14‏/9‏/2011

“حب خارج البرد” لكامل صالح… حين تحوّل الشاعر إلى شريحة الكترونية




حين بدأ كامل صالح في كتابة روايته، “حب خارج البرد”، كان قد وصل لتوه الى مدينة جدة، حيث عمل محرراً في صفحة ثقافية بجريدة يومية. يومها حاول يائساً أن يألف “العيش خارج الحياة”، كما كان يحكي عن العيش في بلد محافظ لا يشبه لبنان.



ويبدو أن اختبار صالح للحياة هناك لمدة زادت عن عشر سنوات، جعله يغيّر من بنية روايته التي كان يرجّح تسميته “خارج الحياة”، لتصبح










صورة الغلاف و...الشريحة الكترونية


عالماً افتراضيّاً نسجه خياله لطريقة في العيش قد تكون واقعاً بعد عقود من الزمن.






فالزلزال الذي ضرب بيروت في ذلك الزمن الافتراضي، أثناء عودة بطل الرواية، “كاف” أو “ابن الماء”، كما يسميّه صالح، من السعودية الى لبنان عبر القطار، قد غيّر مسار الأحداث في انعطافة جذرية، من زمن الإنسان المحب الشاعرالى زمن الإنسان الشريحة الالكترونية الآلة.






ربما حاول صالح أن يستشرف مستقبل تحوّل الألينة الى أداة تدمير تعيد تشكيل الحياة وفق رؤية جديدة وصورة جغرافية مختلفة، بفعل عوامل زلزال يضرب بيروت فيعيد تشكيل تضاريسها وفق صورة أخرى، وأنماط معيشية وأنساق علائقية غريبة.






في بحثه الدؤوب عن حبيبته القديمة هند، واستعراض ذكرياته الطويلة ومواقفه اللطيفة مع شريكة العمر، يحاول الدكتور صالح أن يؤكد نظرته الى المستقبل وفق رؤية إنسانية مليئة بالحب، رافضاً استلاب الأنسنة من خلال عوامل الألينة، رافعاً الخطاب الإنساني الى أوج قوّته وحيويته. لعله في تركيزه على مسألة “ابن الماء” قد ربط بين العالم الافتراضي/ الاستشرافي، الذي يتخيّله بهاجس من القلق والتوتر، وبين التاريخ بما يحمله من تراث إنساني عريق، فاستحضر القرآن في مسألة حيوية المياه “وجعلنا من الماء كل شيء حي”. وتكررت أهمية الماء كعامل خلق وتوليد ونهضة واحياء.






من هنا يسترشد الى عالم مصري يقوم بخلق هند من خلال شريحة هند الأصلية. لكن هذا العالم، الذي يعيش الانفصام بين الايمان بخالق للبشر وبين قيامه بمهمة الخلق، يعيد هند الى الحياة طفلة، وليست إمرأة. هنا تبدأ مرحلة التوتر أو العقدة الروائية، حيث تصبح هند بمثابة ابنة لكاف وليست حبيبة وزوجة كما كان يتذكّرها، ما يجبره على التصالح مع هذا التحول في البناء العلائقي بينه وبين هند الطفلة، التي يربيّها ويزوجها الى شاب يحبها في نهاية المطاف.






أمّا بيروت في هذا العالم الافتراضي، فهي المركز الذي يعتبره كاتب رواية “جنون الحكاية” أجمل المدن، الدرة التي فقدت بريقها ورونقها التي تعدّ آيات في فن العمارة تداعت وسقطت ولم يبق فيها جدار واقف.






لعل صالح، وهو صاحب ديوان “كناس الكلام”، استفاد من أدواته الشعرية في صياغة روايته الصادرة حديثا عن دار الحداثة، بأسلوب شعري جميل دمج من خلاله قوة التعبير بجمالية السرد. الأمر الآخر هو محاولته ترسيخ الانفعالات الإنسانية من حب وخوف وأمل. لذلك يأتي فعل التذكر بمثابة غصّة أو حرقة على عالم متلاشِ بفعل انحسار القيم الانسانية وسيطرة التقنية، لذلك تكون حياة ابن الوزير الذي مات بنوبة قلبية، كمصير ابن الماء الذي يبكي على ضفة النهر.




أخبار بووم: 14 ايلول 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق