11‏/4‏/2012

"دموع غزة" تنهمر في بيروت


  • 2012/04/11
 
 معمر عطوي
جميل أن توثق الأحداث وتصورها في شريط واقعي ينقل التفاصيل، حتى المملة منها، لكن أن تنقل تفاصيل كارثة حلّت بمجموعة من البشر إلى الجمهور في شريط تسجيلي، فإن جهدك كمخرج ومصوّر سيتضاعف، وتقديرك لن يكون كافياً بمجرد جائزة يمنحها أحد مهرجانات السينما المعروفة.
هذا ما يمكنك قوله حين تشاهد فيلم «دموع غزة» للمخرجة النروجية، فيبيكا لوكيبرغ، الذي عُرض الأسبوع الماضي في صالة مسرح المدينة في بيروت، ضمن نشاطات «الأسبوع الثقافي اللبناني النروجي» الذي نظمتة جمعية “نحن” بالتعاون مع السفارة النروجية في لبنان ومؤسسة «نورلا» النروجية.
هذا الشريط الذي أنتجه النروجي تيريا كريستيانسن، يشكل وثيقة أساسية لإدانة الإجرام الصهيوني بحق الفلسطينيين العُزّل، حيث ينقل سيرة قطاع غزة منذ ما قبل الحرب التي شنتها عليه إسرائيل في نهاية العام 2008، والحصار المفروض عليه منذ سنوات طويلة.
يبدأ الشريط بنقل آراء مجموعة من الفتيان الذكور والإناث، يتحدثون حول طموحاتهم التي تشبه واقعهم، هواجسهم وحاجاتهم. يطلّ بنا على واقع الحياة اليومية في غزة وعلاقتها بالبحر، المتنفس الوحيد للسكان والذي لم يسلم من عمليات التضييق والتنغيص.
بحر غزة تجوبه بوارج حربية تابعة لقوات الاحتلال تمنع الصيادين من الإبحار لمسافات ليست بعيدة في الواقع، وتهدّد كل من يخرق قواعدهم الجائرة بوابل من رشقات سلاح رشاش يبعث الرعب في قلوب الأطفال ويجعل مهمة تحصيل الرغيف مجبولة بالدم.
أما أحلام الأطفال فهي نابعة من صلب المعاناة، حيث يكون طموح أحدهم دراسة الطب «لمداواة جرحى الاعتداءات الاسرائيلية»، بينما تعبّر رفيقته التي لا يتجاوز عمرها العشر سنوات عن رغبتها بأن تصبح محامية لتدافع عن قضية فلسطين.
تنتهي الحوارات عن الطموحات وصور الحياة اليومية للانسان الغزّي فجأة حين تستلم القنابل «الغبية» محور الحديث فتسيطر النار والدخان والأشلاء والدماء على المشهد راسمة لوحة تراجيدية واقعية، لا هي من بنات أفكار كاتب سيناريو، ولا هي ايعازات من منتج أو شطحات خيالية من مخرج.
تلك هي حرب غزة التي وقف العالم مشدوهاً أمام هولها ومصائبها لمدة 22 يوماً، كانت كفيلة بتحقيق انجاز كبير في عالم الإجرام، من حيث عدد القتلى والجرحى الأطفال، لكنها فشلت في اخضاع المقاومة الفلسطينية لشروط العدو.
200 ساعة، هي مدة هذه الوثيقة المصوّرة التي تجاهلتها جامعة الدول العربية، حسبما أكدت المخرجة والمنتج في حوارهما مع الجمهور في صالة المسرح، لكنهما أكدّا أن هذا الشريط المشحون بعواطف إنسانية وبصور مؤذية أحياناً لفظاعتها ودمويتها هو موجّه الى الرأي العام الغربي، «الذي تغيّب عنه مشاهد معاناة الفلسطينيين» حسب قول كريستيانسن.
المنتج النروجي سخر من «حرية التعبير التي يتباهى بها الغرب بالدفاع عنها في ظل واقع تعمل فيه أجهزة الرقابة على منع إطلاعه على مأساة شعب».
أما المخرجة، فتطرقت إلى مسألة هامة تتعلق بأخلاقية عرض مشاهد الأشلاء والدماء والأجساد المثقوبة بالشظايا والقذائف، كما أظهرها الفيلم لحظة بلحظة، فاعتبرت لوكيبرغ أن «منع هذه المشاهد عن المشاهدين الغربيين لا يهدف إلى حمايتهم من الأذى النفسي الذي من الممكن أن تسببه لهم بل هي سياسة ينتهجها الغرب لحماية نفسه».
لقد نجح الفيلم النروجي بتقديم شريط توثيقي نقل حرب غزة يوماً بيوم، الى الجمهور العالمي، ونجحت المخرجة في أنسنة شريطها، فلم نر فيه أي شعار سياسي أو حزبي حتى لم يظهر في الشريط أي مقاتل لا من حركة حماس ولا من بقية الفصائل الفلسطينية، فكان جلّ تركيزها على الانسان في غزة بحياته اليومية ومعاناته مع الاحتلال والحصار وطموحاته وهواجسه، ثم انتقل الزمن بالفيلم الى مشهدية الحرب القاسية فكانت الضحية تصرخ بأشد الألم الذي جعل «دموع غزة» تنهمر في بيروت، لا في مسرح المدينة فقط كما ارتأى القيمون على مهرجان “الأسبوع الثقافي اللبناني النروجي”، حسبما كان عنوان ملخصّهم عن الفيلم.
ربما حفل الأسبوع الثقافي المذكور بالعديد من النشاطات الفنية والموسيقية والشعرية والأدبية والحوارات الفكرية التي جسدتها شخصيات من حضارتين مختلفتين، لكن فيلم «دموع غزة» كان الأكثر حضوراً بالمعنى الانساني والأخلاقي، بل شكّل المنعطف الرئيس في سياق ما يمكن أن نصفه بنظرة الآخر للأنا.
"أخبار بووم"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق