الجديد؟
الأحزاب الدينية التركيةالأحزاب والحركات الإسلامية في تركيا ذات منبع صوفي في الأصل، حيث كانت الطرق الصوفية هي الملجأ الوحيد للباحثين عن هويتهم الدينية في ظل نظام أتاتورك العلماني. وأبرز هذه الحركات والأحزاب:ــ رسائل النور: أسسها بديع الزمان سعيد النورسي، في أواسط القرن الماضي. تحوّلت إلى «حزب الرفاه» (إسلامي) بعد انقلاب العسكر عام 1980.ــ حزب النظام الوطني: تأسس عام 1970 على يد نجم الدين أربكان، وتميّز برنامجُه بالرغبة في توطيد العلاقات بالدول القريبة من تركيا تاريخيّاً وثقافيّاً.ــ حزب السلامة الوطني: تأسس عام 1972 على يد فريد ملان. خاض الانتخابات البرلمانية واستطاع أن يحقق المركز الثالث في نتائجها، ودخل في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري. قُضي على هذا الحزب عام 1980، بعدما رفع مناصروه في أحد المؤتمرات الشعبية شعار «أنقذوا القدس»، وظهرت دعوات إلى إقامة دولة إسلامية في تركيا.ــ حزب الرفاه: أسسه نجم الدين أربكان عام 1983، وتحول إلى حزب «الفضيلة» بعد انقلاب عسكري عام 1988، ثم استقر أخيراً على اسم حزب «السعادة» الذي لا يمتلك تمثيلاً في البرلمان، ولم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصل عليها 2.5 في المئة في انتخابات عام 2002.ــ حزب العدالة والتنمية: الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، هو أحد نتاجات حزب الرفاه. على رغم صبغته الإسلامية، حافظ على الأداء الديموقراطي والإصلاحي وبقي يعمل تحت عباءة أتاتورك.
مبادئ أتاتوركمثّل حزب الشعب الجمهوري بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ستة مبادئ وضعها في صورة شمس:1 ــ النظام الجمهوري هو النظام النهائي لتركيا.2 ــ الشعب التركي يشكل أمة واحدة قائمة بذاتها، وذات قومية متميزة، وتركيا هي صاحبة السيادة المطلقة على أراضيها كافة ضمن حدودها الجغرافية المعترف بها دولياً.3 ــ تركيا دولة علمانية وأمور الدين منفصلة عن أمور الدولة، لذلك غير مسموح لرجال الدين التدخل في أمور الحكم والإدارة والقضايا العامة.4 ــ النظام التركي الجمهوري العلماني نظام شعبي يقوم على التمثيل النيابي الديموقراطي، وجميع المواطنين متساوون أمام القانون.5 ــ نظام الدولة الاقتصادي هو نظام الحرية المراقبة، وهذا يعني أن للدولة الحق في مراقبة نشاطات القطاع الخاص والتدخل بالقوة، إذا لزم الأمر، لوقف هذه النشاطات إذا كانت ضارّة بالمصلحة العامة.6 ــ طبيعة النظام طبيعة ثورية، لذلك يجب ان يكون نظاماً متطوّراً باستمرار تبعاً لتطوّر مشاكل الحياة حتى يُقضى نهائياً على الفقر والجهل والتخلف.
"الاخبار"الجمعة ٢٧ نيسان 2007

18‏/4‏/2007

إيرلندا الشمالية: نهاية نزاع

معمر عطوي
لم يكن اتفاق القطبين المتنازعين على تقاسم السلطةفي إيرلندا الشمالية، مجرّد اتفاق «تاريخي» وحسب، بل مؤشر إلى مزيد من التغيّر في السياسة البريطانية، الداعمة للبروتستانت، تجاه الجيش الجمهوري الإيرلندي، الذي كان التحاور معه أحد المحرمات السياسية، بحسب رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر 8
أيار موعد التقاسم النهائي للسلطة بين البروتستانت والكاثوليك
شكّل اتفاق بلفاست في 26 آذار الماضي، منعطفاً مهماً في تاريخ ايرلندا الشمالية، بعدما وقعه زعيما الحزبين «اللدودين» في البلد: الوحدوي الديموقراطي (بروتستانت) برئاسة ايان بيزلي، الذي يدعو إلى الاندماج مع بريطانيا، والشين فين (الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي ــــــ كاثوليك) برئاسة جيري أدامز، الذي يدعو إلى الاستقلال.وبموجب الاتفاق المذكور، تُشَكَّل إدارة مشتركة بين الطرفين، في الثامن من أيار المقبل، لإدارة الإقليم، وسط توقعات أن يصبح بيزلي رئيساً للحكومة في الإدارة الجديدة، بينما يصبح مارتن ماكغنيس (من شين فين) نائباً له، على أن يتفق المسؤولان على توزيع المناصب الوزارية العشرة في الحكومة شبه المستقلة على أساس النسبية.
سبق هذا الاتفاق انتخابات تشريعية في 7 آذار الماضي، حلّ فيها الحزب الوحدوي الديموقراطي والشين فين، في طليعة الفائزين، حيث حقق الأول 36 مقعداً، بينما حصل الثاني على 28 مقعداً، من أصل 108 مقاعد في الجمعية الإيرلندية الشمالية.وكان الحزبان قد حققا فوزاً كاسحاً بالمقاعد في الانتخابات التشريعية في عام 2003، غير أنهما فشلا في التوصل إلى اتفاق على قيام حكومة تتقاسم السلطة، ما جعل الحكومة البريطانية تدير دفة الحكم في البلاد من لندن.أسباب عديدة قد تكون مهّدت للاتفاق الأخير، يمكن تلخيص أبرزها بالآتي:ــــــ قناعة راسخة داخل «الشين فين»، بأن العنف لم يعد يخدم أهدافه في التوصل لاستقلال الإقليم.ــــــ أدت أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، دوراً كبيراً في تحديد اتجاه الحزب نحو مزيد من المرونة، ولا سيما أن التجييش العالمي الذي حمل شعار محاربة الإرهاب، ترك بصماته على طبيعة حركة الجيش الجمهوري، لجهة التمويل، إضافة إلى التسويغ الشرعي للاستمرار بأعمال عنف، كان المدنيون الضحية الأولى لها.ــــــ أدت أيضاً الجالية الإيرلندية في الولايات المتحدة، بما تشكله من ثقل اقتصادي وانتخابي، دوراً مهماً بالضغط على الإدارة الأميركية من أجل المساعدة على وقف العنف وإحلال السلام في الجزيرة. ودعمت هذه الجالية أيضاً الإقليم بأموال طائلة من أجل تعزيز المؤسسات وتنشيط حركة الاقتصاد كمقدمة لبلورة سلطة قائمة بذاتها.ــــــ الدور البريطاني الذي يتمتع بالحصة الأبرز في إنجاح التسوية، حين «انتهك» حزب العمال أحد «المُطْلَقات» السياسية، التي كانت ترفض بتاتاً الحوار مع الجيش الجمهوري، ورحب بالحوار المباشر مع الشين فين، مقدمة لإبداء مرونة تمتع بها الطرفان.ــــــ يأس الطرفين من استمرار نزاع دام عقوداً من دون أن يؤتي ثماره.نهاية حرب طاحنةقبل الوصول إلى اتفاق بلفاست الأخير، مرّت الأزمة الإيرلندية بمراحل عديدة، كان بداية حلحلتها اتفاق بلفاست في عام 1998، أو ما عرف باتفاق «الجمعة العظيمة».وأسس اتفاق «الجمعة العظيمة»، الذي وقعته كل من ايرلندا وشمال ايرلندا وبريطانيا في عام 1998، بداية لحل سياسي، منهياً حقبة من الحرب الأهلية الطاحنة، التي اتخذت شكلاً مذهبياً بين الكاثوليك والبروتستانت، وامتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، قتل خلالها نحو 3500 شخص.وكانت بريطانيا وإيرلندا قد أعلنتا في عام 1993 أحقية كل سكان ايرلندا الشمالية بتقرير مصيرهم والدعوة إلى بدء محادثات سلام عامة، ما مهّد لإعلان الجيش الجمهوري وقف عملياته العسكرية من جانب واحد، لكن نتيجة التقدم السياسي البطيء أسقطت الهدنة في عام 1996.لكن رئيس «الشين فين»، الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي، جيري أدامز، بقي متمسّكاً بنهجه السلمي، وبعدما أصبح عضواً في البرلمان البريطاني في عام 1997، ضغط باتجاه إعادة «الشين فين» إلى المفاوضات، ونجح في إقناع الجيش الجمهوري بإعلان وقف إطلاق النار في كانون الثاني1997.وفي التاريخ نفسه، وعقب وصول حزب العمال إلى رئاسة الوزراء في بريطانيا، قام رئيس الوزراء الجديد طوني بلير، بمبادرة لحل الخلافات، من خلال دعوته قادة حزب الـ«شين فين» إلى مقر رئاسة الوزراء، واستقبل جيري ادامز، في أول لقاء بين رئيس وزراء بريطاني وقيادي من الجيش الجمهوري الايرلندي منذ عام 1921، حين التقى زعيم الحزب في ذلك الحين مايكل كولينز مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك دافيد لويد جورج.ومهّد لقاء بلير وأدامز لاتفاقية بلفاست (اتفاقية الجمعة العظيمة)، وأهم بنودها مجلس حكم مستقل منتخب في ايرلندا الشمالية، إضافة إلى تقاسم السلطة واستفتاء على توحيد ايرلندا أُجري في أيار 1999، وكانت النسبة 71 في المئة نعم في ايرلندا الشمالية، و94 في المئة نعم في ايرلندا المستقلة.لكن نزع السلاح عُدَّ مفهوماً مأساوياً للاستسلام في نظر بعض أركان الجيش الجمهوري، وظهرت عقبات كثيرة في طريق الحل، كانت أبرزها في تشرين الأول من عام 2001 حين انسحب خمسة وزراء بروتستانت بقيادة زعيم حزب «ألستر» الاتحادي من حكومة بلفاست، مشترطين تخلي الحزب الجمهوري عن سلاحه للعودة.كما جُمِّد البرلمان في ايرلندا الشمالية في تشرين الأول 2002، وسط الحديث عن وجود حلقة من الجواسيس الذين يعملون لحساب الجيش الجمهوري، في داخله.نزع الأسلحةوفي 28 تموز من عام 2005، أفاد مراقبون دوليون بأن الجيش الجمهوري الإيرلندي تخلّص من الأسلحة التي استخدمها طوال 30 عاماً لمقاومة الحكم البريطاني لإيرلندا الشمالية، في خطوة من شأنها المساعدة على إيجاد تسوية سياسية. وقرّرت بريطانيا كإجراء موازٍ خفض قواتها في إيرلندا الشمالية من نحو 11 ألفاً إلى 5 آلاف.ويبقى السؤال الأهم ريثما تتم عملية تقاسم السلطة في أيار المقبل: هل يمكن أن يلعب نجاح الإرادة الشعبية، التي أصبحت الحكم في تقرير المصير، دوراً في إعلان استقلال إيرلندا بأقل خسائر ممكنة؟
قصة النزاع
قسَّمت بريطانيا جزيرة ايرلندا، في عام 1921، إلى جزءين. مُنح الاستقلال لأحدهما وقُسِّم إلى 26 مقاطعة ذات غالبية كاثوليكية، وتحول في ما بعد إلى دولة ايرلندا الحرة، فيما بقيت المقاطعات الست الأخرى الواقعة في شمال ايرلندا جزءاً من المملكة المتحدة.وفي عام 1922، أُعلن استقلال ايرلندا من دون الجزء الشمالي منها، ما أدى إلى نشوب حرب أهلية بين المعتدلين والراديكاليين.وتُعَدُّ ايرلندا الشّمالية جزءاً من المملكة المتّحدة، وتغطّي 5,459 ميلاً مربّعاً (14,139 كيلومتراً مربعاً) من المنطقة الشمالية الشرقية لجزيرة ايرلندا، نحو سدس مساحة الجزيرة. ويقدّر عدد سكان هذا الجزء بـ1,685,000 نسمة وفق إحصاء عام 2001. ويقع ضمن محافظة ألستر، وفي المملكة المتحدة المعروفة بمقاطعاتها الأربع.وتأسّس الجيش الجمهوري الايرلندي، الجناح العسكري لمنظمة الشين فين، في عام 1919 بوصفه وريثاً للمتطوعين الإيرلنديين (منظمة قومية فدائية تأسست عام 1913) لمقاومة النفوذ البريطاني في ايرلندا عسكرياً، من أجل تحقيق جمهورية مستقلة.وخلال الحرب الإيرلندية للاستقلال عن بريطانيا (1919ــــــ1921) استعمل الجيش الايرلندي بقيادة مايكل كولينز التكتيكات الفدائية مثل الكمائن والهجمات والتخريب لإجبار الحكومة البريطانية على التفاوض، وكانت نتائج التسوية تأسيس كيانين سياسيين جديدين: الأول، الدولة الايرلندية وتشمل 26 مقاطعة تم منحها السيادة، لكن بقيت ضمن الإمبراطورية البريطانية، بحيث يقسم أعضاء الحكومة قسم الولاء للعرش البريطاني.أما الثاني فكان ايرلندا الشمالية، التي تضم 6 مقاطعات، وتسمى «محافظة آلستر». وبقيت جزءاً من المملكة المتحدة.لكن هذا التقسيم لم يلق القبول لدى عدد كبير من أعضاء الجيش الإيرلندي، فانقسم إلى قسمين: الأول، بقيادة كولينز وهو المؤيد للمعاهدة مع البريطانيين، والثاني غير المؤيد للمعاهدة تحت قيادة رئيس «الشين فين» إيمون دي فاليرا. وأصبحت مجموعة كولينز أساس الجيش الرسمي للدولة المستقلة، فيما أصبح القسم الثاني، الذي عرف بـ«اللانظاميين» معارضة مسلحة ضد الحكومة المستقلة الجديدة.في نهاية الستينيات، اندلعت أحداث عنف في ايرلندا الشمالية، التي كانت لا تزال تابعة للحكم البريطاني، بسبب مطالبة طائفة الروم الكاثوليك (وهم الأقلية) بحقوقهم المدنية وبالانفصال عن بريطانيا والوحدة مع جمهورية ايرلندا، في خطوة واجهها الايرلنديون البروتستانت وقوات الشرطة التابعة لايرلندا الشمالية. وانقسم الجيش الجمهوري الايرلندي في دبلن (عاصمة جمهورية ايرلندا ــــــ الجنوبية) حول التدخل في الأحداث خوفاً من حمام الدم، لكن الرأي المؤيد للتدخل، وخصوصاً بتأثير قسم من الجيش الموجود في ايرلندا الشمالية، شق طريقه للأمام، وانقسم الجيش إلى «الرسميين» في دبلن، والى «الجيش الجمهوري» في بلفاست. وبدأت حملة عسكرية اضطرت بريطانيا إلى التدخل بقواتها وفصل المناطق البروتستانتية عن الكاثوليكية، ما أدى إلى حرب شاملة من الجيش الجمهوري ضد الجيش البريطاني، تطورت في منتصف السبعينيات إلى مواجهات عنيفة جداً، أدّت إلى تدمير بلفاست، وجزء كبير من المدن الأخرى. وامتد نشاط الجيش الجمهوري إلى لندن، حيث قام بتفجير الأهداف التجارية والمطاعم والفنادق هناك.ومع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وبعد وفاة العديد من المعتقلين من الجيش الجمهوري في السجون البريطانية، إثر إضرابهم عن الطعام، أو ما سمي إضراب الجوع، قوي الجناح السياسي للجيش الجمهوري «الشين فين»، بشكل كبير، وأصبح أكثر حيوية بقيادة جيري آدمز الذي أثار أولاً الحوار الداخلي، وخصوصاً حول سقوط المدنيين في العمليات وحول «كفاية القوة العسكرية فقط» لتوحيد ايرلندا.ومنذ أوائل التسعينيات، بدأت تتبلور خطط لإقامة السلام في الإقليم، بدأت تظهر داخل الحزب الجمهوري، الذي أصبح يدمج بين انتمائه للكاثوليكية والإيديولوجية الماركسية اللينينية، وامتدت علاقاته لتشمل تيارات يسارية في أميركا اللاتينية وشرق أوروبا والشرق الأوسط.وبدأ الحديث عن وقف العنف يتخذ موقعه في الأداء السياسي للحزب، رغم تصلّب بعض الأقطاب داخله وتمسكهم بالخيار المسلح لتحقيق أهدافهم.لكن اتفاق بلفاست، الذي قصم ظهر البعير، ترك آثاره بشكل كبير على الاتجاه المتشدد داخل الجيش الجمهوري، إلى أن تراجع هذا الاتجاه وصولاً حتى عام 2005، تاريخ الإعلان عن ترك السلاح.
اتفاق بلفاست
يستند اتفاق بلفاست لعام 1998 في أحد أهم مبادئه إلى البيان الذي وقعه ألبرت رينولدز عن جمهورية ايرلندا ورئيس وزراء بريطانيا السابق جون ميجور في عام 1993 والذي ينص على حق شعوب ايرلندا الشمالية في تحديد مصيرها.وتم الاتفاق على:ــــــ إلغاء القانون الخاص بحكومة ايرلندا، الذي يفرض سيادة بريطانية على الجزيرة كلها.ــــــ تأييد حق جميع سكان ايرلندا الشمالية في حمل جنسيات ايرلندية أو بريطانية، والاتفاق على عدم تغيير هذا الوضع مهما تغير وضع ايرلندا الشمالية السياسي.ــــــ الرجوع الى الشعب في أي خطوات تُتَّخَذ بشأن مستقبل ايرلندا، مع الإشارة إلى أن جميع الأطراف متفاهمون على أن معظم سكان ايرلندا الشمالية يرغبون في الاستمرار كجزء من بريطانيا، لكن معظم سكان جزيرة ايرلندا ككل ومعهم أقلية لا بأس بها من الشمال يتطلعون إلى تكوين ايرلندا متحدة، أي انفصال شمال ايرلندا عن بريطانيا.ــــــ لن يتغير أي موقف سياسي لايرلندا الشمالية إلا بموافقة سكانها من خلال الاستفتاءات التي تقام بأمر من وزير الخارجية البريطاني، وتكون المدة بين الاستفتاء والآخر سبع سنوات، على الأقل.
"الاخبار"الاربعاء ١٨ نيسان 2007

6‏/4‏/2007

«رسائــــــل استباقيّــــة»... قبــــل الحـــرب

معمر عطوي
كانت «الهدية» الايرانية، التي قدّمها الرئيس محمود احمدي نجاد الى الشعب البريطاني بإعلانه الإفراج عن الجنود البحارة الـ 15، سوى مفاجأة تحمل الكثير من الدلالات، التي تصبّ في مصلحة التحليلات المكثفة هذه الايام، حول مناخات الحرب المتوقعة على ايران.يطرح اطلاق البحارة خلال فترة لم تتجاوز اسبوعين من اعتقالهم تساؤلات عديدة عن التوقيت والاهداف، تقود نحو مجالات الاستفادة التي استطاعت ايران من خلالها توظيف هذه القضية لمصلحتها.استطاعت ايران من خلال مناسبة دينية هي المولد النبوي واسبوع الوحدة الاسلامية، توجيه اشارة ذات طابع رسالي تبشيري بحت، من خلال الاصرار على ان الاطلاق هو بمثابة «هدية من شعب ايران الى الشعب البريــطانـــي» بمقتضــــى «الرحــــمة الاسلاميــة».وفي الوقت عينه، حاول نجاد الايحاء بأن هذه الخطوة لا تعني إطلاقاً حصول خطأ من الجانب الايراني، اجبره على اتخاذ هذا القرار، وذلك بتقليده قائد البحرية ابا القاسم امنغا وساماً لاحتجازه البحارة.اطلق نجاد حملة دعائية اراد من خلالها اثارة اكثر من تساؤل في الرأي العام البريطاني، منها استهجانه اسناد مهمة قتالية صعبة الى «سيدة ام»، هي فاي تورني. اضافة الى اسئلة تحريضية عن مغزى وجود القوات البريطانية في الخليج، بما يشبه نقل المعركة إلى ساحة المهاجم وتوسيع الهوة بين السلطة البريطانية والشعب.من خلال هذه الاشارات، يمكن القول إن الرئيس الايراني استطاع الى حد ما خوض جزء من المعركة الاعلامية، التي قد يقطف ثمارها في حال بدء الحرب عبر تحركات شعبية بريطانية وأوروبية معارضة لها. ولعل الموقف الاوروبي، الذي رأى في خطوة الاطلاق «بداية لمزيد من التعاون» مع ايران، يصب في هذا الاتجاه.يمكن القول إن ايران نجحت في توظيف خطوات اخرى في هذه القضية، مثل إشراك تركيا وسوريا وقطر في الوساطات التي سبقت هذا الاطلاق. ولهذا الامر اشارات أيضاً مفادها أن طهران تعمل على دفع فواتير الى حليفتها التقليدية دمشق، في وقت تستقبل فيه هذه الاخيرة وفوداً غربية، هدفها غير المعلن هو محاولة تحييد سوريا في حال نشوب حرب في منطقة الخليج، لأن تورّط دمشق من شأنه ان يهدد امن اسرائيل ويشعل الجبهة الجنوبية اللبنانية، وبالتالي، ستنشأ حرب إقليمية قد تتعدى في تداعياتها الاهداف المرسومة لها.وعلى الجانب التركي، يعوّل الجانب الايراني كثيراً على النظام الاسلامي «المعتدل» في انقرة، لعدم فتح اجوائه وأراضيه منطلقاً لخوض هذه الحرب. وفي الاتجاه نفسه يظهر التقارب الايراني ـــ القطري.وفي وقت تدق فيه طبول الحرب على خلفية البرنامج النووي الايراني، تستعر حرب امنية خفية ظهرت بعض اشكالها من خلال اختفاء الجنرال الايراني المسؤول في الحرس الثوري السابق محمد علي اصغري في تركيا، اعقبها اختفاء عميل سابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي في جنوب ايران.ويبدو أن قضية الدبلوماسيين الخمسة الذين اعتقلوا في شمال العراق الى جانب الدبلوماسي الذي اطلق منذ ايام في بغداد، لا تنفصل عن هذا السياق.المفارقة التي يستحق التوقف عندها هي أن هذه المبادرة الايرانية، التي يمكن تسميتها اجراءً استباقياً «حسن النية» لحرب متوقع حدوثها بين لحظة واخرى، يتزامن مع نشاط متزايد في العراق لتيارات مقاومة تدعمها ايران، ضد الاحتلالين الاميركي والبريطاني، وهو ما يشير الى أن الجمهورية الاسلامية ليست بحاجة الى اوراق ابتزاز ضد الغرب ما دام ان الساحة العراقية يمكن ان تستخدم في هذه الحرب.
"الاخبار"الجمعة ٦ نيسان 2007