7‏/2‏/2008

هل كان الروائي غونتر غراس نازياً؟


2008-02-07
جريدة العرب-الدوحة
بيروت - معمر عطوي
لم ينتهِ الجدل في ألمانيا بعدُ حول انضمام الروائي الألماني غونتر غراس في شبابه إلى القوات الخاصة النازية «أس- أس»، فهذه التهمة لاتزال تلاحقه في أروقة المشهد الثقافي وتداعياته السياسية، لاسيَّما أن حامل جائزة نوبل للآداب هو أحد الملتزمين سياسياً بالحزب الاشتراكي الديمقراطي، أحد طرفي التحالف الذي يشكل الحكومة الألمانية الحالية.لقد أصبحت سيرة الكاتب الروائي، والأديب الثمانيني، محل جدل واسع على صفحات الجرائد والمنشورات الثقافية الألمانية في الأشهر الأخيرة، ما أرغم صاحب «الطبل الصفيح» على الوقوف أمام المحكمة للإدلاء بشهادته. التي اكتفى خلالها بالقول «التحقت بالقوات المسلحة للرايخ الثالث، لكن من دون اختياري».في كتابه «تقشير البصل»، يميط غراس اللثام عن تلك المرحلة، موضحاً أنه كان في الثانية عشرة من عمره حين بدأت الحرب، في داشيغ. و»تقشير البصل» كتاب يحمل معنًى رمزياً يدل على عنوانه، إذ تعني الكلمة إماطة اللثام تلو الآخر عن الذاكرة، إلى أن تصل إلى الجوهر، على طريقة تقشير شرائح البصل واحدة تلو الأخرى. في هذا الكتاب يقول غراس عن مرحلة انضمامه إلى النازية، التي أصبحت اليوم محل جدل واسع «كنت في السادسة عشرة من عمري، كان عليَّ أن ألتحق بالحرب، وبعد انتهاء الحرب عدت لأتابع الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة في دوسلدروف وفي برلين. هذا هو الإطار الزمني الذي يحيط الرواية ومضمونه طفولتي وشبابي، لقد بقيت أكتب بالكتاب مدة ثلاث سنوات، وعندما تنهي كتاباً، تبقى مثل أعمى بالنسبة للعمل نفسه». مع العلم أنه حين بدأ بكتابة «الطبل الصفيح»،التي نال عليها جائزة نوبل للآداب في العام 1999 كان في الثلاثين من العمر.رواية غراس الذي وعى القارئ الألماني على رؤية شاربيه الكثيفين، وحضوره الأدبي الكبير في المشهد الثقافي، تمتع بحملة تضامن لا بأس بها مع تاريخه. فهذه الهمروجة الجديدة التي شاعت في الوسط الثقافي، ليس الألماني فحسب بل العالمي، دفعت العديد من الأدباء للتصدي للاتهامات التي تنال من غراس. لعل انخراط العديدين ومنهم: نورمان ميلر وكارل شيلر وغينشر في الدفاع عن قضية «تقشير البصل» يصب في هذا الإطار. في السياق نفسه، وقف محامي برلين ابن الثمانين عاماً المؤلف والرسام، بول هيرتن، ليحرر دعوى الأديب الهرم، لدى المحكمة في العاصمة الألمانية، ضد مجموعة النشر «راندوم هاوس»، والتي تُعتبر أكبر ناشر في العالم للكتب التجارية العامة باللغة الإنجليزية. في هذه الشكوى يُقسم غراس إنه تطوع في «الأس- أس» ليس إلا. ويطالب بحذف جملة يتيمة وردت في كتاب مايكل يورغز تقول: «أقر غونتر غراس بأنه التحق عمداً، في السابعة عشرة، بالقوات الخاصة الألمانية أس- أس». مجلة «شبيغل» الألمانية، واسعة الانتشار، نشرت تأكيد المحامي هيرتن، برفع موكله للدعوى، وعلل ذلك برغبة صاحب جائزة نوبل في التأكيد أن التحاقه بالقوات الخاصة كان إلزامياً وليس طوعياً. نظراً لسيطرة النازية على البلاد وإجبار الناس بالقوة على فعل ما لا يريدونه.