4‏/6‏/2008

منعطفات إشكاليّة لم تسلم من التكرار والاجترار


إهرنبرغ يتنقّل بين ذهنيّة العرض وروحيّة المقاربة
معمر عطوي

يعكس كتاب «المجتمع المدني ــ التاريخ النقدي للفكرة» (ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم ــ المنظمة العربية للترجمة)، اهتمامات كاتبه جون إهرنبرغ، كناشط في الحقوق المدنية ومناهضة الحروب. الرجل يعطي رؤية نقدية شاملة لفكرة المجتمع المدني منذ الفلسفة اليونانية مع أفلاطون وأرسطو إلى مراحل سيطرة الرأسمالية على اقتصاد السوق الذي أسهم في «تسليع الميدان العام».لقد أراد إهنبرغ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة لونغ آيلند الأميركية، أن يعالج مفهوم المجتمع المدني، معالجة شاملة، فوقع في التكرار أحياناً وفي اجترار العبارات، واسترسل أحياناً أخرى في الاستطراد لدرجة تضييع الفكرة الأساسية. استطراد بدا واضحاً في مناقشاته لفلاسفة كبار مثل عمانوئيل كانْت، وفريدريش هيغل عن مفهوم المجتمع المدني، باذلاً في هذا المضمار جهداً مضاعفاً من أجل التوصُّل إلى عصارة أفكار تصبُّ في تحقيق هدفه من وضع هذا الكتاب ــ الأطروحة. إذ إن فكرة المجتمع المدني بحدّ ذاتها كانت مطروحة منذ العصور القديمة، وفق معايير مختلفة عن السائد اليوم. وربما كانت ممارسة أكثر منها رؤية فلسفية، لكنها قد تكون تبلورت مع تقسيم أنظمة الحكم وطبقات المجتمع في فلسفتي أفلاطون وأرسطو وما جاء بعدهما.ممّا لا شك فيه أن الدراسة مستفيضة جداً وتستدعي الوقوف عند الكثير من منعطفاتها الإشكالية التي أراد من خلالها الكاتب الانتقال من ذهنية العرض إلى روحية المقاربة بين الرؤى، والمقارنة بين المتناقضات. لذلك استطاع في كتاب يتألف من 470 صفحة من القطع الوسط أن يعطي الموضوع حقّه.لكن كاتبنا المتخصّص في الماركسية والفكر الديموقراطي، وقع في إشكالية منهجية ــ إذا صحّ التعبير ــ من خلال إقحامه الفكرة المسيحية عن المجتمع المدني كرؤية دينية، وإن كان توما الاكويني وأوغسطين أقرب إلى الفلاسفة من الإكليروس.في كتابه «مدينة الله»، يستنتج القديس أوغسطين أن «الخطيئة تمخّضت عن تراتبية في التاريخ الإنساني، وخلقت، في الوقت نفسه، إمكان أن يكون لمؤسسات المجتمع المدني تأثير إصلاحي». انطلاقاً من هذا المفهوم، رأى إهرنبرغ أن أوغسطين «حوّل المجتمع المدني الكلاسيكي ــ الذي قام لدى الإغريق والرومان مقام حلبة للنقاش العام والفعل الأخلاقي ــ إلى آلية قسرية تحقّق غايات الله عن طريق إنزال العقاب بالفئة الضالّة والتخفيف من وطأة الخطيئة».لم يجانب الكاتب الصواب حين تطرّق إلى مسائل تتعلّق بالجماعة المسيحية من خلال حديثه عن الإيمان والدولة والانشقاقات التي حصلت في الكنيسة، والتي «فرّخت» نظريات عديدة ومتباينة عن المجتمع المدني. لكنه وقع في إشكاليّة منهجية لجهة معالجة موضوع فلسفي ــ سياسي من منظور لاهوتي في سياق فلسفي ــ اجتماعي.بمعنى أنّ التصنيف المنهجي للبحث ينبغي أن يعطي الحق لمناقشة نظريات دينية أخرى كالإسلام واليهودية والهندوسية والبوذية ــ على سبيل المثال ــ عندها يمكن الباحث أن يتجنّب إشكالية الدمج بين الفلسفة واللاهوت فيعطي قسماً من كتابه للرؤى التيولوجية، ويترك الأقسام الأخرى للحديث عن المجتمع المدني في ضوء المدارس الفكرية ــ الفلسفية. ثم ينتقل بعد ذلك إلى مناقشة المجتمع المدني في ضوء أنظمة حديثة مثل الشيوعية والرأسمالية وغيرها من أشكال الحكم السائدة.يتألف الكتاب التي تولّى «مركز دراسات الوحدة العربية» توزيعه، من ثلاثة أقسام وتسعة فصول. في القسم الأول تحت عنوان «أصول المجتمع المدني»، يناقش إهرنبرغ «المجتمع المدني والموروث الكلاسيكي» انطلاقاً من رؤية أفلاطون، في محاورة كتابه الشهير «الجمهورية»، الذي يرى فيه أن الناس يعيشون في ميادين مترابطة، وأن لكل ميدان منطقه التنظيمي الجوهري الخاص.وهنا يرى الكاتب أن أفلاطون أراد بلوغ فهم شامل للكل؛ «يتألف المجتمع المدني مثل جسم الإنسان أو طاقم السفينة، من عناصر مختلفة لها مهارات مختلفة وتؤدّي مهمّات مختلفة. فهو يستند إلى الحاجة الماديّة للكائن البشري إلى الطعام، والمسكن والملبس». ويستنتج الكاتب هنا أن «تقسيم العمل القائم على الاستعدادات الطبيعية يقع في قلب نظريّة أفلاطون عن العدالة، والسياسة، والمجتمع المدني».لكن أرسطو الذي يشاطر أفلاطون فهمه أن الصلات الإنسانية تتجذّر في الحاجة المادية، وأن تقسيم العمل يقع في صميم المجتمع المدني، يذهب أبعد من معلمه باعتباره «أن المنهج الغائي لدى أرسطو أدّى به الى اعتبار أن المدينة هي الرابطة أو الاجتماع الأكثر شمولاً وسيادة على الروابط الإنسانيّة كلّها، لأنها تهدف إلى أن تشمل الغايات الإنسانية كلها وتسودها».في الفصل الثاني المتعلق بـ «المجتمع المدني والجماعة المسيحية»، يقول الكاتب إن «المسيحية في بواكيرها لا تبالي نسبياً بقضايا الدولة، معتبرة إياها شؤوناً عابرة سرعان ما ستزول». ولكن عندما بات واضحاً أن المسيحيين يجب عليهم أن ينتظروا مجيء مملكة الله، اضطرّت السلطات الكنسية إلى التصالح مع العالم. والعملية الطويلة التي توصّلت بها الكنيسة إلى التفاهم مع الإمبراطورية أسفرت عن وضع تبرير للسلطة السياسية القسرية ومجموعة من الموجّهات النافعة لأجل وضع الكنيسة في صميم المجتمع المدني».ويرى إهنبرغ هنا أنّ مذهب «الخطيئة الأصليّة» سيؤّدي بالعديد من آباء الكنيسة إلى أن يستنتجوا أن الدولة كانت عاقبة إلهية بسبب طبيعة السقوط البشري، ولكن بهدي من الكنيسة، يمكن للدولة أن تؤدي دوراً مهماً في التاريخ الكلّي بتصحيح الخطأ البشري.في الفصل الثالث، يتناول الكاتب المجتمع المدني في ضوء الانتقال إلى الحداثة، متحدثاً عن الفضيلة والسلطة والضمير المتحرّر والسيادة والمصلحة. ويُخصّص القسم الثاني من كتابه عن المجتمع المدني والحداثة ليتحدث عن «نشوء الإنسان الاقتصادي» و«المجتمع المدني والدولة» و«المجتمع المدني والتنظيمات الوسيطة».أمّا القسم الثالث، ففيه دراسة مستفيضة عن المجتمع المدني والشيوعية، متحدثاً فيه عن النزعة الشمولية والثورة المحدودة ذاتياً. وينتقل في الفصل الثامن إلى المقلب الآخر ليتحدّث عن المجتمع المدني والرأسماليّة، متناولاً موضوع أسس التعدّدية وتسليع الميدان العام وأحلام التجديد. ويختم بالحديث عن المجتمع المدني والسياسة الديموقراطية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق