19‏/8‏/2010

لبنان: مسارات ساخنة في قضية مقتل الحريري

ما هي خلفيّة اتهام حزب الله، أو عناصر منه، باغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ وما هي التداعيات والنتائج المحتملة لاتّهام كهذا؟ سؤالان أساسيّان يحاول الدكتور شتيفان روزيني الإجابة عنهما في هذا التقرير الصادر عن معهد «غيغا» للدراسات الشرق أوسطية في مدينة هامبورغ الألمانية. المعهد الذي يهتمّ ببحوث حول الإسلام السياسي من خلال توظيف فرق بحثية متخصصة في «الدين: الصراع والسياسة»، يشكل حزب اللّه موضوعاً رئيسياً في أبحاثه. والجدير بالذكر أنّ المعهد الذي تأسس في 1964 وأعيدت هيكلته في 2006، يعدّ من أكبر معاهد البحث الألمانية، ومن أضخم المعاهد الأوروبية المهتمة بالأبحاث في المنطقة والدراسات المقارنة.

إعداد وترجمة: معمر عطوي

شتيفان روزيني*

في 23 تموز 2010، ذكر الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أنّ المحكمة الخاصة بلبنان (أس تي ال)، في لاهاي، ستتّهم خلال وقت قصير أعضاءً في حزبه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (في شباط 2005). وقد أكد له سعد الحريري، نجل الضحية البارزة ورئيس مجلس الوزراء الحالي، أنّ «أعضاءً غير منضبطين» فقط سيتحمّلون المسؤولية، لا الحزب.

تحليل

- سيمثّل هذا الاتهام، من جانب المحكمة، التي تكوّنت عام 2007 بناءً على قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قضية سياسية من الدرجة الأولى، كما سيمثل خطراً على «حكومة الوحدة الوطنية»، التي تكوّنت بمشاركة حزب الله بعد جهود مضنية وسنوات من الحصار اللبناني الداخلي. ومن المحتمل كذلك أن يسهم الاتهام في تسخين النزاع بين الشيعة والسنّة، بحيث يفيض خارج حدود لبنان.
- جرى التخمين سابقاً في لبنان بشأن مشاركة حزب الله في الاغتيال باعتباره حليفاً لسوريا، في هذا الوقت كان النظام السوري ذاته متّهماً بالاغتيال، وهو ما أدى إلى عزله سياسياً لسنوات.
- تتناقض مشاركة حزب الله (الشيعي) في الاغتيال مع صورته العملية السابقة، ومع أجندته السياسية، التي تعمل على تجاوز الخنادق الطائفية بين السنّة والشيعة. تنفيذ العملية يبدو مناسباً أكثر لقتلة جهاديين سنّة، الذين لديهم العديد من الدوافع لاغتيال الحريري.

 من شأن اتهامات خاطئة جديدة، مثل التي ساقتها لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة (لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة)؛ التي تحدثت في البداية عن «المسار السوري» وتوقفت الآن، أن تضع صدقية المحكمة الخاصة بلبنان موضع تساؤل وباطّراد.
- يريد ساسة المنطقة أن يمنعوا العنف الطائفي من العودة مرةً أخرى، ولهذا الغرض فقد سافر الملك السعودي عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد معاً إلى بيروت نهاية تموز لإظهار نيّتهم نزع فتيل التوتر.

سوريا وقضية اغتيال الحريري تستقطبان السياسة اللبنانية الداخلية

بعد مرور عشرين عاماً على انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، أُزيلت الخسائر الظاهرية، إلّا أن المجتمع اللبناني لا يزال موسوماً بقدر عال من العنف وبشكل ملحوظ. وأنتج الوضع الأمني غير المستقر على الحدود: ثلاث حروب مع إسرائيل (1993 و1996 2006)، صراعات طائفية داخلية، صدامات بين القوى الأمنية وجهاديين، ونحو 100 اعتداء سياسي منذ عام 1990، مناخاً متوتراً على الدوام.
ما زالت الهويات الطائفية ـــــ مثلما كانت عليه الحال في السابق ـــــ تؤدّي دوراً أساسياً في توزيع السلطة وتوزيع الموارد، وفي بناء التحالفات الداخلية والخارجية. هناك على الأخص احتمال نشوب صراع إذا ما تقاطعت النزاعات الداخلية مع السياسات الإقليمية، وبالتوازي مع المكونات الطائفية.
نشأ تكتل كهذا إثر مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ووقعت عملية الاغتيال في مرحلة استقطاب حاد بالسياسة الخارجية الأميركية. فبعد هجمات 11 ايلول 2001، ربطت الإدارة الأميركية السابقة كل أنواع سلوك الممانعة في الشرق الأوسط في سياق واحد مع الإرهاب. وعندما وجدت لحظات شك وحتى ـــــ كما ظهر لاحقاً ـــــ شهود «زور» أشاروا إلى مسؤولية سوريا والمتعاونين معها في الجهاز الأمني اللبناني، جرى التوافق على اعتبار هذا البلد «دولة مارقة»، كما عُزل سياسياً. وبناءً على استنابة قضائية من المحقق الدولي ديتليف ميليس، اعتُقل رؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية. وبسبب الضغوط اللبنانية والدولية المكثفة عليها، انسحبت القوات السورية من لبنان بحلول 26 نيسان 2005.
كان الاحتلال السوري للبنان مكروهاً من كل الطوائف اللبنانية. ويعود السبب في ذلك إلى عجرفة الجهاز الأمني السوري وسيطرته القاسية، وكذلك إلى انتشار الفساد على نطاق واسع بين صفوفه. وإضافةً إلى ذلك فقد بدأت عمالة سورية كثيفة تتوافد على لبنان، والتي ـــــ دون دفع ضرائب ولا مساهمات في الضمان الاجتماعي ـــــ أسهمت في إعادة إعمار لبنان، إلا أنها ضغطت على أجور العمال اللبنانيين. جنت النخبة الاقتصادية اللبنانية الأرباح من طفرة البناء ومن السياسات الليبرالية الجديدة للحريري، واستثمرت هذه الوضعية لترتيب علاقاتها مع سلطة النظام السوري. وجاء اغتيال الحريري ليضع البلد في أوج اغتراب زاحف. فالتدخل المتعاظم في السياسة الداخلية اللبنانية خلق استياءً متزايداً. وأكد أتباع الحريري، بعد ساعات قليلة من مقتله، أن سوريا تختبئ خلف الجريمة. فقط الأحزاب الشيعية أمل وحزب الله، إضافةً إلى صف من الأحزاب الصغيرة الموالية لسوريا، أيدوا سوريا، وخصوصاً لأن الوجود السوري في لبنان يسّر تسليم الأسلحة لـ«المقاومة»، مثلما وفّر قدراً من الحماية أمام اجتياح إسرائيلي جديد. وأعطتهم التظاهرة الضخمة في 8 آذار 2005 تحت عنوان «شكراً سوريا» اسمهم «حركة الثامن من آذار».
احتشد الجانب الآخر، في 14 اذار 2005، في أكبر تظاهرة عرفها لبنان، وطالب بانسحاب فوري للقوات السورية من لبنان. كانت حركة 14 آذار في تشكيلها غير متجانسة بحق. حيث انضوت وقتها في هذه الحركة أحزاب مسيحية ناهضت وقتاً طويلاً الاحتلال السوري، إضافةً إلى أطراف ربطتها علاقة وطيدة بالسوريين، مثل حركة المستقبل السنية العلمانية التابعة للحريري، أو الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
ولاحقاً انفضّ منها التيار الوطني الحر التابع للجنرال السابق المسيحي ميشال عون، الذي كان يقف ضد الوجود السوري، ليعقد تحالفاً مع حزب الله في 6 شباط 2006. وبناءً على ذلك فقد كان التصنيف الرائج في الإعلام الغربي بين أتباع سوريا ومناهضيها مضلِّلاً. الأكثر من ذلك أن تبايناً سنياً ـــــ شيعياً قد تجلى في الكتلتين، بحيث انضمت إليه أحزاب طائفية أخرى. عزا معظم السنّة في البلاد الذنب في مقتل «شهيدهم» رفيق الحريري إلى الحكم المهيمن عليه علويّاً في دمشق، وفي السر أيضاً إلى حزب الله الشيعي. وساعد الشعور المشترك بالتهديد في تحول المجتمع المتشظّي إلى وحدة جديدة، واشتكت الأحزاب الشيعية من تدخل سياسي غربي يخدم إسرائيل في الحقيقة ـــــ حسب اعتقادهم ـــــ. نشط الدرزي جنبلاط باعتباره «بيضة القبان" أو «رمانة الميزان»، وبحيث يضع مجموعته الصغيرة في وضع يمكّنهم من إحداث أكبر تأثير ممكن. توزع المسيحيون على المعسكرين. وتباينوا أساساً على خلفية رؤيتهم للخوف: مسيحيو 14 آذار لديهم الخوف من أيرنة (شيعية)، وتيار عون يتخوف من سعودة لبنان (الوهابية).

لا نهاية للعنف في لبنان

كانت التفجيرات والاغتيالات السياسية حاضرة بالفعل قبل اغتيال الحريري بطريقة أكثر تواتراً، واستمرت أيضاً بعد انسحاب القوات السورية. صوّبت الاغتيالات السياسية على سياسيين وصحافيين وأعضاء في قوى الأمن وزعماء الميليشيات. مات معظم هؤلاء من طريق زرع عبوات ناسفة في سياراتهم. ومات العديد من الناس وأصيب آخرون من جراء وضع عبوات ناسفة في الأماكن العامة، على الأغلب في المناطق المأهولة مسيحياً. استقطبت هذه الهجمات السياسة الداخلية اللبنانية وأقعدتها. واندلعت التوترات الطائفية بين السنة والشيعة بقوة، إلى درجة أعادت المخاوف من اندلاع حرب أهلية.
اتهمت حركة 14 آذار وكذلك بعض وسائل الإعلام الغربية، سوريا غالباً بتدبير الاعتداءات الجديدة، لأن الاستخبارات السورية عملت على زعزعة استقرار لبنان، بغية الإعداد لعودة الجيش السوري كسلطة حاكمة إلى لبنان، أو من أجل الانتقام من جحود اللبنانيين.
وعلى النقيض من ذلك تبين أن الهجمات لم تتوجه حصراً إلى معارضي سوريا، فبعض الضحايا صنفوا باعتبارهم معتدلين، أو بناة جسور محتملين بين الفرقاء. أضرّت الانفجارات المتعمدة التي حصلت في المنطقة المسيحية بصورة ميشال عون، الذي انتمى إلى المعسكر «المؤيد لسوريا». وبالعكس من ذلك لم يهاجَم مناهضو سوريا المتشددون أمثال سمير جعجع ووليد جنبلاط.
أحيلت على لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، قضايا مختارة، دعمت فرضية ارتكاب سوريا لها. ولم تتضمن التحقيقات الاعتداءات التي نُفّذت بذات الطريقة، والتي استهدفت القوى «المؤيدة لسوريا».
لم تُحَل عملية اغتيال سمير شحادة في 9 أيار 2006، على لجنة التحقيق الدولية ـــــ كما هو ظاهر ـــــ على الرغم من أنه حقّق في قضية اغتيال الحريري، وطبقاً لذلك يمكن اعتبار وجود رابط مشترك. على كل حال كان سمير شحادة يحقق في اتجاه المجموعات القريبة من تنظيم القاعدة.
حتى الآن لم تتوافر دلائل على تورط سوريا. بدلاً من ذلك، جرى الاشتباه في بعض الهجمات، من ضمنها عملية شحادة، في جهاديين سنّة. بيد أن حركة 14 آذار جدّدت اتهام سوريا بالاختباء خلف هذه المجموعة. إلا أن نظرتهم المتعصبة في فهم الإسلام، ورؤيتهم «للعلويّين والشيعة كمرتدّين في الإيمان»، والعمليات الإرهابية التي قامت بها الشبكات الجهادية ذاتها في سوريا، تظهر أن مسألة إدارة الاستخبارات السورية لها هي مسألة موضع شك.
وبدلاً من ذلك تزايدت المؤشرات، على أن حركة المستقبل السنية التابعة للحريري، قد ساعدت وموّلت إخوانها في العقيدة الراديكاليين بغرض تأسيس ثقل موازن للشيعة.
في تموز 2005 كرس سعد الحريري ورئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة، جهدهما لإطلاق 29 أصولياً سنياً، اعتقلوا بسبب أعمال عنف (الشرق الأوسط 19 تموز 2005).
وطبقاً للصحافي الأميركي البارز، سيمور هيرش، فقد دعمت السعودية والولايات المتحدة السنّة الجهاديين الراديكاليين، لتقليص نفوذ إيران (الشيعية) في المنطقة. ودُعمت عصبة الأنصار، المجموعة السنية الجهادية الأكبر في لبنان، التي تورطت في العديد من الهجمات، بالأسلحة من جانب تيار الحريري مثلما قيل.
على أي حال، تحرر الجهاديون على نحو متزايد، من سيطرة مموّليهم. وسقط في المعارك التي دارت بين فتح الاسلام، التي دعت الى الجهاد لتحرير فلسطين في أحد مخيمات الفلسطينيين بطرابلس في شمالي لبنان، وبين الجيش اللبناني صيف 2007، قتلى من بينهم 179 جندياً و50 مدنياً و226 جهادياً.
من يومها، تبدل التعامل مع هذه المجموعات، إذ نشطت قوى الامن الداخلي القريبة من معسكر الحريري واستخبارات الجيش ـــــ التي نشطت ضدهم في السابق ـــــ في وجه الجهاديين. وأدّى ذلك إلى اعتقال العديدين منهم وفكّ لغز بعض الهجمات.
منذ بداية عام 2006، وعلى الأخص عام 2009، اعتُقل عشرات عملاء وكالة استخبارات الموساد، التي قيل إنها نفذت أعمالاً إجرامية ضد قادة فلسطينيّين ومن حزب الله.
ظهرت أوجه شبه تقنية بين بعض هذه الاعتداءات واعتداءات أخرى لاحقة. وعُثر على كميات كبيرة من المواد الناسفة، لدى الموقوفين، ومن بينهم من يحملون رتباً عليا في الأجهزة الأمنية اللبنانية.
في 18 شباط 2010 حكمت محكمة عسكرية على محمود رافع، العنصر المتقاعد في قوى الأمن الداخلي، بالإعدام، ووجدته المحكمة مذنباً في جرائم عديدة متعلقة باغتيال قادة فلسطينيين ومن حزب الله.
شريك رافع في الجريمة، حسين خطاب، اختفى في اللحظة المناسبة. وأشارت آثاره المريبة إلى شبكات الجهاديين، إذ إن شقيقه، الشيخ جمال خطاب، الداعية الراديكالي في مخيم عين الحلوة الفلسطيني، فقد قيل إنه يعدّ المقاتلين للجهاد في العراق. إضافةً إلى ذلك، كان له اتصال ضيق مع أبي عبيدة، الذي تربطه علاقة مفترضة بأبي عدس، المتهم بقتل الحريري.
وأسهمت الاعتقالات في صفوف الجهاديين وعملاء الموساد المحتملين معاً واتفاق الدوحة (21-5-2008) في تليين الجبهات السياسية الداخلية. بحث سعد الحريري رئيس حكومة الوحدة الوطنية منذ 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، عن تسوية مع حركة 8 آذار. وتحول وليد جنبلاط تماماً إلى معسكر «المقاومة»، واعتذر عن تأكيداته السابقة؛ بأن حزب الله يختبئ خلف الاعتداءات. وتزامن انتهاء الاستقطاب السياسي الداخلي مع التقارب مجدداً مع سوريا، فقد كانت العلاقة بين البلدين منذ اغتيال الحريري صعبة جداً.
هل يلائم اغتيال الحريري صورة حزب اللّه؟
في هذا الظرف، ستتهم محكمة الحريري على الأرجح أعضاءً في حزب الله. وتلقي نوعية الهجوم وطريقته، وكذلك الدوافع المحتملة، مجموعة من الشكوك في هذا المسار «الجديد». بعد حادثة اغتيال الحريري مباشرة، أُعدّ فيديو تحدّث فيه أحمد أبو عدس باسم خلية جهادية غريبة، وأعلن مسؤوليّته عن قتل الحريري. لكن كان هناك شكوك متعلقة بهذة الفرضية. كما كان هناك زهير محمد الصدّيق، الذي تقدّم الى لجنة التحقيق كعميل سابق في الاستخبارات السورية، أكد أنه شاهد العربة التي استُخدمت في الاعتداء في سوريا، وهي تحمّل بالمواد المتفجرة. كما أكد أن السوريين أجبروا أبو عدس تحت التهديد على تسجيل فيديو الاعتراف، وقتلوه في النهاية. لكنّ الصدّيق غيّر أقواله لاحقاً. الموقوف فيصل أكبر وهو شريك أبو عدس، سرد بإسهاب خطة الهجوم، التي كلفت نحو 50 ألف دولار أميركي، ثم سحب اعترافه لاحقاً هو الآخر.
وبسبب مثالية الخطة المفترضة الكاملة للاعتداء، فقد ذهب مراقبون إلى أن اعتداءً كهذا لا يمكن تنفيذه إلا من طريق منظمة حكومية ذات خبرة أو منظمة شبه حكومية، مثل حزب الله. لكن هل يمكن أن يكون خلف ذلك محاولة لتشويه العمل؟ وليس إخفاءً مبتذلاً للخطة؟ هل يمكن ألا يكون هذا الاعتداء «الناجح» والخطير مجرد سلسلة من المصادفات؟
لماذا استخدم الجناة المفترضون هواتف نقالة في اتصالاتهم؟ كان معروفاً في بيروت، بأن بأس موكب الحريري في ما يتعلق بالحماية، كان قادراً على تأمين الحماية من القنابل التي تفجَّر عن بعد، وذلك عبر تعطيل كل أجهزة الهواتف النقالة دوريّاً. لماذا استطاعت أجهزة الاتصال الخلوي أن تعمل بالرغم من ذلك في هذا اليوم المثير للجدل، وفي موقع الهجوم؟
استخدم الجناة سيارة نقل بمقود أيمن، لنقل العبوة الى المكان المستهدف. هذا النوع من المركبات غير معتاد بالمرة في لبنان، وكان ينبغي أن يلفت الأنظار. أيضاً هناك من الصعوبة بمكان قيادة هذه المركبات «اليمينية». وأخيراً لم تكن هناك ميزة من استخدام انتحاري. هذا الشكل من الاعتداء يكون له معنى إذا وُضعت العبوة المحتملة بالقرب من الهدف كلما أمكن، فإذا كانت الحال كذلك واقتربت الضحية ـــــ مثل موكب الحريري ـــــ من القنبلة يكفي ساعتئذ أن تفجَّر القنبلة عن بعد، لأن مدة ردّ الفعل الإنساني للانتحاري تمثّل عنصراً من عدم اليقين يمكن تجنبه.
ضخامة القنبلة، وتصرف الجناة بهذه الطريقة من عدم الاحترافية والاختيار غير الضروري لانتحاري حتى يقوم بالعملية، كلها أمور تقول بعدم ضلوع حزب الله في العملية، ذلك الحزب المعروف بدقة تقنياته وأعماله التي يجري التفكير فيها بصورة استراتيجية. ألحق الحزب خسائر جسيمة بالقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان حتى نهاية احتلالها عام 2000 عبر زرع العبوات الناسفة على جوانب الطرقات. غير ان طرق الاعتداءات الانتحارية في شوارع مكتظة بالسكان وفي قلب بيروت، حيث من المتوقع أن يقتل مدنيين كثيرين، أمر لا يتناسب مع طريقته في العمل. توجهت كل عملياته الانتحارية في لبنان حصراً إلى أهداف عسكرية، ولكن الانتحاري كان ضرورياً فيها ليكون قريباً من الهدف. ينضوي حزب الله كمنظمة شيعية، تحت ولاية الفقيه، بقيادة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي. يعدّ قتل عشرات الأشخاص غير المشاركين، والمغامرة غير الضرورية عسكرياً بإشراك انتحاريين، واحتمال إطاحة النظام اللبناني السياسي، كلها أمور غير واردة لدى مواقع خامنئي. أمّا الجهاديون السنّة، فيجيزون القتل لـ«المرتدين»، وتسوّغ هذا الحكمَ فتاوى ابن تيمية في القرون الوسطى، قتل غير المشاركين في المواقع العسكرية في الظروف الضرورية، ولا يمثّل ذلك عائقاً لهم.
أيّ سبب يدفع حزب الله إلى قتل الحريري؟
اختيار المنطقة وسط غرب بيروت، حيث الضغط الهائل للانفجار، وأعداد المدنيين الكثيرة الذين يتوقع موتهم عبر عملية انتحارية، أمر باد للعيان. مع ذلك قد يكون من المحتمل، أن الهدف ليس فقط استهدافاً سياسياً مزعجاً، بل قد يكون هز النظام السياسي بكامله، وهو ما حدث في النهاية. مارس حزب الله القريب من حكومته وقتذاك انتقادات لسياسة رفيق الحريري، لكن هذا الانتقاد اكتسب طابعاً تكتيكياً ولم يوفر سبباً لهكذا نوع من الاعتداءات. بدأ الحريري، الذي كان من قبل حليفاً مقرباً من سوريا، بالابتعاد منذ منتصف عام 2004 عن بشار الأسد، وخطط علناً لإنشاء تحالف معاد لسوريا ليخوض به الانتخابات البرلمانية القريبة. وفي حال نجاحه بالفوز في الانتخابات، وبسبب نظام المحاصصة الطائفيّة، لم يكن بوسعه تجاهل أكبر حزب شيعي، أي حزب الله، ولذلك فقد كان متوقعاً أن يضم الحزب إلى حكومته، كما فعل تيار المستقبل لاحقاً بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية عام 2005.
كانت مطالب المعارضة التي قادها الحريري بالانسحاب السوري من لبنان مزعجة لحزب الله، لكنها لم تكن كارثة. أسس الوجود السوري في لبنان حماية بقدر معين للحزب؛ ولم تكن الحرب الاسرائيلية عام 2006 ممكنة في حال وجود القوات السورية على الجبهة. وبالرغم من ذلك، فقد استطاع حزب الله بطريقة مدهشة إثبات قدرته على مواجهة التفوق الإسرائيلي، بل وعدّ نفسه منتصراً في الحرب، لأن اسرائيل لم تحقق أياً من أهدافها العسكرية. وبالعكس فقد كان من الممكن أن يحدّ الوجود السوري في لبنان من حرية حركة حزب الله. لعله جرى في حسابات قيادة الحزب أن سوريا تستخدم الحزب لتقايض به على الجولان. كما أنه في حال حدوث اتفاق سوري ـــــ اسرائيلي فعلى الأرجح سيُنزع سلاح حزب الله بالقوة.
لم يكن بوسع الشيعي نصر الله ولا السني الحريري، نظراً إلى الطائفية السياسية المتجذرة في بنى لبنان، أن يكونا متنافسين، ذلك أنه لا يمكن أن يقوم أيهما بعمل سياسي نيابةً عن المجموعة الأخرى. كان عليهما ان يلتقيا دوريّاً منذ منتصف عام 2004 في جو من الصداقة وكمواطنين لبنانيين يحظون بالاحترام.
الثابت أن كلا الحليفين المتعايشين أقاما علاقة مصلحة متبادلة: الحريري دافع عن «المقاومة الإسلامية» التابعة لحزب الله في المحافل الدولية، لدفع تهمة الارهاب عنها. وبالمقابل فقد منع نصر الله حزبه ومؤسساته الخيرية الاجتماعية، من القيام بانتفاضة مطلبية، رغم أنّ الشيعة عانوا من السياسية الاقتصادية ذات الطابع النيوليبرالي التي اعتمدها رفيق الحريري. وإضافةً إلى ذلك فلم تحقق التداعيات السياسية للاغتيال أياً من أهداف حزب الله. تزايد الضغط على سوريا لسحب قواتها من لبنان، وهو ما تكلل بالنجاح في النهاية. وكذلك أجبر قادة الأجهزة الامنية، الذين كانوا على علاقة ايجابية مع حزب الله، على الاستقالة وجرى اعتقالهم. كما زاد الانتقاد لكل القوى الحليفة لسوريا بعد كل عملية اغتيال لأحد معارضيها.
أصبح لحزب الله وظيفة حاسمة في إطار سياسة التقارب السني ـــــ الشيعي كرأس جسر في العالم العربي السني. طبقاً لرؤية الحزب بأن «الغرب» واسرائيل يستخدمون التناقضات بين السنّة والشيعة في الشرق الأوسط لتقسيم العالم الإسلامي، ومن ثم السيطرة على المنطقة. وإذا قتل حزب الله الحريري الزعيم السني، فسيبدد صدقيته تماماً. استفحلت الضغائن ضد الشيعة من خلال الاعتداء بقوة، وفقد حزب الله تصاعدياً تعاطف غير الشيعة.

دافع محتمل للجهاديّين

العبوة الضخمة التي استخدمت لقتل الحريري، هي أقرب إلى فاعلين من الجهاديين السنّة، الذين تتميز عملياتهم باستخدام مكثف للعنف وبطريقة تفوق الغرض العسكري منها. يمكن أن تكون الكمية الكبيرة من المتفجرات قد استُقدمت من العراق، حيث يوجد مراكز أسلحة كبيرة نهبها الجهاديون من مستودعات الذخيرة. وفي لبنان الجهاديون الفاعلون لديهم علاقات شخصية مع زعيم القاعدة ابو مصعب الزرقاوي. كانت الحدود العراقية السورية في وقت ما سهلة العبور، وبين سوريا ولبنان كانت هناك شاحنات بكاملها تقوم بتهريب الأسمنت عبر الحدود نظراً لفارق الأسعار بين البلدين، ومن المحتمل أن يكون أيضاً قد جرى تهريب شحنات متفجرات. اعترف لاحقاً المعتقلون من أعضاء فتح الإسلام، كيف كانوا يتسترون خلف مواد البناء للانتقال هنا وهناك عبر الحدود. كان للحريري بعض الأعداء من الإسلاميين في لبنان، لأنهم عُدّوا ذراعاً للنظام السوري. صحيفة «نداء الاسلام» الصادرة في استراليا والناطقة بالانكليزية، رأت أنّ ثلاثة جهاديين أُعدموا في لبنان ووقّع الحريري حكم إعدامهم، عُدوا شهداء واحتفت بهم. أطلقوا في عهد حكومة الحريري «النظام اللبناني الجديد الذي لا يتميز عن غيره من الأنظمة الكافرة في محاربته للإسلام وصحوته» .
وفّر النظام المعلن كفره، المسوّغ الإسلامي الشرعي لقتل ممثليه. في 8 حزيران 1999، انتقم الجهاديون لأحكام بالإعدام طاولت رفاقهم، باغتيال أربعة قضاة وقّعوا حكم الإعدام. كما وقّع الحريري لاحقاً أحكاماً بالإعدام طاولت ثلاثة جهاديين أعدموا في 17 كانون الأول 2004.
كره الجهاديون العابرون للوطنية في نشاطاتهم، رفيق الحريري لعلاقته برئيس وزراء العراق السابق، إياد علاوي، ولعلاقته بالأسرة الملكية السعودية. وعلاوي الشيعي يُنظر اليه على أنه دمية للجيش «الصليبي الأميركي» الذي قمع تمرد الجهاديين في الفلوجة من نيسان حتى تشرين الثاني عام 2004 بكل القمع المسلح. هدّد الزرقاوي بالانتقام من السعودية التي حدثت فيها لاحقاً عدة عمليات. بدورها، ردّت القوات الأمنية السعودية رداً عنيفاً بحملة واسعة قتلت خلالها زعيم تنظيم القاعدة في البلاد، عبد العزيز المقرن وألقت القبض على قائدين آخرين اثنين.
في شريط الفيديو المتعلق بالاعتراف بقتل الحريري، دعا عضو في ما يسمى جماعة «نصرة الجهاد في الأراضي السورية»، إلى الاقتصاص من السعودية «انتقاماً للشهداء الأبرياء الذين قتلتهم قوات الأمن السعودية، رغم أن نظام الحكم في البلاد يرعى الحرمين الشريفين، فقد قررنا الاقتصاص العادل بحق وكيل هذا النظام في الأراضي السورية رفيق الحريري» (صحيفة الشرق الاوسط / 2005/2/16).

استنتاج

يعدّ توجيه الاتهام إلى حزب الله، تدخلاً من المحكمة الدولية في توازن القوى الهش في لبنان والصراع بين السنة والشيعة. يفترض كثير من اللبنانيين أن لإسرائيل مصلحة قوية في تفتيت لبنان واستقطابه. وما دام اللبنانيون يتحاربون، فلن يستطيعوا أن يمثّلوا تهديداً لجارهم الجنوبي. وأوضح القبض على 70 عميلاً للموساد منذ نيسان 2009 (ديلي ستار 8-3-2010) إمكان جرح التدخل الإسرائيلي «الناعم».
وبدا الأمر واضحاً من خلال اكتشاف خلايا نهاية تموز 2010 تعمل في شركتي الهواتف ألفا وأوجيرو لمصلحة الموساد. والسؤال عما إذا كانوا قد تلاعبوا في المعلومات المتعلقة بالتحقيق، بحيث تتأثر تحقيقات المحكمة الدولية، نوقش حتى في الصحافة الإسرائيلية. وأسهمت التقارير التي تتناول تحقيقات المحكمة الدولية عبر الإعلام الإسرائيلي، وأخيراً عبر تصريح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غابي أشكينازي، عن القرار الاتهامي، في تقويض الثقة بالمحكمة، ليس فقط في لبنان.

يتهم نصر الله المحكمة الخاصة بلبنان، بأنها تمثل «مشروعاً إسرائيلياً». وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن لائحة الاتهام أثلجت صدرها، وخصوصاً أنها تستهدف خصماً عسكرياً مزعجاً، وبالتالي يمكنها أن تقترب من القيام بهجوم على المنشآت النووية الإيرانية.
قد يكون الحل موجوداً بالفعل لعقد تسوية على أعلى المستويات، ومؤشر ذلك زيارة الملك السعودي والرئيس السوري في أواخر تموز 2010 الى بيروت. الحكام السنّة قد يكونون أسخياء ويؤثرون في أتباعهم لأن يعفوا عن الشيعة، فلا يحدث انتقام للقتل. سعد الحريري قد يكون سعيداً، حين ينصرف العمل عن مسار المتطرفين السنّة، فلا يصبح والده ضحية انتقام في طائفته. أما سوريا التي عُزلت لمدة خمس سنوات بسبب اغتيال الحريري فيمكنها أن تعود إلى نادي اللاعبين الإقليميّين.
صياغة سعد الحريري، التي تحدثت عن «عناصر غير منضبطة» مسؤولة عن الهجوم، كان الهدف منها حفظ ماء وجه حزب الله. من الممكن أن يرد اسم عماد مغنية، الذي اغتيل في دمشق في شباط 2008، بسيارة ملغومة، كرأس للعملية، وبذلك تصبح ملاحقة حزب الله أسهل. سيبقى حزب الله كقوة سياسية، حتى مع إضعافه، ولكن الضغط عليه لتسليم سلاحه سيتزايد.
وأخيراً، قد تتعرض المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، للشك، نظراً إلى عدم التوصل إلى نتائج بالفعل، وستتبين في نهاية المطاف صعوبة تبرير التكاليف الباهظة من دون لائحة اتهام قبل نهاية عام 2010. وبالتالي سيتهدد الاستمرار في تمويلها بعد سنتين على قيامها، وبعد ستّ سنوات على اغتيال الحريري.
لا يًُعتقد أن يقبل نصر الله بيدق التضحية هذا، ذلك أن الاعتراف بارتكاب هذه الجريمة سيجلب نكسة خطيرة للحزب، بعد سنوات حاول خلالها الحزب بالكثير من الجهد نزع صفة الإرهاب عن نفسه، وترسيخ وضعه كقوة شرعية سياسية في السياسة الداخلية.
أكد نصر الله يوم 23/07/2010، أن الحزب غير منقسم وليس فيه أعضاء «غير منضبطين». وفي خطابه يوم 2010/7/25، أعلن أنه لا يقبل لائحة اتهام ضد القاعدة أيضاً، لكنه يعتقد أن اسرائيل هي المسؤولة. وأبدى أثناء مؤتمر صحافي عقد في 9/8/2010 عدة ملاحظات على هذه النقطة، تصب في هذا الاتجاه:
- اعترافات المتهمين بالعمالة للموساد،
- تصوير لحزب الله يظهر اختراقه لصور التقطتها طائرات اسرائيلية من دون طيار، راقبت في ما بعد مكان الاغتيال.
- المعلومات التي تقول إن الطائرات الاسرائيلية حلقت وقت الهجوم فوق بيروت في 14/02/2005.
تأخذ المحكمة الدولية الوثائق التي ظهرت الآن، ومن الواضح أنها ستأخذها على محمل الجد، وتطلب تسلمها حتى تستطيع فحص المسارات الجديدة.
* باحث في برنامج «العنف والأمن» التابع لمعهد «غيغا» لدراسات الشرق الأوسط في مدينة هامبورغ الألمانية. وتشمل اهتماماته البحثية الإسلام والعنف والدين، والإسلام الشيعي في المنطقة العربية الشرقية.



الأخبار:  الخميس ١٩ آب ٢٠١٠ الأخبار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق