29‏/4‏/2011

الصين و«ربيع العرب»: سياسة «خطّ الرجعة»

بدت بكين حذرة في ما يتعلق بإطلاق مواقف تجاه «ربيع العرب»، رغم أهميتها السياسية على المسرح الدولي، وعلاقاتها الاقتصادية العميقة مع بعض الدول العربية، فالموقف الصيني الصامت حاول أن يكون وسطياً، أقلّه في ليبيا
معمر عطوي
عوامل عديدة تقف خلف هذا الصمت في الموقف الصيني تجاه ثورات «ربيع العرب»، ربما يكون أهمها الخوف من انتقال هذا الحراك الشعبي من دول المنطقة الى حضن التنين، الذي لا يقل جبروت نظامه الديكتاتوري عن أي نظام عربي، رغم اعتماده الليبرالية وفتح الأسواق على الصعيد الاقتصادي.
فمنذ بدء ثورة تونس في كانون الأول الماضي، نظر المسؤولون الصينيون بحذر الى «الموت القادم من الشرق الأوسط»، وإمكان تأثيره على الجيل الصاعد في بلادهم الشهيرة بالتكنولوجيا والاتصالات. لهذا كان تحذير رئيس الحزب الشيوعي في إقليم شينجيانغ، تشانغ تشون شيان، الشهر الماضي من أنه «ينبغي أن نعي الدروس من الشرق الأوسط على المستوى التقني».
مصداق فرضية الخوف من استيراد الثورات، يكمن في الإجراءات التي قامت بها الحكومة الصينية على مستوى حظر مواد في الإنترنت مثل عبارة «زهرة الياسمين»، رمز الثورة التونسية، و«مصر»، وخصوصاً بعد اشتباكات وقعت بين متظاهرين لبّوا دعوات إلى التظاهر، نشرت على الإنترنت، والشرطة الصينية في هونغ كونغ في 27 شباط الماضي، أي بعد أيام من اندلاع ثورتي ليبيا واليمن.
وبدا هذا الخوف أكثر وضوحاً حين أصدرت الشرطة الصينية بياناً قالت فيه إن «الأمن والاستقرار هما ما يبغيهما الشعب الصيني كله، أما هؤلاء الذين يريدون نشر الفوضى فهم واهمون، ومن يستلهمون الثورات العربية محكوم عليهم بالفشل».
عامل الخوف من انتشار نيران الثورة العربية في هشيم التنين الصيني، يُضاف الى عوامل أخرى بعضها سياسي يتعلق بتمسك بكين بسياسة الموقع القطب في مواجهة الولايات المتحدة، وبعضها الآخر على علاقة بمصالح اقتصادية قد تكون امتداداً لتبلور الموقف السياسي بشكل أو بآخر.
صمت المسؤولين الصينيين عن التعليق على ثورات العرب، لم يمنعهم من اتخاذ موقف حيال المسألة الليبية. لقد أُجبرت الصين على عدم استخدام حق النقض في مجلس الأمن أثناء التصويت على القرار 1973، وفضلت الانضمام الى روسيا وألمانيا والهند والبرازيل في الامتناع عن التصويت. موقف حاولت من خلاله أن تضمن استمرار العلاقة مع النظام الليبي، في ظل إشارات قوية الى إمكان صموده لفترة طويلة، ولا سيما أن العقيد معمر القذافي فتح أمام الشركات الصينية أبواب الهضبة الأفريقية للاستثمار في قطاعات عديدة.
وحاولت الدولة الآسيوية تبرير هذه الخطوة الوسطية بأنها تأخذ بعين الاعتبار الإنصات جيداً لآراء الدول العربية والأفريقية عند اتخاذ أي قرار أو إجراءات بشأن ليبيا، حسبما أوضحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، جيانغ يوي. مع الإصرار على «تحفظها الشديد» على التحرك العسكري في الجماهيرية.
لكن الجنوح الصيني نحو معارضة أو منافسة قرارات دولية، لم يمنعها من التصويت لمصلحة القرار 1970 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي يوم 26 شباط الماضي، ويحظر تصدير الأسلحة لليبيا ويفرض عقوبات أخرى تستهدف العقيد القذافي وأفراد أسرته والمقربين منه.
أما الصحف الصينية التي تعكس دائماً الموقف الرسمي، فقد انتقدت بشدة الغارات التي يشنها حلف شمالي الأطلسي على ليبيا، متهمة الدول التي تدعم الضربات بانتهاك الأحكام الدولية والمغامرة بإحداث اضطرابات جديدة في الشرق الأوسط.
وظهرت أعنف إدانة للهجمات الجوية الغربية على قوات القذافي في صحيفة «الشعب» الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني. وكشفت كيف يمكن الصراع أن يصبح نقطة توتر جديدة بين بكين وواشنطن.
كذلك، لم تصمت الصين إزاء خطوة بريطانيا وبعض الدول إرسال مستشارين عسكريّين الى بنغازي، حيث معقل المعارضة الليبية، معتبرة على لسان متحدث باسم وزارة الخارجية، هونغ لي، أنها لا توافق على أي تصرف يتخطى تفويض مجلس الأمن الدولي، الذي «يتحمل المسؤولية الأولى في حماية السلام والأمن في العالم»، مشدداً على أن «الأطراف ذات الصلة، عليها الالتزام التام بقرارات مجلس الأمن الدولي».
في أي حال، حفظت بكين خط الرجعة، إذ إن موقفها هذا قد يجعل لها حظوة في الكعكة العربية، إذا استمرت الغارات الجوية وأوقعت المزيد من الضحايا.
وفي ما يتعلق باليمن، رأت بكين في معرض مناقشات مجلس الأمن الدولي بشأن اليمن، أن المسألة تخص الشعب اليمني نفسه، في خياراته الديموقراطية وحل مشاكله بالحوار الوطني.
اللافت أن الصين التي اعتصمت بالصمت والحذر أيضاً تجاه قضايا تونس ومصر، لم تقصّر في المبادرة الى تحسين صورتها لدى المعارضة التي انتصرت في كلا البلدين، فقد منحت هبة مالية لتونس بقيمة 40 مليون يوان (6.065 ملايين دولار)، على شكل استثمارات في مشاريع تنموية. وفي موضوع الثورة المصريّة، استقبلت لجنة العلاقات الدولية في اتحاد الصناعات المصرية وفداً من المستثمرين الصينيين يضم ممثلين من الشركات والمؤسسات التمويلية، في إطار برنامج لزيادة مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، حسبما ذكرت صحيفة «اليوم السابع» المصرية.
خطوات تؤكد الى جانب العديد من المشاريع التي أُعلنت والتي لم تُعلن بعد، أن الصين الخائفة من التغيير لن تتجنب الخوض في علاقات جديدة مع نتائج الثورات إذا اقتضت مصلحتها ذلك. وفي كل حال، لن يدع التنين الآسيوي الولايات المتحدة ودول أوروبا تستأثر بخيرات هذه البلاد، التي تُسيّل لعاب الدول العظمى.

23‏/4‏/2011

مرتزقة القذافي: غايات متعدّدة ووسيلة واحدة

لا يزال موضوع الجنود المُرتزقة في ليبيا في صدارة القضايا المثيرة للجدل، إذ تطرحه المعارضة بقوة بعدما وصل حجم إنفاق العقيد معمر القذافي نحو 3.5 مليارات دولار، على مقاتلين يقومون بأعمال عدائية ضد معارضيه لقاء أجر مادي
معمر عطوي

مع تسليط الضوء على موضوع المرتزقة الأفارقة في ليبيا في صحيفة «دايلي تلغراف»، أصبح موضوع استخدام عناصر أجانب في الصراع الليبي الداخلي مثار جدل واسع، ولا سيما مع وجود أنواع مختلفة من المرتزقة ليست فقط من القارة السمراء، بل حتى من أوروبا الشرقيّة والعالم العربي. ففيما نسبت الصحيفة البريطانية إلى مسؤول «رفيع المستوى» في حلف شمالي الأطلسي قوله «إن القذافي يستخدم جميع اتصالاته في المنطقة لجلب المزيد من المرتزقة إلى ليبيا للدفاع عن نظامه»، أفادت بأن نظام الزعيم الليبي معمر القذافي أنفق 3.5 مليارات دولار على استئجار المئات من المرتزقة من شمال أفريقيا لمساعدته على معارضيه.

التقارير التي تناولت هذا الموضوع في أكثر من وسيلة إعلامية أفادت بأن المقاتلين في الجماهيرية أنواع مختلفة، منهم من انضمّ الى المعارك منذ بداية الثورة في 15 شباط الماضي، ومنهم من كان مقيماً أصلاً في ليبيا، وهذا النوع لا تنطبق عليه صفة المرتزقة، ويُقدّر عددهم بعشرات الآلاف.
في أي حال، تعدّدت المصادر والهدف واحد؛ جنسيات مختلفة وبلدان عديدة شاركت في رفد النظام الليبي بالمقاتلين تحت عناوين متعدّدة، منها ما هو سري هدفه تفتيت منطقة الهضبة الأفريقية، على غرار ما تفعله شركات أمنية إسرائيلية، ومنها ما هو بعنوان الحد من انتشار تنظيم «القاعدة» في المغرب، ومنها ما يتعلق بدوافع مادية بحتة، ولا سيما أن «ملك ملوك أفريقيا» مستعدّ لدفع مبالغ طائلة من أجل حفظ نظامه ومكتسباته المسروقة من خزائن شعبه.
الأصابع الإسرائيلية واضحة، فهناك شركة أمنية إسرائيلية تلتزم أمن مناجم ألماس في بعض الدول الأفريقية، وخصوصاً الكونغو، على حد قول مصدر قريب من المعارضة الليبية لـ«الأخبار». هذه الشركة المسجّلة في إسرائيل تدعى «غلوبال سي أس تي»، وترفد النظام الليبي بعناصر يتمتعون بكفاءة قتالية عالية. يعمل هؤلاء بإمرة ضباط متقاعدين في جهاز الأمن الخارجي الإسرائيلي (الموساد).
موقع «إنيان مركازي» الإلكتروني العبري كشف عن شركة اسرائيلية تُجنّد مرتزقة لدعم القذافي في إخماد الانتفاضة على نظامه، مشيراً في تقرير خاص إلى أن رئيس الشركة التي يديرها ضباط متقاعدون في الجيش الاسرائيلي، التقى في المدة الأخيرة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه إيهود باراك، ورئيس الاستخبارات أفيف كوخافي. وأضاف أن المسؤولين الاسرائيليين وافقوا على تجنيد مرتزقة لمساعدة القذافي «بسبب مخاوف من إطاحته واستبداله بنظام إسلامي متشدّد».
ممثلون عن الشركة الإسرائيلية سافروا إلى تشاد خلال المدة الأخيرة من أجل عقد اتفاق مع مسؤول استخباري ليبي رفيع المستوى، هو عبد الله السنوسي، الذي وافق على أن تجنّد الشركة 50 ألف مرتزق من البلدان الافريقية، استناداً الى تقرير ورد في نشرة «أوراسيا ريفيو» في آذار الماضي.
وكانت قناة «الجزيرة» الفضائية قد نشرت تقريراً يفيد بأن زيمبابوي تساعد بتوفير مرتزقة للقذافي، ما أثار ضجة سياسية في البلد الأفريقي الجنوبي. ونقل موقع «Zim eye» في زيمبابوي محضر مواجهة بين مسؤول المعارضة في هذا البلد، إنوسنت غونيس، ووزير الدفاع أميرسون مناننغوا، خلال جلسة البرلمان في 2 آذار الماضي. غونيس سأل مناننغوا عن صحة أنباء تشير الى وجود جنود زيمبابويين يقاتلون في ليبيا، فأجاب الأخير «ليس لدي أي تفويض وفق مهمتي، بصفتي وزير الدفاع، للتحري عن نشاطات تحصل في بلد أفريقي آخر»، طالباً منه «توجيه سؤاله مباشرة إلى وزارة الشؤون الخارجية»، بما يؤكد وجود التباس حول هذه القضية.
بدوره، أثار لانس غوما من راديو «أس دبليوأفريكا» في زيمبابوي، موضوع «التخمينات» حول وجود أعضاء من الجيش الوطني في ليبيا لمساعدة «الديكتاتور» القذافي. المصادر تنوعت حول هذه القضية، فقد ذكرت قناة «الجزيرة» الفضائية أن زيمبابوي كانت تساعد القذافي بمدّه بالمقاتلين عبر تشاد ودول أفريقية أخرى.
وبالعودة الى تقرير صحيفة «دايلي تلغراف»، الذي صدر أول من أمس، أكد التقرير أن مسؤولاً سابقاً في نظام القذافي شارك في مفاوضات حول صفقة لتجنيد 450 مقاتلاً من منطقة الصحراء الغربية، قبل أن ينشقّ وينضمّ إلى صفوف المعارضة، ويزوّد مسؤولي منظمة حلف شمالي الأطلسي بتفاصيل حول هذه الصفقة.
لقد دار الحديث أخيراً عن مرتزقة من الصحراء الغربية، حيث الغالبية العظمى من المقاتلين هم أعضاء في قبيلة صحراوية، خاضوا حرب استقلال ضد المغرب بوصفهم أعضاء في جبهة البوليساريو.
وتلقّى كل واحد من المرتزقة 10 آلاف دولار للقتال مع كتائب العقيد القذافي لمدة شهرين، حسبما أكد المنشقّ الليبي، الذي لم تكشف عن هويته. الصحيفة نفسها أشارت إلى أن مسؤولين ليبيين جنّدوا أيضاً العشرات من مقاتلي حركات التمرد في النيجر ومالي التي لديها روابط وثيقة مع نظام القذافي، مشيرة إلى أن مسؤولي حلف الأطلسي تلقوا تقارير في الماضي بأن القذافي اعتمد بنحو كبير على المرتزقة الأجانب للدفاع عن نظامه، لكن الوثائق التي قدمها المنشقّون الليبيون أظهرت أن نظام القذافي لا يزال يسعى بنشاط إلى تجنيد المزيد من المقاتلين.
اللافت أن هؤلاء المُرتزقة لا يأبهون لشروط الحرب وقوانينها، فهم موضع اتهام من جماعات المعارضة الليبية بالوقوف وراء أسوأ التجاوزات التي ارتكبها النظام، بما في ذلك قتل النساء والأطفال. المُرتزقة في ليبيا لهم أيضاً صورة أخرى، فإضافة الى المقاتلين، تحدثت وسائل إعلام عديدة عن مشاركة طيارين عرب في قصف مواقع الثوار في ليبيا في بداية الثورة، بعد رفض الطيارين الليبيين القيام بهذه المهمة، وانشقاق بعضهم وهروب بعضهم الآخر خارج البلاد. كذلك ظهرت تقارير عن مشاركة طيارين من صربيا وبلا روسيا.
صحيفة «daily alo» الصربية أكدت أن هذه المرة ليست الأولى التي يستأجر القذافي فيها طيارين من صربيا، فقد حصل ذلك في التسعينيات أثناء مواجهته مجموعات إسلامية متشددة. ولتعريف المرتزق من ناحية قانونية، فإن اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقيّة، المُوقّعة عام 1977 بشأن حظر المُرتزقة والتي صادقت عليها ليبيا عام 2005، تشير إليه بأنه شخص يجند خصيصاً للمشاركة في القتال في صراع مسلّح، ويشارك مباشرة في الأعمال العدائية، على أن الباعث الأساسي لهذه المشاركة هو الرغبة في تحقيق مكسب شخصي. كذلك هذا الشخص لا يكون من رعايا أحد أطراف الصراع، أو من المقيمين في إقليم خاضع لسيطرة أحد أطراف الصراع. وهو ليس عضواً في القوات المُسلّحة لأحد أطراف الصراع.

«مرتزقة فلسطينيّون»

في تصريحات صحافية أدلى بها في باريس خلال زيارته الإليزيه، قال رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل إن لديه معلومات عن وجود عناصر تابعين لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـــــ القيادة العامة» بقيادة أحمد جبريل، في المناطق الغربية من ليبيا لمساعدة كتائب القذافي في القتال ضد الثوار.

عبد الجليل أكد أن القذافي أدخل إلى طرابلس ألف فلسطيني ليقاتلوا معه. وأشار الى أن دولاً مثل الجزائر والنيجر وتشاد، وأيضاً المعارضة السودانية، تمدّ القذافي بالسلاح والمساعدات اللوجستية، مضيفاً أن هناك معلومات مؤكدة عن وجود قناص صربي الآن في طرابلس، حاول إقناع صديق له في مدينة ميلانو الإيطالية بالمجيء الى ليبيا، حيث يبلغ راتب القناص المحترف عشرة آلاف يورو في الأسبوع.
ويبدو أن المعارضة قد طلبت من دول حلف الأطلسي مساعدتها على وقف استقدام المرتزقة الى ليبيا من الدول الأفريقية المجاورة.

22‏/4‏/2011

ليبيا بين خريطتَي طريق مسدود

لم تنجح المساعي الحثيثة لحل الأزمة الليبية في التوصل الى رؤية مشتركة توافق عليها كل من حكومة طرابلس والمعارضة في بنغازي، فبقيت الحرب مستعرة بين قوات العقيد معمر القذافي الذي يرفض التنحّي عن السلطة، والثوار المصرّين على إسقاطه
معمر عطوي
منذ الأيام الأولى للحرب التي استعرت في ليبيا، تقدّم الرئيس الفنزويلي، هوغو تشافيز، بمبادرة الى صديقه الزعيم الليبي معمر القذافي، تتمثل في خطة وساطة تقضي بإرسال بعثة سلام دولية لتسوية النزاع الدائر بين المعارضة والسلطة في الهضبة الأفريقية. لكن هذه الوساطة، التي طرحها تشافيز على القذافي في اتصال هاتفي مطلع آذار الماضي، قوبلت برفض السلطة الليبيّة والمعارضة وبعض الأطراف الدولية المعنية بمتابعة الأزمة.
ففيما أعلنت قناة «الجزيرة» الفضائية أن الزعيم الليبي والأمين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، وافقا على خطة تشافيز، التي تقضي بإرسال بعثة وساطة إلى ليبيا تضم ممثلين لدول في أميركا اللاتينية وأوروبا والشرق الأوسط، سعياً إلى حل سلمي بين القذافي والقوات المتمردة على حكمه، نفى موسى أن يكون قد وافق، مشيراً الى أن الجامعة العربية لا تزال تبحث العرض. أما موقف القذافي فقد تكفّل بإعلانه نجله سيف الإسلام، قائلاً «قادرون بما يكفي على حل قضايانا بأنفسنا. ليس هناك حاجة لأيّ تدخل أجنبي».
بدوره، قال المتحدث باسم المجلس الوطني الانتقالي في بنغازي، مصطفى الغرياني، «لن نقبل أبداً بالتفاوض مع أي كان على دماء شعبنا. الشيء الوحيد الذي يمكن أن نتفاوض بشأنه مع تشافيز هو رحيل القذافي الى فنزويلا».
وعلى الصعيد الدولي، كان الموقف الفرنسي هو الأبرز، إذ أعرب وزير الخارجية، آلان جوبيه، عن رفض بلاده لاقتراح تشافيز بالتوسط، معتبراً أن أي وساطة يكون هدفها إبقاء معمر القذافي في الحكم ليست محل ترحيب ومرفوضة.
ربما كانت المبادرة الأكثر إثارة للجدل في هذا السياق، «خريطة الطريق» التركية. فرغم رفض المسؤولين الأتراك في البداية الإفصاح عن وجود وساطة لديهم لحل الأزمة الليبية، عاد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ليتحدث عن «خريطة طريق» تسعى إليها أنقرة لإنهاء الأزمة.
تزامنت هذه المبادرة مع «خريطة طريق» مماثلة ولدت ميتة، كان وفد الاتحاد الأفريقي قد عرضها على الزعيم الليبي الذي وافق عليها، فيما رفضتها المعارضة في بنغازي.
وما بين خريطتي الطريق المذكورتين كان «ملك ملوك أفريقيا» يقوم بمبادرات دبلوماسية يعرضها على أصدقائه، منها تولّي أحد أبنائه السلطة لمرحلة انتقالية، وأخرى تقضي بوقف إطلاق النار وبقاء الأمور على ما هي عليه. بمعنى آخر، تقسيم البلاد بين شرقٍ تحكمه المعارضة وغربٍ يبقى في يد القذافي. مبادرات القذافي لم تجد آذاناً صاغية، لا في اليونان ولا في تركيا أو مالطا، الدول التي زارها مبعوث الزعيم الليبي نائب وزير الخارجية، عبد العاطي العبيدي.
وفي ما يتعلق بالمبادرة الأفريقية، قام وفد أفريقي (يضمّ رؤساء كل من جنوب أفريقيا جاكوب زوما، وجمهورية مالي أمادو توماني توري، وموريتانيا محمد ولد عبد العزيز، والكونغو دينيس ساسو نغيسو، ووزير خارجية أوغندا هنري أورييم أوكيلو)، بزيارة الى طرابلس وبنغازي هذا الشهر. ثم توجه إلى الجزائر لاستكمال البحث بشأن إيجاد حل سلمي للأزمة في الهضبة الأفريقية.
وتمكن الوفد من انتزاع موافقة على مبادرته من القذافي الذي يبدو تأثيره واضحاً بقوة على القرار في عدد من الدول الأفريقية التي أغرقها بالدنانير الليبية على مدى سنوات. وبدت ثقة طرابلس بجاراتها في القارة السوداء، من خلال إصرارها على التوصل «إلى حل في إطار أفريقي بعيداً عن أي تدخل خارجي». لكن هذه المبادرة لم تلق القبول لدى المعارضة في بنغازي، التي استبقت زيارة الوفد بإعلانها رفض العرض «ما دام القذافي وأبناؤه لم يتنحّوا عن الحكم».
لقد حاول الاتحاد الأفريقي قبل هذه الجولة على الأطراف، إنقاذ وساطته، وتفعيل خطته بدعوة ممثلين عن النظام الليبي وآخرين عن الثوار إلى مقره في العاصمة الإثيوبية، لكن ثوار «ائتلاف 17 فبراير» رفضوا إرسال وفد إلى الاتحاد الأفريقي، وحضر وفد يمثل النظام الليبي فقط.
وإذ لم يكشف عن مضمون المبادرة بالكامل، ولا سيما في مسألة تنحّي القذافي عن السلطة بحجة «أن يبقى الأمر سرياً»، إلا أنها تنصّ على «الوقف الفوري للأعمال العدوانية»، وتسهيل نقل المساعدات الإنسانية إلى السكان، وإطلاق حوار «بين الأطراف الليبيين» بشأن فترة انتقالية. ثم تأمين «حماية الرعايا الأجانب بمن فيهم العمال الأفارقة في ليبيا».
وتشترط المبادرة تزامن الفترة الانتقالية مع «إصلاحات سياسية ضرورية للقضاء على أسباب الأزمة الحالية، مع أخذ التطلعات المشروعة للشعب الليبي إلى الديموقراطية والإصلاح السياسي والعدالة والسلام والأمن في الاعتبار، وكذلك إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية». ومرت خريطة الطريق الأفريقية بمحطات عدة قبل وصولها إلى مرحلتها الحاسمة، والبدء بعرضها على طرفَي الصراع، فقد وافق مجلس السلم الأفريقي عليها في العاشر من آذار الماضي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. ثم اجتمعت اللجنة المؤلفة من خمسة رؤساء في العاصمة الموريتانية نواكشوط في 19 آذار الماضي، لوضع اللمسات الأخيرة على الخريطة، وللتوجه جميعاً إلى ليبيا.
وسعى القائمون على المبادرة إلى إعطائها مسحة دولية، بدعوة ممثلين للاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ودول منظمة المؤتمر الإسلامي، إضافة إلى وزراء خارجية الدول الأعضاء في لجنة الاتصال التي شكلت لمتابعة الوضع في ليبيا، والتي تضم جنوب أفريقيا والكونغو وموريتانيا ومالي وأوغندا، إلى حضور الاجتماع الذي انعقد في الخامس والعشرين من الشهر الماضي.
أما بالنسبة الى الوساطة التركية، فقد أعربت حكومة «العدالة والتنمية» عن استعدادها للقيام بدور الوسيط بين العقيد الليبي وزعماء الثوار للتفاوض على وقف لإطلاق النار.
وبدا التحرك التركي، الذي لم يصل بعد الى بلورة وساطة واضحة، نابعاً من خوف المسؤولين في أنقرة على رعاياهم الذين يتجاوز عددهم 30 ألف موظف وعامل في ليبيا.
لذلك، كان الدور التركي لا يتمتع بالصدقية الكافية بنظر المعارضين في بنغازي، وخصوصاً أن إحدى أفكار رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، كانت تقضي بتولي أحد أبناء القذافي السلطة لمرحلة انتقالية.
لكن كلمة وساطة وردت على لسان أردوغان للمرة الأولى من ناحية الجهوزية للقيام بها، حين قال «إنّ تركيا مستعدة للتوسُّط في وقف إطلاق النار»، محذراً من أنّ الصراع الطويل يمكن أن يُحوّل البلاد إلى عراق ثانٍ أو أفغانستان أخرى.
وأضاف أردوغان إن بلاده تتطلع إلى خريطة طريق تحقق الحرية والديموقراطية للشعب الليبي، وتقوم على وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الموالية للقذافي من المدن التي وصلت إليها، والعمل على إجراء تحول ديموقراطي.
موقف الثوار من أنقرة وصل الى ذروته حين رفضوا تسلّم مساعدات تركية وصلت على متن سفينة إلى ميناء بنغازي، معتبرين الرفض رداً على موقف أردوغان الذي حذر فيه من توريد أسلحة للثوار خشية تزايد خطر «الإرهاب» في شمال أفريقيا.
بيد أن حرص المسؤولين الأتراك على أن «أي قطرة دم ليبية أثمن من أي قطرة نفط»، حسبما قال أردوغان، وتشديدهم على ضرورة الحفاظ على «وحدة الأراضي الليبية» دفع المعارضة إلى إرسال موفد الى أنقرة للاستماع الى المسؤولين هناك بهذا الخصوص.
وفي أنقرة التي وصل إليها العبيدي، بعد عودته من أثينا، تحدث وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، عن جهدٍ تركي لتحقيق هدنة، وخريطة طريق للإصلاح السياسي بما ينهي معاناة ليبيا، وقال إن بلاده في اتصال أيضاً مع المعارضة الليبية. وتزامن وصول العبيدي الى أنقرة مع زيارة إلى العاصمة التركية قام بها الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي، أندرس فوغ راسموسن، الذي التقى أردوغان، وبحثا الأزمة الليبية.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية التركية، إن «كلا الطرفين أبلغانا ببعض الأفكار عن وقف إطلاق النار». وتحدث عن اتصالات تجريها تركيا مع المعارضة الليبية عبر قنصليّتها في بنغازي، وقال «سنتحادث ونرى إن كانت هناك أرضية مشتركة لإعلان وقف إطلاق نار».
هذه المبادرات التي لم تؤت ثمارها بعد، سبقها حراك ليبي قام به مبعوث القذافي العبيدي، الى أثينا، حيث قال وزير الخارجية اليوناني ديميتريس دروتساس، في بيان «يبدو من تصريحات المبعوث الليبي أن النظام يبحث عن حل»، فيما أوضح مسؤول في الحكومة اليونانية أن الجهود الدبلوماسية تشمل استكشاف كيفية ترتيب هدنة، لكنه وصف الوضع بأنه «صعب للغاية». وقال إن هناك الكثير من الشكوك وعدم الثقة بين الجانبين.
ولم تتوقف المساعي الرسمية الليبية عند حدود أنقرة، بل تجاوزتها الى مالطا، الجارة البحرية للجماهيرية والرئة التي تتنفس من خلالها في الأزمات. فقد غادر العبيدي تركيا إلى مالطا التي أبلغته عبر رئيس الوزراء، لورانس جونزي، أنه «يجب على القذافي وعائلته التخلي عن السلطة».
وتبين في ما بعد أن هدف إيفاد مبعوث القذافي إلى أوروبا هو اختبار مدى تقبل الحكومات الغربية لطرح أحد أبناء العقيد خلفاً لوالده في إطار مقترح لإيجاد حل للأزمة الليبية.
وكانت صحف أميركية قد نشرت أن اثنين على الأقل من أبناء الزعيم الليبي، هما الساعدي وسيف الإسلام، عرضا رحيل والدهما عن السلطة، والانتقال إلى ديموقراطية دستورية، على أن يتولى أحدهما المرحلة الانتقالية.
وما بين خريطتي طريق مسدود ـــــ على ما يبدو ـــــ ظهر مبعوث الأمم المتحدة الخاص، عبد الإله الخطيب، في الجماهيرية، للاستماع الى مسؤولي السلطة والمعارضة على حد سواء.
وقد يكون أفضل تعبير عن الواقع الذي تعيشه الهضبة الأفريقية، في ظل زحمة الوساطات الفاشلة، تقرير الخطيب إلى مجلس الأمن الذي أفاد فيه بأن كلا الطرفين من الحكومة ومعارضيها أظهر استعداداً للقبول بوقف إطلاق النار، تحت إشراف مراقبين، لكنه قال إن البيانات التي أصدرها الجانبان لاحقاً أثارت شكوكاً بشأن استعداد الطرفين لقبول وقف للقتال.

11‏/4‏/2011

تركيا وليبيا: مصالح أقوى من الضغوط


بدت تركيا على نحو لافت منذ انطلاقة الثورة الليبية في 15 شباط الماضي، مهتمة بالوضع هناك على غرار «أم الصبي» حسب الوصف الشعبي، ما هي أسباب هذا الاهتمام؟
معمر عطوي
لم يكن الموقف التركي حيال التدخل العسكري الغربي في ليبيا، نابعاً من فراغ؛ فالدولة العثمانية الحديثة الساعية إلى تصفير المشاكل مع دول الجوار، تربطها مصالح عميقة مع الجماهيرية العربيّة الغنية بالنفط.
لقد دخلت الحكومة التركية في المسألة الليبية بقوة، من خلال مساعدات إنسانية ومبادرات سياسية ومشاركة عسكرية للمراقبة البحرية. دخول بدا كأنه عامل توازن ضروري لعدم تكرار مشهد العراق في الهضبة الأفريقية.
لكن أنقرة في الوقت عينه، لعبت بتوازن أيضاً بين متطلبات شعبها في الداخل، ودورها الإقليمي بوصفها قوة لا يُستهان بها اقتصادياً وعسكريّاً، ولا سيما أن تركيا هي الدولة الثانية من حيث حجم القوة البرية في حلف شمالي الأطلسي.
لقد بدا الموقف التركي واضحاً في تذبذبه وتردّده حيال التدخل العسكري في ليبيا، منذ بداية الأحداث التي شهدتها الجماهيرية في 15 شباط الماضي. موقف نشأ من اعتبارات اقتصادية وأمنية، حيث يعمل في ليبيا أكثر من 25 ألف مواطن تركي، إضافة إلى شركات تلتزم عقوداً في البناء والنفط. وتطور هذا الموقف حسب مجريات الأزمة ليصل إلى أن تكون لأنقرة حصة الأسد في المراقبة البحرية، لمنع دخول السلاح إلى قوات القذافي، مع استمرار موقفها الرافض للغارات الجوية، وحفاظها على شعرة معاوية مع النظام الليبي.
وخلال مفاوضات طويلة وشاقة مع حلفائهم في الأطلسي، طالب الأتراك باستراتيجية عسكرية واضحة في ليبيا، فيما كانت طائرات التحالف الدولي بقيادة أميركية فرنسية بريطانية تلقي القذائف على القوات الحكومية في ليبيا.
وبدت أنقرة حريصة كل الحرص على عدم تعرض جاليتها ومصالحها في ليبيا للخطر، فكان موقفها المتأني نابعاً من هذا الحرص، الذي سرعان ما تبلور موقفاً آخر بعد إجلاء معظم الأتراك من منطقة النزاع، فيما كانت المعارضة القومية في الداخل تضغط على الحكومة لعدم التدخل في شؤون خارجية.
وحاولت تركيا عدم إغضاب النظام والثوار في ليبيا، في آن واحد، حيث باتت عالقة بين مصالحها الاقتصادية الكبيرة في البلاد، وضغوط حلفائها في الحلف الأطلسي لمشاركتها في الخيار العسكري.
لكن الحكومة ذات التوجه الإسلامي أذعنت أخيراً للقرار الدولي بالمشاركة، حيث «لم يكن هناك مهرب من انخراط تركيا في العملية العسكرية»، حسبما قال المحلل السياسي التركي سميح إيديز. وسارعت بعد ذلك إلى إرسال أربع فرقاطات وسفينتين وغواصة، من أصل 16 قطعة بحرية شاركت بها دول متعددة لمراقبة السواحل الليبية.
لقد حرصت تركيا منذ البداية على عدم الدخول في شبهة المشاركة بعمل وصفه رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بـ«حملة صليبية»، وراعى هذا الأخير في مواقفه الناخب التركي، الذي يستعد لعملية اقتراع برلمانية في حزيران المقبل، حيث سيترشّح رئيس الوزراء لولاية ثالثة. فحسب رأي المحلل إيديز، إن حذر أردوغان هو بسبب أن «التركي العادي يرى التدخل في ليبيا هجوماً غربياًَ جديداً على بلد مسلم، كما حصل في أفغانستان والعراق».
بيد أن تركيا برّرت مشاركتها في المراقبة البحرية بأنها تدخل ضمن آليات القرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن الرقم 1973، الذي يعطي أي مشاركة من هذا «شرعية دولية». وحرصت في الوقت نفسه على أن تبدو حريصة على ثروات دولة إسلامية، كانت تاريخياً في كنف الدولة العثمانية، معرّضة للفوضى والنهب الدولي مثل العراق وأفغانستان؛ فهي تعارض بوضوح «تدخلاً أجنبياً في ليبيا، الدولة الصديقة والشقيقة».
وذهب الرئيس التركي، عبد الله غول، أبعد من ذلك، حين قال إنه يتشكك في أن بعض حكومات التحالف لديها دوافع خفية وأن ليبيا قد «تُنهب» كما حدث مع العراق، فيما قال في مناسبة أخرى: «أتمنى ممن لا يرون سوى النفط ومناجم الذهب والكنوز الموجودة تحت الأرض حين ينظرون إلى هذا الاتجاه، أن ينظروا إلى المنطقة من خلال نظارات الضمير من الآن فصاعداً».
وكان غول من خلال هذا الموقف يرد على وزير الداخلية الفرنسي، كلود غيون، الذي أعلن أن الرئيس نيكولا ساركوزي «تصدّر حملة صليبية لحشد دعم مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي» لمنع ارتكاب مذابح في ليبيا.
وربما أدى الحذر التركي دوراً إيجابياً في تخفيف حدة التدخل الأجنبي في ليبيا، حين أصرّ رئيس الحكومة الحاصل على جائزة القذافي الدولية لحقوق الإنسان عام 2010، على ضرورة قيام عمل مشترك بين حلف الأطلسي وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، في العمليات، محذراً بدوره من تكرار مشهد العراق وأفغانستان في الهضبة الأفريقية.
قد يكون هذا السياق الذي سارت فيه السياسة الخارجية التركية التي استقبلت الأسبوع الماضي مندوبين من المعارضة والسلطة في ليبيا ضمن مبادرة لحل الأزمة، متناغماً مع حرص أنقرة، التي نجحت في تسلم دفّة العلاقات الاقتصادية مع العديد من دول العالم، على حفظ مكاسبها في الجماهيرية؛ فشركات البناء التركية العاملة في ليبيا منذ فترة طويلة، تملك استثمارات بقيمة 15 مليار دولار، حسبما تشير البيانات الاقتصادية في أنقرة. مكاسب بدا الحفاظ عليها ملحّاً لدى المسؤولين الأتراك. وحذر وزير الأشغال العامة والإسكان، مصطفى ديمير، من أن العمليات العسكرية الجارية في ليبيا ستؤثر سلباً على عمل الشركات التركية. وقال إن قطاع البناء في تركيا قد ينتقل للتركيز على البلقان والقوقاز ومناطق أخرى في الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة.
أما حجم الاستثمارات، فقد كان مرشّحاً قبيل اندلاع الثورة للتزايد بسرعة؛ فبحسب تقرير نشره موقع «ليبيا أون لاين» في شهر شباط الماضي، كانت تركيا تخطط لاستثمار 35 مليار يورو في البنى التحتية الليبية خلال الأشهر العشرة المقبلة. وبحسب الكاتب التركي عمر تاج بينار في صحيفة «زمان»، تقدَّر الاستثمارات التركية في ليبيا، وتحديداً في شركات الإنشاءات، بمبلغ يراوح بين 8 و13 مليار دولار.
وجاء في تقرير لمؤسسة «جايمس تاون»، أن شركات الإنشاء التركية تغلغلت في السوق الليبية، ووُقِّعت عقود ضخمة منذ عام 1970. وبعد وقف العقوبات الدولية على ليبيا في عام 2000، ازدهرت المصانع لخلق فرص عمل جديدة.
ولم يقتصر الاستثمار التركي على العمل في البنى التحتية وبعض المجالات النفطية، بل تعداه إلى تسلم موظفين أتراك لأسواق ليبية ضخمة. عبّر عن ذلك أحد المستثمرين الأتراك بقوله: «أتينا إلى ليبيا أولاً مقاولين. الآن، نحاول إحضار تجار تجزئة أتراك إلى البلد للعمل في المراكز التجارية الكبرى في المدن الليبية».
وفي السنوات الأخيرة، ارتفعت صادرات تركيا إلى ليبيا لتبلغ ملياري دولار في عام 2010، حسبما أوردت «سي إن إن تورك».
وعلى المستوى الزراعي، كان لتركيا دور رائد في تطوير حقول زراعية داخل البلد الأفريقي الصحراوي، حيث منحت ليبيا 60 ألف هكتار من الأراضي للمستثمرين الأتراك. وكان هذا النوع من التعاون مدار نقاش عميق بين وزير الزراعة والشؤون القروية التركي، مهدي إكر، وأمين اللجنة العامة الشعبية الليبي لشؤون الملاحة والمصادر الحيوانية، أبو بكر مبارك، في طرابلس في كانون الثاني الماضي.
أما المنتجات التي تسعى إليها الجماهيرية، فكانت من القمح والذرة، على أن تصبح ليبيا بوابة تركيا نحو أفريقيا، الغنية بالأراضي الخصبة وخزان الغذاء الضخم.
بسبب هذه العوامل السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية، بقيت أنقرة محتاطة في تعاطيها مع الملف الليبي. بمعنى آخر، لا تريد قطع روابطها مع المعارضة الليبية ولا مع نظام القذافي، وفي الوقت نفسه تعلن أنها ضد العقوبات وضد منطقة فرض حظر جوي، أو أي تدخل عسكري في ليبيا.

9‏/4‏/2011

ثوّار ليبيا من أطياف سياسية متعدّدة ولا سيطرة للقاعدة



رغم بطء التطورات على الصعيد الميداني في حسم نتيجة الصراع بين نظام العقيد معمر القذافي والمعارضة التي تتّخذ من مدينة بنغازي في شرق البلاد مقرّاً لها، تبدو الحركة السياسية نشطة على أكثر من محور، وخصوصاً في ما يتعلق بمبادرات ووساطات دولية لم تؤت أُكلها حتى هذه اللحظة


4‏/4‏/2011

انقسام عائلة القذافي يكشف حجم تضارب المصالح داخلها

يبدو أن النظام الليبي لا يعاني انشقاقاً على المستوى السياسي فقط، حيث كان الدبلوماسي علي التريكي، آخر من قدّم استقالته من منصبه كمستشار للعقيد معمر القذافي، بعد أيام قليلة على استقالة وزير الخارجية موسى كوسا، ذلك أن الانشقاقات وصلت إلى داخل العائلة الحاكمة

2‏/4‏/2011

تضييق الخناق على القذّافي: الانشقاقات تقتحم دائرته

ليس غريباً أن يتزامن الحديث عن تعاطي الحكومة البريطانية بحذر مع قضية وزير الخارجية الليبي موسى كوسا، في وقت ذكرت فيه صحيفة «الغارديان» البريطانية، أن أحد مستشاري نجل العقيد معمر القذافي، سيف الإسلام، يجري محادثات مع مسؤولين في لندن
معمر عطوي
حين أعلن وزير الخارجية الإيطالي، فرانكو فراتيني، أول من أمس أن الانشقاقات في صفوف الدائرة المقرّبة من الزعيم الليبي معمر القذافي، ستطيحه بدلاً من العملية العسكرية، كان ذلك إيذاناً واضحاً من بعض الدول الأوروبيّة بتفكيك قيادة القذافي من خلال انشقاق أقرب المقرّبين إليه. ولعله لم يكن آخر الغيث منذ يومين حين فرّ وزير خارجيته، موسى كوسا، إلى لندن، مبتعداً عن رفيق دربه الطويل.
الخبر أتى على لسان مصدر حكومي بريطاني، أمس، أعلن أن أحد مستشاري معسكر معمر القذافي في طرابلس، الذي كان يزور عائلته في لندن، عاد حاملاً «رسالة قوية» من الحكومة البريطانية إلى نظام الزعيم الليبي.
وقال هذا المصدر، طالباً عدم كشف اسمه إن «محمد إسماعيل أتى إلى بريطانيا لرؤية عائلته، واغتنمنا الفرصة لتوجيه رسالة قوية إلى نظام العقيد القذافي».
فعلى ما يبدو أن بريطانيا تعتمد في هذا الإطار سياسة مزدوجة، من ناحية تفتح الخط مع النظام عبر مستشار نجله سيف الإسلام (الفاعل في النظام، رغم أنه خارج السلطة)، ومن ناحية ثانية تستقطب المقرّبين من القذافي مثل وزير خارجيته الذي قيل إنه غادر طرابلس بحجة إجراء مفاوضات مع المسؤولين البريطانيين لإيجاد مخرج للقذافي، وهناك أعلن انشقاقه، طالباً اللجوء السياسي.
وقد يكون التعاطي الحذر من بعض المسؤولين في لندن مع كوسا، الذي نتج منه عدم منحه الحصانة وفتح ملفه في قضية لوكربي، مغازلة من العاصمة البريطانية للزعيم الليبي، هدفها إنجاح تسوية تضمن للقذافي الرحيل بأقل خسائر ممكنة للطرفين.
وبالعودة إلى الرؤية الإيطالية لتفكيك الحلقة الضيقة المحيطة بالقذافي، كرّت سبحة الانشقاقات أمس عقب فرار كوسا، حيث ذكرت مصادر أن مجموعة من المقربين من العقيد الليبي فروا خارج البلاد باتجاه تونس، هم: الأمين العام لمؤتمر الشعب العام الليبي محمد أبو القاسم الزوي، ورئيس جهاز الأمن الخارجي «الاستخبارات» أبو زيد عمر دورده، وأمين اللجنة الشعبية العامة المكلف الشؤون الأوروبية عبد العاطي العبيدي.
وفيما نفت وزارة الداخلية التونسية أن يكون أقارب للقذافي أو أفراد من عائلات أبنائه قد دخلوا تونس بهدف اللجوء أو العبور إلى دول أخرى، أعلن المندوب الليبي لدى الأمم المتحدة، علي التريكي من القاهرة، عدم الاستمرار في أي عمل رسمي مع نظام العقيد، مع التذكير بأن التريكي حل مكان عبد الرحمن شلقم الصديق الأقرب إلى القذافي الذي انشق عنه منذ بداية الأحداث في شباط الماضي.
وإن كان انشقاق ابن عم القذافي ممثله الشخصي، أحمد قذاف الدم، الصفعة الأكثر إيلاماً لنظام العقيد العنيد، فإن استقالات عديدة في صفوف الوزراء والدبلوماسيين وأجهزة الأمن والجيش بدأت منذ 15 شباط، لم تكن أقل خطورة على وضع النظام الليبي من غيرها.
ففيما أعلنت واشنطن أن انشقاق وزير الخارجية موسى كوسا، يظهر أن نظام القذافي يتداعى، كانت إشارات عديدة منذ بداية الثورة تبيّن بوضوح الآثار السلبية التي سيعانيها القذافي نتيجة انفضاض الجمع من حوله.
لم تكن استقالة وزير الداخلية الليبي عبد الفتاح العبيدي، هي فاتحة الاستقالات، بل سبقه وزير العدل مصطفى محمد عبد الجليل، وعدد من السفراء والدبلوماسيين في الجامعة العربية والصين والهند وأذربيجان وإندونيسيا وبولندا والأمم المتحدة والرباط والأردن. خطوات اندرجت جميعها تحت عنوان الاحتجاج على ما يرتكبه النظام بحق الشعب المطالب بالتغيير والديموقراطية.
وإذ أدت الاستقالات وسط السلك الدبلوماسي دوراً في تأليب الرأي العام العالمي على ممارسات السلطة الليبية، وتسريع العواصم الكبرى نحو دراسة قرار تدخّل جدي في ليبيا لوقف المذبحة، كانت الانشقاقات على المستوى العسكري والأمني مفيدة داخلياً وميدانياً لرفد الثورة المعدومة الخبرة بكفاءات عسكرية مهمة.
ورغم أن الانشقاقات كانت لها حصة الأسد في الشرق، ولا سيما بنغازي، لبعدها نسبياً عن دائرة القرار، إلا أنها تركت أثراً في إحداث شلل بين القيادة في طرابلس والمناطق. لعل أهم هذه الانشقاقات إعلان قائد المنطقة الشرقية، اللواء سليمان محمود، استقالته، وخصوصاً أن مواقف الرجل الرافضة لتوريث السلطة، أدت إلى تهميشه في السنوات الثلاث الأخيرة.
وسبق محمود، مدير أمن شعبية بنغازي، العميد علي محمود هويدي، الذي أعلن استقالته من منصبه واستعداده للانضمام إلى شباب الثورة. ثم انفرط العقد ليصبح معظم أفراد الكادر العسكري والأمني والسياسي في الشرق مع الثوار، ومنهم مدير الإدارة العامة للبحث الجنائي في بنغازي، العميد صالح مازق عبد الرحيم البرعصي. ولأن ليبيا قائمة على التقسيم القبائلي، الذي حاول القذافي توظيفه في حربه على مناهضيه، كان لإعلان قبائل ليبية كبرى براءتها من القذافي ونظامه، تأثير واضح على مصير النظام الذي لجأ إلى المرتزقة ليعوّض ما خسره من أبناء ليبيا في ساحات الوغى.
واللافت أن من بين هذه القبائل قبائل تقطن في المناطق الغربية، مثل قبائل الزنتان التي عبّر كبار مشايخها عن فقدانهم للثقة في شخص العقيد القذافي بعد كلمته الأولى من بيته في العزيزية، داعين عموم الشعب الليبي إلى الوقوف في وجهه ودعم الثورة.
وتضيق الدائرة لتطال القذاذفة أنفسهم، حيث وقف عدد من قيادات قبيلة القذاذفة في مدينة بنغازي إلى جانب الثوار، فيما دعا الوالي السابق لقبيلة أولاد سليمان، وهي ترتبط برابطة نسب مع قبيلة القذافي، الشيخ غيث سيف النصر، أبناء قبيلته وقبائل الجنوب إلى المبادرة بالانضمام إلى أبناء وطنهم، وأن «يتخلصوا من هذا الطاغية وهذا الظالم».
وفي قضية التفاوض السري بين لندن ودوائر القذافي، رفضت وزارة الخارجية البريطانية التعليق على المعلومات التي تحدثت عن أن مسؤولين بريطانيين التقوا محمد إسماعيل، أحد المستشارين المقربين لسيف الإسلام القذافي، لإجراء محادثات سرية. وأبلغت الصحيفة (الغارديان) أنها لا تنوي تقديم تقارير يومية عن الاتصالات بين البلدين.
ونقلت الصحيفة عن مصدر فضل عدم الكشف عن هويته في الحكومة البريطانية، أن اللقاء السري ما هو إلاّ واحد من اللقاءات التي نظمت خلال الأسبوعين الماضيين بين البلدين. وتناول اللقاء إمكان إيجاد مخرج للعقيد القذافي.
يشار إلى أن محمد إسماعيل غير المعروف في ليبيا والخارج، هو شخصية رئيسية بمحيط سيف الإسلام، وممثل طرابلس في مفاوضات شراء أسلحة، حسبما كشف موقع «ويكيليكس». وهذا غيض من فيض عن أهمية الرجالات الذين تركوا النظام بعدما اكتشفوا حجم خطره على شعبه.