11‏/6‏/2008

سمهون يحارب إمبرياليّة اليوم بمقالات الستّينات


كتابات مختارة تخدم الشخصانيّة أم بحث منهجي؟
معمر عطوي
من السهل أن نكتب عن الإمبريالية ونقذفها بأقذع الشتائم ونستشرف سقوطها السريع بناءً على ظروف موضوعيّة وذاتيّة. غير أن بحثاً كهذا يتطلّب شحذ العدة الكاملة من أجل صناعة أفكار ممنهجة وسياق واضح للمعالجة.هذا ما لا ينطبق على كتاب «أعلى مراحل الإمبريالية» للكاتب الصحافي رفيق سمهون، والصادر عن دار عشتروت للنشر في بيروت، إذ إنه اختار عنواناً فضفاضاً لكتاب هو عبارة عن تجميع مقالات مختارة كتبها سمهون خلال مراحل نضاله الطويل في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني.ممّا لا شكّ فيه، أنّ الكتاب الذي تضمّن 45 مقالاً وملحقات، كتاب غنيّ بمعلوماته، قويّ بسبك عبارته، متقدّم لجهة طرحه إشكاليات عربية في الفضاء الاشتراكي العالمي، من خلال ما كتبه على صفحات مجلات عالمية مثل «مجلة قضايا السلم والاشتراكية» التي كانت تصدر في براغ بـ43 لغة من لغات العالم وتضم 70 حزباً شيوعيّاً.«أعلى مراحل الإمبرياليّة» عنوان جميل وجذاّب لمن يلاحق تطورات حركة الإمبرياليّة وتمدّدها «الكوني». غير أن هذا العنوان لا يمكن اختزاله بمجموعة مقالات تعبّر عن مراحل معيّنة مضت وتقرأ في أحداث قد لا تتشابه مع ما هو سائد اليوم.الأحرى بالكاتب، وهو مفكّر سياسي شيوعي معروف في الوسط اللبناني ــ العربي وربما العالمي، أن يتخذ عنواناً أقرب الى طبيعة المضمون مثل «مقالات مختارة». لأن العنوان الذي استخدمه الكاتب، يستحق الاهتمام بما يؤدي الى إخراج بحث منهجيّ ــ علمي يطرح إشكاليات الإمبريالية وظروف انغراسها في المجتمعات السياسية، والدور الاقتصادي في ترويج وتحقيق هذه الرؤية المهيمنة. بمعنى أن الحديث عن الإمبرياليّة يتطلب أطروحة متكاملة سياسية اقتصادية فلسفية اجتماعية، لا مجموعة مقالات بعضها إن لم يكن أكثرها قد لا يصبُّ في خدمة العنوان. وربما كان أفضل للكاتب لو اختار مقتطفات من مقالاته لخدمة هذا البحث لا عرض المقالات كما هي.بأيّ حال، الكتاب الغني بعرض المراحل السياسية التي مرّ بها لبنان والعالم، والأهم من ذلك أن كاتبها هو أحد صانعي المشهد السياسي اللبناني: هو الصحافي الذي عمل في جريدة «الأخبار» حين كانت متحدّثة باسم الحزب الشيوعي في الخمسينات، وهو القيادي الشيوعي الذي عمل رئيساً لاتحاد الطلاب عام 1954، ثم أصبح عضواً في الهيئة القيادية لمنظّمة بيروت، حيث قاد العديد من الإضرابات والتظاهرات المطلبية والوطنية وسجن ستّ مرات بين أعوام 1953 ــ1960.يتناول سمهون في كتابه قضايا عديدة تتحدّث عن «لبنان بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الأميركي والعدوان الأطلسي عليه وعلى المنطقة. ويستغرق قليلاً في إشكالية الأيديولوجيا التي تحاول الإمبريالية فرضها على العالم لزرع فكرة معاداة الشيوعيّة.ويقول في هذا السياق إنّ الأفكار التي يدعو إليها أنصار «عودة الأيديولوجيا» الليبراليون لا تخرج عن إطار النظرة البورجوازية للعالم ولا تنفي الملكيّة الخاصّة، إنما تنمو في تربة الرأسمالية، مستشهداً هنا بمقولة للينين الذي يرى أن المحاولات المتنوعة التي يبذلها الليبراليون الجدد لخلق أيديولوجيات جديدة «ليست سوى أوهام ودخان أيديولوجي».ثمة عناوين عديدة تستحق التوقّف عندها في كتاب سمهون، وخصوصاً إذا ما استحضر القارئ المرحلة التي كُتبت فيها هذه العناوين، والظروف الموضوعيّة التي كانت تصنع الأحداث آنذاك، على غرار الحديث عن «الريغانية»، أو من خلال استخدامه أدبيّات السبعينيات والثمانينيات حين كانت الحركة الوطنيّة في أوج تألّقها.لعلّ الهفوة الأخرى التي وقع فيها الكاتب هي تخصيص القسم الثالث من الكتاب لعرض مقتطفات من كتابه السابق «في نقد التجربة الاقتصادية المعاصرة». وفي هذا الضمّ ما يشير إلى الاهتمام بالكمّ على حساب النوع، وعلى التصرّف بشخصانيّة على حساب الموضوع. وهذا يعيدنا إلى الرؤية المنهجيّة التي يفتقر إليها الكتاب، رغم ما قدّمه الكاتب من أفكار نقدية مهمّة.
العنوان الأصلي أعلى مراحل الإمبرياليّة
الكاتبرفيق سمهون
الناشرعشتروت
عدد الاربعاء ١١ حزيران ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق