26‏/11‏/2008

"احتكار" المقاومة" وسياسة ضبط الإيقاع

معمر عطوي

ربما أصبح الحديث عن «احتكار» حزب الله للمقاومة في لبنان ضدّ إسرائيل، متأخراً عن مرحلته، وخارجاً عن سياق النقاش اليومي الذي يهمّ اللبنانيين في هذا الوقت، في ظل الأزمة المعيشية الخانقة والتردّي الاقتصادي، وانعكاسات الصدامات الإقليمية الدولية على الواقع المحلّي واصطفافاته المذهبية. مع ذلك، لا يمكن في المرحلة التي نعيشها اليوم، تجاهل أسباب فرضتها الظروف الماضية لإنتاج الحقبة الحاضرة. ذلك أن هذا العري الفاضح في المواقف السياسية التي برزت ضد المقاومة في السنوات الأخيرة، هو بلا شك نتاج سياسة خاطئة رسمتها سوريا في لبنان وخضع لها حزب الله في سياق مساومة تضمن استمرار المقاومة في مقابل سكوت الحزب عن تجاوزات سياسية وكوارث اقتصادية واجتماعية.وقد يكون حصر المقاومة بحزب واحد، قد أوتي أُكله على الصعيد الميداني، من خلال انتصارات ونتائج مشرّفة بحكم إدارة الدفّة وفق إيقاع متوازن ومضبوط. لعلّ من إيجابيات ذلك، النتيجة المرضية التي توصلت إليها هذه المقاومة من تحرير للأرض غير مسبوق في الذاكرة العربية المعاصرة، ومن تحرير للأسرى وإسقاط لهيبة كيان لطالما وُصف بالأسطورة.غير أن لهذه الانتصارات عوامل ذاتية تتعلق بتموضع حزب الله في وسط مذهبي حاضن لسلاحه ولشبابه، انطلاقاً من قناعة تتغذّى من الموروث الديني. قناعة بأن هذا السلاح هو سلاح الشيعة ومصدر قوّتهم وحمايتهم، والدور المناط به يتعلق بالتمهيد لظهور الإمام الثاني عشر محمد المهدي المنتظر.إضافة إلى ذلك، معرفة عناصر حزب الله بحكم أنّهم ينتمون إلى هذا الشريط الطويل المحاذي لفلسطين المحتلة، بكل تضاريس المنطقة ومداخلها ومخارجها. ناهيك بالإعداد الجسدي اللازم للقتال والبعد العقائدي الذي يجعل العنصر يضحّي بنفسه من أجل أرضه طامعاً بجنة وحور عين في عالم غيبي آخر.والأهم من ذلك كله، استفادة المقاومة الإسلامية، التي كان بعض قياداتها مناضلين في فصائل يسارية وعلمانية وفلسطينية، من تجارب هذه الفصائل وأخطائها الكثيرة، بما يخدم العمل الأمني والعسكري على خطوط الجبهة.وهناك الظروف الموضوعيّة، التي ساهمت إلى حدّ كبير في تقوية حزب الله وتوفير إمدادات السلاح والمال له من دولة تحمل العقيدة والأهداف نفسيهما، عنيت إيران.ظروف خلقها الوجود السوري في لبنان والتقاء مصالحه مع الدولة الفارسية، رغم أن سوريا حين دخلت قوّاتها إلى بيروت في الثمانينيات، كان أولى ضحاياها 23 عنصراً من حزب الله سقطوا في «مجزرة فتح الله». سياسة توالت مع مواجهات خاضتها حركة أمل وبعض التيارات الحليفة لسوريا ضد الحزب بهدف إضعافه. إلى أن اقتنعت دمشق في النهاية بأن الحزب أصبح أقوى من أن يقدر أحد على ليّ ذراعه، فلجأت إلى تكتيك جديد يقضي باستخدامه ورقة في مساوماتها الإقليمية والدوليّة. والتقت معه في العديد من النقاط التي لا تؤذي توجهاتها ولا تُضعف من نفوذها وسيطرتها على مفاصل النظام اللبناني. وفي الوقت نفسه، أُتيح للمقاومة أن تتحرك عسكرياً وأمنياً، براحة أكبر، بالتنسيق مع أجهزة السلطة اللبنانية الموالية لدمشق وبغطاء من الاستخبارات السوريّة.معادلة أسّست لوضع أصبح معه حزب الله في السنوات الثلاث الأخيرة، وحيداً في الميدان مع حلفاء ضعاف. وكان يمكن تلافي هذه المعادلة، لو أن دمشق تملك بالفعل مصداقية في تعميم أسلوب المقاومة على المنطقة، بدءاً من الجولان، بدلاً من الحديث التافه عن ممانعة كلامية تُختصر حين تتعرض لضربة عسكرية أو أمنية، بجملة مهينة هي: «نكتفي بحق الرد»، أو بإقفال مركز تعليمي هنا وثقافي، على طريقة «أسمع جعجعة ولا أرى طحيناً».ربما لم يعد الحديث عن استبعاد تيارات أسست للعمل العسكري ضد إسرائيل في جنوب لبنان، من قوى فلسطينية ويسارية وقومية وإسلامية، مجدياً، بعدما سبق السيف العزل. بيد أن هذه التيارات نفسها وقعت في مأزق لا يمكّنها من خوض مقاومة على غرار المقاومة الإسلامية. إذ لا يمكن تجاهل العوامل الذاتية لهذه التيارات، التي باتت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والتحولات التي طرأت على العالم بعد حرب الخليج، في وضع لا تُحسد عليه، سواء على الصعيد المادي أو على الصعيد السوسيولوجي، حيث شهدت المنطقة صحوة دينية لعبت دوراً في احتضان مجاهدين من بيئتها وعلى شاكلتها.وبلا أي شك، الانتصار الذي حققه حزب الله، هو ثمرة زرعتها كل نقطة دم روت أرض الجنوب منذ النكبة وحتى عام 2006، وكل بندقية مهما كانت هويتها. وهذه المشاركة في الانتصار لم ينكرها حزب الله نفسه. لكن في ما لو أقام الحزب بحكم أنه يملك السلاح والمال والقاعدة الشعبية، غرفة عمليات مشتركة تجمع كل المخلصين في الوطن تحت عباءة مقاومة وطنية شاملة، لكان وضعه أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، ولكان حظي باحتضان حزبي وسياسي وشعبي مختلف عما هو سائد الآن.لقد تبنّى حزب الله مشروعاً سياسياً مقاوماً، كان ينبغي ألاّ يكون في جانب على حساب جانب آخر، كما تصرّف حين تجاهل المطالب الاجتماعية والانهيار الاقتصادي من أجل التفرّغ للمقاومة وحمايتها. تسوية مع الحكومة أثبتت فشلها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري مباشرة، حيث أصبحت المقاومة ـــ لسوء الحظ ـــ كالبقرة التي حينما تقع، يكثر سلّاخوها.بيت القصيد هنا، أن أخطر ما ارتكبه النظام السوري في لبنان هو حصر المقاومة في حزب الله دون غيره. لقد أوكل هذا النظام عناصر حليفة من خارج الحزب لمنع مقاومين من الوصول إلى المناطق الأماميّة. ولم يلجأ الحزب نفسه إلى ممارسة هذا الاحتكار أو المنع. بل، حسب معلومات موثوقة ومن الميدان، كانت المقاومة الإسلامية تشرك معها عناصر فلسطينية وإسلامية سنيّة في نشاطات لوجستية وأخرى تتعلق بالرصد والاستطلاع، إلى جانب تعاملها الأمني مع فئات واسعة من اللبنانيين ومن جميع الطوائف داخل الشريط المحتل وخارجه آنذاك. لكن جاءت في ما بعد تجربة «سرايا المقاومة» لاستكمال عناصر الديكور ليس إلّا.كما غطّت مدفعية المقاومة الإسلامية بعض عمليات انسحاب لمقاومين من أحزاب يسارية وفلسطينية. غير أنّ الحزب نفسه لم يكن يملك السلطة في إقرار غرفة عمليات مشتركة أو توزيع المحاور بين التيارات المقاومة لأسباب تتعلق بهذه التيارات نفسها كما ذكرنا، وأخرى تتلاءم مع تعليمات دمشق بضرورة حصر المقاومة بحزب الله بهدف واضح، أرادت من خلاله السلطة السورية، أن تضبط إيقاع الجبهة الجنوبيّة مع حركتها الدبلوماسية، حتى لا تفلت الأمور من عقالها.وكان من مصلحة سوريا أيضاً عدم تقوية تيارات سنية أصولية وأخرى يسارية، يمكن من خلال بروز قوّتها في لبنان، أن تمتد إلى الداخل السوري فتزرع فيه «الاضطرابات والفوضى»، ما ينذر بفتح جبهة الجولان، الذي أرادها النظام السوري مقفلة إلى أجل غير مسمّى.وممّا لا شك فيه، أنّ الخطأ السوري الفادح، الذي كان يحصل باتفاق مع إيران، قد دفعت ثمنه القيادة السورية وحزب الله معاً. الأولى خرجت من لبنان بحال مذلّة، والثاني أصبح هدفاً حتى لصغار النفوس والوضيعين، يرشقونه بالحجارة ساعة يشاؤون.بينما كان الأولى بسوريا أن تنظّم غرفة عمليات مقاومة مشتركة وتدعمها، تعبّر من خلالها، على الأقل، عن عرفانها بالجميل تجاه حلفائها القوميين واليساريين المناضلين، لا أولئك المتزلفين والوصوليّين الساعين وراء المناصب والوجاهة، الذين سرعان ما نتفوا ريشها حين استشرفوا أن مستقبل المنطقة يتجه أميركياً.أما حزب الله فقد تكررت أخطاؤه في المشهد السياسي، حين كان يختار حلفاءه الانتخابيين على أساس المصلحة الآنية والتركيبة الطائفية القائمة على الزعامات التقليدية، متجاهلاً رفاقه في الدم والمقاومة. لكن من جانب آخر، قد تختلف الرؤية، وقد يقول قائل إنه لو تمكن فصيل آخر ومن طائفة أخرى من تأدية الدور نفسه، لفعل الأمر نفسه أو أكثر. وقد يصحّ القول، إنّ ضبط الإيقاع قد منع حركة المقاومة من السقوط في الفوضى وسرّع في قطف ثمار الجهاد الطويل.بأي حال، المقاومة اللبنانية بكل أطيافها وتياراتها وروافدها الشعبية، انتصرت في لبنان، ولا حاجة لتكرار معزوفة من بدأ الخطوة الأولى ومن شارك ورفد وضحّى ومن قطف الثمار. المهم في هذه اللحظة الحساسة كيف يمكن أن تتحوّل المقاومة إلى فعل ثقافي واقتصادي واجتماعي من شأنه خلق حراك يهدف للتغيير الجذري في البنى التقليدية السائدة، وفي إرساء قناعة عامة بأن من يقاتل بصدره العاري أعتى قوة في المنطقة، هو المنتصر، ومن غير الجائز أن تصادر قوى الغيب مجهوداته وبطولاته بعنوان «النصر الإلهي».

الأخبار: ٢٦ تشرين ثاني ٢٠٠٨

25‏/11‏/2008

مضيق هرمز: الشريان الذي يؤلم العالم

فزّاعة إيرانية لكبح جماح الحرب: برميل النفط بـ400 دولار!
سفن إيرانية في مضيق هرمزما الذي يجعل مضيق هرمز بمثابة اليد التي تؤلم، ليس فقط لدول المنطقة، بل للعالم كله في حال نشوب حرب بين إيران والغرب؟ لعل تحوّل هذا الشريان الحيوي إلى وسيلة ضغط، نابع من موقعه الاستراتيجي عند مدخل الخليج بين سلطنة عُمان وإيران، وكرابط بين خليج عُمان وبحر العرب. إلا أن أهميته الاقتصادية كممر لحوالى 60 في المئة من النفط العالمي، تجعل مسألة إغلاقه، كارثة اقتصادية على الدول العربية المطلة على الخليج، وخسارة لأهم مصادر الطاقة لمعظم دول العالم، ولا سيما اليابان ودول أوروبا الغربية والولايات المتحدة. لعلّ معنى اسم «هرمز» في الأسطورة الإغريقية، كإله للخير، أبلغ دليل على حيوية هذا المضيق.

معمر عطوي
لم يكن التهديد الإيراني بإقفال مضيق هرمز، الذي تجدّد أخيراً على لسان قائد القوة البحرية الأميرال حبيب الله سياري، أمراً غريباً على الخطاب السياسي ــــ العسكري لطهران. إذ أدّى هذا المضيق، منذ بدء التهديدات بحرب محتملة بين الجمهورية الإسلامية والغرب، دور الفزّاعة التي تستخدم لإظهار مدى خطورة تداعيات أي نزاع عسكري محتمل على الوضع الأمني في الخليج وانعكاساته الوخيمة على الاقتصاد العالمي، وخصوصاً مصادر الطاقة.
ويُعدّ «هرمز»، من وجهة نظر القانون الدولي، جزءاً من أعالي البحار، ما يسمح لكل السفن بالمرور فيه، ولا سيما أنه يمثّل عنق الزجاجة الواصل بين مياه الخليج وبحر عُمان وصولاً إلى المحيط الهندي. وهو المنفذ الوحيد للدول الخليجية، باستثناء السعودية التي تطل على البحر الأحمر، فيما تطلّ إيران من الشمال على بحر قزوين، ومن الجنوب على بحر عُمان.
وتختلف الإحصاءات بشأن كميات النفط العالمي التي تمر عبر مضيق هرمز، بين دراسة وأخرى، وتراوح النسب بين 40 في المئة و60 في المئة.
بأي حال، الخسائر التي ستنجم عن إقفال المضيق لدى وقوع حرب محتملة، ستكون كارثية على دول المنطقة، من حيث تراجع حجم الصادرات، وعلى العالم من حيث النقص في كميات الطاقة.
وقد يكون التقرير الذي نشرته العام الماضي مجلة «التحليلات والأخبار الاقتصادية الخليجية»، شافياً ووافياً لجهة إظهار حجم الكارثة التي ستصيب المنطقة فيما لو جرى إغلاق «هرمز»؛ نحو 90 في المئة من صادرات نفط الخليج، تُنقل في ناقلات عبر المضيق، الذي يمر من خلاله أيضاً أكثر من 50 في المئة من حجم تجارة المنطقة مع العالم. ويشدّد التقرير على أن إيران نفسها ستعاني هذه المشكلة، لكونها تُصدّر عبر «هرمز»، حوالى 90 في المئة من نفطها.
وبالتالي فإن أسعار النفط سترتفع ارتفاعاً جنونياً، وقد تصل حسب الخبراء النفطيين، إلى 250 دولاراً للبرميل الواحد، وربما تصل إلى 400 دولار إذا استمر توقف إمدادات النفط من الخليج.
ويبدو أن إيران، التي تمتلك ترسانة عسكرية بحريّة تمكنّها من السيطرة على حركة الملاحة في الخليج، قد اتخّذت كل احتياطاتها استعداداً لما هو محتمل، وأعلنت قبل أسابيع أنها قررت تكليف الحرس الثوري مهمة الدفاع عن مياهها الإقليمية في الخليج، وأنها لن تتردد في إغلاق مضيق هرمز في حال قيام الولايات المتحدة أو إسرائيل بمهاجمتها.
الإعلان الأخير أتى على لسان الجنرال يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي، وجاء فيه «إن مسؤولية الدفاع عن الخليج الفارسي قد أوكلت إلى بحرية الحرس الثوري، بينما ستتولى البحرية التقليدية مهمات أخرى في بحر عمان وبحر قزوين». وصدور الإعلان عن مستشار المرشد يحمل العديد من الدلالات التي تؤكد ذهاب إيران بعيداً في المواجهة، التي أوضح صفوي ملامحها بقوله «إن بمقدور قواتنا المسلحة المزودة بأحدث الأسلحة الدفاعية، بما فيها الصواريخ بأنواعها، بسط سيطرتها على مضيق هرمز».
وكان قائد الحرس الثوري، محمد علي جعفري، قد أعلن في حزيران الماضي أن «إيران ستعمل بالتأكيد على فرض قيود على الخليج الفارسي ومضيق هرمز»، مهدّداً بأنه «إذا وقعت مواجهة بيننا وبين عدو من خارج المنطقة، فإن نطاق المواجهة سيمتد بالتأكيد إلى الموضوع النفطي. بعد هذا التحرك، فإن سعر النفط سيرتفع بدرجة كبيرة جداً، وهذا من بين العوامل التي تردع الأعداء».
ويمكن القول إن بدائل هذا الشريان الحيوي، المتمثلة ببعض أنابيب النفط، تبقى محدودة، في وقت تحتاج فيه المنطقة أيضاً إلى استيراد الخدمات والتكنولوجيا والأسلحة.
لكن هذا لا يمنع دول الخليج اليوم من التفكير تفكيراً جدّياً في إيجاد بدائل عن هذا المضيق في حال إغلاقه، مثل ميناء ينبع السعودي الواقع على البحر الأحمر، والمرتبط بأنابيب تصله بآبار النفط في المنطقة الشرقية من السعودية. إضافة إليه، هناك ميناءا عدن في اليمن، وصلالة في عُمان، المطلاّن على المحيط الهندي.
بيد أن الأميركيين يحاولون الإيحاء بأن إقفال مضيق هرمز لن ينجح، عبر تشكيكهم في إمكان طهران إغلاقه لأكثر من أيام معدودة فقط.
وفي تحليل عسكري ــ سياسي أعده الباحث الألماني هانز فالكن هاغن، يتبيّن أن «إيران باستطاعتها القيام بضربة حسّاسة لناقلات النفط في مضيق هرمز». ويشير التقرير إلى أن الجمهورية الإسلامية، وضعت خطة في هذا الإطار تهدف إلى تقليص انعكاسات أي ضربة عسكريّة ضدها، «ما يشير إلى أن إيران تشعر بتفوّق قوّاتها الحربيّة التقليديّة على القوى العسكريّة الأميركية والبريطانيّة في الشرق الأوسط».
أمّا الحيلة التي تستخدمها طهران في تحقيق هذه الفرضية (أيضاً بحسب التقرير الألماني)، فتكمن بما لديها من ترسانة أسلحة ضخمة، تضمّ الأساطيل البحريّة، ومنها سفن وغواصات محلية الصنع. فضلاً عن قدرتها على نشر آلاف الألغام البحريّة الموجّهة نحو أهدافها، في وقت قصير، في الخليج.
في هذا الإطار، أطلقت إيران صواريخ «تحت ــ مائية» تسير بسرعة مئة متر في الثانية، وتعدّ الأسرع في العالم، بحيث إنها تستطيع تجاوز الرادار أو نظام كشف التموجات الصوتيّة تحت الماء.
وتؤكد صحيفة «زوريخ الجديدة» السويسرية، في 5 نيسان 2006، أنه «مع وجود الصواريخ التحت ـ المائية وغيرها، قد تصبح كل الأساطيل الأميركيّة والبريطانيّة، بما في ذلك حاملات الطائرات في الخليج الفارسي وبحر عمان وبحر العرب، معرّضة في وقت قصير للغرق».



--------------------------------------------------------------------------------

«إله الخير» في مواجهة «الشيطان»

سمّي مضيق هرمز بهذا الاسم لتوسطه إمارة هرمز (سابقاً)، وهو من أهم المضائق المائية في العالم. وحسب دراسة للباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فاريبورز هاغشيناز، تحت عنوان «القدرات البحرية الإيرانية»، فإن طوله يبلغ حوالى 193 كيلومتراً، وعرضه 97 كيلومتراً في نهايته الشرقية، بينما يبلغ عرضه في الغرب 38.4 كيلومتراً، وفيه عمق يصل إلى 50 متراً. ويقع المضيق في منطقة تحتضن أكبر ميناء بحري وقاعدة عسكرية إيرانيين، يُسمى «بندر عباس». ويمر عبر هذا المضيق ما بين 40% من النفط التجاري العالمي و60 % منه، أي حوالى 17 مليون برميل في اليوم. بما يعني مرور أكثر من 50 ناقلة نفط يومياً.
و«هرمز» كلمة تعني في الأساطير الإغريقية «إله الحياة». ويؤمن به الزرادشتيون كإله للخير وكقاهر لإله الشر «أهريمان». فهل تستطيع إيران تحويله إلى قوة للخير في مواجهة «شر الشيطان الأكبر»؟

23‏/11‏/2008

عصر الجاهليّة: «الجماعة» فوق القيم

معمر عطوي
تكمن الإشكالية الأساسية لدى الفكر الديني، في البعد المذهبي وتداعياته على الواقع السياسي ــ الاجتماعي. إذ تؤدّي «دوغما» العقيدة، دوراً قذراً في تسويغ ظهور المواقف المتطرفة لكل جماعة. هي «الجاهلية» بصورتها الحديثة، حيث تطغى «سلامة العقيدة» على السياق العلائقي بين البشر، بما يؤسّس لظهور أحكام متبادلة، تهفّت مقولات التسامح والحوار و«الكلمة السواء». وليصبح حديث النبي عن «اختلاف أمتي رحمة»، نقمة تصيب «الأمة الإسلامية» ومستقبلها بالعقم.مناسبة القول تجد مبرّراتها في أكثر من ساحة وفي كل عصر. بيد أن ما تشهده المنطقة في هذه المرحلة يمثّل مصداقاً واضحاً لهذه التصورات؛ بعض أنصار المقاومة في لبنان مقيّدون باحترام المرجعية «الشيعية» في العراق، التي سوّغت التعامل مع الاحتلال، وغطّت حركات «إسلامية» شيعية تذرّعت بظلم صدام حسين من أجل أداء دور حصان طروادة لجلب الأعداء إلى المنطقة (مع التنويه هنا بموقف السيد حسن نصر الله الرافض للعملاء في المنطقة، وتأكيده على العراقيين منهم). في المقابل، تلجأ بعض الجماعات السنيّة المشاركة في المقاومة أو الرافدة لمشروعها، إلى إصدار تعميمات ظالمة بحق كل الشيعة في العراق، من دون استثناء جماعات شاركت أيضاً في المقاومة العراقية ضد المحتل ووقفت إلى جانب مجاهدي الفلوجة والرمادي، أمثال «جيش المهدي». الجيش الذي ورطته أصابع الاستخبارات لاحقاً، في نشاطات إجرامية ذات طابع تصفوي مذهبي، ما دفع السيد مقتدى الصدر إلى تجميد نشاطاته بهدف غربلة العناصر المتورطة، التي أساءت إلى صورة المقاومة «الشيعية».طبعاً، فكرة التعميم خاطئة وتؤدي إلى أخذ الصالح بجريرة الطالح «ولا تزر وازرة وزر أخرى» (سورة الإسراء). بيد أن العملاء لا دين لهم ولا مذهب، وإن كانوا ينتمون «قسراً» إلى جميع المذاهب والقوميات: الأكراد وغالبيتهم من السنّة يسيرون في المشروع الأميركي، كذلك الحزب الإسلامي «السنّي»، الذي شارك في آليات السلطة التابعة للاحتلال، بذريعة مبطّنة «عدم ترك الشيعة يسيطرون على البلاد».يتكرّر المشهد مع بعض سنّة لبنان، حين وقفوا (ومنهم من كان في ميدان الجبهة ضد الاحتلال الصهيوني)، في وجه حزب الله، دعماً لرئيس حكومة «سني» يرتبط بعلاقة سافرة مع واشنطن ومن يدور في فلكها.وظهر في لبنان من ينادي بمقاومة «خطر» الصفويين والشيعة والفرس (لعلهم في مزارع شبعا) وحماية أهل السنة «الذين يتعرضون للاضطهاد».لعلّ وعّاظ السلاطين، قد عثروا على فتوى تجيز للرجال معانقة النساء (الرئيس فؤاد السنيورة ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس صيف 2006)، طمعاً بمساندة الولايات المتحدة له في وجه «الشيعة». المشهد قد يفسّر في الاتجاه نفسه في النجف، (معانقة علماء دين شيعة لحاكم «الوصاية» الأميركية المدني، بول بريمر)، ترحيباً بمن «أنقذ» الشيعة من ظلم صدام حسين، «السني».وفي لبنان، تفقد المقاومة بصورتها المذهبية بعض ذلك الوهج الذي يرافق انتصاراتها في العادة. حين يتجاهل بعض المتحدثين باسمها ما يقوم به «الإخوة» العراقيون من تطبيع مع الاحتلال. وتصبح صفة «المقدّس»، التي يُنعت بها هذا الفقيه أو ذاك من فقهاء الاحتلال، في إعلام المقاومة، مثيرة للاشمئزاز، ودافعة للتساؤل عن صدقية المقاومين في طروحاتهم الوطنية «المتعالية على المذهبية».وجه التخلف هنا ــ وعلى الضفتين ــ واضح؛ فئة مقاومة تبيح قتل أبناء المذهب الآخر، وفئة مقاومة أخرى تدافع عن مواقف أبناء مذهبها حتى لو كانوا في صفوف الاحتلال.وجه التخلف هذا يُضعف فكرة الإيمان بالمقاومة والثقة برجالاتها وإعلامها، ويبخّس مقولاتها بشأن سعيها نحو المجتمع الكريم. هذا إذا كانت فكرة المقاومة في وعي القيمين عليها، تعبيراً عن تمرّد لا يقتصر على العمل الأمني والعسكري ضد العدو، بقدر ما يسهم في تغيير شامل في الذهنية السائدة وفي الوضع الاجتماعي والاقتصادي والتربوي، من منطلقات إنسانية بحتة، لا دينية ولا مذهبية.الجانب الآخر من الإشكالية، يتعلق بـ«ظلامية الجماعة»، بمعنى تحجيم خطر العدو الذي يصيب أمة ما بسبب مصالح اقتصادية ـ على الأرجح ـ أو جيو ـ بوليتيكية.تحجيم يتمظهر في خطاب «الجماعة» التي ترى أن الخطر يهدّدها وحدها من أجل عقيدتها ومبادئها. ذهنية بدأت مع اليهود في أوروبا، وتبلورت أكثر مع أحداث المحرقة النازية، إذ يصبح الظلم لاحقاً بجماعة اليهود فقط دون غيرهم، مع العلم أن ضحايا النازية كانوا من مختلف الأديان والقوميات.هذه الذهنية التي تكررت رؤيتها وسط الشيعة في العراق وانسحبت في ما بعد على الأكراد، هي التي خلقت مناخات توحي أن صدام حسين كان يتعمّد قتل الشيعة دون غيرهم، بينما الواقع يؤكد أن معارضين كثيرين من سنّة وغيرهم في العراق، كانوا من ضحايا التعذيب والاعتقالات في زمن حزب البعث البائد.الصورة نفسها يمكن مشاهدتها على الحدود الإيرانية ــ الباكستانية في إقليم سيستان بلوشستان، حيث تقوم جماعات متطرفة بتوتير أمن البلاد بإيحاء أميركي، تحت ذريعة الدفاع عن أهل السنّة من ظلم النظام الشيعي، فيما تقوم هذه الجماعات، بتسهيل مرور المخدرات إلى العراق والخليج مروراً بإيران التي باتت تعاني وجود أكثر من مليوني مدمن على «السموم البيضاء». والمخدرات يفترض أنها حرام في الإسلام.كذلك نجد في البحرين والسعودية من يقلّص خطر الأنظمة الملكية هناك، ليجعلها فقط ضد الشيعة، رغم أنها تبلغ كل من عارض السلطة حتى لو كان ابن عم الملك نفسه أو شقيقه.وعلى نحو أشمل، هناك كثير من المسلمين، يرون أن خطر الأميركيين يستهدف «الأمة»، لأجل دينها. ولا ينظرون إلى الشعوب الأخرى، التي نالت كفايتها من الظلم الغربي وفي مقدمتهم اليابانيون والفيتناميون وشعوب أميركا اللاتينية، فيما كانت مصلحة واشنطن دعم الأنظمة التوتاليتارية الإسلامية في العالم، عندما خدمت مصالحها. الأسطوانة تتكرر مع مسيحيي الشرق، وخصوصاً في لبنان والعراق، حيث تتذرّع الكنيسة بإحباط المسيحيين وهجرتهم، مع العلم أن المحبطين من المسلمين، المهاجرين إلى الغرب، هم أكثر بكثير من أقرانهم المسيحيين.هذه الذهنية الذرائعية، التي تسعى إلى تسويغ «الخوف» من الآخر، أو تبرير محاولات القضاء عليه (حتى لو كان السلف أكثر ظلماً من الخلف)، هي أحد أكبر أمراض العصر الجاهلي الحديث وأخطرها، حيث أصبحت مصلحة «الجماعة» المذهبية أو الدينية، فوق القيم الأخلاقية. وباتت أهداف الإنسان في أن يعيش بكرامة في هذه الحياة، أهدافاً ثانوية في ظل استفحال الموضوع المذهبي، وتبلور الخطاب الغرائزي الذي يصبّ في خدمة المذهب وتقديس ما هو غير مقدّس، إن لم يكن وهماً.

الأخبار:
٥ تشرين ثاني ٢٠٠٨