يورغز وصف عمل غراس في كتابه «بورغر غراس» بأنه «غلطة سببها هفوة». هذا الكتاب الذي صدر في العام الماضي، عن دار نشر «غولدمان» التابعة لـ «راندوم هاوس»، حمل بعض التفاصيل المتعلقة بحياة غراس في أثناء شبابه، خصوصا الفقرة المتعلقة بالتحاقه حين كان في السابعة عشرة من عمره في المنظمة النازية، وفي هذا العمل يحاول يورغز التشويش على ما صرح به غراس في «تقشير البصل» الذي صدر في صيف 2006. لكن صاحب «القط والفأر» يوضح هنا قائلاً: «في عرضي لكتابي «تقشير البصل» تذكرت الأحداث بوضوح: كنت في الخامسة عشرة من العمر حين تطوعت في القوات النازية في غوتن هافن، وبعدها في خدمة السلاح البحري، وجرى التبديل لأنتقل إلى سلاح المدرعات. ثم تم تبليغي للالتحاق بالقوات الخاصة.. التجنيد في قوات الـ «أس أس»، التي لم أمارس فيها عملياً أي نشاط. لقد تم تبليغي بأوامر التجنيد في خريف العام 1944».ربما تأخرت إثارة هذه القضية المثيرة للجدل، لكن الدعوى تسير في الاتجاه المطلوب، إذ من المتوقع أن تتحول إلى محاكمة مفتوحة، بعد تقييم هيرتن. وقد تُستأنف في مارس المقبل. محامي دار النشر «غولدمان»، راينر دريسن، قال حول هذه القضية: «نحن نعرف بأي اتجاه تسير القضية، لقد توقعنا ذلك.. هناك الكثير من المستندات والحجج التي تدعم القصة، والتي تؤكد أن غراس التحق بالقوات النازية باختياره. ولم تسحب دار النشر هذا الكتاب».لكن غراس ينفي ذلك بقوله «هناك احتمال أنه تم تضخيم التبليغ المتعلق بسلاح المدرعات، من أجل خلق مسألة القوات الخاصة».غراس الذي عاش جيلين مكرساً حياته للأدب وللسياسة، كان قد اهتم بالحديث عن فترة صعود النازية واندحارها، في روايته «سنوات الكلاب» ومن خلال هذه الرواية أسَّس الكاتب اليساري شهرته كروائي كبير. لقد حظي صاحب «الطيور الخمسة» بدعم ليس أوروبيا فقط بل عالميا، شمل المثقفين العرب الذين أصبحت معظم روايات وأعمال غراس مترجمة بين أيديهم. هؤلاء الشعراء والكتاب تصدوا للحملة التي أرادت النيل من غراس موقعين على بيان. هذا البيان اعتبروا فيه أن زميلهم الألماني الذي كان مناصراً للقضايا العربية، ويحمل مودة خاصة للشعب العربي «كان محكوماً عليه بأن يعيش وهو في السادسة عشرة حتى انتهت الحرب وهو في الثامنة عشرة من عمره. فكيف يمكننا أن نحاسب صبياً مراهقاً واقعاً تحت سيطرة الدعاية النازية الجهنمية على تصرف كان في حقيقته اضطراراً لا اختياراً؟!». وأكد البيان أن «التحاق غراس بالقوات الخاصة أو بالشبيبة النازية في صباه حقيقة لم يكشف عنها أحد إلا غونتر غراس نفسه»، معتبرين أن «هذا الاعتراف لم يكن واقعاً تحت أي ضغط خارجي، ولم يكن فخوراً بما فعل أو مبرراً لما فعل، بل كان نادماً يقدّم اعترافه إرضاء لضميره الذي لم يسمح له بالاستمرار في التستر على ماضيه. وهذا صدق مع النفس، وشجاعة أخلاقية تستحق التقدير والاحترام».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق