15‏/4‏/2013

مارغرت ثاتشر... نهاية أسطورة مارغرت ثاتشر... نهاية أسطورة

 

مارغرت ثاتشر... نهاية أسطورة

معمر عطوي
رغم مغادرتها الحياة السياسية منذ سنوات، لا تزال مواقف «بارونة كيستيفين» تشكّل علامة في المشهد السياسي البريطاني والعالمي. 11 عاماً قضتها ثاتشر في رئاسة الحكومة، حيث كانت أول امرأة تتبوأ هذا المنصب منذ مطلع القرن التاسع عشر في الإمبراطورية العظمى التي لا تغيب عنها الشمس.

«المرأة الحديدية»، التي تركت بصماتها واضحة على سياسة «10 داوننغ ستريت» منذ مرحلة حكمها (1979-1990)، عادت الى الضوء مجدداً أمس في خبر نعي أعلنه ولداها مارك وكارول ثاتشر، إثر إصابتها بالسكتة الدماغية.
ورغم انقسام الشارع البريطاني بين مؤيد ومعارض لسياستها، إلّا أن الإرث السياسي للمرأة التي شهدت بداية تحولات القارة العجوز نحو مشروع الوحدة، قد طبع تأثيره الواضح على خلفائها، من المحافظين والعمال، فيما اشتهرت بطبيعتها الشديدة وعدم خشيتها من المواجهة إذا اضطر الأمر.
تميزت مرحلة حكم «البارونة» بقرارات مثيرة للجدل، سميت إصلاحات في نظر مؤيديها، بينما اعتبر معارضوها أن ما قامت به من إصلاحات في النظام المالي قلّص دور الدولة لمصلحة الشركات بعنوان الخصخصة، وأسهم في دعم السوق الحرة في البلاد. وكان من نتائج سياساتها رفع الضرائب على المواطنين واعتماد خطة تقشف صارمة وإلغاء الرقابة على الأسعار بذريعة تصحيح معدل التضخم، ما دفع بعض وسائل الإعلام إلى وصفها بـ«سارقة حليب الأطفال»؛ لأن خطتها للتقشف منعت توزيع الحليب المجاني على أطفال المدارس في بلادها.
وبدا أن هدف المرأة «المحافظة» التماهي أكثر مع سياسة حليفتها الولايات المتحدة، في تعزيز اقتصاد السوق وضرب النقابات العمالية، لهذا حفلت فترة جلوسها في «10 داوننغ ستريت» باحتجاجات شعبية وإضرابات قادتها الحركة النقابية. ولعل أبرز تلك الاحتجاجات تلك التي تحولت إلى مواجهات بين عمال المناجم والشرطة بعد أن رفضت حكومة ثاتشر تعديل برامج مجلس الفحم الحجري القومي التي تعنى بإغلاق المناجم.
وفي إيرلندا الشمالية، التي ارتبطت بعلاقة عداء طويلة مع لندن على خلفيات مذهبية بين الكاثوليك المعارضين والبروتستانت المؤيدين للملكية البريطانية، كانت ثاتشر حازمة في تعاطيها مع مطالب الجيش الجمهوري الإيرلندي، رافضة التنازل في هذا الملف، الأمر الذي أجج بشكل أكبر أعمال العنف في تلك المقاطعة. ولعل هذه الشدة التي أعطتها لقب «المرأة الحديدية» هي ما جعل «البارونة» مكروهة من الإيرلنديين الشماليين الذين حاولوا في عام 1984 اغتيالها بقنبلة موقوتة نجت منها بأعجوبة.
على صعيد السياسة الخارجية، اتخذت ثاتشر في عام 1982 قراراً بالمواجهة مع الأرجنتين التي حاولت إعادة جزر الفوكلاند في جنوب المحيط الأطلسي إلى سيادتها، من بريطانيا التي تتنازع معها على ملكيتها. وتمكن البريطانيون من الاحتفاظ بهذه الجزر بعد معركة لم تدم طويلاً. وفيما كشفت وثائق خاصة من أرشيف رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، نشرت العام الماضي، النقاب عن رفض بعض الأعضاء الكبار في حزب المحافظين الحرب بشأن جزر فوكلاند، ومن أن ثاتشر فوجئت باندلاع هذه الحرب، تشير بعض المذكرات التي دونتها هي بنفسها، إلى أنها كرست معظم ساعات النهار والليل لمتابعة الحرب.
وعلى المستوى الأوروبي، ساعدت ثاتشر في إنشاء السوق الموحدة، وتفاعلت مع أوروبا الشرقية، ودعمت توسيع الاتحاد الأوروبي. وكانت علاقة ثاتشر بالرئيس الأميركي رونالد ريغان، متينة جداً، حيث اشترك الاثنان معاً في تبني عدد من الخطط التي كانت تستهدف إضعاف الاتحاد السوفياتي، بينما أيدت سياسة البريسترويكا للرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، التي أدت إلى تفتيت المنظمة الشيوعية في شرق أوروبا. ولعل موقف لندن المحابي لواشنطن خلال غزو إسرائيل للبنان في حزيران 1982، يشكل وصمة عار على جبين المرأة التي باركت هذه الغزو.
عام 1990 كان بداية نهاية الحياة السياسية لثاتشر، التي تقدمت باستقالتها من رئاسة الحكومة، بعد تأكدها من عدم قدرتها على الفوز في انتخابات زعامة حزب المحافظين، لتستمر في مجلس العموم حتى سنة 1992، منهية بذلك مسيرة سياسية ورثتها بالأصل عن والدها.
فثاتشر ابنة بائع الخضار ألفريد روبيرتس، الذي حصل على عضوية حزب المحافظين وعضوية المجلس المحلي، مساهماً بنحو كبير في تشكيل حياتها السياسية، بينما ورثت عن والدتها، حائكة الثياب، قدرتها على نسج المواقف.
في الثالث عشر من تشرين الأول عام 1925، أبصرت «بارونة كيستيفين» النور في مدينة غرانثام التابعة لمقاطعة لينكونشاير. التحقت عام 1943 بكلية سومرفي في جامعة أكسفورد لتتخصص في علم الكيمياء. كذلك أصبحت ثالث سيدة تشغل منصب رئيس جمعية المحافظين في جامعة أكسفورد. بعد تخرجها، عملت ثاتشر في قطاع البحث الكيميائي في مجال الصناعات البلاستيكية، والتحقت أيضاً بالمنظمة المحلية التابعة لحزب المحافظين.
ويبدو أن الاختبارات الكيميائية لم تشبع رغباتها، فقررت متابعة أبحاثها في مختبرات السياسة، حيث دخلت في عام 1959 عالم السياسة لتتبوأ فيه عدة مناصب ومسؤوليات خلقت لديها خصوماً ومؤيدين في آن واحد. ففي عام 1959، انتخبت ثاتشر عضواً في البرلمان البريطاني عن حزب المحافظين في مقاطعة فينتشلي، ثم شغلت منصب وزير التعليم عام 1970 تحت رئاسة رئيس الوزراء الأسبق تيد هيث. إلا أن عدم التزام هيث السياسات الاقتصادية لحزب المحافظين، دفع ثاتشر إلى أن تنافسه على زعامة الحزب وتربح الرهان عام 1975. وبين عامي 1979 و1990، فازت ثاتشر في الانتخابات بثلاث فترات متتالية لتصبح أول سيدة بريطانية تتقلد منصب رئيس وزراء في بلادها.
"الأخبار":
العدد ١٩٧٥ الثلاثاء ٩ نيسان ٢٠١٣

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق