24‏/2‏/2012

الأحواز: الهويّة الضائعة بين الفرس والعرب

معمر عطوي
لا يختلف إثنان على أن إقليم «خوزستان» الواقع في جنوب غرب إيران، هو محل صراع تاريخي بين العرب والفرس، بحيث لا يمكن البت بمصيره أو تحديد هويته في مقالة صحافية. هو صراع يعكس وقائع ديموغرافية، وثقافية، صبغت المنطقة بملامح عربية، فيما غلب عليها الإسم الفارسي «خوزستان»، رغم أن كلمة أهواز الفارسية لا تختلف عن “أحواز” العربية، بل مجرد لفظ بحكم عدم وجود حرف الحاء بالفارسية.

«عربستان» أو «خوزستان»، «الأهواز» أو «الأحواز»، هي تسميات عديدة تعكس عمق الصراع الإثني على هوية المنطقة القائمة على ضفة نهر كاران، بارتفاع 20 متراً عن سطح البحر، والتي تروي مصادر الحركات الأحوازية الانفصالية، أن أصلها عربي، وأن الإيرانيين، استولوا عليها في العام 1925، في عهد الشاه رضا بهلوي. فالمصادر تشير إلى أن قائد الجيش الإيراني آنذاك، الجنرال زاهدي. قام، باستدراج حاكم الولاية، الشيخ خزعل الكعبي، وسجنه في طهران مع مجموعة من مرافقيه، ثم تم إعدامه في سجنه في العام 1936. وفي عهد الشيخ خزعل الكعبي، أصبح اسمها الناصرية. وفي عهد البهلويين سنة 1929، أصبحت الأهواز، لكن مدينة الأهواز أصبحت عاصمة للمقاطعة التي اصبحت تسمى «خوزستان»، خلال الحرب العالمية الثانية.
وبحسب مواقع أحوازية على الانترنت، فإن إسم هذه المنطقة (مساحتها (370.000 كلمتراً مربعاً)، هو الأحواز (جمع كلمة حوز). وهي من مصدر الفعل حاز أي ملك. وكان العرب يستعملون هذا اللفظ دلالة على تملّك الأرض، بينما يعيدها الفرس الى كلمة «خوز»، وتعني قصب السكر، الذي تشتهر المنطقة بزراعته. أما كلمة أهواز فتعني بالفارسية الأسواق.
غير أن النزاع بين القوميتين على الإقليم جعل لكل كلمة معنى مختلف. وفي مرويات الأحوازيين، أن الشاه اسماعيل الصفوي هو من أطلق إسم الأحواز على الإقليم، فيما يذكر بعض المؤرخين والرحالة، أن الحكومات الفارسية، عمدت الى تغيير أسماء العديد من مدن وقرى ومعالم هذا الإقليم من العربيّة إلى الفارسية. فالعاصمة التاريخية للأحواز، المحمرة، سموّها خورمشهر. حتى أن العديد من أسماء العائلات العربية، أضيفت لها كلمات أخرى، مثل «بور»، بهدف اعطاءها صبغة فارسية.
«ويبدو أن الحكومة الإيرانية، قد سعت إلى تهجير القبائل العربية المقيمة في الأحواز إلى مناطق الشمال الإيراني»، حسبما ترى مصادر الأحزاب التي تدعو للإنفصال. وتضيف انها «كذلك قامت بتشجيع هجرة قوميات أخرى منها الفرس إلى الأحواز وتوطينهم فيها». سياسة تشبه تماماً ما فعله الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، في كركوك وبعض مدن الشمال العراقي.
الرحالة الدنمركي كرستين نيبور، الذي زار الأحـواز في العام 1772، يقول إن «العرب هم الذين يمتلكون جميع السواحل البحرية للقسم الشرقي من الخليج. وانه يستحيل تحديد الوقت الذي أنشأ فيه العرب موطنهم على الساحل. بيد أن الرواة يتحدّثون عن أن «العرب أنشأوا هذا الموطن منذ عصور سلفت».
وبحسب مصادر تاريخية متعددة، فإن الأهواز ومنذ فجر التاريخ، شهدت هجرات عربية متتالية،على ضفتي الخليج. حيث كانت القبائل تستوطن. لكن الواضح، أن دولة المشعشعين العربية، التي تأسست في بداية القرن السادس عشر، كانت تضم منطقة الأحواز. توسطت هذه الدولة حينها، سلطتين كبيرتين تتنازعان السيطرة على الإقليم: الفرس، بقيادة الأسرة الصفوية، والعثمانيون الأتراك.
وكان المشعشعون من الشيعة الهاشميين، يعود نسبهم الى الإمام علي بن أبي طالب، وكذلك كانت تدعي الأسرة الصفوية التي أسسها الشاه اسماعيل، ذات نسب هاشمي متصل بالامام علي نفسه. ولكن هذه القرابة المذهبية والعائلية لم تكن حائلاً دون تكرار هجمات الصفويين على الأحواز لاحتلالها، كما كان العثمانيون، من الجانب الآخر، يوظفون اختلافهم المذهبي لتبرير هجماتهم على الإمارة الشرقية. واستمرت هذه الإمارة تحمي الأحواز، حتى نهاية حكمها سنة 1724.
وتقول بعض المصادر التاريخية أن معظم سكان الأهواز(تتضارب المعلومات حول عدد السكان بين خمسة ملايين وثمانية ملايين نسمة)، ينتمون إلى قبائل عربية جاءت في موجات متتالية من شبه الجـزيرة العربية، واستقرت فيه قبل الاسلام وبعده. وتعددت القبائل العربية التي استقرت في الأحـواز، وكثرت أفخاذها. وتمثل قبيلة بني حنظلة أقدم تلك القبائل التي جاءت قبل الفتح الاسلامي وتوطنت على ضفاف شط العرب ونهر كاران واتخذت الزراعة مهنة لها.
وبحسب المصادر العربية انه توالت على المنطقة العديد من الإمارات، إلى أن سيطر عليها شاه إيران رضا خان البهلوي، في العام 1925، بعدما حاول التقرب من الاتحاد السوفياتي، ما دفع بريطانيا، التي كانت الأحواز من مستعمراتها، الى اغرائه بالتخلّي عن السوفيات، والاستمرار في حفظ مصالح الامبرطورية الإنكليزية في وجه المد الشيوعي، فتخلّت عن حماية الأحواز، ما سهّل للفرس القضاء على الشيخ خزعل والسيطرة على المنطقة.
وتضيف المصادر بأنه وبعد نحو ستة أشهر على هذه السيطرة، بدأت الثورات والانتفاضات تتوالى ضد الحكومة الإيرانية. من دون أن يُكتب لها النجاح. وأشهر هذه الثورات كانت «ثورة الغلمان» في 22 تموز 1925، وضمّت حراس الشيخ خزعل.
في المقابل، تروي المصادر الفارسية، أن الأحواز، تأسست في عهد حكم السلالة الساسانية في بلاد فارس (226-651) ميلادي. ثم أصبحت في العصرين الأموي والعباسي، تحت سلطة العرب، بفعل الهجرات الشعوبية. وتقول الموسوعة الفارسية «ايرانيكا»، أن هذه المنطقة أصبحت منذ القرن التاسع عشر، ذات غالبية عربية الى جانب أقلية من اتباع المذهب الصابئي القديم.
وتذكر «ايرانيكا»، أن إسم المنطقة الأول هرمز آردشير، وسميت باسم الاله أهورمازدا. وتضيف أن القاجاريين، حكموا المنطقة في العام 1880، وأصبحت ممراً تجارياً مهماً، من خلال نهر كاران.
وتخلص الموسوعة الى أن العرب غزوها في العام 620. وسميت فيما بعد بسوق الأحواز، وفي القرون الوسطى أصبحت خوز، إلى أن أصبحت خوزستان في العصر الحديث.
وخلال الاضطرابات التي شهدتها إيران بعد الانتخابات الرئاسية في 12 حزيران العام 2010، كان لإقليم الأحواز، نصيبه من هذه التحركات، خصوصاً أن العديد من المنظمات استغلت هذه الفوضى لتعبّر عن نفسها، فيما كان البعض الآخر يتحرك بايعاز من أجهزة استخبارية غربية، في إطار زعزعة النظام الاسلامي من الداخل، حسبما أوردت تقارير الصحافة الغربية، ووفق اتهامات السلطة الإيرانية.
وفي محافظة «خوزستان»، العديد من المنظمات التي تدعو للانفصال عن إيران، واقامة دولة قومية للعرب. من هذه المنظمات، «حزب السعادة»، الذي تأسس في العام 1946. ويهدف إلى «بث الوعي الوطني والقومي بين شباب الأحواز وتوحيد صفوف العرب لمقاومة الإحتلال الفارسي والمطالبة بمنح العرب الحقوق القومية وتحقيق الاستقلال».
ومن الأحزاب أيضاً، «الجبهة الوطنية لتحرير عربستان»، التي تأسست العام 1964، امتداداً لجبهة تحرير عربستان التي تأست في العام 1956، أثناء العدوان الثلاثي على مصر وكانت جبهة تحرير عربستان تخطط لثورة شاملة. إلاّ أن الاستخبارات الإيرانية استطاعت القاء القبض على قادتها في مدينة عبادان في 1963 وتم إعدام جميع قادتها. كما تشكلت «الجبهة القـومية لتحرير عربستان والخليج العربي» سنة 1960 ، في منطقة البسيتين والخفاجية. وطلبت المساعدة من الحكومة العراقية سنة 1961، لكنها لم تجد أي عـون لها.
وأصدرت الجبهة سنة 1971، أول صحيفة باسم «الأحواز». أمّا «الحركة الجماهيرية العربية في الأحواز»، والتي نشأت في 9 شباط سنة 1979، فكانت في مـقدمة الذين شاركوا في الوفد العربي، الذي أوصل الى مؤسس الجمهورية الإسلامية، الامام روح الله الموسوي الخميني، مـطالب العرب القومية والوطنية. وبعد الثورة تاسست العديد من الحركات، منها «الجبهة العربية لتحرير الأحواز» (1981) و «المجلس الوطني الأحوازي (1983) . وتأسس هذا المجلس كسلطة تشريعية عليا للثورة العربية الأحوازية.
في رأي طهران، فإن «هؤلاء يفكرون في تقسيم إيران». وأنهم «حتى في الأحواز مشبوهون.. وعرب إيران يعارضونهم، وهم ضعفاء جداً.. ونحن لا نضع لهم أي حساب».
ويبدو أن موقع هذا الإقليم الخصب، في جزيرة تحيط بها المياه من جميع جهاتها، (جزيرة المحـرزي)، ومرور نهري كاران والكرخة، هي من أسباب تمسّك كل طرف بمقولاته التاريخية بغية السيطرة عليها. خصوصاً أن موقعها مطلّ على رأس الخليج (من الشرق) وشط العرب من الجنوب. وتحدّها من الغرب محافظتا البصرة وميسان العراقيتان، ومن الشرق والشمال جبال البختيارية التي هي جزء من سلسلة جبال زاغروس، التي تفصل بين المنطقة وباقي مناطق إيران.
ثم أتت مصادر الطاقة من النفط والغاز، لتزيد من غنى الأحواز، وتم اكتشاف الذهب الأسود في هذه المنطقة محل النزاع السياسي والثقافي، بين العامين 1897 و1925. وباتت تملك 68 مليار برميل من النـفـط. وتنتج نحو 4 ملايين برميل يومياً. أما انتاجـها من الغـاز فـيُقـدّر بـ ( 9,5 ) مليون متر مكعب. وفي عبادان، التي سُميت تيمناً بالقائد العسكري العربي عـباد بن الحصين وهو أحد أهم فرسان بني تميم، يوجد أكبر مصفاة للنفط في الشرق الأوسط.
"اخبار بووم" 19 شباط 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق