10‏/3‏/2014

أتاتورك كان على حق

  • 2014/03/18
Attwi Moammar 2014 

معمر عطوي
يلمس الزائر مدينة اسطنبول التركية هذه الأيام، مدى تعلّق الشعب التركي بالعلمانية، خصوصاً بعد الفضائح التي يواجهها رئيس الحكومة الإسلامي، رجب طيب أردوغان، المتهم بالفساد هو وابنه بلال الى جانب عدد من وزرائه.

وبقطع النظر عن صحة أو عدم صحة الشرائط المُسجلة الثلاثة التي توثق أحاديث أردوغان مع نجله الأكبر حول الملايين المسروقة والرشاوى، أصبح المواطن التركي، خصوصا منه المسلم بالفطرة، يتعاطى بحذر مع حكومته التي خيّلت اليه أنها أتت لتعيد مجد السلطنة العثمانية.
وزاد في الطين بلة أن من يحارب أردوغان ويتهمه بالفساد، هو إسلامي آخر كان “أخاً” له في زمن محاربة السلطات العلمانية والعسكر قبل وصول حزب العدالة الى السلطة في العام 2002.

المواطن التركي المسلم الذي تربى في بيئة صوفية، فوجيء بتحول بعض الساسة الأتراك نحو الإسلام متأثرين هذه المرة بأفكار الإخوان المسلمين، فجمعوا بين بساطة الصوفي وحركية “الإخواني”، لكنهم في الوقت نفسه وقعوا في مطب السلطة وتحت تأثير مغريات دنيوية خالصة.

لا مجال هنا لعرض السقطات التي وقعت فيها حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي، خصوصاً تلك التي وصلت الى السلطة في مصر وتونس وليبيا واليمن، بيد أن النموذج التركي لوحده يكفي للدراسة والتأمل.

لقد وصل أب الحركة الإسلامية التركية الراحل نجم الدين أربكان، في العام 1996 للمرة الأولى الى رئاسة الوزراء في الدولة العلمانية المحمية من جيش عقائدي صلب ينفذ تعاليم مصطفى كمال أتاتورك بحذافيرها. لكنه لم يلبث أكثر من عامين إذ قام العسكر باطاحة حكومته وحظر حزبه “الرفاه”.

لكن الإسلاميين عادوا الى السلطة بصورتهم الشابة، أي الجيل الثاني الذي لم يكن يحظ بمباركة أربكان؛ إذ نعت الأخير أردوغان بالعميل للأميركيين وانتقده مرات عديدة على خلفية سياساته المتطرفة.

المفارقة أن معسكر العلمانيين هذه المرة ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم، لم يعد هو المبادر الأول لانتقاد الاسلاميين، بعدما بدأت الخلافات بين الإسلاميين أنفسهم وبات فتح الله غولين أيضاً بنظر أنصار أردوغان عميلاً للأميركيين وأحد أقطاب المحفل الماسوني، فيما يحظى رئيس الحكومة بدعم حلف شمال الأطلسي ومباركة واشنطن في سياساته منذ وصوله الى السلطة حتى اليوم.

وفيما يتصاعد الخلاف اليوم بين الداعية المقيم في الولايات المتحدة ورئيس الحكومة الساعي الى تحقيق سلطانه، يبدو التناقض واضحاً أيضاً بين أردوغان والرئيس عبدالله غول، حول العديد من الملفات سيما الملف السوري الذي أرهق الأتراك ولم تنجح أنقرة في معالجته رغم ان تركيا تئن تحت عبء نحو مليوني مشرد سوري ومن حدود مفتوحة أمام عناصر متطرفة تعمل بطريقة عابرة للقارات.

في أي حال، أمام ملفات الفساد التي يواجهها حزب العدالة والتنمية وما يرافقها من صراع عنيف على السلطة في الدولة العميقة بين الإسلاميين أنفسهم، يضع المواطن التركي أمام مقولة واحدة: أتاتورك كان على حق حين أبعد الدين عن السياسة. خصوصاً ان الاسلاميين لم يثبتوا فرادة في تعاطيهم مع مغريات الحياة الدنيا كما يصورون لأنصارهم في برامجهم الانتخابية، بل هم بشر مماثلون لغيرهم في الكذب والسرقة والفساد والاقتتال على المال والسلطة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق