2‏/10‏/2006

الأزمة الجورجية ــ الروسية: أعمق من قضية تجسس عابرة


معمر عطوي
لا يمكن اختصار النزاع الدائر حالياً بين جورجيا وروسيا بقضية تجسس عابرة، ابطالها ضباط روس يعملون في القاعدة العسكرية الروسية في تبليسي، ذلك ان الخلاف اعمق من ذلك في بلد يتمتع بموقع جيو ــ ستراتيجي مهم على السفوح الجنوبية لجبال القوقاز.
تعود الازمة بين موسكو وتبليسي الى سنين طويلة خلت، منذ كانت جورجيا “دولة مشاغبة” من دول الاتحاد السوفياتي। لكن منذ حصولها على الاستقلال عام 1991 بعد تفكك المنظومة الاشتراكية، تشهد العلاقات بين البلدين لعبة شد حبال تحضر فيها واشنطن كلاعب هام، في محاولة لتعزيز نفوذها في القوقاز على حساب “الدب الروسي”।لعل أبرز تداعيات هذه التجاذبات الدولية قيام ثورة “الزهور” في عام 2003، التي أسقطت الرئيس إدوارد شيفاردنادزه وأتت بميخائيل ساكاشفيلي رئيساً للبلاد. وهو الذي لا تنظر اليه موسكو بعين الرضا منذ وصوله الى السلطة عام 2004 بسبب سياساته المؤيدة للغرب بما في ذلك الانضمام إلى حلف شمالي الأطلسي.ويبدو البعد الدولي للصراع الدائر في جورجيا، القريبة من ثروات بحر قزوين النفطية، واضحاً في الاحداث الاخيرة التي فجرت ازمة دبلوماسية بين موسكو وتبليسي. فقد ظهر هذا البعد خلال المحادثات التي جرت الجمعة الماضي بين حلف شمالي الاطلسي وروسيا، حيث اتهم وزير الدفاع الروسي سيرغي ايفانوف بعض دول الحلف ببيع أسلحة سراً للدولة السوفياتية السابقة، فيما اتهمت وسائل الاعلام الروسية ساكاشفيلي بتأجيج الصراع بدعوة من الولايات المتحدة. وعزز ذلك في الأشهر الماضية، تكثيف التعاون الأمني بين جورجيا والولايات المتحدة، بإرسال واشنطن نحو 200 من القوات الخاصة الأميركية بهدف إعادة تأهيل الجيش الجورجي.ولطالما كانت جورجيا احدى مناطق التوتر بين الروس والاميركيين؛ ففي عهد الرئيس الاميركي جورج بوش (الأب) كانت صفقة مقايضة عدم الاعتراض السوفياتي على الحملة الأميركية على العراق في عام 1990، في مقابل عدم الاعتراض الأميركي على التدخل السوفياتي في منطقة البلطيق، احدى النقاط الاساسية في المفاوضات بين واشنطن وموسكو.في المقابل، تنظر موسكو تقليدياً إلى الجمهورية القوقازية على أنها تقع في نطاق نفوذها وتشعر بالغضب من جهود جورجيا للتحول نحو الغرب، ومن بين ذلك طلبها الانضمام إلى عضوية حلف شمالي الاطلسي، كذلك مراهنة تبليسي الدائم على الولايات المتحدة في طرح مبادرات سلام جديدة تأمل في أن تعيد لها منطقتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية (اعلنتا انفصالهما عن جورجيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991)، وينتشر هناك حوالى 3000 جندي روسي كقوة لحفظ السلام.وقد تكون قضية التجسس، التي سببت ازمة دبلوماسية بين جورجيا وروسيا، احد اهم الارهاصات التي تسعى جورجيا من خلالها الى اعادة تسليط الضوء على المسألة الابخازية، بيد أن تحويل موسكو القضية الى مجلس الامن الدولي قد يكون علامة فارقة في تدويل هذه الازمة المستعصية.
عدد (الأخبار)الإثنين ٢ تشرين الأول 2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق