4‏/8‏/2010

الإمارات وإيران: علاقة مصلحة تخرقها العقوبات

لم تمنع الخلافات بين إيران والإمارات العربية المتحدة على ثلاث جزر، في الخليج، مسؤولي البلدين من تحسين علاقاتهما الاقتصادية والتجارية الى أفضل مستوياتها، بحكم الجيرة وبسبب وجود جالية إيرانية كبيرة في الإمارات معظمها من التجار وأصحاب الشركات. غير أن ارتفاع حجم الضغوط الدولية على إيران، أرغم حليفة واشنطن الخليجية على تغيير سياستها تجاه جارتها الفارسية

معمر عطوي
سلّط إعلان مصادر في قطاعي التجارة والشحن البحري في دبي ولندن أمس، عن أن السفن التي تنقل النفط إلى إيران تواجه مراقبة مشددة في موانئ الإمارات بعد العقوبات الغربية الجديدة، الضوء على علاقات إيران بجارتها الخليجية الإمارات. ذلك يأتي في وقت تشهد فيه هذه العلاقات الملتبسة، فتوراً لم يصل بعد الى مرحلة القطيعة، رغم الخلاف التاريخي بين البلدين على ملكية الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.
ويبدو أن صورة هذه العلاقات التي تتعرض لعملية مدّ وجزر بحكم سلسلة من العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن ضد إيران، والتي تلتها عقوبات أحادية عن أوستراليا وكندا واليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لم تُحسم صورتها الحقيقية بعد، بسبب التصريحات العدائية المتبادلة ونفيها المتكرر.
هذه التطورات الحاصلة على المستوى التجاري ذي الطابع الملاحي، أوضحها مصدر تجاري بقوله إنه «في السابق كان بالإمكان نقل شحنات من الفجيرة وجبل علي في تكتم، لكن لا يجري في الوقت الراهن نقل شحنات من هناك إلى إيران». بيد أن المصدر التجاري أشار إلى أن من الممكن أن تسعى إيران إلى استيراد البنزين من باكستان في شاحنات. وقال «لن يصدّروا شحنات من (ميناء) كراتشي، لكن يمكن نقلها براً».
اللافت أن بعض وكلاء الشحن أكدوا أنهم لم يواجهوا مراقبة مشددة من جانب المسؤولين الإماراتيين من قبل، فيما قال مصدر آخر إن المراقبة المشددة للموانئ الإماراتية جاءت بتشجيع من وزارة الخزانة الأميركية.
الإجراء الإماراتي الأخير يأتي في سياق تحوّلات تشهدها الدولة الخليجية في تطبيق العقوبات، إذ قامت بخطوات عملية في إطار الإجراءات العقابية الدولية ضد الجمهورية الإسلامية، من خلال قرار صدر عن المصرف المركزي في أبوظبي في 28 حزيران الماضي، يقضي بتجميد 41 رصيداًَ مصرفياً تشملها العقوبات الدولية المفروضة على إيران. وتزامن هذا الإجراء مع تقارير صحافية نقلت عن مصدر إماراتي رسمي قوله إن السلطات أغلقت أكثر من 40 شركة محلية ودولية انتهكت العقوبات الدولية عبر القيام ببيع إيران مواد يمكن استخدامها في صناعة أسلحة نووية.
وربما كان أحد أهم الاستفزازات الإماراتية لإيران عمليات التفتيش التي كان الإيرانيون يخضعون لها في مطار أبوظبي ودبي، لدى زيارتهم الإمارات العام الماضي، والتي اعتبرتها طهران «مهينة» و«غير لائقة».
الإجراءات الإماراتية تعبّر عن القلق الإماراتي، غير الخفي، من طموحات إيران النووية، وإن كانت تسعى إلى إخفائه بعلاقات اقتصادية خشية غضب إيراني مفترض في المستقبل، على طريقة «ضربة على الحافر وضربة على المسمار».
هذه الطريقة بدأت تميل، خلال السنوات القليلة الماضية، لمصلحة التماهي الإماراتي مع العقوبات، وكان بنتيجتها انخفاض حجم التبادل التجاري بين ايران والامارات في السنوات الأخيرة من نحو عشرة مليارات دولار سنوياً الى سبعة مليارات دولار العام الماضي.
في أي حال، يبدو أن المصالح بين البلدين رغم هذا التراجع، وفي ظل القوة الاقتصادية الإيرانية في أبوظبي ودبي، لا يمكن أن تتعرض للشطب بقرار، فثمة ثغر كثيرة يمكن أن يستفيد منها البلدان لمواصلة نشاطهما ـــــ على الأقل التجاري. لعل خير دليل على ذلك، إعلان المدير التنفيذي لشركة تصدير الغاز الوطنية في إيران، رضا كسائي زاده، في 4 تموز الماضي، أن ثلاث شركات إماراتية على الأقل تقدمت بطلبات لشراء الغاز الإيراني بالأسعار الدولية.
لكن المفارقة هي أن طهران لا تتعاطى بحماسة مع هذه الصفقة، وربما تتعاطى بفوقية، من خلال تسريبها تصريحات برلمانية تقول إن تنفيذ عقد الغاز مع شركة نفط الهلال الإماراتية لا يضمن المصالح الوطنية.
بالنتيجة، لا يزال للإمارات دور مهم كشريان تجاري ومالي لإيران، ولا سيما أن وجود أكثر من 500 ألف إيراني على الأراضي الإماراتية، يجعل مسألة قطع العلاقات التجارية شبه مستحيلة. لعل مصلحة الإمارات في عدم خسارة هذا الثقل المالي والتجاري الإيراني لديها، في وقت تعاني فيه من أزمة اقتصادية حادة، دفعتها الى عدم الكشف علناً عن تطبيق العقوبات في موانئها.
الإمارات والجزر والنووي
ليس من الصدفة أن تطالب الإمارات في كل مناسبة بإعادة جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، بحجة أن إيران تحتلها. لكن المفاجأة الأخطر كانت في تصريح إماراتي منذ فترة قصيرة، أتى على لسان وزير الخارجية عبد الله بن زايد آل نهيان، يقول فيه إن ايران تحتل الجزر الثلاث المتنازع عليها بين البلدين مثلما تحتل اسرائيل الأراضي العربية.
ولم تتوقف تصريحات أبوظبي عند حدّ تشبيه إيران بعدوة الأخيرة اللدود إسرائيل، بل انخرطت هذه التصريحات ضمن أوركسترا التضييق على النظام الإسلامي اقتصادياً في عملية تماهٍ واضحة مع مطالب الغرب بإجبار طهران على التخلي عن طموحاتها النووية.
ولعل آخر الغيث الإماراتي، وليس الأخير، كان تصريحات سفير الإمارات لدى واشنطن، يوسف العتيبي، المؤيدة لضرب إيران عسكرياً، والتي قال فيها على هامش منتدى في مدينة إسبن الأميركية، إن مسألة ضرب إيران «مسألة حسابات للكلفة والربح».
تصريحات العتيبي هذه التي نفتها أبوظبي في ما بعد، أشارت الى أنه «بالرغم من حجم التبادل التجاري مع إيران، ستكون هناك تبعات، وسيكون هناك ارتدادات ومشاكل وسنرى الناس يتظاهرون ويحتجّون ويعبّرون عن عدم رضاهم لرؤية طرف خارجي يهاجم بلداً مسلماً».
لكن هذه الارتدادات والمشاكل المتوقعة لم تمنع السفير الإماراتي من التوضيح بأنه «لو سُئلت عما إذا كنت مستعداً لأعيش في ظل إيران نووية، فإن إجابتي لم تتغير وهي أنني مستعد لاستيعاب ما سيحصل لقاء حماية أمن الإمارات».
هذا الموقف الذي فاجأ الغرب نفسه، كأول تصريح من هذا النوع يصدر عن بلد عربي، أظهر انقساماً أو لعله توزيع أدوار بين النخب الحاكمة في الإمارات، الهدف منها هز العصا في وجه دولة قوية كإيران، فيما أتى النفي لاحقاً، على لسان مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية الإماراتية طارق الهيدان، بمثابة ترطيب للأجواء وامتصاص للغضب الإيراني. لعلها رسالة إماراتية على طريقة البريد السريع، الذي يقول للخصم إن ثمة قوة خلفنا في حال استمراركم في سياستكم هذه، لكن في الوقت نفسه ماذا يمكن لنا كدولة ضعيفة ان نقوم به إذا ما تخلّى عنا الغرب.
لهذا شدد الهيدان في تصريحه على أن «الإمارات تحترم سيادة الدول، وتلتزم بعدم التدخل في شؤونها الداخلية بأي صورة من الصور»، مؤكداً أن موقفه من أزمة الملف النووي الإيراني لم يتغير.
لكنه بإشارته الى أن بلده يصرّ على «إبقاء منطقة الخليج خالية من السلاح النووي»، عاد ليؤكد أن نفي تصريحات سفيره لا يعني زوال الخشية من طموحات إيران النووية.
من جهتها، فإن طهران، التي تتصرّف من منطلق كونها القوة الإقليمية في المنطقة، تعاطت مع هذه التصريحات بتجاهل يبيّن حجم الاستخفاف ببلد يستقوي بقوة عالمية لا تزال تتخبط في وحول العراق وأفغانستان، وتبقى مصالحها رهناً لبقاء مضيق هرمز البحري مفتوحاً أمام حركة الملاحة، الذي يهدد الإيرانيّون بإقفاله ومنع أكثر من 60 في المئة من حاجات العالم النفطية من الخروج عبر هذا المضيق.
مع ذلك، كان للمتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، كاظم جلالي، موقف رأى فيه أن تصريحات العتيبي «سخيفة» من «بلد صغير بلا تاريخ». ولعل الإجراء الوحيد الذي دعا جلالي إلى تنفيذه ضد دولة «ما كان لإيران أن تسايرها»، هو وقف الرحلات السياحية الإيرانية منها وإليها.
بيد أن الإيرانيين في المقابل، لمّحوا الى أن الإمارات لا تزال تمثّل حاجة إليهم في ظل العقوبات. تلميح بدا جلياً من خلال إعلان طهران نيتها استبدال الدرهم الإماراتي باليورو والدولار، في تعاملاتهم التجارية الخارجية. موقف اعتبرته أبو ظبي «مزحة» رغم أنه يصبّ في مصلحتها.
إجراءات وتصريحات تؤكد تخبط هذا البلد الخليجي في مواقفه بين إرضاء حليفته أميركا وبين «كفّ شر» جارته الفارسية.



--------------------------------------------------------------------------------

رئيس عربي طلب من زايد التخلّي عن الجزر

كشف وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، أوائل الشهر الماضي، أن رئيساً عربياً (رفض ذكر اسمه)، «حاول إقناع الرئيس الإماراتي الراحل زايد بالتنازل عن الجزر (الثلاث) التي تحتلها إيران». ولفت إلى أن زايد ردّ بالقول: أنا موافق على التنازل عن الجزر، بشرط أن أعلن رسمياً أن الرئيس الفلاني هو الذي طلب مني التنازل»، مضيفاً إن الرئيس العربي «تراجع عن اقتراحه على الفور».
وللعلم، فإن 86 في المئة من صادرات نفط الشرق الأوسط تمر من مضيق هرمز عبر شواطئ الجزر الثلاث. وإن هذه النسبة تمثّل نصف الطاقة التي تعتمد عليها صناعة العالم واقتصاده وحياته اليومية، حسبما تفيد دراسة لخبراء الاقتصاد والسياسة في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في جامعة جورج تاون الأميركية.



الأخبار: ٤ آب ٢٠١٠ |

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق