13‏/3‏/2013

استغلال الدين… منذ معركة صفّين

معمر عطوي
في المقالة السابقة تناولنا قصة معركة الجمل التي انطلقت بدافع سياسي، وتبين وفق مقاربة تاريخية أن المنظومات العقائدية وُلدت من رحم المصالح السياسية، ولم يختص الله كل مذهب بكتاب أو بروايات تزكّيه عن غيره كما تزعم كل جماعة. فلكل منهم رواياته وعدّته “المنطقية” والجدلية لإثبات وجهة نظره على أنها “العقيدة الصحيحة”.
الدليل على سياسية المشكلة، هو أن مرحلة النبي محمد والى حد ما مرحلة الخلفاء الراشدين، لم يكن فيها خلاف على العقيدة الإسلامية، ولم يكن في الأصل مذاهب وملل دينية في الوسط الإسلامي. ذلك ان الخلاف السياسي الذي نشأ منذ حرب الجمل مر بمحطات عديدة قبل أن يتأصل كل مذهب بعقيدة منفردة وصولاً الى اختلاف في العبادات والمعاملات.
بعد نحو عام من معركة الجمل كانت المحطة الثانية معركة صفين، بين الإمام علي بن ابي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. سبب هذه المعركة أنه عندما استلم إبن أبي طالب الحكم، أصدر أمراً بعزل معاوية عن إمارة الشام، لكن إبن أبي سفيان رفض. واندلع القتال الذي دام نحو تسعة أيام سقط خلالها من الطرفين سبعون ألف مقاتل.
وانتهت هذه الحرب بقبول الطرفين اللجوء الى التحكيم لوقف حمام الدم. وبعدها أذن علي بالرحيل إلى الكوفة، وتحرك معاوية بجيشه نحو الشام.
فإذا كان إمام حكيم وعادل كعلي وصحابي داهية له اعتباره بين العرب مثل معاوية، قد ارتكبا خطأ الفتنة في وقت كان الإسلام في أشد الحاجة الى اللحمة والتكاتف، فكيف هو وضع هؤلاء العلماء ورجال الدين اليوم والذين لا يملكون من حكمة علي ولا دهاء معاوية قيد أنملة؟
بالطبع المسار التاريخي للأحداث يبين حجم الأساطير المؤسسة للمنظومات العقائدية وعلوم الأصول، والجرح والتعديل، والرجال، والفقه الخ لدى كل طائفة من طوائف المسلمين.
فكما هي رسالة المجمع الكنسي نشأت بعد عقود طويلة من وفاة عيسى بن مريم، كذلك هي علوم الشريعة الإسلامية ظهرت تباعاً بعد عقود من وفاة النبي. ولعبت السياسة دوراً بارزاً في ترويج تعاليم معينة ودثر تعاليم أخرى، وتعظيم أشخاص معينين وطمس معالم شخصيات أخرى.
وكان للدولة الأموية باع طويل في تأسيس رواسب مذهبية وعلاقة مُلتبسة بين أهل السنة وأهل بيت النبي. كما كان لعزلة الشيعة دور سلبي في المغالاة بحب أهل البيت وطمس معالم الصحابة ونشر الكراهية لبعضهم بحجة إساءتهم للإمام علي وأتباعه. ث
م جاءت الدولة الصفوية ومارست ما مارسته بحق السنة رداً على ممارسات الأمويين والعباسيين بحق الشيعة.
وفي الواقع، كان ظلم كل دولة ينبع من مصالحها الدنيوية، ولا علاقة لذلك فقط بالعقيدة كما يزعم هؤلاء أو أولئك، لأن الحكومات التي كانت تزعم أنها تابعة للمذهب السني اضطهدت حتى أئمة المذاهب السنية الأربعة وعلماء دين من أفكار ومشارب منوعة داخل الجماعة السنيّة.
لكن حاجة كل طرف الى دعم وجود جماعته تطلب تدعيم حضوره بدوغما عقائدية، تجعل المريد عبداً للشيخ، والمقلد عبداً للمجتهد والمرجع، والرعية عباداً للخليفة. وكل ما يُحكى عن وحدانية الله يتوقف أمام “هيبة” أولي الأمر الذين ينطقون باسمه. فكان هناك “عشرة ُبشّرون بالجنة” من الصحابة ممنوع المس بهيبتهم أو التشكيك بطهرهم، وكان هناك في زمن لاحق “اثنا عشر اماماً معصوماً” زعم بعض علماء الشيعة أنهم كواكب درية ليست من جنس البشر.
فوقعة الجمل ومن بعدها صفين وصولاً الى كربلاء ومقتل الحسين بن علي حفيد رسول الله في أيام عاشوراء، كل ذلك أسس الى ظهور مذهبين فيهما من التطابق أكثر من التباين. لكن التركيز على الاختلاف كان دائماً يُسعّر الحروب والنزاعات التي عادت هذه الأيام لتحوّل ربيع العرب الى شتاء قارص (معناها لاذع وموجع) وقارس (شديد). فحرب الروايات بين المذهبين واتخاذ كل منهما مجموعة من “الرواة الثقاة” الذين يستند اليهم، أعطى للاختلاف بعداً عقائدياً أصولياً. لكن حين يكون هناك مصلحة دنيوية ليجتمع الطرفان سيجتمعان بالطبع على كلمة سواء، وسيعتصمان “بحبل الله” لكن بشرط ان لا يكون هناك طابور خامس يلعب على التناقضات بينهما، حينها سيظهر المبرر الشرعي للجهاد والاستشهاد في حرب الإخوة.. ويا له من جهاد فائق القداسة في حضرة شهداء تحركوا بغرائزهم لا بعقولهم وقلوبهم التي يزعمون انها مفعمة بالإيمان.
"برس نت" 13 آذار 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق