30‏/8‏/2008

هكذا حفظت «أرض الفرسان» المسيحيّة... بأحضان الصخور





تنطلق الرحلة من الإسكندرون نحو ما بقي من ربوع تركيا، متجاوزة جبال طوروس الشهيرة، مروراً بأضنة وكابادوكيا وقونيا، وصولاً حتى بورصة
كابادوكيا ــ معمر عطوي


يستمتع سائق الحافلة الأرمني بسماع الأغاني التركية. يترنّم بكلماتها التي يفهمها جيداً، رغم العداوة التاريخية بين شعبه والأتراك. يقول: «تعلمت هذه اللغة من جدّي. أنا أتذوّق الغناء التركي وأفهمه جيداً».كذلك هو غريغور، رفيق الرحلة الذي ذهب إلى «موطن الأعداء»، يتقن التركية. ما يثيره غريغور عن الأزمة التركية ـ الأرمنية، يدفع للحديث عن منطقة كيليكا وعلاقتها بالقضية الأرمنية. إذ إن المنطقة التي تمثّل حاضرة تاريخية ومركزاً دينياً، هي شاهد على تحولات تاريخية هائلة وضعتها على مفترق طرق.كيليكيا، التي تُعَدّ اليوم حاضنة مدينة أضنة الشهيرة، تلتف على مجموعة من المدن والقرى التي كانت في الأصل سورية قبل عام 1939. لقد وعد الفرنسيون أوائل القرن الماضي الأرمن بأن يجعلوا منطقة كيليكيا وطناً قومياً لهم. لكن هذا الوعد أثار حفيظة الأتراك. وعندما نجح حزب الاتحاد والترقّي (القومي المتطرف) في انقلابه على السلطان العثماني عبد الحميد سنة 1908، انتهج سياسة متشددة في تتريك الشعوب التي كانت خاضعة لسلطان الإمبراطورية العثمانية.الأرمن كان لهم نصيبهم من حملة التتريك هذه، فدفعوا الثمن الأكبر مجازر ذهب ضحيتها الآلاف، وخصوصاً عام 1915. وكانت منطقة كيليكيا الواقعة شمالي مدينة حلب أحد معاقل الأرمن. لكن خلال الحرب العالمية الأولى عام 1914، دأب الأرمن في كيليكيا على تزويد روسيا بمعلومات عن الجيوش التركية بعدما وعدتهم موسكو بمساعدتهم في بناء دولة مستقلة، لذا قررت الدولة العثمانية ترحليهم خارج أراضيها.غير أن غريغور الذي لم ينس «المجازر» بحق أبناء جلدته، لا يرى ضيراً من زيارة تركيا. يقول: «تعلمت التركية أنا وزوجتي لنعرف لغة الأعداء، لكننا لا نلجأ إلى العنف في تسوية هذه المشكلة. الأتراك اليوم جيل لا ذنب له في ما ارتكبه أجدادهم. لكننا أبسط ما نطلبه من الحكومة التركية الاعتراف والاعتذار».يحط رحال القافلة في مدينة مرسين البحرية. هنا ازدحام أسواق وبشر من كل حدب وصوب. مدينة مرسين هي عاصمة المحافظة التي تحمل الاسم نفسه وتقع في جنوب تركيا في مقابل جزيرة قبرص.أما كابادوكيا، فهي مدينة سياحية بامتياز. تقع وسط هضبة الأناضول، وهي من عجائب الطبيعة؛ في نهاية سلسلة جبلية، تنتشر المنازل القديمة المحفورة في الصخور، التي تحكي قصصاً بدأت منذ حوالى 4 آلاف عام، وتواصلت مع ظهور المسيحية، حيث وجد الرهبان الهاربون من الجيوش الوثنية في هذه الصخور الجيرية ملاذاً آمناً، فحفروا مغاور وكهوفاً مخفية تألفت من طبقات عديدة لتستوعب آلاف الأشخاص.اسمها مستوحى من كلمة قديمة تعني «أرض الفرسان»، بسبب استقدام الخيول قديماً لخدمة الجيوش في الحروب.وفي هذه المدينة، مرج «غورميه»، المركزي، الذي يحتضن المناظر الطبيعية الخلاّبة والأعمدة الحجرية الشامخة والضخمة التي نتجت بفعل التآكل الذي استمر على مدار السنوات بسبب المياه والرياح، فيما تتكوّن مدينة «قايماقلي» المبنية تحت الأرض، من ثماني طبقات.في الطريق إلى بورصة الواقعة في سفوح الجبل العظيم والقريبة من الساحل الشمالي للبلاد، تمر القافلة في أكسراي، ومن ثم منطقة قونيا التي تحتضن قرية نبع أفلاطون الغزير أو «أفلاطون بينار». وفيها نصب تذكاري يتكوّن من الحجارة المستطيلة المنقوشة، والموجودة على جانب أحد مصادر المياه.وفي قونيا أيضاً بحيرة الملح أو بحيرة «توز» التي تبلغ مساحتها حوالى 1500 كيلومتر مربع، والتي يمكن زائرها أن يتمشى على الجزء الجاف منها.في بورصة، التي كانت في إحدى مراحل الدولة العثمانية مركزاً صيفياً للخلافة، يمكن الزائر الاستمتاع برحلة عبر التلفريك إلى الجبل العظيم، حيث يمكن الحصول على وجبة من الشواء التي يعدها السائح بنفسه بين غابات الصنوبر.
الأخبار:٣٠ آب ٢٠٠٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق