14‏/8‏/2007

الفيليبين قصة تمرّد وفساد

معمر عطوي
لم يتّسم عهد الرئيسة الفيليبينية الحالية، غلوريا ماكاباغال أرويو، بمزايا افضل من عهد سلفها جوزف إسترادا، بسبب استمرار الفساد الذي عشش في زوايا السلطة، إلى جانب استمرار الفشل في معالجة بؤر التوتر بدءاً من الجنوب، حيث تدور معارك مع متمردين
مسلمو الجنوب يسعون للانفصال... وشيوعيو الشمال لا يزالون متمسكين بـ«الثورة»
سادت الفيليبين، خلال حقب متتالية، حالات من فساد السلطة التي أدت إلى ظهور ثورات وانقلابات كانت تأتي في كل مرة بمن هو أكثر فساداً. وفي كانون الثاني من عام 2001، استقال الرئيس جوزف إسترادا من منصب الرئاسة، تحت ضغط التظاهرات الشعبية في أعقاب اتهام البرلمان له رسميّاً بالفساد.وحلّت مكان استرادا نائبته غلوريا أرويو، الكاثوليكية المحافظة، التي أكدت بعد توليها سدة الحكم عزمها على مكافحة الفساد وإزالة الفقر، والاستناد إلى القيم الأخلاقية والدينية في كل خطواتها السياسية، معبّرة عن ذلك بالقول «لديّ شعور بأن الله وضعني على هذا المفصل».وكان إسترادا قد انتخب رئيساً في 1998 لولاية من ست سنوات، واتُّهم بعد أقل من 3 سنوات بالفساد.يُذكر أن الرئيس الفيليبيني الأسبق، فيردناند ماركوس، الذي حكم البلاد بالحديد والنار على مدى 21 عاماً، كان قد عمد في نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات إلى تدبير سلسلة من التفجيرات، انتهت بفرض الأحكام العرفية في البلاد عام 1972. وظل ماركوس في الحكم إلى أن سقط إثر ثورة شعبية في عام 1986.ولم يكن عهد الرئيسة الحالية ارويو أفضل حالاً، فقد فاحت رائحة الفساد في عهدها، الذي حظي بدعم غير محدود من الولايات المتحدة، وذلك بحجة «محاربة الإرهاب» المتمثّل بجماعة ابو سياف الإسلامية السلفية المقرّبة من تنظيم «القاعدة».وشهدت الانتخابات الأخيرة لاختيار أعضاء مجلسي النواب والشيوخ والمجالس المحلية في مقاطعة مندناو الجنوبية، التي جرت في 14 أيار الماضي، صورة أخرى من صور الفساد، حين نقلت صحف ومحطات التلفزة أن القائمين بإحصاء الأصوات تلقّوا أوامر بملء صناديق الاقتراع بأسماء مرشحين مؤيدين للحكومة. وتمكّنت المعارضة من تحقيق فوز في مقاعد مجلس الشيوخ وعدد من مقاعد المجلس التشريعي، في وقت عمّت فيه الاضطرابات والعنف في العديد من المدن والمناطق، الأمر الذي أدى إلى سقوط اكثر من 160 قتيلاً.لكن حزب «لاكاس» الحاكم شدّد على أن التحالفات السياسية للرئيسة أرويو فازت بأكثر من ثلثي مقاعد مجلس النواب. وقال مؤيدون للتحالف الحاكم إنهم حصدوا 190 من مئتي مقعد مخصص للمقاطعات.
تفشّت أخبار الفساد، الذي نخر عهد الرئيسة المحافظة، حتى وصلت إلى خارج البلاد، إذ تعرضت خلال زيارتها الاخيرة إلى العاصمة النيوزيلاندية، ولنغتون، لنقد حاد من أعضاء البرلمان، حين وصف المتحدث باسم حزب «الخضر» كيث لوك، في بيان صحافي، الفيليبين بأنها «منطقة كوارث لحقوق الانسان»، مشيراً الى أن مئات من المدافعين عن حقوق الانسان قتلوا منذ تولي أرويو المنصب في عام 2001.وشهدت الفيليبين حالةً من عدم الاستقرار والتظاهرات المتواصلة واستقالات جماعية في الحكومة، للضغط على الرئيسة الفيليبينية كي تتنحّى بعد اتهامات وُجِّهت إليها بالتلاعب في الانتخابات الرئاسية في عام 2004، إضافة إلى الفساد المالي.وفي 25 شباط 2006، أعلنت ارويو حال الطوارئ في البلاد بعد اعتقال عدد من كبار ضباط الجيش الذين اتهموا بمحاولة انقلاب مفترضة. وبُعيد الاعلان عن حال الطوارئ، اكدت الرئيسة في خطاب متلفز أن «الحكومة سحقت هذا التحرك غير الشرعي». وقالت «بوصفي قائداً للجيوش، فأنا أسيطر على الوضع».وأدّت الرئيسة بالتعاون مع حلفائها في إقليم مينداناو المسلم (جنوب)، الذي يطالب بالاستقلال عن مانيلا، دوراً بارزاً في رسم خطة محكمة في الانتخابات التشريعية لعام 2005، كان من شأنها فوز حليفها، زالدي أمباتوان، بمنصب حاكم الإقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي، فيما كان عددٌ من زعماء «الجبهة الوطنية لتحرير مورو» الإسلامية، قد أعلنوا مقاطعة الانتخابات، متهمين رئيسة الفيليبين بدعم أمباتوان الذي خاض الانتخابات على قائمة الائتلاف الحاكم.ورأت مصادر إسلامية أن الهدف الأبرز من دعم الحكومة لأمباتوان هو إقصاء جبهة مورو، التي تحكم الإقليم منذ 1997، بعدما انقلبت الحكومة على رئيس الجبهة نور ميسوراي في عام 2000 وأودعته السجن، بتهمة التحريض على الثورة على حكمها، ثم فر لاحقاً إلى ماليزيا.وتعوم مينداناو فوق آبار من البترول غير المكتشَف والمقدَّر بنحو 2.3 تريليون برميل، علاوةً على ملايين الأمتار المكعبة من الغاز الطبيعي. وهذا ما يفتح شهية الحكومة على المماطلة في تسليم الأقاليم الباقية لمواطني المنطقة الجنوبية ذات الغالبية المسلمة (تم اعطاؤهم 5 أقاليم من 15).وفي هذا الصدد، ذكر موقع «إخوان أون لاين» «ان مسار التفاوض بين الحكومة الفيليبينية والجيب المسلم، والذي أدّت منظمة المؤتمر الإسلامي دور الوساطة فيه بين حركة مورو الوطنية والحكومة، كان يستهدف حلاًّ عادلاً داخل إطار السيادة الفيليبينية ووحدة التراب الوطني والحصول على الحكم الذاتي فقط، وتم التفاوض حول الحكم الذاتي في مدينة جدة السعودية في عام 1975، لكنه فشل، ثم بدأت جولةٌ ثانية من التفاوض في كانون الأول من العام نفسه وأطلق عليها اسم اتفاق طرابلس».ويضيف الموقع أنه «بموجب هذا الاتفاق، تم الإقرار بمنح المسلمين الحكم الذاتي في 13 منطقة، ثم أصبحت 15 منطقة، وتكونت فيها إدارات ومراكز إدارية أخرى داخل هذه المناطق، غير أن الاتفاق لم ينفَّذ، ودخلت مورو الوطنية في اتفاق ثانٍ في عام 1996، الذي أوصى بالحكم الذاتي في أربع مناطق فقط من 13، ليصل بعد ذلك إلى بقية المناطق التي تم الاتفاق بشأنها في اتفاق طرابلس».ويشير الموقع الاسلامي إلى أن «الحكومة عملت ضد هذا الاتفاق من خلال الادعاء بأن المسلمين سيعملون على طرد السكان المسيحيين من هذه المناطق حين يحكمونها. وعندما طبِّق الحكم الذاتي، حُدِّد في خمس مناطق أو يزيد بالرغم من أن اتفاق طرابلس أفقد المسلمين 42 في المئة من أراضيهم عام 1996، وعلى الرغم من ذلك، لم تنفِّذ الحكومة الفيليبينية بنود الاتفاق، وبالتالي فقد المسلمون الاستقلالَ وأراضيَهم وضُمُّوا إلى الفيليبين بعدما كانوا دولةً مستقلةً تكافح لأكثر من 500 سنة للحفاظ على أراضيها وقيمها الإسلامية».جبهة مورو الإسلاميةنشأت «جبهة مورو الإسلامية»، نتيجة انشقاق عن «حركة مورو الوطنية»، التي فقدت شعبيتها نتيجة التفاوض «غير العادل» مع الحكومة. واعترفت منظمة المؤتمر الإسلامي بالجبهة ممثلاً لمسلمي الفيليبين.وجبهة تحرير مورو تقاتل منذ سبعينيات القرن الماضي من أجل الانفصال عن الفيليبين، وتكوين دولة إسلامية تضم جزر «مينداناو» و«سولو» و«بالاوان» جنوب البلاد، التي قامت مانيلا بضمِّها إلى أراضيها.وبدأت حكومة الفيليبين مسلسل التفاوض مع «جبهة مورو الإسلامية» منذ عام 1997، إلا أن المحادثات انهارت في عام 2000، حين شنَّ الجيش الفيليبيني هجوماً واستولى على العديد من قواعد الجبهة في الغابات، بينها معسكر أبو بكر في إقليم ماغو مينداناو.أبو سيافثمّة جماعة إسلامية أخرى في الفيليبين تتخذ من العنف وسيلة لتحقيق مطالبها تدعى «جماعة أبو سياف»، وهي مجموعة من الاسلاميين المتشددين، لا يزيد عددها على 500 عنصر. وغالبا ما تستولي القوات الحكومية على مناطق زراعية خصبة لأهالي الجنوب بحجة ملاحقة هذه الجماعة التي اتصفت بخطف الرهائن وممارسة أبشع انواع القتل بحق بعضهم.
تواجه الحكومة الفيليبينية نوعاً آخر من التمرد، يتمثل بالثورة الشيوعية التي تنشط في البلاد منذ 1969، وهو ما يجعل حركتهم إحدى أقدم حركات التمرد اليسارية في آسيا.ويقود «الجيش الشعبي» التمرد الشيوعي، ولا سيما في شمال البلاد. وهم يقومون بعمليات عسكرية متواصلة ضد افراد الشرطة في اكثر من منطقة. وتقدر السلطات الفيليبينية عدد عناصر «جيش الشعب» بـ 7000 أي أقل بثلاث مرات على الأقل مما كان عليه في الثمانينيات.وفشلت محادثات سلام رعتها النروج بين المتمردين الشيوعيين والحكومة في عام 2004 بسبب رفض مانيلا إقناع الولايات المتحدة وأوروبا برفع جيش الشعب عن قائمة الإرهاب.غير أن قائد الجيش الفيليبيني الجنرال هيرموجينس ايسبيرون، دعا إلى استئناف محادثات السلام المجمدة مع المتمردين الشيوعيين، مؤكداً على ضرورة موافقتهم على وقف لإطلاق النار لمدة ثلاث سنوات خلال المفاوضات.بأي حال، لم تستطع أرويو أن تمارس ما يحلو لها في البلاد كما كانت تشاء منذ البداية، ولا سيما بعدما خسرت محاولة لتعديل الدستور لتوسيع صلاحياتها، بسبب معارضة الكنيسة الكاثوليكية، التي دعا رؤساء أساقفتها الى اجتماع لـ «التأمل والصلاة» احتجاجاً على هذه المحاولة، الأمر الذي أجبر البرلمان على التخلّي عن خطته. ويبدو أن الرئيسة، التي تخطّت الكثير من الصعاب حتى الآن بدعم أميركي واضح، لا تزال معرّضة للسقوط في اي وقت، تحت وطأة نقمة الجنوبيين المطالبين بالاستقلال وتمرد الشيوعيين المطالبين بالعدالة الاجتماعية وصولاً إلى لوائح الفساد الذي لطّخ العديد من قادة هذا البلد المضطرب.
أرويو تقبل بـ«تجربة» وطن للمسلمين
أعلنت رئيسة الفيليبين غلوريا ماكاباغال أرويو امس أن حكومتها مستعدّة لتجربة اقتراح بإقامة وطن للمسلمين في إطار الجهود الرامية إلى تخفيف التوترات في جنوب البلاد المضطرب.وقالت أرويو، في كلمة أمام رجال أعمال فيليبينيين، «إذا لم يؤثر ذلك سلباً على الوضع التفاوضي للفيليبين ويثر قلقاً بين المسيحيين، يتعين تنفيذ اقتراح بإقامة منطقة يحكمها المسلمون في أرض الأسلاف على سبيل التجربة لإظهار صدقنا في تحقيق السلام».وأضافت أرويو «لقد أعلنّا الكثير من مناطق الحكم (الخاصة) على أرض الأسلاف بين السكان الأصليين.. لا أرى أي سبب يجعل أي شخص يفزع إذا أعلنت أي منطقة خاضعة لحكم المسلمين في أرض الأسلاف».وأوضحت أرويو أنها تريد إجراء محادثات عاجلة مع جبهة تحرير مورو برعاية ماليزيا التي تتوسط في المفاوضات في وقت تستعد فيه القوات الحكومية لشنّ هجمات على المتشددين الاسلاميين في جنوب الفيليبين.وكان قد جرى ضم 600 قرية إلى منطقة الحكم الذاتي للمسلمين في مينداناو، إلا أن جبهة تحرير مورو تريد ضم أكثر من ألف قرية. وكان الجانبان قد أوقفا في أيلول الماضي محادثات السلام بعد فشلهما في الاتفاق على تسمية المناطق التي يجب أن يشملها الوطن المقترح للمسلمين.(د ب أ)
جمهورية الفيليبين
هي جزيرة تقع في جنوب شرق اّسيا (تاريخياً كانت جزءاً من مايكرونيزيا خلال الغزو الأميركي قبل الاستقلال العام 1946). عاصمتها مانيلا.-يتكوّن أرخبيل الفيليبين من 7,107 جزر تقع في غربي المحيط الهادي شرق فيتنام.
"الاخبار" ١٤ آب 2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق