30‏/4‏/2008

فليكن الخليج الإسلامي

معمر عطوي
من المُفارقة أن يُعلن الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، «الخليج الفارسي» خليجاً لـ«الصداقة والأخوّة»، في مناسبة «اليوم الوطني للخليج الفارسي» الذي تحتفل به إيران «الإسلامية» في كل عام، رغم الجدل الجغرافي والتاريخي الواسع بين العرب والفرس حول هويّته.المفارقة تكمن في الهوية الإسلامية التي تماهت معها إيران منذ ثورتها على يد الإمام الخميني في عام 1979، فيما تؤكد هذه الثورة على البُعد الثقافي القومي في كل مناسبة، رغم أن حدود الهوية الإسلامية تتجاوز مسائل الهويات القومية والوطنية والمذهبية.قد تحمل كلمة نجاد إلى المشاركين في الملتقى «الثقافي ــــ السياحي» لمناسبة «يوم الخليج الفارسي»، أول من أمس، مدلولات إسلامية لجهة دعوته إلى «التعاون الإيجابي» لشعوب المنطقة في هذا الخليج. بيد أن هذا الخطاب المؤكِّد على فارسية الخليج، يقود إلى كلمة تاريخية ذكرها الإمام الخميني في أوائل أعوام الثورة، حين سأله أحد الصحافيين عن إشكالية مُصطلح «الخليج الفارسي» وما يثيره من حساسيات لدى دول المنطقة العربية، فردّ عليه بالقول لنسمِّه «الخليج الإسلامي».يبدو أن الإيرانيين الغارقين في ولائهم الفارسي على غرار الكثيرين من العرب الغارقين أيضاً في ولائهم العروبي، لم يستلهموا من إمامهم الكثير. فبقي البُعد القومي غالباً على البعد الإسلامي لديهم. لعل أحد تجليات هذا الواقع ما أعلنه وزير العلوم الإيراني، محمد مهدي زاهدي، أمام المؤتمر نفسه، وبشيء من الاستفزازية، أن اسم «الخليج الفارسي سيبقى متلألئاً في جغرافية العالم ما دامت إيران والإيرانيون في العالم».لا يمكن حسم أصل التسمية لهذا الخليج الذي يقع في حوضه العديد من الدول العربية وإيران على السواء، من خلال محاضرة في مؤتمر أو مقال صحافي. بل من الإجحاف القول إن الخليج «فارسي» أو «عربي» من دون التدقيق في الوثائق التاريخية التي قد تُثبت صحة مقولة هذا الطرف أو ذاك. وقد لا تثبت أيضاً، على غرار أزمة الجزر الثلاث بين إيران والإمارات.والأجدى في هذا الإطار الخروج من دائرة التنظير ورمي الاتهامات، إلى مفاوضات جديّة وهيئة تحكيم دولية، مُدعَّمة بالوثائق والبيانات التي من شأنها أن تضع حداً لهذا السجال الطويل والجدل الذي لا طائل منه، بعيداً عن مائدة المفاوضات.وإلا فإن ظروف المنطقة الحسّاسة، في ظل الهيمنة الأميركية ــــ الإسرائيلية وضرورات تعزيز السياسة التي سار بها نجاد تجاه جيرانه الخليجيين، يفرضان نوعاً من التسوية بهدف نزع أي فتائل للتفجير بين الدول الفارسية والدول العربية. تسوية لا بد منها من أجل طمأنة العرب بأن إيران لا تمتلك مشروعاً للهيمنة على المنطقة على غرار المشروع الصهيوني، كما يُثار في الدوائر السياسية والإعلامية العربية هذه الأيام.وإلا لماذا تشنُّ إيران منذ فترة حملة على موقع «غوغل» الإلكتروني لاستخدامه تعبير «الخليج العربي» بدلاً من «الخليج الفارسي»، في وقت تقوم فيه إسرائيل بمحاولات تهويد كل فلسطين، وفي وقت تذرع فيه البوارج الأميركية هذا الخليج كما يحلو لها.أمام هذا الواقع يصبح اللجوء إلى اللغويين، الذين يؤكدون أن «لا مشاحة في الاصطلاح». فليكن «الخليج الإسلامي» أو «خليج الوحدة الإسلامية» الا يكون بذلك متوافقاً مع مبادئ الثورة حينها؟
الأخبار:٣٠ نيسان ٢٠٠٨

29‏/4‏/2008

إيران تلعب ورقة التكتّلات الاقتصاديّة

معمر عطوي
رغم ما تتعرّض له من ضغوط وعقوبات دولية، بسبب برنامجها النووي، لا تزال طهران تلعب ورقة التكتلات الاقتصادية، كبديل عملي لسياسة الأحلاف العسكرية والسياسية التي سادت خلال الحرب الباردة. لعلّ غناها بمصادر الطاقة يؤسس لظهور تكتل اقتصادي عالمثالثي، رغم امتعاض واشنطن. تدعم هذه الفرضية زيارة الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، إلى باكستان والهند، التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تذليل العقبات من أمام مشروع بدأ الحديث عنه في عام 1993، يقضي بتزويد إسلام آباد ونيودلهي بالغاز الإيراني عبر أنبوب بطول 2600 كيلومتر، يدعى «أنبوب السلام»، بتكلفة 7.5 مليارات دولار، على أن يبدأ نقل الغاز من حقل «غاز فارس» الجنوبي في سنة 2011.مشروع لم يُبصر النور حتى اللحظة، بسبب الخلافات بين باكستان والهند على رسوم الترانزيت والمسائل الأمنية، فيما يثير هذا التقارب بين نيودلهي وطهران امتعاض واشنطن.بيد أن الهند المُتعطّشة إلى مصادر جديدة للطاقة لتغذية اقتصادها المزدهر، تتطلّع إلى إيران كمورد للطاقة في الأجل الطويل، غير آبهة لامتعاض صديقتها الأميركية.لذلك كان الردّ الهندي شديداً حين طالبتها واشنطن بإقناع طهران بوقف برنامجها النووي، مشيرةً إلى أنها لا تحتاج إلى أي «خطوط إرشادية» في إدارة العلاقات الثنائية.على الخط الإيراني ــــ الباكستاني، لا يبدو أن ثمة مشكلات كبيرة في هذه القضية، وخصوصاً أن البلدين اتفقا في مطلع تشرين الأول الماضي، على مراجعة دوريّة لأسعار الغاز كل ثلاث سنوات عوضاً عن سعر مُثبّت على المدى الطويل. وجاءت محادثات مشرف مع نجاد في إسلام آباد لتؤكد ذلك، حيث اتفق الجانبان على حل جميع المسائل المتعقلة بالمشروع. كما اتفقا على أن تقوم إيران بتزويد باكستان بـ1100 ميغاوط من الكهرباء.لكن على الخط الهندي ــــ الباكستاني، كانت القضية شائكة بسبب مشكلات أمنية إلى جانب السعر الذي ينبغي أن تدفعه نيودلهي إلى إسلام آباد لنقل الغاز «الترانزيت».لذلك، تبدو زيارة نجاد إلى الهند اليوم، وكأنها تُكلِّل جهود العواصم الثلاث من أجل إنجاح هذا المشروع، ولا سيما أن طهران كانت قد أعطت في تشرين الثاني نيود لهي مهلة أربعة أشهر للانضمام إلى «مشروع السلام». وللعلم، فإن ثمة مشاريع أخرى بين إيران والهند، تصبُّ في إطار تعزيز التعاون بين البلدان الآسيوية، منها خطط تقوم بها مؤسسة النفط والغاز الطبيعي الهندية لتطوير حقول نفط وغاز إيرانية بالتعاون مع مجموعة «هندوجا».في المحصّلة، يمكن تصوير خط «مشروع السلام» المُرتقب بأنه يؤدي دوراً كبيراً في لعبة التجاذبات بين الولايات المتحدة وخصومها في المنطقة، ولا سيما أن الهند تشارك في خط مماثل للغاز، مع تركمانستان وأفغانستان وباكستان أو ما يُعرف بخط «تاب ـــ 1»، والذي يتلقى دعماً أميركياً لأنه يمثل مشروعاً منافساً لمشروع إيران لتصدير الغاز.لكن تكلفة مشروع السلام تبلغ أقل من مشروع «تاب ـــ 1»، كما إنه يمر عبر أراضٍ تعدّ أكثر أماناً، إضافة إلى أن أسعار الغاز الإيراني أقل من منافسها، ما يشير بوضوح إلى سياسة طهران «التجارية» التي قد تُحقِّق أهدافها السياسية من خلال تكتّلات ذات طابع اقتصادي بحت.
الأخبار: ٢٩ نيسان ٢٠٠٨

25‏/4‏/2008

البرلمان الإيراني المُقبل أسير المعركة الرئاسيّة


معمر عطوي

من المؤكد أن الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية التي تشهدها طهران اليوم، ستُحدّد من سيسيطر على المقاعد الـ82 الباقية في مجلس الشورى الإسلامي، التي لم تُحسم في الدورة الأولى التي أجريت في 14 آذار الماضي وسيطر خلالها المبدئيون (المحافظون) على غالبية المقاعد.وتأتي إقالة وزير الداخلية، مصطفى بور محمدي، لتؤكد التخبّط الذي يواجهه الرئيس محمود أحمدي نجاد، في ظل تصاعد حدة الانتقادات ضد سياسته من داخل معسكره.لقد فتحت معركة الرئاسة التي ستجرى في العام المقبل الباب أمام منافسة حادة بين أقطاب المبدئيين، فبات نجاد بسبب سياسته الاقتصادية غير المجدية، أضعف المرشَّحين، فيما بزغ نجم كل من الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وعمدة طهران السابق محمد باقر قاليباف، والقائد الأسبق للحرس الثوري محسن رضائي، كمرشحين محتملين للرئاسة.ربما كان توصيف الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، مهدي خالاجي، أقرب إلى الواقع، حين يقول إن حزب نجاد «رائحة الخدمة الزكية»، استطاع بتحالفه مع غيره من المبدئيين تحت عنوان «الجبهة الموحدة للمدئيين»، أن يغطّي على شعبيته المتراجعة خلال الانتخابات المحليّة وتلك المُتعلّقة بمجلس الخبراء في عام 2006. هذا الواقع دفع نجاد، في الانتخابات الأخيرة، إلى اتخّاذ قرار بإجراء تسوية مع المجموعات الأخرى من المحافظين من أجل الترشّح ضمن لائحة واحدة. لكن لاريجاني وأصدقاءه في لائحة «الائتلاف الموسّع للمبدئيين» فضّل الانفراد في بعض الدوائر عن اللائحة المحافظة الأم. انفراد تبيّن أنه متعلق بأجواء التحضير لخوضه معركة الرئاسة.لهذا، باتت لائحة المبدئيين تضم ثلاثة توجهّات فاعلة، وهي «رائحة الخدمة الزكية» الداعمة لنجاد، و«جبهة السائرين على نهج الإمام والقيادة»، و «المبدئيون الداعمون للتطور والفدائيون». أما الروافد لهذه التوجهات فضمّت مروحة من الأحزاب والجمعيات أبرزها: «الجبهة الشعبية للمبدئيين المستقلّين» و «حزب العدالة والتنمية» القريب من المعارضين للحكومة، و «حزب الله» و «الجبهة الموحدّة للنساء الأصوليات» و«حزب إيران الشامخة» و«مُجمّع الوحدة الإسلامية الإيرانية» و«ائتلاف المفكرين الأحرار».بأي حال، كانت نتائج الدورة الأولى غير واضحة لجهة فرز الخيارات السياسية، إذ ظهر التداخل بين تياري المبدئيين لجهة صعوبة تحديد انتماء أعضاء إلى هذه اللائحة أو تلك، ما جعل تحديد الفرق بين تيار نجاد وتيار لاريجاني أمراً شائكاً.وأصبح واضحاً أن معركة الرئاسة تتحكّم رسم صورة المشهد السياسي في طهران اليوم، ليصبح البرلمان المقبل أسير هذه المعركة، وخصوصاً بعد الجدل الحاد الذي دار أخيراً بين نجاد ورئيس مجلس الشورى غلام علي حداد عادل، الذي يسود الحديث عن رغبته بخوض معركة الرئاسة أيضاً.وبدا أن معظم من هم في صف المعارضة للرئيس اليوم، على خلفية سياسته الاقتصادية، التي تسببت بزيادة حجم التضخّم وارتفاع حاد في الأسعار، هم «مرشحون» لكرسي الرئاسة في الانتخابات المقبلة.لعلّ بعض فصول هذه المواجهة الشخصية بين الرئيس ومنتقديه قد تبلورت أكثر في مدينة قم الدينية في السادس عشر من نيسان الجاري، حين اتّهم نجاد بعض أركان إدارته بتجاهل سياسته في محاربة الفساد والاحتكار، وتوسّعت مروحة اتهاماته لتشمل معاونيه المقربيّن، من بينهم وزير المالية داود دانش جعفري الذي أقاله مع وزير الداخلية بور محمدي من منصبيهما الأسبوع الماضي.وحسب رؤية الباحث الإيراني في معهد واشنطن، فإن مجلس الشورى المقبل، لن يكون مختلفاً كثيراً عن صورته بحسب نتائج الدورة الأولى، لا سيما أن الإصلاحيين الذين حصلوا على أقليّة المقاعد، غير مؤهليّن في الدورة التي تجرى اليوم للحصول على ما قد يغيّر قواعد اللعبة.لكن نجاد بدوره، يواجه وضعاً صعباً، من خلال سياسة الإقالات التي اعتمدها منذ تسلّمه الرئاسة في عام 2005، لا سيما أن من بين المقالين شخصيات فاعلة على المسرح السياسي ومقرّبة جداً من المرشد علي خامنئي، مثل بور محمدي، والمفاوض النووي السابق الذي يمتلك الحظوظ الأكبر ليكون رئيس البلاد المقبل.
الأخبار: ٢٥ نيسان ٢٠٠٨

23‏/4‏/2008

القطاع الشرقي في أتون السجال السياسي


لا شك في أن الصورة تغيّرت بين ما قبل تموز 2006 وما بعده. سيارات المقاومة البيضاء «المدنية» لم تعد جزءاً من المشهد اليومي، بعد أن «استبدلت» بسيارات «اليونيفيل» البيضاء أيضاً، التي تحتل المشهد، حتى يكاد زائر القطاع الشرقي يعتقد أنه في ثكنة عسكرية لـ«قوات الطوارئ الدولية»



معمر عطوي



لم يعد الأمس شبيهاً باليوم على خطوط المواجهة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في القطاع الشرقي من الجنوب اللبناني. بمجرد عبورك منطقة «جنوب النهر»، تصبح في ما يشبه ثكنة عسكرية كبيرة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة «يونيفيل» والجيش اللبناني. لكن المفارقة أن هذه «الثكنة» تضم بعض المدنيين الجنوبيين الذين لا يزالون في قراهم، رغم استمرار غياب سياسات التنمية وانعدام المشاريع الإنتاجية التي تؤمن ظروف العيش في ذلك الشريط المحروم على تخوم فلسطين والجولان المحتلَّيْن،الذي تغيّر كثيراً، سواء على مستوى القيم السياسية لأبناء المنطقة أو على مستوى الواقع الميداني. في الموضوع الأول تركت انقسامات الشارع اللبناني بين فريق داعم للمقاومة وفريق آخر يراها «ميليشيا» أثرها على أحاديث أبناء المنطقة، لا سيما «العرقوب» الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي، في سفوح جبل الشيخ وبعض قرى منطقة الوزاني. أما في الموضوع الثاني فقد أصبحت تحرّكات سيارات المقاومة «المدنية» التي كان معظمها باللون الأبيض (كما يردّد الأهالي) على غرار سيارات اليونيفيل، شبه معدومة، مع تأكيد الأهالي أن عناصر المقاومة لا يزالون موجودين وعلى أهبة الاستعداد «وهم يتحركون من دون أن يشتبه أحد من السكان أو القوى الأمنية بذلك».

على ضفاف الوزاني
في إحدى الاستراحات، على ضفاف الوزاني، التي لا يقصدها في هذه الأيام إلا المُتحرِّر من الخوف، يختلط صوت خرير المياه بهدير دبابات العدو وآلياته التي تجوب الشريط الحدودي «خوفاً من تسلل مقاومين». لكن مهمتها تتجاوز «الحماية» أحياناً، لتمثّل حالة من الرعب بالنسبة لأهالي المنطقة الذين يعتاش معظمهم من الزراعة. «منذ شهر تقريباً نزل الجنود إلى هذه الاستراحة، لكننا هربنا كي لا يعتقلوننا» يقول النادل السوري الذي يعمل بالقرب من «جولانه» المحتل. ويضيف صاحب الاستراحة «لم يقوموا بأي فعل ضدنا سوى اختراقهم الخط الأزرق وعودتهم إلى داخل المنطقة المحتلة». لكنه يستطرد «منذ مدة أطلقوا النار على بعض الرعاة هنا... الوضع ليس آمناً بسبب الخوف من اختراق صهيوني مفاجئ». العامل السوري، لدى سؤاله عن شعوره وهو ينظر إلى الجزء المحتل من بلاده، يقول «ليت الحدود تُفتح حتى نذهب إلى قريتنا. من هنا. نحن تواقون إلى مقاومة المحتل على طريقة حزب الله». ويضيف أن «الكثير من السوريين لديهم الحماسة لقتال إسرائيل... لكن ذلك بحاجة إلى قرار سياسي».


مقاومة سرية
ينفي أحد سكان الوزاني، النهر الذي ركّبت قوات الاحتلال منذ سنوات طويلة مضخّات لسرقة جزء من مياهه، وجود مظاهر لمقاومين في المنطقة. لكنه يؤكد أنّ تحركاتهم «أكثر سريّة مما نظن». ويشير إلى تعاون شبان تابعين لـ«جبهة العمل الإسلامي» بقيادة الشيخ فتحي يكن مع حزب الله في العمل المقاوم. لكن شاباً آخر مؤيداً للجماعة الإسلامية يقلل من أهمية هذا «الحكي» بالقول «عناصر جبهة العمل لا يمثّلون عددا كبيراً... نحن من نتعاون مع المقاومة ونحن أصل المقاومة».يتطوّر النقاش ليدخل في زواريب السجالات السياسية اللبنانية، فيتصدىّ أحدهم من قرية عين عرب الواقعة قرب معسكر المجيدية الذي كان مخصصاً لتدريب عملاء إسرائيل متسائلاً «لماذا المقاومة؟ لقد دفعنا ثمناً كبيراً، ألا يكفي استمرارنا في خوض معركة الأمة جميعها؟». يتساءل هذا الشاب «إلى متى ستبقى المقاومة؟ هذه الأرض التي نشاهدها (مرتفعات الجولان ومزارع شبعا) هي لسوريا فليحرّروها هم... بدنا نعيش يا عمي». ويثير شاب آخر إشكالية التعدّد المذهبي في الجنوب بقوله «الشيعة لا يريدوننا نحن السنّة أن نقاتل إسرائيل». يقاطعه رجل كبير السن بالقول «لكنهم أثبتوا أنّهم رجال... وهم يملكون الحيلة والخطة، لماذا نشكك بوطنيتهم. الواقع الديموغرافي في الجنوب يفرض أن يكون أبناء الطائفة الشيعية في وجه المدفع».لكن رجا، اليساري الذي قاتل في صفوف جبهة المقاومة اللبنانية، يتمنّى لو كانت المقاومة شاملة «نحن من بدأ المقاومة وحزب الله أكملها. كلنا في خط واحد لكن إمكانات حزب الله أكبر بكثير من إمكاناتنا، وسوريا أخطأت حين حصرت دور المقاومة بهم بالتنسيق مع إيران»، مستنتجاً أن «هذه الهجمة الداخلية الشرسة ضد المقاومة ما كانت لتظهر بهذا الشكل لو أن الجميع شاركوا في غرفة عمليات مشتركة ضد إسرائيل».
فتح لاند
في الطريق إلى كفرشوبا تصادفك دوريات عديدة مؤللة للقوات الدولية، إسبان وهنود ودوريات أخرى للجيش اللبناني، في حين أن السيارات المدنية لا تظهر إلا نادراً. هناك بالقرب من مزارع شبعا المسلوبة، وتحت أنظار المحتل في مواقع الرمثا والسماقة ورويسات العلم، يدور حديث خافت عن دور المقاومة والمتغيرات السياسية التي حصلت في لبنان خلال السنوات الأخيرة.هنا كانت «فتح لاند»، ومن هنا انطلق العمل الفلسطيني المقاوم. لم يحل انتماء جميع أبناء البلدة للمذهب السنّي دون تعاون بعضهم مع عناصر حزب الله الشيعي. بل ذهب بعضهم أبعد من ذلك بانخراطه في صفوف الحزب على طريقة «التشيُّع السياسي»، بينما اعتنق آخرون المذهب الشيعي من ناحية «عقائدية وتعبدية»، حسبما يقول أبو بلال المناضل اليساري السابق الذي يعمل «في خندق واحد مع المقاومة الإسلامية».يصف أبو بلال واقع كفرشوبا ومنطقة العرقوب بكثير من التفاؤل «ليس لأهل الصحوة خبز لدينا (يقصد جماعة 14 شباط)».



يؤكد ابن كفرشوبا الذي لم تنجح إغراءات أموال «الحريرية وجماعات الصحوة» ومساعداتها في تغيير مبادئ من نشأوا على حب المقاومة. «إن هناك قيماً لا تزال راسخة في ضمير الناس الذين دفعوا الكثير من أجل الكرامة الوطنية ومن أجل قضية فلسطين». يضيف مواطن من بلدة شبعا المجاورة «آسف لما يحصل في شبعا (التي شهدت سقوط أول شهيد لبناني من أجل فلسطين، الأخضر العربي في عام 1969) فقد سار بعض الناس خلف رائحة الأموال والغرائز المذهبية، ونسوا قضية مزارعهم».يحدّث رئيس بلدية كفرشوبا عزت القادري عن وئام يلف القرية التي دفعت العديد من الشهداء منذ نشوء قضية فلسطين. «هناك صور للشهيد رفيق الحريري وشعارات لتيار المستقبل، ونحن لا مانع لدينا من تعليقها، فالكل أحرار هنا في التعبير عن آرائهم». يؤكد القادري، الذي يؤيد استمرار المقاومة ويتمتع بتاريخ نضالي طويل بدأ مع حركة القوميين العرب واستمر مع المنظمات اليسارية، أن لا خوف على كفرشوبا من السقوط في نيران الفتنة «الكلّ متفق على عدم الانجرار إلى فتنة بين أنصار المقاومة المعارضة وأنصار 14 آذار». ويشير إلى أن الأزمة السياسية في البلاد انعكست على وضع المنطقة بشكل مباشر لقربها من الجبهة مع إسرائيل، لكنه يؤكد وعي الجميع لعدم الوقوع في فتنة بين أبناء البلدة».



لا أحد يصادر المقاومة



الوضع في الهبارية ربما ليس مشابهاً تماماً لكفرشوبا. ثمة نشاط للجماعة الإسلامية في هذه القرية كباقي قرى العرقوب الأخرى. «الجماعة شاركت إلى جانب حزب الله في المقاومة خلال سنوات الاحتلال وخلال حرب تموز» حسبما يقول الشيخ حسين. ويضيف «قد نختلف مع حزب الله في السياسة الداخلية، لكن مشروع المقاومة هو مشروع الأمة، ولا أحد يستطيع أن يصادره لا تحت شعار «بدنا نعيش» أو غيره».يضيف رئيس البلدية السابق شوقي يوسف أن بعض الناس «ينجرّون إلى حيث يريد الإسرائيليون، فيقعون في فخّ السجال السياسي والمذهبي». يؤكد يوسف بكلام هادئ أن «ما يربطنا بحزب الله أكثر مما يربطنا بتيار المستقبل... أهمه مشروع المقاومة والهم الإسلامي المشترك».من المؤكد أن الجدل بشأن مشروعية المقاومة قد أصبح وجبة يومية في نقاشات أهل القطاع الشرقي، حيث يعيش لبنانيون من مختلف الطوائف والمذاهب. ومن الواضح أن تحوّلات المشهد السياسي قد تركت أثرها سلباً على الواقع السجالي السائد بين أبناء المنطقة. منهم من بقي محافظاً على قيم النضال الوطني والقومي، وبعضهم أصبح ضد مبدأ المقاومة، مشيراً إلى أن التحرير لا يكون إلا دبلوماسياً، والبعض الآخر ينتظر سوريا لتُحرّك جبهة الجولان، «حتى لا نبقى وحدنا في الميدان».



«بازيللا» أبو شهاب والخط الازرق



في آخر تعديل على الخط الأزرق في بلدة العباسية، أعادت قوات الأمم المتحدة رسمه بطريقة جرى خلالها قضم المزيد من الأراضي اللبنانية.الطريف في الأمر أن ابو شهاب، وهو أحد ابناء العباسية، كان قد زرع حقلا صغيراً من البازيلاء ووضع أقفاص خاصة بتربية النحل بالقرب من الحدود. لكن الرسم الجديد للحدود صادر نحلات ابو شهاب ونصف حقل البازيلاء، بحيث أصبح الوصول اليها متعذراً ويحتاج الى قرار دولي. بل أصبح الوصول اليها عرضة للقنص من مواقع الاحتلال المقابلة، حيث تُسيّر دوريات مؤللة على مدار الساعة.الخط الأزرق هو الخط الفاصل الذي رسمته الأمم المتحدة بين لبنان من جهة وإسرائيل وهضبة الجولان المحتلة من جهة أخرى في 7 حزيران عام 2000. وهو يمرّ على جبل السماق وشمالي قمة جبل روس حيث يبقى معظم منطقة مزارع شبعا جنوبا له. ويقطع "الخط الازرق" قرية الغجر السورية في وسطها ويقسمها الى شطرين: شمالي يقع تحت السيطرة اللبنانية، وجنوبي يقع تحت الاحتلال الاسرائيلي. ويحيط سياج بالقرية من جهة هضبة الجولان وفيه ثلاث بوابات هي عبارة عن حواجز عسكرية اسرائيلية فيما القرية مفتوحة من الناحية الشمالية باتجاه الاراضي اللبنانية.ورغم مطالبة لبنان بالسيادة على عموم هذه المنطقة، لم تفرض الأمم المتحدة حتى الآن الانسحاب منه على إسرائيل، لاعتباره جزءاً من سوريا الخاضع لسيطرة إسرائيلية حسب اتفاقية فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل. وما زالت قضية مزارع شبعا تثير العديد من المشاكل و الآراء والمناقشات بشأن السيادة عليها.
الأخبار:٢٣ نيسان ٢٠٠٨

انعطافة يساريّة


معمر عطوي
لم يجانب الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز الحقيقة، حينما أعلن قبل سنوات خلت، أن «أميركا اللاتينية تشهد انعطافة كبيرة نحو اليسار معادية للولايات المتحدة»؛ فقد أصبح الرئيس الجديد للباراغواي، فرناندو لوغو، أحد مصاديق هذه الانعطافة إلى جانب العديد من زعماء دول أميركا الجنوبية المُنحدرين من التيارات اليسارية والفقراء.لكن ما غاب عن ذهن الزعيم الثوري، الذي يقود بالاشتراك مع كوبا حلفاً عريضاً ضد هيمنة الولايات المتحدة في المنطقة، أن هذه الانعطافة «الحمراء» لم تتوقَّف عند حدود أميركا اللاتينية، بل تعدَّتها إلى مناطق عديدة في العالم، بما يشبه «الصحوة» من سُبات طويل، أصبحت فيه العديد من دول العالم الثالث رهينة للبنك الدولي وإملاءات سياسة «الكبار».لقد فتح فوز «أبو الفقراء» في معركة رئاسة الباراغواي، الباب على مشهد جديد في العالم، بدأت إرهاصاته منذ فوز البوليفاريين في فنزويلا في عام 1999، وصولاً إلى فوز الشيوعي القبرصي ديميتريس كريستوفياس بمنصب الرئاسة في القسم اليوناني من الجزيرة المتوسطية الشهر الماضي.وما بين هذا وذاك سلسلة طويلة من النجاحات التي حققها اليساريون بتياراتهم المتعددة، إذ إن اليسار الجديد الذي يشهده العالم اليوم لم يعد مُتخّذاً تلك الصورة النمطية للشيوعية التقليدية التي عاشها الاتحاد السوفياتي السابق لأكثر من سبعين سنة.لقد أصبح اليسار متعدداً في رؤيته الاقتصادية وأبعاده الفكرية وأدائه السياسي ليتناسب مع المرحلة والتحولات العالمية. لذلك يشهد العالم اليوم أنماطاً مختلفة من اليسار: فنزويلا والإكوادور وبوليفيا والأوروغواي وتشيلي ونيكارغوا وكوبا وكوريا الشمالية، بلدان يسارية تنتهج سياسة أصلب تجاه المشروع الأميركي من الأرجنتين والبرازيل والصين والأحزاب الاشتراكية في أوروبا، على غرار حزب خوسيه لويس ثاباتيرو الحاكم في إسبانيا.لكن هذه النماذج، وإن كان تأثيرها محدوداً، استطاعت استنساخ نماذج أخرى، في تحولات غير مسبوقة، مثل فوز الماويين في النيبال في العاشر من الشهر الجاري بالانتخابات وتمكّنهم من إسقاط الملكية. لكن هذا النموذج الذي اعتمد الكفاح المُسلَّح ضد الملكية استطاع أن يبلور رؤية استيعابية للحكم تُمكّنه من العمل مع غيره من الأحزاب لصياغة دستور جديد للبلاد، في إشارة واضحة إلى أن صيغة الحزب الواحد لم تعد واردة في قاموس اليساريين الجُدد.وما تشهده ألمانيا على صعيد الانتخابات المحلية من تقدم لليسار، الذي لمع نجمه منذ تحالف زعيم الحزب الشيوعي السابق غريغوري غيزي مع المُنشق عن الحزب الاشتراكي الديموقراطي أوسكار لافونتين، يشير إلى انخراط اليسار الجديد في لعبة تداول السلطة والخروج بأقل خسائر ممكنة على صعيد إيجاد صيغة للحكم تُعزز العمل النقابي من دون أن تلجأ إلى مصادرة الملكية الخاصة والتأميم الشامل للثروة.لعلَّ خير من عبّر عن هذه الرؤية الجديدة، الرئيس الإكوادوري رافاييل كوريا، بقوله: «إن هناك طرقاً جديدة للتفكير، وأحزاباً جديدة تتولى السلطة في المنطقة، وهم أكثر عدلاً ويخدمون واقع المنطقة».
الاخبار: ٢٣ نيسان ٢٠٠٨

22‏/4‏/2008

إيران تعزّز نفوذها في «الحديقة الخلفية» لأميركا

معمر عطوي
لا يبدو أن قرارات العقوبات التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية الغربية على إيران، قد مثّلت نهاية التاريخ بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية؛ فالحراك السياسي الدولي، الذي تقوم به جمهورية الملالي، قد تجاوز «إخوة الدين» والجوار إلى الضفة الأخرى من العالم، حيث تتأسس كتلة من الدول اليسارية بقيادة فنزويلا لمواجهة الوحش الأميركي. وربما حاولت الجمهورية الإسلامية، من خلال تعزيز نفوذها السياسي وتطوير مصالحها الاقتصادية في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، تحقيق توازن مع عدوها «الشيطان الأكبر»، في وقت تنتشر فيه قواعد الاحتلال الأميركي على مقربة من الشواطئ الإيرانية في الخليج.لذلك كانت تلك العلاقات الاقتصادية، نتيجة حتمية للتشابكات السياسية، المتولدة من لعبة المحاور بين معسكرين «معسكر الخير» و«معسكر الشر»، حسب التعبير الأميركي، فيما يرى المعسكر الآخر أن أميركا هي من يقود سياسة الهيمنة و«البلطجة» في العالم.لعل أحد أهم إفرازات هذه العلاقات، إعلان شركة نفط «بتروفارس» الإيرانية أمس، رفع مستوى التعاون مع شركة النفط الفنزويلية وتأسيس شركة موحدة، من أجل زيادة ورفع مستوى التعاون بين البلدين. تعاون يتركز حالياًً على مجال توسيع عدد من قطاعات حقل نفط «اياكوتشو» في الدولة اللاتينية.ومن الطبيعي أن هذه الاتفاقات ما كانت لتتم لولا العلاقة القوية «الأخوية» التي تربط بين الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي يقود قوى المعارضة للمشروع الأميركي ـــــ الصهيوني في المنطقة، ونظيره الفنزويلي هوغو تشافيز، الذي شدد خلال زيارة إلى طهران في تشرين الثاني الماضي على أن « البلدين سيتمكنان معاً من هزيمة إمبريالية أميركا الشمالية».وفي أيلول الماضي، وقّع الرئيسان خلال زيارة قام بها نجاد إلى كاراكاس، 33 اتفاقية اقتصادية بقيمة ثمانية مليارات دولار، تشمل إقامة مصانع سيارات وشاحنات ومُجمَّع للبتروكيميائيات. كما تتضمن تمكين طهران من العمل في حقول النفط في فنزويلا، التي تقوم بدورها بمدّ إيران بالبنزين، الذي تستورد منه إيران أكثر من ثلث حاجاتها بسبب ضعف وسائل التكرير لديها.ولم تتوقف طموحات طهران عند عتبة كاراكاس، بل تجاوزتها إلى غيرها من دول أميركا اللاتينية، حيث زار نجاد بعض هذه الدول.هذه الزيارات آتت ثمارها من خلال توقيع الإكوادور اتفاقاً لتعزيز الاستثمارات والتبادل التجاري مع إيران: منها استثمارات إيرانية في مشروع ميناء بتكلفة 350 مليون دولار ومحطة لتوليد الكهرباء بطاقة المياه بتكلفة 120 مليون دولار.كما حصلت كوبا، القلعة الشيوعية الحصينة في مواجهة الولايات المتحدة في بحر الكاريبي، على استثمارات إيرانية في مشروعات للبنية الأساسية والإنشاءات وتفاوضت على عقود لتوريد تكنولوجيا طبية إلى إيران.وكان وزير التجارة الإيراني، سيد مسعود مير كاظمي، قد أبدى العام الماضي، خلال مؤتمر لدول عدم الانحياز في هافانا، استعداد بلاده للإسهام في كوبا بخبراتها في مجال الكشف عن البترول في المياه العميقة. كما أبرز إمكان زيادة الاستثمارات في العديد من القطاعات بعد إبرام اتفاق للامتيازات الجمركية بين البلدين.وعلى خط العلاقات مع مانغوا، صادق مجلس الوزراء الإيراني العام الماضي، على تخصيص قرض بقيمة 150 مليون يورو لنيكاراغوا.أمّا بوليفيا فقد وقعت العام الماضي مذكرة تفاهم مع طهران في مجال إقامة علاقات سياسية بين البلدين. وانعكست هذه العلاقات على الروابط التجارية والاقتصادية، وخصوصاً في مجالات صناعة الجرارات الزراعية وبناء مصانع إنتاج الألبان.لقد استطاعت إيران تعويض بعض النقص الذي نتج من قرارت العقوبات الدولية ضدها بسبب برنامجها النووي، مستغلة تراجع اهتمام واشنطن بحديقتها الخلفية من أجل خوض معاركها «النفطية» عبر المحيطات. وبذلك تمكنت من فتح أسواق جديدة وإيجاد استثمارات فقدتها في الجانب الأوروبي.
الاخبار: ٢٢ نيسان ٢٠٠٨

19‏/4‏/2008

ثغرة غربيّة في جدار المقاطعة لإيران

معمر عطوي

رغم قرارات العقوبات الدولية الثلاثة التي صدرت عن مجلس الأمن ضد إيران، ورغم الضغوط الأميركية على العديد من الدول لقطع علاقاتها التجارية والاقتصادية معها، لا تزال هناك العديد من الثُّغر التي تجد فيها طهران متنفسّاً يمكن أن يُعوّض عليها بعض ما خسرته من الجانب الآخر. لعل هذه الثُّغر هي التي دفعت طهران الى أداء دور «المستغني»، حين أعطت شركتي «توتال» الفرنسية و«رويال شل» مهلة تنتهي في حزيران، لوضع اللمسات النهائية على اتفاقات في شأن تطوير مشروعين رئيسيين للنفط والغاز في الخليج، وحذرتاها من أنها ستخسر العقود.لكن الثغرة الأهم في جدار المقاطعة الغربية، التي دفعت مسؤولين أوروبيين للاعتراض عليها بشكل غير مباشر، كانت الاتفاق الذي أجرته الشركة الإيرانية لتصدير الغاز مع الشركة السويسرية لتجارة الطاقة، والذي يقضي بتزويد سويسرا بالغاز الإيراني من الآن حتى 2011. ثغرة فتحت عيون بعض الدوائر الغربية على هذا «الخرق» لنظام العقوبات، ما دفع رئيس الوزراء البريطاني، غوردون براون، إلى القول «خلال الأسابيع القليلة المقبلة، نريد توسيع الإجراءات والعقوبات (المفروضة على إيران) لتشمل الاستثمارات في قطاع الغاز الطبيعي المُسال».وإذا كان انتقاد براون مبطناً في هذا الإطار، فإن الاتفاق الإيراني ـــ السويسري، الذي ينص على تزويد الشركة السويسرية بـ5.5 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً، كان محل احتجاج واضح لدى الجانبين الأميركي والإسرائيلي: رأت واشنطن أنه يمثّل «رسالة سلبية»، ووصفته بأن «تورط... بموجب القوانين الأميركية». أماّ تل أبيب فقد أثارت أزمة دبلوماسية مع بيرن واستدعت السفير السويسري لدى تل أبيب، فولتر هابنر، «لمحادثة توبيخ».الردّ السويسري على التصريح الأميركي كان مُفعماً بالثقة، إذ حرصت بيرن على التوضيح أن العقد «مطابق للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة... ولا يتعارض مع التوجهات الأميركية ضد التجارة مع طهران».ورغم وجود حوالى عشر دول، بينها اليابان وفرنسا وإيطاليا، ترتبط مع إيران بعقود مماثلة، تعرضّت بيرن لانتقادات يهودية لاذعة، لا سيما من جمعية «انتي ديفاماسين ليغ» اليهودية ـــ الأميركية، التي اتهمتها بتمويل الإرهاب، في إشارة إلى أن «الأموال التي ستدفع لإيران ستستخدم في تمويل إطلاق صواريخ حزب الله في لبنان، وهجمات انتحارية في غزة، والبرنامج النووي الإيراني، أو تمويل مجموعات إرهابية عبر العالم».وفي السياق، استطاعت طهران تحويل مسار علاقاتها الاقتصادية من الغرب إلى الشرق، في ظل مواصلة المفاوضات مع عدد من الشركات الآسيوية، التي من المرجّح أن تحل محل «توتال» و «شل».إلاّ أن المفارقة تكمن في تردد بعض الشركات الأوروبية تجاه العمل في الجمهورية الإسلامية، وخصوصاً أن الاستثمار في قطاع النفط والغاز هناك يدرّ عليها أرباحاً وافرة. تردُّد قد يكون أحد أبرز تجلياته تصريح للرئيس التنفيذي لشركة «شل»، كريستوف دو مارغيري، حين قال في شباط الماضي «لم نحرق جسورنا مع إيران... سنتوصل إلى حلول للحفاظ على وجودنا في المدى الطويل».لقد يمّم الإيرانيون وجههم شطر الشرق، فوسّعوا من نطاق التعاون مع روسيا في قطاعات حقل فارس الجنوبي. ويسعون في الوقت نفسه، بالتعاون مع المسؤولين في الكرملين، إلى إنشاء منظمة مصدّري الغاز في العالم على غرار منظمة «أوبك».وثمة عقود وُقّعت بين إيران والصين تصبّ في هذا الإطار، وكان آخرها في كانون الأول الماضي، بقيمة ملياري دولار، ويخص تطوير حقل يادافاران النفطي.إلى جانب ذلك، هناك مفاوضات متواصلة مع الجانبين الهندي والباكستاني بشأن مشروع بناء أنبوب غاز بين إيران وباكستان والهند. إضافة إلى خطط تطوير حقول نفط وغاز إيرانية بالتعاون مع مجموعة «هندوجا» الهندية.وأدت الروابط الدينية داخل منظمة الدول الإسلامية دوراً في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين طهران وبعض دول شرق آسيا العملاقة، مثل أندونيسيا وماليزيا، حيث تطوّر شركات في هذه الدول حقولاً نفطية، بما يشير إلى أن قرارات العقوبات لن تُدمّر البنية الاقتصادية للنظام الإسلامي، رغم إصابتها ببعض الخلل.
الاخبار١٩ نيسان ٢٠٠٨

10‏/4‏/2008

الجزر الثلاث حكاية صراع «بارد»




مع انعقاد القمّة العربية في دمشق الشهر الماضي، عادت قضية الجزر الثلاث الخلافية بين إيران والإمارات إلى واجهةالأحداث، لتؤكّد عمق الأزمة في الخليج بين ضفتيه الفارسية والعربية، بعد تأكيد الأطراف العربية، وبينها سوريا، «السيادة» الإماراتية على الجزر الثلاث
معمر عطوي


من الصعب حسم الخلاف القائم بين إيران والإمارات منذ عقود على هوية الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى. خلاف لا تظهر ملامحه إلا من خلال تصريحات متناقضة بين حين وآخر، تؤكّد كل دولة من خلالها ملكيتها التاريخية لهذه الجزر.وبحكم العلاقات التجارية والتداخل الاستراتيجي بين الدولتين الفارسية والعربية، بقي النزاع على هذه الجزر «بارداً». إذ إن طهران، التي تؤكد في كل مرة نيّتها توسيع مروحة العلاقات مع الدول العربية، وخصوصاً الخليجية منها، تتجنّب الخوض في هذا الملف الخلافي. وهذا ما تجلّى خلال الزيارات الخليجية للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي توّجها بحضوره قمة مجلس التعاون في الدوحة في كانون الأول الماضي.


حتى الإمارات، التي تطالب دوماً بفتح الملف وعرضه على لجنة تحكيم دولية، تتجنّب التصعيد في مواجهة إيران، في محاولة منها للحفاظ على مصالحها التجارية والاقتصادية، ولا سيما أن مئات الإيرانيين ناشطون اقتصادياً في الإمارات، التي تحوي أيضاً عدداً لا بأس به من المواطنين من أصول إيرانية، فيما تجد الجمهورية الإسلامية في دول الخليج متنفَّساً تجارياً لها يُخفِّف عنها الضغوط الدولية المفروضة عليها منذ نجاح الثورة الإسلامية عام 1979.المحطة الأخيرة في النزاع على الجزر كانت قمة دمشق، التي تضمَّنت مقرراتها التشديد على الهوية العربية للجزر، وتكليف الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي الحوار مع الإيرانيين لإحالة القضية على التحكيم الدولي. موقف ردّ عليه وزير الخارجية الإيراني، منوشهر متكّي، الذي كان حاضراً أعمال القمّة، بقوله «هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، الجزر إيرانية».

أماّ سبب هذا التمسك من كلا الجانبين بملكية الجزر فلا يقتصر على ما تحتويه من معادن وثروات طبيعية فقط، بل يستند إلى موقعها الاستراتيجي، من حيث إطلالتها على مضيق هرمز الحيوي في الخليج، الذي تمر عبره ناقلة نفط كل اثنتي عشرة دقيقة.القواسم والبريطانيونقد تكون المحطة البارزة في قضية الجزر هي مرحلة ما بعد انسحاب الاحتلال البريطاني من الخليج، وانتشار القوات الإيرانية في الجزر الثلاث في 30 تشرين الثاني 1971. لكن هذه الجزر في الأصل، وبحسب الروايات الإماراتية، كانت ترتبط بتاريخ قبائل القواسم، التي سادت على المنطقة ما بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر. ولم تكن آنذاك قد ظهرت إمارات الخليج العربي على الساحل العماني بعد. فقد كانت قوة القواسم لا تضاهيها قوة في المنطقة، وكانت عاصمتهم إمارة رأس الخيمة، قبل أن ينقلها الشيخ سلطان بن صقر (1803 _ 1856) إلى الشارقة. وتبعية الجزر كانت آنذاك لدولة القواسم التي تتكوّن من رأس الخيمة والشارقة وإمارات خليجية أخرى ظهرت في ما بعد.في عام 1820، سيطر البريطانيون على المنطقة بعد مواجهات ضارية مع القواسم، الذين أُجبروا على الدخول في معاهدات الحماية والأمن المشترك مع البريطانيين، وطردوا من الساحل الإيراني، فيما بقيت سيطرتهم على عدد من الجزر منها جزيرة «صيري» وميناء لنجة على الساحل الإيراني وطنب الكبرى وطنب الصغرى.غير أن الإيرانيين تمكنوا عام 1887 من السيطرة على ميناء لنجة واستولوا بعد ذلك على جزيرة صيري وهنكام، بينما ظلّ حاكم الشارقة، الذي كانت رأس الخيمة جزءاً من إمارته، صاحب السيادة على طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.وبعد مشاكل عديدة وقعت بين التجّار العرب والإيرانيين في تلك المنطقة، سيطرت القوات الإيرانية عام 1904 على الجزر الثلاث، ورفعت العلم الإيراني بدلاً من علم الشارقة، ووضعت عليها حراسة جمركية إيرانية.هذا الإجراء استفزَّ حاكم الشارقة الذي لجأ إلى البريطانيين، طالباً منهم التدخُّل. فما كان منهم إلا أن سارعوا إلى إجراء مفاوضات مع الجانب الإيراني، مستغلّين وضع جزيرة صيري التي كانت بيد الشارقة، ليؤكدوا أن الجزر الثلاث أيضاً للإمارات.ومنذ عام 1907 دخلت الجزر في مرحلة جديدة من التنافس الاستعماري، بين بريطانيا وألمانيا، بعدما حصل أحد رجال الأعمال الألمان على امتياز استخراج أوكسيد الحديد، الذي تحتوي عليه الجزر، من حاكم الشارقة، الذي ما لبث أن تنازل عن هذا التصريح بعد ضغط من الإنكليز، الذين طردوا الألمان من الجزر بالتعاون مع الشارقة.والوثائق والمراسلات الرسمية البريطانية تدلُّ على أن الحكومة البريطانية كانت منذ القرن الماضي وحتى عام 1971 تُقرّ بالسيادة الإماراتية على هذه الجزر.شرطي الخليجبعد انفصال رأس الخيمة عن الشارقة سنة 1919، دخلت الجزر الثلاث مرحلة جديدة، واقتسمت الإمارتان ملكيتها، فحصلت الأولى على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، بينما بقيت جزيرة أبو موسى تحت سلطة الشارقة.وجرت محاولة إيرانية ثانية للسيطرة على الجزر عقب إطاحة الأميركيين حكومة محمد مصدق الوطنية في طهران عام 1953، وترويج الغرب لدور شاه إيران محمد رضا بهلوي كشرطي في الخليج والمنطقة؛ في عام 1964، سيطرت إيران على جزيرة أبو موسى. لكن هذا الإجراء لم يدم سوى عشرين يوماً بسبب ما واجهته من احتجاجات عربية واسعة، ما دفع طهران إلى تبرير هذه السيطرة بمناورة حربية طارئة اشترك فيها الأسطولان الإيراني والأميركي.وإثر خروج البريطانيين من المنطقة، عادت القوات الإيرانية عام 1971 إلى الجزر الثلاث وتمكّنت من فرض سيطرتها الكاملة عليها.الثورة و«التنظيف»عقب نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، اتهم الرئيس الإيراني آنذاك أبو الحسن بني صدر الأنظمة الخليجية بأنها حكومات غير مستقلة، وتعهّد «تنظيف منطقة الخليج» من الوجود الأميركي ومن كل ما هو مرتبط بالولايات المتحدة، قائلاً «إن دولة الإمارات وقطر وسلطنة عمان والكويت والمملكة العربية السعودية ترتبط بالولايات المتحدة وليست مستقلة».وأضاف بني صدر، الذي لم يدم طويلاً في منصبه بسبب إقالته، إن ايران لن تُعيد الجزر العربية الثلاث. وأعلن صراحةً سبب تمسك إيران بالجزر قائلاً «في طرف الخليج هناك مضيق هرمز الذي يمر عبره النفط، وهم خائفون من ثورتنا، فإذا سمحنا لهم بالحصول على هذه الجزر، فإنهم سيسيطرون على الممر، أي إن الولايات المتحدة ستسيطر على هذا الممر، فهل يمكن أن نقدم هذه الهدية إلى الولايات المتحدة؟».

ومنذ تلك الفترة، تحمّل الإمارات إيران مسؤولية عدم إحراز أي تقدم في المباحثات بشأن «الجزر المحتلة»، مشيرةً إلى أن الطريق مسدود في هذا السياق، ولا سيما أن طهران لا تزال إلى اليوم ترفض التحكيم الدولي في مسألة النزاع على الجزر الثلاث، وهي المهمة الموكلة اليوم إلى العقيد القذافي، الذي يبدو أن وساطته لم تبدأ بعد بانتظار مؤشّر ليونة من الجانب الإيراني.
الجزر الثلاث

طنب الكبرى جزيرة تابعة لإمارة رأس الخيمة، تقع على مدخل مضيق هرمز إلى الشمال من جزيرة أبو موسى وتبعد عنها مسافة 50 كيلومتراً. وهي تقابل إمارة رأس الخيمة وتبعد عنها نحو 30 كيلومتراً. يبلغ طول الجزيرة 12 كيلومتراً وعرضها 7 كيلومترات وتُقدّر مساحتها بنحو 80 كيلومتراً مربعاً. وهي دائرية الشكل، غنية بمعادن الأكسيد الأحمر والنفط. نزح سكانها، وكلهم من قبائل تميم وحريز العربية، إلى الشارقة ورأس الخيمة عام 1971.
طنب الصغرى تسمى أيضاً «نابيو طنب» وهي إحدى الجزر التابعة لإمارة رأس الخيمة، تقع عند مضيق هرمز على بعد 10 كيلومترات غرب جزيرة طنب الكبرى وتبعد عنها مسافة 12 إلى 14 كيلومتراً. مساحتها 20 كيلومتراً تقريباً. والجزيرة مجدبة غير مأهولة بالسكان نظراً لعدم توافر المياه العذبة فيها. وفيها كميات كبيرة من النفط. وهي غنية بالأكسيد الأحمر.
أبو موسى هي أكبر الجزر الثلاث. تبعد عن الشارقة نحو 43 كيلومتراً. كانت تسكنها قبل السيطرة الإيرانية، نحو مئتي أُسرة عربية تعتاش على صيد السمك، وينزح إليها السكان من الشارقة لصيد الأسماك والبحث عن المرعى. وتمتاز هذه الجزيرة بمياهها العميقة الصالحة لرسو السفن، وبتوافر معدن أكسيد الحديد الذي يجري استثماره وتصديره إلى الخارج.
عدد الاخبار ١٠ نيسان ٢٠٠٨

2‏/4‏/2008

موسكو و«الورقة» الإيرانيّة

معمر عطوي
من الواضح أن الموقف الروسي تجاه إيران بدأ يشهد بعض التذبذب منذ تصويت موسكو على قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1803 في 3 آذار الماضي، الذي فرض مجموعة جديدة من العقوبات على النظام الإسلامي، بخلاف موقفها السابق حين امتنعت عن التصويت على القرارين 1737 و1747.لعلّ أحد أبرز الإشارات إلى هذه السياسة، توجيه مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، أول من أمس خطاباً نقدياً للسياسة النووية لإيران، بسبب رفضها فكرة إجراء مفاوضات مع القوى العالمية الست الكبرى. نقد حمل مدلولات إضافية أكدت استمرار نيّة روسيا في دعم البرنامج النووي الإيراني السلمي، مع احتكارها مسألة تزويد الإيرانيين الوقود النووي، كي تضمن عدم خروج أهداف هذا البرنامج عن الطابع السلمي.وبات من المؤكد، أن موسكو التي تلعب الورقة الإيرانية في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، أرادت أن تُبقي جارتها الإسلامية تحت رقابتها النووية، واصفة برنامج التخصيب الايراني بأنه «غير منطقي من الزاوية الاقتصادية»، بحسب تشوركين، الذي أشار إلى أن «بمقدور طهران أن تشتري الوقود النووي الروسي بتكلفة أقل كثيراً»، مع التذكير هنا، بأن موسكو أرسلت في وقت سابق ثماني شحنات بحمولة إجمالية تقدَّر بـ82 طناً من هذا الوقود إلى محطة بوشهر الكهرو ـ ذرية (جنوب إيران)، كانت آخرها في 28 كانون الثاني الماضي.ويبدو أن وريثة الاتحاد السوفياتي، التي لا تتمنَّى نشوء قوة نووية إسلامية على حدودها، لم تقطع شعرة معاوية مع إيران، في إطار الحفاظ على مصالحها في هذا البلد الذي أصبح يعاني ضعف الاستثمارات الأجنبية على أراضيه، بسبب الضغوط الغربية والقرارات الدولية. لذلك، ترافقت هذه السياسة الصارمة تجاه إيران مع بقاء خيوط التعاملات الاقتصادية مفتوحة على مصراعيها.وربما باتت روسيا إلى جانب بعض الدول الآسيوية إحدى أهم الدول المتعاملة مع طهران في هذا المجال، ولا سيما أن لشركة «غازبروم» نشاطاً في إيران منذ سنوات، استثمرت خلالها نحو أربعة مليارات دولار بين عامي 2000 و2007. ومن الطبيعي أن تستفيد إيران من خلال هذا التعاون الذي يفتح ثغرة في جدار العقوبات الدولية، ويفتح الباب أمام وصول مصادر الطاقة لديها إلى بلدان أخرى في أوروبا، مع احتكار موسكو ـ طبعاً ـ لسوق الغاز الأوروبي.من خلال هذا الواقع، تبدو موسكو، عشية لقاء فلاديمير بوتين بنظيره الأميركي جورج بوش في منتجع سوتشي، كأنها تسعى إلى تسوية مع واشنطن قبل انتهاء ولاية بوتين، وخصوصاً بعد تسجيل الأخيرة نقطة في مرمى الأولى من خلال استقلال كوسوفو.بأي حال، ليس من مصلحة روسيا أن تستعدي إيران، شريكتها التجارية وإحدى أهم زبونات منتجاتها من الأسلحة. لكن الدب الروسي يفضّل أن يلعب على حبلين على طريقة «لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم». من هنا، علقت روسيا صفقة بيع النظام الصاروخي «أس. 300» لإيران حتى الآن من دون أن تعلن رفضها لذلك. فمراهناتها على إنجاز بعض الملفات الخلافية مع واشنطن لا يمكن أن تنجح من دون استخدام الورقة الإيرانية في ذلك.
الاخبار: ٢ نيسان ٢٠٠٨

30‏/3‏/2008

ديمبسي يتولَّى قيادة «الحرب»

معمر عطوي
رغم تعيينه «المؤقّت» على رأس القيادة الأميركية الوسطى، وبغضّ النظر عن رتبته العسكرية التي قد لا تسمح بتكليفه بشكل دائم، يمكن الملازم في جيش الاحتلال الأميركي، مارتن ديمبسي، أن يؤدّي دوراً كبيراً في خدمة سياسة بلاده في الشرق الأوسط. دور تبدو ملامحه واضحة بعدما تمرّس الرجل في مهمات عديدة كان آخرها موقعه كنائب لقائد القيادة الوسطى، المستقيل، وليم فالون، وإلمامه بالشؤون العراقية الداخلية، ولا سيما قانون توزيع النفط الذي كانت بصماته واضحة في «مباركته».وعلى الأرجح لن يكون تعيين الجنرال ديمبسي، الذي جرى أول من أمس، مؤقتاً، في قاعدة ماكديل الجوية في ولاية فلوريدا الأميركية الجنوبية، سوى مقدمة لاختياره من جانب الرئيس جورج بوش، قائداً دائماً لهذه المنطقة التي تشمل الشرق الأوسط وآسيا، والمتضمنة خصوصاً العراق وأفغانستان.أمّا تاريخ الاختيار فلن يحدّد قبل تقرير قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال، دايفيد بترايوس، عن أثر تعزيز القوات في هذا البلد، الذي سيرفعه إلى الكونغرس في التاسع من الشهر المقبل.وقد تكون لتعيين ديمبسي مدلولات سياسية، تتعلق بالخيارات الأميركية المقبلة في المنطقة، ولا سيما تجاه إيران. إذ إن الاستقالة المفاجئة للقائد السابق فالون (63 عاماً)، في منتصف آذار الماضي، كانت متعلقة بمعارضته خيار الحرب ضد إيران، بحسب تقرير صحافي نفاه فالون.من المؤكد أن القائد «المؤقت» والأوفر حظاً بتسلّم القيادة بشكل دائم، لن يكون في وضع يُحسَد عليه، إذ يتصاعد التوتُّر في العراق في ظل مواجهات عنيفة بين القوات العراقية المدعومة من الجيش الأميركي وقوات جيش المهدي، ووسط ما تشهده أفغانستان من تصاعد في عمليات عسكرية تشنُّها حركة طالبان ضد قوات الاحتلال هناك.مع العلم أن ديمبسي، خريِّج الأكاديمية العسكرية في ويست بوينت، الذي ينتمي إلى سلاح البر، قد خدم مرتين في العراق، كقائد للقوات الأميركية في بغداد أولاً، ثم قائداً لعمليات تدريب وتجهيز قوات الأمن العراقية.وكان ديمبسي قد عمل في الفترة بين عامي 2001 و 2003 رئيساً لبرنامج تحديث قوات الحرس الوطني السعودي، ثم قائداً للفرقة الأولى المحمولة جواً في العراق خلال الفترة بين عامي 2003 و 2004، كما عمل قائداً مسؤولاً عن عمليات تدريب قوات الأمن العراقية.ومن المعروف عن ديمبسي تحذيره حين كان مسؤولاً عن تدريب الجيش العراقي، من النقص في عديد القادة في هذا الجيش. وكان يعتقد أن الجيش الأميركي يواجه صعوبة في العثور على قادة عراقيين مناسبين لأداء المهمة. من خلال مقولته الشهيرة «على الرغم من أن الجيش الأميركي وضع كثيراً من القادة العراقيين في بركة السباحة، فإن قلة منهم تمكّنت من الوصول إلى حافتها».وكانت للجنرال المؤقت بصماته الواضحة في عملية التدخّل في الشأن العراقي، حين ادّعى علناً، أنّ مسودة مشروع قانون النفط سوف تقود إلى تحقيق تقسيم عادل لعائدات النفط بين سكان محافظات العراق، وبالتالي تمهيد الطريق أمام المصالحة السياسية في بلد مزقّته الحرب الطائفية وصراع المصالح والنفوذ. وذلك في مقولة ترويجية واضحة لسياسة الإدارة الأميركية التي تُمهِّد لتقسيم العراق.على الأرجح، ستحدد كفاءة ديمبسي خلال الأيام المقبلة مصيره من بين المرشحِّين لمنصب قائد المنطقة الوسطى الدائم، مثل الجنرال بترايوس وكبير مستشاري وزير الدفاع، الجنرال بيتر كياريلي. لكن المفارقة هنا أن الرئيس بوش رشّح ديمبسي لتولي قيادة القوات الأميركية في أوروبا، وصادق مجلس الشيوخ الأميركي على هذا الترشيح.بأي حال، عبَّر ديمبسي في كلمته خلال حفل تعيينه، وبشكل غير مباشر، عن رؤية واشنطن المقبلة للمنطقة بقوله إن «المهمات التي أمامنا ستبقى واضحة. إننا قيادة تخوض الحرب».
الأخبار:٣٠ آذار ٢٠٠٨

29‏/3‏/2008

ملامح معركة بين المحافظين على الرئاسة الإيرانية

معمر عطوي
يبدو أن الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية الإيرانية، التي تُجرى في 25 نيسان المقبل، لن تكون أفضل من سابقاتها بالنسبة إلى الإصلاحيين، بل على الأرجح ستزيد حدة التنافس بين المحافظين أنفسهم، وتفتح معركة الرئاسة في العام المقبل على مصراعيها.الانشقاق الحاصل بين تيار الرئيس محمود أحمدي نجاد (جبهة المدافعين عن المبادئ) وتيَّار الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني (الائتلاف الموسَّع للمدافعين عن المبادئ)، فرض معادلة جديدة على حلبة التنافس السياسي، إذ انتقلت المنافسة بين «محافظين وإصلاحيين» إلى منافسة بين «محافظين ومحافظين»، ولا سيما بعد حصول تيار لاريجاني المدعوم من عمدة طهران محمد باقر قاليباف والقائد الأسبق للحرس الثوري محسن رضائي، على عدد من المقاعد في الدورة الأولى، ولا سيما في طهران.الواضح أن انتخابات طهران ستكون الأعنف، وخصوصاً أن مرشحي التيار المحافظ «المُنشق» والتيار الإصلاحي يمتلكون حظوظاً أفضل في العاصمة، من المناطق الأخرى التي عكف الرئيس محمود أحمدي نجاد منذ تسلّمه منصبه في عام 2005، على القيام بزيارات إلى الأقاليم النائية، مصحوبة بتوزيع الأموال لمشاريع واستثمارات وقروض مُيسّرة على المواطنين، فانعكس ذلك سلباً على حركة الاقتصاد، ما زاد من نسبة التضخم لتصل إلى حدود 20 في المئة.وطهران التي تنتظر انتخاب 11 نائباً في الدورة الثانية، بعد اختيار 19 نائباً في الدورة الأولى، تترقّب اختراقاً إصلاحياً، إذ إن عدد المرشّحين من هذا التيار الذين لم تُحسَم نتيجتهم بعد، يبلغ 32. وربما كانت العاصمة هي الحلبة الوحيدة التي تنافس فيها مؤيدو نجاد مع مؤيدي لاريجاني، وخصوصاً أن المحافظين لهم حضور قويّ في الأحياء الجنوبية الفقيرة من طهران. وخلافاً للمحافظات حيث المواضيع المحلية تُمثِّل أولوية، فإن التصويت في العاصمة هو سياسي قبل أي شيء آخر.لكن على الصعيد العام تجرى الدورة الثانية في 44 دائرة انتخابية، منها طهران وري وشميرانات وإسلام شهر، فيما كانت الدورة الأولى قد أجريت في 146 دائرة انتخابية، اكتسحها المحافظون، وأدت إلى انتخاب 189 نائباً من أصل 290 هم مُجمَل عدد أعضاء مجلس الشورى الإسلامي. والمفارقة أن عدد الإصلاحيين في الدوائر التي أُجريت فيها الانتخابات في دورتها الأولى زاد من 40 مقعداً إلى 44 مقعداً، لكن هذا لم يمنع المبدئيين «المحافظين» من الفوز بنحو 70 في المئة من مقاعد البرلمان.لقد أدّى مجلس صيانة الدستور، الذي ينظر في صلاحية المُرشَّح ويُدقِّق في مدى التزامه مبادئ الإسلام ووفائه للنظام، دوراً في حصر المعركة بين تيار محافظ أصولي وآخر محافظ «معارض»، مستبعداً أكثر من ألفي مرشّح معظمهم من تيار محمد خاتمي الإصلاحي والمتحالفين معه في إطار جبهة المشاركة الإسلامية. مع العلم أن تياري المحافظين يحظى بدعم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، علي خامنئي، والمؤسسة الدينية في قُم.لعلّ هذه الصيغة التي نجح النظام الإسلامي في فبركتها، كان من شأنها تعزيز تعدّدية النظرة تجاه قضايا اقتصادية ومعيشية، في إطار وحدة المبدئيين، مع ترك المسائل الكبرى مثل الملف النووي والسياسة الخارجية في يد خامنئي. وهنا تكمن ثُغر الديموقراطية والانتخابات في إيران التي تبقى محصورة في إطار سلطة المؤسسة الدينية.على ما يبدو هنا، أن مرحلة ما بعد الدورة الثانية، قد تحسم مسألة استبعاد «خطر «الإصلاحيين»، ليتفرّغ المحافظون بجناحيهم لمعركة تنافسية من نوع آخر، هدفها منصب الرئاسة، وتجرى الانتخابات بشأنها العام المقبل. يدعم هذه الفرضية ما أكده محمد علي أبطحي، وهو حليف مقرب من خاتمي، بقوله: «سيواجه الرئيس تحديات في البرلمان التالي أكثر من التي واجهها مع البرلمان الحالي».وبات من الواضح أن الانتخابات الحالية قد رسمت ملامح المواجهة إلى حدٍّ كبير، إذ تعزَّزت فرص الرئيس نجاد للفوز بفترة ولاية ثانية، وفي الوقت نفسه انبرى لاريجاني المُختلف مع الرئيس على إدارة التفاوض في الملف النووي، إلى حلبة هذا التنافس بقوة بعد فوزه كممثل نيابي عن مدينة قم الدينية، مدعوماً من الملالي وخامنئي، مع التذكير هنا بأن تأييد خامنئي لنجاد، كان السبب الرئيسي لفوزه المفاجئ بالرئاسة في عام 2005 .
الأخبار٢٩ آذار ٢٠٠٨

19‏/3‏/2008

حدود الديموقراطية الإيرانية

معمّر عطوي
رغم كل ما يؤخذ على الانتخابات التشريعية الإيرانية من قيود تمنع سير العملية الديموقراطية وفق المُقتضى، وبقطع النظر عن دور الحرس الثوري الإيراني والمؤسسة الأصولية بقيادة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، علي خامنئي، في الإمساك بمفاصل البلاد السياسية والاقتصادية. تتشابه الجمهورية الإسلامية في بنيتها الانتخابية مع كثير من الدول المُتقدّمة ديموقراطياً ومؤسساتياً، من حيث سيادة الثنائية في تداول السلطة: مبدئيون وإصلاحيون في إيران، ديموقراطيون وجمهوريون في الولايات المتحدة، عمال ومحافظون في بريطانيا. لكن الفرادة الإيرانية هنا تكمن في أن كل تيار لا يُشكِّل حزباً بمفرده، وإنما هو مجموعة من الأحزاب والتيارات السياسية التي تلتفّ حول طروحات شخصية محورية أو عدد من الشخصيات التي لكل منها طموحاتها ورؤيتها للشؤون العامة. الإصلاحيون ومعهم الوسطيون، الذين مُنوا بهزيمة واضحة في الدورة الأولى من هذه الانتخابات والمُرجّح أن تزيد خسارتهم في الدورة الثانية في نيسان المقبل، ينشطون تحت عباءة ثلاثة رؤوس أساسية: الرئيس الأسبق محمد خاتمي ورئيس مجلس الشورى السابق مهدي كروبي ورئيس مجلس خبراء القيادة الحالي (وسطي) أكبر هاشمي رفسنجاني.أما في الجهة الأخرى، فقد أدّت الخلافات حول إدارة الملف النووي مع الغرب الى حدوث شرخ وسط المبدئيين، فبات كبير المفاوضين السابق، علي لاريجاني، متميزاً عن صديقه رئيس الجمهورية محمود أحمدي نجاد. وشكَّل الى جانب القائد الأسبق للحرس الثوري محسن رضائي، وعمدة طهران الحالي محمد باقر قاليباف، تياراً «إصلاحياً» داخل المبدئيين، من شأنه إجهاض هذه «الثنائية التداولية»، وترك العملية الانتخابية ذات هامش أوسع لجهة اختيار الشعب لتيار ثالث قد يصبح خارج هذه الثنائية.جُلّ ما في الأمر، أن هذا الهامش من شأنه تحديد صورة الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي بات مُرجَحاً أنها ستكون لعبة تنافسية قاسية بين تياري المبدئيين أنفسهم ـ إذا ما انتخب لاريجاني رئيساً لمجلس الشورى فستصبح حظوظه أكبر في الوصول الى كرسي الرئاسة.لعلّ أفضل ما أنتجه النظام الإيراني المحكوم بقيود «تيولوجية» تضعها المؤسسة الدينية ويصونها الحرس الثوري، هو هذا الإخراج الذكي للعبة الانتخابات. لعبة من شأنها تأكيد دور الشعب في تشكيل العديد من المؤسسات مثل مجلس الخبراء (جزئياً) والمجلس النيابي ورئاسة الجمهورية والبلديات. وأكثر من ذلك، هو عدم الارتهان (تماماً) للعبة الثنائية القائمة، من خلال توزيع الأدوار بين صقور وحمائم وسط كل تيار، ونفي الطابع الإيديولوجي الصنمي لبعض الأحزاب المتحرّرة من سطوة عباءة التيار «الحاضن»: نموذج أصدقاء لاريجاني ونجاد لدى المبدئيين، ونموذج كروبي وخاتمي لدى الإصلاحيين. حراك سياسي يسير بامتياز أكثر إذا ما لاحظ المراقب دور الوسط بقيادة رفسنجاني، المُمسك بمفاصل مهمة في البلاد، والذي نجح في تكوين رؤية توليفية تتفق مع الإصلاحيين لجهة تحرير الاقتصاد وتوسيع هامش الحريات، ولا تبتعد عن المرشد لجهة الحفاظ على المبادئ الأساسية للثورة ولخط الإمام الخميني.أمام هذا المشهد، تصبح ثغر الانتخابات الايرانية أمراً هيّناً أمام «التداولية الثنائية الديكتاتورية» في بعض الدول الديموقراطية. إذ يصبح خيار المواطن المحصور بين حزبين كبيرين، قيداً شبيهاً بما يضعه النظام الإيراني من قيود لا تسمح بوصول من هم خارج «العباءة» الى مراكز القرار.
عدد الاربعاء ١٩ آذار ٢٠٠٨

15‏/3‏/2008

بيننا وبينهم...شتان

معمر عطوي
لطالما كانت الغربة عن الوطن وجعًا يرافق الإنسان في حَله وترحاله بين الحواضر التي قصدها إمَا ركضًا وراء لقمة العيش وإما بحثا عن العلوم والثقافة. لكن في وطننا العربي الُمثقل بإرث الحكومات الأوليغارشية، أصبح للغربة دافع أخر هو البحث عن مناخات الحرية بكافة أشكالها وأنواعها رغم كل الخطوط الحمراء التي تحدد مجالات الاستفادة من الحريات في أكثر البلدان ديموقراطية كبلدان أوروبا الغربية،ورغم كل القيود التي فرضتها أميركا بعد 11 سبتمبر وأحداثه الشهيرة.
فالحرية، هذا المفهوم الذي يحمل تفاسير شتى في كيفية تطبيقه وإمكانيات انخراطه في الممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية، لم يعرف بعد طريقه إلى «النخبة» الحاكمة في دويلاتنا العربية القبلية رغم إطلاع هذه الزمرة (وليس النخبة) أو تلك على أهمية الحرية في تشكيل مجتمع قادر على صنع الكثير من ظواهر التطور، ورغم إدراك هؤلاء لمدى فعل الديموقراطية في الجسم السياسي للأمة متعددة المذاهب أو القوميات أو الاتجاهات السياسية.
ولم يتوقف الأمر عند هؤلاء الذين رفضوا تقديم أفضل قيمة إنسانية لشعوبهم عند هذا التجاهل( الهادف لإبقائهم على كراسيهم) بل قاموا بصياغة مفهوم مضاد للحرية بدعم من بعض تيارات الظلامية مستخدمين الدين تارةً والعادات الاجتماعية تارة أخرى لإقناع العامة من الناس أن الحرية هي رديف الانحلال الأخلاقي وأن الديموقراطية هي حكم الشعب وليس الحكم بما أنزل الله، الذي أوكلوا هم وليس غيرهم بتطبيقه متسلحين بالآية الكريمة«أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم».
أما حقوق الإنسان فأزلامهم ورجال استخباراتهم أولى بحمايتها من كل القوانين والأنظمة التي صاغها الغرب (يكفي أنهم يدركون مصلحة المواطن أكثر من نفسه فإذا ما «أخطأ» اختفى عن وجه البسيطة في مكان لا يعرفه سوى الله والراسخون في علم الأجهزة الأمنية قالوا آمنا ...).
وهكذا أصبحت معظم دول العالم ملجئاً لموطنينا العرب الهاربين من أكثر من جحيم إلى ما أسماه البعض منفى أو إلى ما يمكن تسميته
«مناخ خاص بالإنسان»، بحكم أن من يعيش في بلداننا المستلبة يشعر أنه كومة لحم وعظم لا انسان .
هكذا يصبح الوجع وجعين، وجع الانسلاخ من المكان، الطفولة ،الأصدقاء والأهل،والوجع الناتج عن الرؤية المقارنة لمجتمعاتنا ومجتمعاتهم. وإذا صح القول فأنه لا مجال للمقارنة طالما أن الخطوط البيانية للتنمية والصناعة والتحولات الايجابية على أكثر من صعيد عندهم تشير إلى إمكانيات لا يمكننا حتى الحلم بها للأسف الشديد.
وإذا ما عدنا لمفهوم «الانبهار» الذي تحدث به الكثير من المفكرين العرب وبالأخص الاسلامويين منهم لوجدنا كم يكذب هؤلاء ليس علينا (خصوصا في عصر الانترنت والفضائيات) بل على أنفسهم ولوجدنا كم هي عقيمة تلك الطروحات التي يخدَرون بها أنفسهم وشعوبنا كالقول مثلا (نحن أصحاب الحضارة وهم أخذوا منا كل شئ)، ألم يدرك هؤلاء أن كل ما صنعه الاقدمون في الحضارات العربسلامية ما هو إلا نتاجات وإضافات أخذوها من غيرهم وطوروها ؟ ألم يدرك هؤلاء أن من صنع الحضارة سواء كانوا من العرب أو من العجم، هم آخرون وليسوا نحن (أم أن الصلعاء تتباهى دائما بشعر ابنة خالتها) حقا إننا لا نحتاج فقط إلى نظام وقوانين وحرية وديموقراطية بل نحتاج قبل كل شيء إلى تحديد معاني المصطلحات التي نطلقها، نحتاج إلى برامج توعوية حول تحديد فهمنا للهوية وللأخلاق وللفعل السياسي، ولا أود أن أسوق المزيد من الوصفات المستهلكة طالما أني أنا نفسي الحديث العهد بمعايشة الأوروبيين أحتاج إلى المزيد من الوقت لكي أستيقظ من صدمة التحولات بين مجتمعاتنا ومجتمعاتهم ، فأمام ما
يمكن للمرء أن يراه من تطور يصبح الانبهار واجبًا لا بد منه لكن ليس للتوقف عنده بل لمحاولة وضع أسس في مجتمعاتنا لصنع عوامل أخرى للانبهار بعيدا عن روعة الاهرامات المصرية أو أعمدة بعلبك وجرش وتدمر، فالحضارة يا «زعمائنا» ليست أطلالا يتغزّل بها الشعراء والسواح، بل هي قيم إنسانية لم تصل بعد إلى بلادنا رغم ثورة الاتصالات العالمية، لعل ذلك يتحقق في اتجاهين: الأول منع أسباب ودوافع الهجرة لغير طلب العلم والسياحة وسقوط آخر الأنظمة الو راثية في القرن الواحد والعشرين. فكفانا كذبًا وخداعًا، لعل أخطر أنواع الكذب هو الكذب على النفس.

تحولات: السبت 15اذار 2008.
العدد الواحد والثلاثون

14‏/3‏/2008

الإيرانيّون يجدّدون «ولاية» المحافظين اليوم



الاقتصاد حجر الرحى... و«النوويّ» في قبضة المرشد


يحتّل العنوان الاقتصادي صدارة الحملات الانتخابية في إيران، حيث يتوجّه اليوم حوالى 40 مليون ناخب الى صناديق الاقتراع لاختيار 290 عضواً في الدورة الثامنة من انتخابات مجلس الشورى الاسلامي، فيما يتوقَّع بدء إعلان النتائج الاثنين المقبل.
معمر عطوي
ما بين الشعار الإصلاحي الداعي إلى «السيطرة على الأسعار المرتفعة وإحلال اقتصاد مزدهر»، والشعار «المحافظ» الداعي الى «الحد من التضخُّم والقضاء على احتكار الدولة»، يقف الشعب الإيراني اليوم أمام اتجاهين لا ثالث لهما. الأول، قد يقود البلاد نحو مزيد من الإصلاحات الاقتصادية والانفتاح على الخارج وتوسيع هامش الحريات. والثاني يدعو الى التمسُّك بالخيار النووي وبالقبضة الحديدية، مهما كانت نتيجتها على الوضع الداخلي اقتصادياً، وعلى الوضع الدولي لجهة تعريض البلاد لمزيد من العزلة الدولية.المناخ السائد في إيران اليوم هو أن المبدئيين (المحافظين) هم من سيشكِّل غالبية المجلس المُقبل، بعد استبعاد أكثر من 2000 مرشَّح معظمهم من الإصلاحيين. لكن السؤال يبقى حول هوية المحافظين الآتين الى المسرح السياسي المقبل، في ظل انشقاق هذا التيار بين محافظين «إصلاحيين»، أبرز من يُمثّلهم علي لاريجاني، ممثل المرشد الأعلى علي خامنئي لدى المجلس الأعلى للأمن القومي، ومحافظين «أصوليين» بقيادة الرئيس محمود أحمدي نجاد.فالتيار المحافظ الرئيسي، الذي يضمّ أنصار نجاد «المسترشدون بالمبادئ»، يخوض المعركة الانتخابية تحت اسم «جبهة المدافعين عن المبادئ». وتحظى هذه الجبهة بدعم صريح من جمعية «روحانيات مُبارز» (رجال الدين المناضلين)، التي يرأسها أحد أبرز رجالات الدين في الحوزة العلمية آية الله مهدوي كني. وتلقى هذه الجبهة دعماً غير مُعلَن من الحرس الثوري.هذا التيار، الذي تُحمّله المعارضة مسؤولية تردّي الوضع الاقتصادي، بات في دائرة الاتهام، ولا سيما بعدما وصل حجم التضخُّم الى نسبة 19.2 في المئة، وازدادت الأسعار بما يفوق 16 في المئة، ومنذ أن تقلصّ هامش الحريات لدرجة ملاحقة واحتجاز طلاب أرادوا التعبير عن آرائهم في قضايا سياسية واقتصادية.ربما استطاع نجاد، الذي يقود حركة «عطر الخدمة الذكية»، أن يسير ببرنامج بلاده النووي الى نقطة يصعب معها القول إنه فشل. لكن نتائج ذلك على وضع الاستثمارات الاجنبية في الداخل وعلى العلاقات مع الغرب كانت محل انتقادات الكثيرين، عدا عن خطابه المتكرر «غير الدبلوماسي» تجاه إسرائيل والغرب.من هنا كان لكبير المفاوضين النوويّين السابق، علي لاريجاني، وجهة نظره الخاصة في الأداء التفاوضي مع الغرب، التي حملته على الاستقالة، ليتوجَّه بطموحاته نحو كرسيّ الرئاسة في انتخابات عام 2009. لعلّ أبرز نتائج هذا الاختلاف في وجهات النظر، دفع لاريجاني وأصدقائه إلى تشكيل تيار وسطي داخل المحافظين أطلق عليه اسم «الائتلاف الموسَّع للمدافعين عن المبادئ» ويضم رئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف والقائد الأسبق للحرس الثوري محسن رضائي.لكن المفارقة هي في وجود مرشحين مشتركين لهذا التيار مع الجبهة الرئيسية، يبلغ عددهم حوالى 200 مرشح، بينما يبلغ عدد المرشحين على اسم التيار وحده حوالى 35 مرشحاً، ومعظمهم في طهران، حيث لا يوجد سوى تسعة مرشحين مشتركين بين الطرفين لملء ثلاثين مقعداً. مع العلم بأن «جبهة نجاد» تقدمّت بـ275 مرشحاً، في مواجهة 243 مرشحاًً «لائتلاف أصدقاء لاريجاني».ورغم أن لاريجاني قدَّم ترشيحه عن مدينة قم الدينية، حيث يحظى بدعم بعض المراجع هناك، فإن تياره يراهن على مقاعد العاصمة، في ظل ترجيح كفة تيار نجاد في المحافظات والقرى النائية، حيث قام الأخير بجولات على المناطق، وزّع خلالها الأموال الناتجة عن «الطفرة» النفطية، في محاولة لتنفيذ وعده «الانتخابي» بتوزيع الأموال النفطية على الفقراء، وهو ما أدى الى هذا الارتفاع الخطير في حجم التضخُّم والبطالة.في أي حال، لا ينظر الشارع الإيراني الى المنافسة بين الجبهة والائتلاف، على أنها قد تُغيّر كثيراً من الأمور الجوهرية، فالخلاف بدأ في الأساس لأسباب تتعلّق بطموحات رئاسية عند البعض وانتهى بخلاف على أسماء مرشّحين خصوصاً على مقاعد طهران، وعلى الحصة الكبيرة المعطاة على اللوائح لتيار «عطر الخدمة الذكية».لعلّ ما يميز الانتخابات البرلمانية الايرانية، هو كثرة «القادة» الحالمين بمنصب الرئاسة، فعلى الجانب الآخر من المشهد، يقف الإصلاحيون منقسمين أيضاً الى أكثر من لائحة: الأولى يتزعمها الرئيس السابق محمد خاتمي، وتضم حوالى 21 حزباً أبرزها: جبهة المشاركة الاسلامية وجمعية «روحانيون مبارز»، وائتلاف «2 خرداد»، إضافة الى «جمعية عمال البناء» و«منظمة مجاهدي الثورة».
والثانية يتزعمها رئيس مجلس الشورى السابق، رئيس حزب اعتماد مللي «الثقة الوطنية»، الشيخ مهدي كروبي، الذي يملك الحظ الأكبر في تحقيق نتائج نظراً لقبول معظم مرشّحيه على لوائح الترشيح.ومن المهم التذكير بأن التيار الإصلاحي الذي عكف منذ وصول نجاد الى الرئاسة عام 2005، على انتقاد الحكومة بسبب سياستها الاقتصادية والخارجية، وموضوع الحريات وغيرها من الأمور، لم يُحقّق أثناء فترة حكمه (1997ـ2005) نتائج كبيرة على مستوى برنامجه الاقتصادي، الأمر الذي أدى الى فشله أمام تيار المحافظين في الانتخابات الماضية لعام 2004.ومما زاد طين الإصلاحيّين بلّة، دعم خامنئي لتيار المبدئيين، على خلفية تضمُّن لوائح الإصلاحيين أسماءً مشكوكاً في «وطنيتها» لعلاقتها بالسفارات الأجنبية على غرار المفاوض السابق حسين موسويان وشقيق خاتمي، محمد رضا.انطلاقاً من هذه المناخات، وُظفت الشعارات الكبرى في المعركة الداخلية، حيث استغّل المبدئيون المواجهة الحامية مع الغرب على خلفية البرنامج النووي، واحتمالات التصعيد العسكري الأميركي ضد النظام الاسلامي، لإطلاق الاتهامات لشخصيات إصلاحية بالترويج ضد النظام الاسلامي، رغم أن كلاً من الطرفين يزايد على الآخر بشعار «الإخلاص لمبادئ الثورة والإمام الخميني».من هنا كانت دعوة المرشد الأعلى مواطنيه الى المشاركة بكثافة «رداً على إرادة ورغبة العدو» الأميركي، بينما كان تصريح رئيس مجلس الشورى الإيراني (المحافظ) غلام علي حداد عادل، يوحي بأن المعركة ستكون للحد من نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، معتبراً أن واشنطن «لن تصل إلى مبتغاها» في جعل مجلس الشورى «تابعاً لها».وسط هذه المناخات، يقف الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، محافظاً على وسطيته في ظل لعبة التجاذب هذه؛ فرئيس مجلس خبراء القيادة الذي عرف بعلاقته الوطيدة مع خامنئي، وقف الى جانب الإصلاحيين في موضوع استبعاد مرشحين، لكنه لم يتوصل الى اتفاق معهم لخوض المعركة في لائحة واحدة.وأمام هذه الخريطة المُعقّدة لتوزيع التيارات السياسية في إيران، يمكن القول إن سلطة المبدئيين قد نجحت في تقليص فرص تقدُّم الإصلاحيين، عبر استخدامها طرقاً متعددة:1ـ استبعاد ترشيحات بحجة عدم الأهلية أو عدم توافر شروط الإخلاص للثورة والالتزام بالإسلام.2ـ فرض قيود على الحملات الإعلامية تحت شعار «نظافة المدن»، بما يمنع المرشحين من لصق صورهم في الأماكن العامة، فيما توافر لمرشحي المبدئيين فرص الظهور الإعلامي في الوسائل المملوكة من الدولة.3ـ استخدام الضغوط الدولية واتصالات بعض المسؤولين المحسوبين على الإصلاح بدوائر أجنبية، ورقة «تخوين» في وجه الإصلاحيين.4ـ توظيف «الانتصار» النووي، الذي استطاعت من خلاله الحكومة السير قدماً في أنشطتها الحساسة رغم صدور 3 قرارات بالعقوبات ضد طهران، ورغم الحظر التجاري المفروض من دول الغرب على النظام الإسلامي.5ـ دعم المرشد وقيادات الحرس الثوري الإسلامي لمرشحي المحافظين، علناً وضمناً، رغم ظهور خامنئي في أكثر من مناسبة كأنه على مسافة واحدة من الجميع: دعوته خلال الشهر الماضي الفصائل المتنافسة إلى ألاَّ «يدمّروا ويهينوا» بعضهم بعضاً في الحملة الانتخابية.نتيجة هذه السياسة المدروسة، استطاع تيار السلطة أن يمنع حصول منافسة حقيقية في البلاد، إذ إن مصير 160 مقعداً من مقاعد البرلمان قد تقرّر سلفاً، فيما لا يزال الإصلاحيون قادرين على المنافسة على 130 مقعداً فقط.زبدة القول، أن التيارات السياسية على اختلافها، وإن وظّفت الكثير من الملفات في معركتها الانتخابية، لم ولن تستطيع تجاوز المسألة الاقتصادية، التي تُعد حجر الرحى في المسائل المُلحة للشعب الإيراني. ففي نهاية الأمر، لن تُحدث نتائج هذه الانتخابات أي تحوّل كبير في السياسة الخارجية أو النووية، ما دامت في قبضة المرشد.

--------------------------------------------------------
البرلمان الايراني

يبلغ عدد أعضاء مجلس الشورى الإسلامي 290 عضواً، ينتخبهم الشعب مباشرة لمدة أربع سنوات. وهناك خمسة مقاعد للأقليّات، حيث يملك الأرمن مقعدين والزرادشتيون مقعداً واليهود مقعداً، إضافة الى مقعد للمسيحيين الأشوريين والكلدانيين.ومن أبرز شروط قبول المرشّح:1ـ الإيمان والالتزام العملي بالإسلام ونظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. (يستثنى من هذا الشرط أتباع الأقليات الدينية المعترف بها بالدستور ويستبدل الشرط بالإيمان التام بديانتهم).2ـ يجب أن يكون حاصلاً (إلا في بعض الاستثناءات النادرة) على شهادة تعادل سنتين من الدراسات العليا.3ـ الإعلان عن الإخلاص للدستور ومبدأ ولاية الفقيه.ويملك البرلمان الايراني صلاحيات واسعة ويصادق على اقتراحات القوانين الحكومية وتعيين الوزراء. إلا أن تشريعاته تخضع لموافقة مجلس صيانة الدستور المكلف التحقّق من تطابق القوانين مع الشريعة. وفي حال النزاع، يعود القرار الأخير الى مجلس تشخيص مصلحة النظام، جهاز التحكيم الأعلى في البلاد.ولا حصانة قانونية من القضاء لأعضاء المجلس إلا ما استثنى في المادة رقم (89) من الدستور من حيث حرّية النائب في إبداء الرأي في كل قضية تطرح في المجلس من دون أن يتعرّض لمساءلة من القضاء أو أي جهة أخرى.
الأخبار:١٤ آذار ٢٠٠٨

13‏/3‏/2008

برتولت بريشت.. حياة حافلة بالمغامرات النسائية

بيروت - معمر عطوي
لم تكن ماريا أيخ التي تناولتها رواية «عشيقة بريشت» الحاصلة على جائزة كونكور الفرنسية، للروائي الفرنسي جاك- بيار أميت، المرأة الوحيدة في حياة الكاتب المسرحي والأديب الألماني المعروف برتولت بريشت (1898-1956)، بل حفلت حياته بالكثير من المغامرات النسائية التي تعددت مثل أعماله الغزيرة وأسفاره المتواصلة. لقد كان بريشت زير نساء بامتياز، لاسيما إنه كان أبا لثلاثة أولاد من ثلاث نساء مختلفات منذ كان في السادسة والعشرين من عمره. وهو الذي كان يعتقد أن الحب والجنس متلاحمان لا يمكن فصلهما عن بعضهما. ولعل هذه العلاقات تركت تأثيرات إيجابية على أعماله الأدبية. إذ كان عشقه للعديد من النساء حافزاً ليكتب قصيدته الغزلية الأولى وهو في سن مبكرة.تعّرف ابن أوسبورغ في الثامنة عشرة من عمره بـ «باولا بانهولزر» وبعد ثلاث سنوات رزق منها بولده فرانك، ومع ذلك لم يتزوج بريشت باولا. لكنه في العام 1922 تزوج من مغنية الأوبرا ماريان زوف ولم يدم هذا الزواج طويلا. وتعرف بريشت بالممثلة هيلين فيغل، أثناء العرض الأول لإحدى مسرحياته في برلين، وبعد أربع سنوات رزق منها بولد.في سنة 1929 بعد ما يقارب مرور الخمس سنوات على ولادة ابنه الأول ستيفان وقبل نصف سنة من ولادة ابنته بربارا، دخل بريشت مرحلة جديدة من حياته هي مرحلة دخول العش الزوجي، لكن لم يكن هناك إخلاص.لقد تزوج من صديقته القديمة هيلين ودام هذا الزواج طوال حياته رغم تعدد علاقاته النسائية ومعرفة هيلين بها. فقد اعتنت هيلين بأطفالها ورافقت زوجها «الزير» في هجرته إلى الولايات المتحدة، وساهمت معه في تأسيس «برلينر إنسامبل» أي الفرقة البرلينية 1954. وكان من ثمار هذا الزواج طفلته بربارة التي ولدت سنة 1930. وبذلك أصبح لديه 3 أطفال خلال سنوات قليلة.المرأة الأخرى في حياته، كانت إليزابيث هاوبتمان التي ترجمت بعض أعماله من الإنجليزية إلى الألمانية، هي أفضل صديقة لبريشت كمؤلفة ومترجمة وكصديقة حميمة فهمت أعماله جيدا. وكان لها القدرة على محاورته ومناقشته. والمفارقة أن هذه العلاقة كانت قائمة، في وقت استمرت فيه علاقته بماريان وهيلين. ورغم ابتعاد إليزابيث عنه لفترة بسبب زواجها، فإنها عادت إليه خلال السنوات الأخيرة في المنفى.ولم تتوقف علاقاته عند هذا الحد، فقد ارتبط بعلاقة حميمة أيضاً مع زميلته وصديقته مارغريتا شتيفن، التي رافقته وعائلته حتى موتها بسبب إصابتها بمرض عضال. كما أقام علاقة مع الممثلة روث برلاو، ثم مع ماريا روز أمان، التي تعرفت إليه في حصة اللغة الإنجليزية وكان يبتغي إقامة علاقة طويلة معها لكنها لم تدم. وهناك أسماء أخرى في حياته مثل ماريا أستن وكيبر وزابينة وغيرهن.في 28 فبراير 1933، بدأ بريشت هجرته نحو المنفى الاختياري بسبب الأوضاع السياسية التي كانت سائدة في أوروبا في زمن الرايخ الثالث، فتنقل بين العديد من الدول وكان له العديد من العلاقات خلال هذه الأسفار التي مرَّ خلالها في العاصمة التشيكية براغ ثم العاصمة النمساوية فيينا وسويسرا والدنمارك، لينتهي به المطاف في فنلندا.وفي العام 1941، اختار بريشت الولايات المتحدة التي بقي فيها إلى ما بعد سقوط ألمانيا الهتلرية فعاد بعد تقسيم ألمانيا مباشرة سنة 1948 مختارا العيش في الشطر الشرقي من برلين، حيث تعرّف إلى عشيقته ماريا أيخ النمساوية التي كانت تتجسس عليه لمصلحة جهاز الاستخبارات (شتازي) والتي تحولت إلى بطلة الرواية الآنفة الذكر.لم يستمر هذا القلب الذي ظل يخفق بحب العديد من النساء طوال مرحلة تميزت بعطاء إبداعي زاخر، فأصيب في 14 أغسطس 1956 بذبحة أودت بالكاتب الكبير، الذي ترك تراثا عظيما قد يكون لنسائه دور كبير في إنجازه، ألا يجوز لنا القول إن وراء كل رجل عظيم نساء، رغم أن زوجته التي آزرته وصبرت على خياناته المتكررة كانت صاحبة الدور الأبرز في صناعة هذه العظمة.
13-3-2008 جريدة العرب-الدوحة

خاتمي: مرشّح الشباب الحالم بالرئاسة

معمر عطوي
لا شك في أن الحضور اللّافت للرئيس الإصلاحي السابق، محمد خاتمي، على المسرح السياسي الإيراني، قد تجلّى أكثر قبيل الانتخابات التشريعية التي تجرى غداً في البلاد. إذ يُعدّ «مرشَّح الشباب» أحد أعمدة الحياة السياسية القائمةمعمر عطويرغم انحسار فرص التمثيل التي يمكن أن يحظى بها تياره الإصلاحي، بعد شطب السلطات أسماء عدد كبير من مرشحّيه، لا يزال الرئيس السابق، محمد خاتمي، يمتلك فرص الحفاظ على حضوره في المشهد السياسي الإيراني، مع إمكان عودته الى كرسي الرئاسة في انتخابات عام 2009.لقد بدا خاتمي، الذي وصف استبعاد اكثر من ألفي طلب مرشح إصلاحي بـ«الكارثة»، في صلب المعركة الانتخابية، حين وقف بين مؤيديه أمس، وسط مسجد الإمام الرضا في مدينة إسلام شهر عند أطراف طهران، ليوجّه دعوة إلى الناخبين للمشاركة بكثافة في الانتخابات التشريعية «دفاعاً عن الحرية».خاتمي المُنرعج بشدة من الحملة السياسية التي استهدفت شقيقه محمد رضا، واتهمته بالخائن لاجتماعه مع السفير الألماني لدى طهران، هربرت هونسوفيتز، حوَّل مسار المعركة من وجهة اتهام الإصلاحيين، إلى توجيه سهام النقد نحو المبدئيين (المحافظين)، بقوله «يُقال إن الرئيس الأميركي يدعم هذا الفريق أو ذاك، وإن هذه المجموعة أو تلك مرتبطة بأطراف خارجية.. إن الأميركيين هم في الواقع أنصار الذين يوفّرون لهم ذرائع للبقاء في المنطقة».وهكذا يُكرّر خاتمي انتقادات المعارضة لسياسة حكومة محمود أحمدي نجاد «الاستفزازية» التي تجلب العزلة والعقوبات على النظام الإسلامي، مستفيداً من بعض الممارسات التي طالت الحريات الشخصية في الفترة الأخيرة، ليؤكد شعاراته عن «الاستقلال وحرية اختيار المستقبل وحرية اختيار النظام السياسي وحرية محاسبة (القادة) وحرية القيام بتغيير من دون اللجوء إلى العنف».ربما شعر خاتمي، غير المُرشح شخصياً للانتخابات النيابية، بخطورة اتهامات المبدئيين لشقيقه، الذي يرأس حزب جبهة المشاركة الإسلامية (أحد أكبر أحزاب الإصلاحيين) وصهر عائلة مؤسس الثورة الراحل الإمام الخميني (متزوج حفيدته زهراء إشراقي)، وخصوصاً أن آخر الانتقادات وردت على لسان المرشد الأعلى للثورة، علي خامنئي، أمس حين غمز من قناة محمد رضا بقوله «من المؤشرات التي تدلُّ على أن شخصاً غير مؤهّل لدخول البرلمان هي عندما لا يرسم حدوداً واضحة مع العدو ودمى العدو». حملة عنيفة شارك فيها أيضاً نائب رئيس مجلس الشورى، محمد رضا باهونار، الذي قال «إن الذين يجرون اتصالات مع العدو، والذين يلتقون سفراء أجانب لا يمكن أن يكونوا من أصحاب القرار في النظام».ولم يتوقف الهجوم على التيار الإصلاحي عند هذا الحد، بل كان هناك هجوم آخر قام به وزير الاستخبارات، غلام حسين محسني ايجائي، ضد المقابلة التي أجراها النائب الإصلاحي نور الدين بير مؤذن، مع تلفزيون صوت أميركا، إذ وصف هذه الخطوة بـ«الخيانة».أماّ بالنسبة إلى قضية الحضور اللافت لخاتمي، فقد يتجسّد ذلك، من خلال الهامش الضيّق الذي يُمكن أن يحصل عليه صاحب فكرة «حوار الحضارات»، من مقاعد قد تُكوّن صورة المعارضة المُقبلة للرئيس نجاد وسياسته الاقتصادية، ولا سيما أن من بين المرشّحين الإصلاحيين وزراء كانوا في حكومته، على غرار وزير الزراعة، عيسى كلانتري ووزير الصناعة والمناجم اسحاق جهانغيري.يمكن القول إن جمعية «روحانيون مبارز» (منظمة رجال الدين المناضلين) التي ينتمي إليها خاتمي، إضافة إلى جبهة المشاركة الإسلامية التي يتزعّمها شقيقه وائتلاف «2 خرداد»، هي التي تُؤلّف محور أحزاب المعارضة الإصلاحية.غير أن حظوظ «منظمة مجاهدي الثورة» و«جمعية عمال البناء» الأكثر ليبرالية داخل التيار الإصلاحي، قد تراجعت كثيراً، إذ كان نصيبهم من استبعاد المرشحين حصة الأسد. ولا سيما أن هذا التيار كان قد اقترح في السابق تعديل تقليص صلاحيات الولّي الفقيه.أماّ بالنسبة إلى خاتمي (63 عاماً) كشخصية كاريزماتية، تستقطب الشباب التواقين للحريات، فإنه يجمع إلى مؤهلاته السياسية، مركزه الديني، إذ بلغ مرحلة الاجتهاد في الدراسات الحوزوية الدينية، فضلاً عن حصوله على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة أصفهان.وفي سياق مسيرته السياسية، انتخب خاتمي نائباً في أول مجلس شورى بعد الثورة، ثم تولّى منصب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي لمدة 11 عاما (1981-1992)، والذي استقال منه، رافضاً الخضوع لضغوط وشروط المحافظين. كما تولَّى مسؤوليات عديدة أثناء الحرب مع العراق، بما فيها نائب ورئيس القيادة المشتركة للقوات المسلحة، ورئيس قيادة الحرب الدعائية. إلى أن عُين مستشاراً لرئيس الجمهورية (1992).وفي أيار من عام 1997، أصبح خاتمي الرئيس الخامس للجمهورية، محققاً نسبة 70 في المئة من الأصوات، ممثلاً بذلك أكثر من عشرين مليون ناخب، ثم انتُخب لولاية ثانية عام 2001 انتهت عام 2005.وفي عهد الشاه، كانت لخاتمي نشاطات سياسية معارضة، إذ شارك في نشر البيانات الصادرة عن مؤسس الجمهورية الإيرانية. وترأس مركز هامبورغ الإسلامي في ألمانيا في الفترة التي سبقت انتصار الثورة عام 1979.لعلّ أبرز ما يرتبط به المفكر الرئيس هو الإصلاح السياسي والانفتاح وحرية الصحافة والتحرُّر الاجتماعي وزيادة حجم مشاركة المرأة وارتفاع عدد الطلاب في المدارس والجامعات. مناخات شهدتها إيران نسبياً في عهده. أماّ على صعيد السياسة الخارجية، فقد ارتبط اسمه بتحسين صورة إيران في العالم، نسبياً أيضاً، ولا سيما أنه أعاد بعض الحرارة الى خط العلاقات مع الدول العربية والخليجية منها.لقد استطاع خاتمي خلال فترتي حكمه، تكوين رصيد من الإنجازات التي تُحفظ في سجلّه، لكن قطف ثمار هذه الإنجازات لن يكون قبل عام 2009، إذا ظلَّ نجاد على خطاه المتثاقلة في معالجة التدهور الاقتصادي.
الأخبار:١٣ آذار ٢٠٠٨

12‏/3‏/2008

ثمن «الامتناع» الإندونيسي

معمر عطوي
لم يكن وقوف إندونيسيا إلى جانب إيران في التصويت على قرار العقوبات الدولية الأخيرة في مجلس الأمن نهاية الشهر الماضي، مجّاناً، بل موقفاً مدفوع الثمن. ثمنٌ سرعان ما تبلوت طبيعته خلال الزيارة الحالية للرئيس الإندونيسي، سوسيلو بامبانغ يودويونو، إلى الجمهورية الإسلامية، مصطحباً معه إيصالات فواتير التعاون المقبل.وكان من الطبيعي أن يحمل التصريح الأول للرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، شكراً جزيلاً لنظيره الإندونيسي، لقاء امتناع بلاده عن التصويت على القرار الدولي الذي حمل الرقم 1803، وإشادة بالموقف اليتيم «العادل والقانوني» المُتفرّد من بين دول مجلس الأمن الـ15.لكن مصاديق هذا الشكر لم تتوقَّف عند الترحيب بالضيف، الذي تُعدّ بلدُه أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، بل ما تمخّض عن اجتماعات مسؤولي البلدين من اتفاقاتجرى توقيعها تتناول قطاعات الزراعة والتعليم وغرف التجارة وبناء المصافي النفطية. فضلاً عن «استعداد» إيران لتقديم تجاربها «القيّمة» إلى جاكرتا، وخاصة في مجال «التكنولوجيا السلمية النووية».لعلّ الثمن المُعجَّل للموقف الإندونيسي، هو توقيع اتفاق لإقامة مصفاة للنفط تبلغ طاقتها 300 ألف برميل يومياً، في إندونيسيا بالتعاون مع شريك ماليزي.ومن دون أدنى شك، بدت هذه الإغراءات الإيرانية، سبباً لوقوف إندونيسيا إلى جانب طهران، رغم تصويتها إلى جانب قرار العقوبات الأسبق الرقم 1737. إغراءات أثبتت نجاحها من خلال ما أعلنه الرئيس الأندونيسي في طهران أمس عن دعم للنظام الإسلامي، حين دعا بعد لقائه نجاد إلى ضرورة عدم تسييس نشاطات إيران النووية «السلمية»، معتبراً أن سبب اتخاذ بلاده هذا الموقف هو تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.المُثير في المسألة أن إيران، رغم هاجس العزلة الذي تعيشه، لا تزال رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية والدولية، بحيث تحسب لها الدول الكبرى أكثر من حساب لأهميتها الاقتصادية بالدرجة الأولى.يتجلّى هذا الالتفاف حولها كشريك اقتصادي، في استمرار التعاون بينها وبين كل من موسكو وبكين وبعض العواصم الأوروبية، رغم تصويت هذه الدول على قرار العقوبات الموسّعة. أكدت روسيا ذلك من خلال شركة صناعة الطائرات الموحدة، التي أشارت إلى استمرار سريان عقد تجهيز إيران بـ100 طائرة ركاب من طراز «تو ـ 204» و«تو ـ 214» قد يوقَّع في عام 2009 بقيمة تبلغ 2 ـ 5ر2 مليار دولار.أماَّ الصين، فقد شدَّدت غداة صدور القرار الدولي، على أن العقوبات الجديدة التي فرضها مجلس الأمن على طهران لن تؤثِّر على تجارتها مع إيران.من المؤكد أن التقاء البلدين حول «إسلامية الهموم» في فلسطين ولبنان والعراق، ليس السبب الذي دفع جاكرتا للوقوف إلى جانب طهران، فأمام رائحة النفط والمال قد تتغَّير معادلات كثيرة في هذا العالم.
الأخبار:١٢ آذار ٢٠٠٨

8‏/3‏/2008

رفسنجاني... هذا الرقم الصعب في المعادلة الإيرانيّة

معمر عطوي
أصبح من المألوف في المشهد السياسي الإيراني، حضور رئيس مجلس الخبراء، أكبر هاشمي رفسنجاني، بوصفه شخصية سياسية ودينية لها ثقلها على مسرح التوازنات، في ظل المعركة الحامية بين الإصلاحيين والمبدئيين (المحافظين) على المقاعد البرلمانية في الانتخابات المقبلة في 14 آذار الجاري.فالرئيس الإيراني الأسبق، الذي ينحدر من عائلة ثرية، لا يلبث أن يغيب عن المسرح السياسي، حتى يعود بقوة أكبر، ولا سيما في هذه الفترة التي تتحضّر فيها إيران للانتخابات. لقد استطاع هذا الرجل، رغم كل ما أُشيع عن تورّط عائلته بقضايا فساد ورشى، أن يحافظ على موقعه السياسي، مُحتفظاً برئاسة مجلس خبراء القيادة إلى جانب رئاسة مُجمَّع تشخيص مصلحة النظام، وبرصيد شعبي كبير اكتسبه طوال فترة خدمة الثورة الإسلامية منذ خمسينيات القرن الماضي.
رفسنجاني، الذي تعرَّض للملاحقة والسجن مرات عديدة على أيدي رجال استخبارات النظام الشاهنشاهي «السافاك» قبل نجاح الثورة، كان مولعاً بقضية فلسطين، التي كتب عنها قصائد من سجنه. لقد أسَّس أبن مدينة رفسنجان (محافظة كرمان الغربية)، رصيداً كبيراً من الإنجازات التي حوّلته إلى رقم صعب في المعادلة الإيرانية. لعلّ هذه الإنجازات بدأت مُذ كان طالباً في الحوزة الدينية، حيث درس على يد مؤسس الدولة الإسلامية، الإمام الخميني. وتواصلت مع نجاح الثورة في تسلُّم مقاليد السلطة في إيران، حين عُين رفسنجاني في مجلس الثورة. ثم انتُخِب رئيساً لمجلس الشورى عام 1980.ولم تتوقف مسؤولياته عند هذا الحد، بل تعدت ذلك إلى مشاركته في تأسيس الحزب الجمهوري الإسلامي، وتولّيه مهمة رئاسة القوات المُسلّحة بالإنابة، في الفترة من (1988ـ1989).وبعد وفاة الخميني في عام 1989، كانت خبرة رفسنجاني السياسية في الداخل والخارج وانتهاجه مبدأ الوسطية سبباً لفوزه بانتخابات الرئاسة بنسبة 95 في المئة من الأصوات (وبقي لولايتين حتى عام 1997). هذه الوسطية تجلّت خلال حرب الخليج الثانية في عام 1991، حين اتخذت طهران موقفاً محايداً، إذ أدان رفسنجاني كلاً من الولايات المتحدة والعراق، وأبقى بلاده بعيدة عن التدخُّل المباشر في الصراع الدائر في المنطقة.وعلى المستوى الداخلي، عمل الشيخ الرئيس على تخليص إيران من مشاكلها الاقتصادية بالانفتاح على العالم والاعتماد على مبادئ السوق الحرة، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية. وشهدت إيران في ظله، سياسة انفتاحية على الغرب، وتعاوناً مع الصين في تطوير برنامج التسلُّح النووي.لكن عودته الأقوى إلى المسرح السياسي، بعد فشله في الانتخابات الرئاسية في عام 2005، كانت حين انتُخِب في أيلول الماضي على رأس مجلس الخبراء (الهيئة المُكلّفة تعيين المرشد الأعلى للجمهورية وعزله ومراقبته)، فيما كان، ولا يزال، يتولىَّ رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام منذ عام 2002 (هيئة التحكيم السياسي العليا في إيران).ورغم وقوفه مع الإصلاحيين بقيادة الرئيس السابق محمد خاتمي ورئيس مجلس الشورى السابق مهدي كروبي، في قضية رفض الترشيحات للانتخابات المقبلة، لم يُعلن رفسنجاني دعمه الصريح للإصلاحيين أو نيّته التحالف معهم في وجه المبدئيين، بل بقي في الوسط كما كان دائماً. مع العلم بأنه أدى دوراً أساسياً في انتخاب خاتمي رئيساً في عام 1997 في وجه مرشَّح المحافظين أكبر ناطق نوري.لعل هذا الموقف الوسطي، يعود إلى هاجس الوحدة الداخلية الذي يعيشه دائماًَ: هو ينتقد سياسة حكومة محمود أحمدي نجاد في بعض جوانبها، لكنه يحافظ على علاقته بالمرشد الأعلى للثورة علي خامنئي. علاقة تعود إلى أيام دراستهما معاً في الحوزة.أماَّ اللغز الذي يحيط بشخصية هذا الرجل البراغماتي، فهو قدرته على التوليف بين المتناقضات: أثناء الحرب مع العراق، أجرى رفسنجاني اتصالات غير مباشرة مع الأميركيين من أجل الحصول على أسلحة، لقاء الإفراج عن رهائن غربيين في لبنان، ما أدّى إلى فضيحة «إيران غيت». وفي الوقت نفسه، هو من أشد المعادين للسياسة الأميركية في المنطقة، ولا سيما دعمها السافر لإسرائيل. ويُحذِّر دائماً من مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الأميركي «الذي يتّسم بالشر». لكنه يبارك قضاء هذا الشر على نظامي صدام حسين في العراق وطالبان في أفغانستان، فضلاً عن دوره الهام جداً في إقناع الخميني بقبول قرار مجلس الأمن الدولي الذي أنهى ثمانية أعوام من الحرب بين إيران والعراق.ورغم ما يُثار حول عائلة رفسنجاني من اتهامات بجمع ثروات طائلة ورشى من شركات نفطية أوروبية، يشتهر الرجل بقدرته على اتبّاع سياسة أسهمت في إعمار البلاد وتنشيط عجلة الاقتصاد.ربما أصبح «صانع الملوك» من خلال هذه التناقضات في شخصيته، «سياسياً براغماتياً مُحنَّكاً»، لا بد أن يبقى ـ على الأقل في المدى المنظور ـ أحد أعمدة النظام الإسلامي، ولا سيما بعد ظهور نتائج الانتخابات المقبلة.
عدد السبت ٨ آذار ٢٠٠٨

5‏/3‏/2008

القرار المخرَج

معمر عطوي
يُمكن وصف القرار الدولي الجديد الذي صدر أول من أمس عن مجلس الأمن في شأن إيران، بـ«القرار المَخرَج» الذي يُخفِّف من درجة الحرج لدى أصدقاء طهران الذين صوتوا معه، وفي الوقت نفسه، يحفظ ماء وجه القوى الغربية ــ بالحد الأدنى ـ لجهة صدقية هذه الدول في تعاطيها مع «التهديد» النووي الإيراني.من خلال نظرة مقارنة بين القرار 1747 الصادر في آذار 2007 والقرار الجديد الرقم 1803 الصادر أول من أمس، لا يمكن رصد الكثير من الإضافات باستثناء توسيع مروحة الأسماء والشركات التي تخضع للحظر. لكن معظم الفقرات التي وردت في النص الأول بدت كأنها قد نُسِخَت وأُلصقَت في نص القرار الثاني.ويبدو أن الموقف الأميركي الأكثر تشدداً في هذا المجال، بقي رغم تعنّته، ملجوماً ـ رغماً عنه ـ بتقرير وكالات الاستخبارات الأميركية حول توقيف طهران لبرنامجها النووي التسلّحي.أما الصين وروسيا فقد سارعتا إلى ترطيب الأجواء مع حليفتهما الإسلامية: الصين أعلنت أن الهدف من القرار الدولي الجديد ليس معاقبة إيران، بل الدفع لاستئناف المفاوضات في الملف النووي.وذهبت بكين أبعد من ذلك، حين أوضح المتحدث باسم وزارة خارجيتها، كين يانغ، أن العقوبات الجديدة لن تؤثّر على تجارة الصين مع إيران، وأن العلاقة التجارية «طبيعية». مع العلم أن القرار يدعو إلى فرض مزيد من القيود المالية والقيود على السفر ضد أفراد وشركات إيرانية.إلا أن روسيا بدت أكثر صلابة مع طهران من صديقتها الآسيوية، من خلال تبرير رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الفدرالية، ميخائيل مارغيلوف، القرار بأنه يرجع إلى «عدم تعاون» طهران بدرجة «كافية» مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.هذا التبرير لم يمنع الحليف الروسي من التذكير بتعاون موسكو مع طهران، لكن على لسان مندوب روسيا لدى مجلس الأمن، فيتالي تشوركين، الذي أشار إلى أن توريد روسيا الوقود لمحطة «بوشهر» النووية الإيرانية يُشجّع أيضاً إيران على تليين موقفها.لعلَّ هذا التذكير المقرون بالإشارة إلى إيجابيات تعاون طهران مع وكالة الطاقة، وفي الوقت نفسه التشديد على أن القرار الدولي الأخير يستبعد بوضوح شن العمليات العسكرية على الجمهورية الإسلامية، يَصبّ في مصلحة ترطيب الأجواء مع طهران بعد الوقوف ضدها في مجلس الأمن.ترطيب الأجواء هذا عبّرت عنه شركة صناعة الطائرات الروسية، التي سارعت غداة صدور القرار في نيويورك إلى إعلان توقيع عقد تجهيز إيران بـ 100 طائرة ركاب من طراز «تو ـ 204» و «تو ــ 214» في العام المقبل.في أي حال، قد لا يكون هذا القرار فعالاً لجهة ثني إيران عن السير في برنامجها لتخصيب اليورانيوم، لكن الهدف الأساسي الذي أرادته واشنطن من إبقاء الملف النووي الإيراني في مجلس الأمن بدلاً من إعادته إلى وكالة الطاقة، قد بات متحققاً.
الاخبار ٥ آذار ٢٠٠٨

غسّان عزّ الدين يدوّن مرحلة ما بعد إعدام سعادة

تكثيـف للوثائـق على حساب منهجيّة البحث
العنوان الأصلي حوار مع الذاكرة
الكاتب: غسان عز الدين
الناشر توزيع دار الفرات
معمر عطوي
لا يمكن «محاكمة» كتاب «حوار مع الذاكرة» في جزئه الثاني، من دون قراءة الجزء الأوّل، ذلك أنّ الكاتب غسان عز الدين، أراد توثيق مرحلتين مهمّتين بعد الاستقلال اللبناني. المرحلة الأولى هي التي تلي إعدام زعيم القوميّين الاجتماعيين السوريّين أنطون سعادة، والثانية هي المرحلة التي أعقبت المحاولة الانقلابية الفاشلة للحزب القومي ليل 30 ـ 31 كانون الأول 1961، ولغاية صدور العفو العام عن المحكومين بتاريخ 13 شباط 1969.وبغضّ النظر عن محتوى الجزء الأول، وعمّا إذا كان الجزء الثاني الصادر عن المؤلّف نفسه، الذي تولّت مهمات توزيعه دار الفرات في بيروت، قد أتى في سياق يتمّم ما قبله، فإنّ ما وقع فيه الكاتب لجهة تقنية الكتابة ومنهجية البحث، لا يعفيه من «مشرحة» النقد.ما يدفع إلى النقد في هذا الإطار، يبدأ من العنوان «حوار مع الذاكرة ـ لبنان منذ عهد الاستقلال ماذا تغيّر؟». عنوان لا ينطبق بتاتاً على مضمون الكتاب. سبب عدم الانطباق هذا يعود الى عدة أخطاء وقع فيها الكاتب الذي أراد تدوين دوره في الثورة القومية الاجتماعية الثانية، فوقع في اجترار عرض البيانات والخطابات والمقالات التي أخذت الحيز الأكبر من الكتاب، على حساب منهجية البحث المفترض أن يكون «حواراً مع الذاكرة» لا تجميعاً لوثائقومستندات.أمّا الجزء الآخر من العنوان «... ما الذي تغيّر»، فلا أظنّ أنّ الكاتب قد دخل في دراسة مقارنة بين الأمس واليوم، لملامسة جوهر العنوان. إنّما عرض تفاصيل مرحلة من مراحل العمل السياسي خلال النصف الثاني من القرن الماضي، تاركاً للقارئ إعمال مخيّلته في استنتاج ما الذي تغيّر بين الأمسواليوم.طبعاً، لا يمكن التقليل من أهمية ما احتواه الكتاب من وثائق وبيانات ومقالات صحافية تدعم رواية القارئ عن تلك الأحداث المهمّة في تاريخ لبنان. لكن كان من الأجدى لو قام عز الدين بوضع هذه الوثائق في فصل خاص في نهاية عمله بدلاً من تضييع سياق الرواية الأساسية التي بدأ بسردها، والتي تناولت تلك المرحلة التاريخية المشحونة بالأحداث السياسية من منظور قومي اجتماعي بحت.ربما كان سبب الخروج عن السياق الروائي هو رؤية الكاتب نفسه للتعامل مع الذاكرة، التي عبّر عنها بقوله في المقدمة «عندما يعتمد الواحد منّا على الذاكرة لرواية أحداث مرّت عليها سنوات طويلة، فليس بالمستغرب أن تجد بعض الاختلاف في رواية الحدث ذاته بين شخص وآخر، سواء في ذكر الأسماء والتواريخ، أو في حال اختصار الرواية والابتعاد عن الخوض في التفاصيل الدقيقة. الأمر الذي قد يؤدّي إلى غياب أو تغييب بعض الأسماء، وإبقاء رواية بعض الأحداث فيها في حال من الغموض».ويعترف الكاتب هنا بصعوبة سرد الأحداث بدقّة «أنا أدرك جيداً أنه ليس بالأمر السهل على الواحد منا، أن يكون دقيقاً مئة في المئة عندما يتعلّق الأمر برواية بعض الأحداث التي مرّ عليها أكثر من 50 عاماً، حيث يختلط بعض الأحداث ببعضها الآخر».يحتوي الكتاب على ثلاثة أبواب: الأوّل يتضمّن المرحلة التي تلت استشهاد «الزعيم»، وتناولت التحالفات والخصومات التي كانت بين الحزب القومي والشخصيات والتيارات السياسية في لبنان، متناولاً العلاقة مع كميل شمعون ورياض الصلحوغيرهما.في الباب الثاني وتحت عنوان أراد من خلاله الإضاءة على العلاقة الملتبسة بين لبنان وسوريا، التي تتشابه مع ما نعيشه اليوم. وربما كان العنوان «لبنان منذ عهد الاستقلال ماذا تغيّر»، قد عنى به الكاتب إجراء مقارنة تصبّ في هذا الإطار.
الأخبار ٥ آذار ٢٠٠٨

4‏/3‏/2008

روسيـا وإيــران و«علاقــة الضرورة»

معمر عطوي
رغم حركات المدّ والجزر التي تمّر فيها العلاقات الروسية ـ الإيرانية بين وقت وآخر، لا تزال طهران تراهن على دعم موسكو في التخفيف من حجم الانعكاسات السلبية للضغوط الدولية عليها، ولا سيما بعد اللكمة العنيفة التي تلقّاها الدب الروسي بعد نجاح الولايات المتحدة في منح إقليم كوسوفو استقلاله.ربما كانت ضربة كوسوفو هي التي قصمت ظهر العلاقات الروسية ـ الأميركية. لكن هذا لا يمنع من وجود ملفات خلافية شائكة بين موسكو وواشنطن. ملفات تبدأ من تضارب المصالح الجيو ـ استراتيجة، بعد تمدُّد نفوذ الولايات المتحدة إلى شرق آسيا والشرق الآوسط ودول في آسيا الوسطى، وصولاً إلى تصميم الإدارة الأميركية على إنشاء نظام الدرع الصاروخية في أوروبا.في ظل هذا المناخ، تبدو وريثة الاتحاد السوفياتي، كأنها تبحث عن أمجاد ضائعة، بين ركام التناقضات الإقليمية، لتجد في إيران إحدى الأوراق الرابحة في لعبة شد الحبال بينها وبين الغرب. بيد أن «مصائبها» في كوسوفو تحولت إلى «فوائد» لإيران، التي تسعى لفك عزلتها.ولطالما أتقنت موسكو المناورة مع جارتها الإسلامية، وخصوصاً على صعيد التعاون النووي الجاري في محطة بوشهر. إذ ماطلت الأولى كثيراً في الإيفاء بالتزامها الموعد المحدد لبناء المحطة. مماطلة بدت بمثابة فواتير على الحساب للجانب الأميركي لتسوية ملفات خلافية.ثمة قطبة مخفية في العلاقة الإيرانية ـــــ الروسية، تأكد وجودها أكثر حين أعلنت موسكو أخيراً نيتها دعم قرار دولي في مجلس الأمن ينص على فرض عقوبات جديدة على النظام الإسلامي. لكن رغم ذلك، لا يمكن استبعاد دورها عن أي وضع جديد قد يُفرض على إيران، رغم حركة المد والجزر هذه؛ فالمصلحة التي تربط بين الشريكين هي أقوى من المناورات التي قد يلجأ اليها أحد الطرفين من أجل تحسين شروطه عند الآخر، ولا سيما أن التهديد الذي تواجهه طهران بالعزلة، يجعل موسكو في وضع مريح يُمكنّها من فرض شروط أفضل على إيران.ربما كان ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وتأثيره على الدول الخمس الواقعة على بحر قزوين، أحد أهم الأسباب التي عزّزت وضع إيران في المنطقة. لكن انسحاب العديد من الشركات الغربية التي تستثمر في قطاع الطاقة في الجمهورية الإسلامية، بفعل الضغوط الغربية والحظر الناتج من قراراين دوليين (1737 و1747)، قد فتح شهية الشركات الروسية لالتهام ما بقي من الطريدة الفارسية، فارضاً شروطه التي لا يمكن أن تقبل بها طهران إذا ما كان وضعها الدولي في حال أفضل.وبات من المؤكد أن إعلان موسكو موافقتها على التصويت إلى جانب قرار العقوبات الجديد، لم يتناقض مع توسيع أنشطتها الاقتصادية وتعاونها العسكري والنووي مع إيران. إذ إن القرار الجديد لن يحمل عقوبات مشددة وفق الطلب الأميركي، بل سيقتصر على توسيع قائمة الحظر على شركات وشخصيات يُقال إنها على علاقة بالبرنامج النووي. هذا في ظل أرجحّية صدور قرار غير مُلزم عن مجلس الأمن.أما عن توسيع الأنشطة الاقتصادية، فثمة مبادرات إيجابية ظهرت بعد مسألة كوسوفو، من شأنها تعزيز هذا التعاون. مبادرات تتمثل في زيادة انخراط شركة «غازبروم» الروسية العملاقة للطاقة في عمليات التطوير الكبيرة لحقلي الغاز الإيرانيين، فارس الجنوبي وكيش الشمالي. الأول هو أكبر خزان للغاز الطبيعي في العالم، ويضم أكثر من 450 تريليون قدم مكعب من هذه المادة. أماّ الاحتياطي الموجود في حقل جزيرة كيش، فتُقدّر كمية الغاز الطبيعي فيه بحوالى 10 مليارات متر مكعب.لعل وجه الاستفادة الروسي مهم جداً في هذا الإطار، فما يمكن أن توفّره «غاز بروم» من موارد لمشاريعها في إيران إلى جانب وفرة السيولة النقدية لديها، هو تشغيل ما لا يقل عن نصف مليون عامل. أما إيران فتستفيد بأن تحدّ من آثار العزلة عليها، والبحث عن بدائل أخرى للتعويض عمّا خسرته نتيجة الحصار الدولي، بتطوير وسائل استغلال مصادرها الطبيعية الضخمة.أماّ الأفق المستقبلي للاستفادة الروسية، فقد يتعزز أكثر في حال قيام طهران كما صرحت، بخصخصة شركاتها النفطية. إذ إن خطة كهذه، وفي ظل استثناء الشركات الأميركية، ستُعزّز الفرص أمام شركات روسية وآسيوية لشراء شركات إيرانية.
الأخبار ٤ آذار ٢٠٠٨

29‏/2‏/2008

هل يستطيع اليسار إثبات حضوره على الساحة الألمانيّة؟

معمر عطوي *
فتحت الانتخابات المحليّة التي شهدتها ألمانيا في ولايات هيسن وسكسونيا السفلى وهامبورغ، الباب أمام مشهد سياسي جديد، يُعاد تشكيله على ضوء الخريطة الجديدة للتحالفات الحزبية بما يتعارض مع احتكار الحزبين الرئيسيّين (الديموقراطي الاشتراكي والمسيحي الديموقراطي) للحكم. ورفد السلطة بتيّارات أخرى، بعضها غاب عن المسرح لفترة بسبب تحالف المحافظين والاشتراكيّين، وأخرى لم تكن لتحظى بنسبة الـ5 في المئة التي تخوّلها دخول البرلمان.وباتت هذه الانتخابات التي حملت قوى اليسار إلى برلمانات بعض الولايات، تُمثّل مؤشّراً واضحاً على تحوّلات كبيرة في الذهنية الانتخابية للشعب الألماني، وخصوصاً بعد فشل حكومة الائتلاف التي تقودها المستشارة أنغيلا ميركل في تحقيق وعودها الاقتصادية والإنماء المتوازن بين شطري ألمانيا الشرقي والغربي. فشل أدّى الى تعزيز فرص حزب اليسار الألماني، وفي المقابل صعود موجة اليمينيّة وتقدّم الحزب الألماني القومي المتطرّف.ربّما قصمت نتائج انتخابات ولاية هيسن في الرابع من شباط الماضي، ظهر بعير المحافظين (الاتحاد المسيحي) بعدما فقد رئيس حكومتها رولاند كوخ الغالبية التي تسمح بعودته إلى تشكيل حكومة جديدة. وخصوصاً أنّ الولاية الواقعة في وسط البلاد وتحتضن (العاصمة الاقتصادية) فرانكفورت، تعدّ بيضة القبَّان بالنسبة إلى الحزب المسيحي الذي يراهن على بقاء سيطرته في ولايات (مثل هيسن) كانت في الشطر الغربي من ألمانيا قبل الوحدة عام 1990.لعلّ المقترحات الانتخابية العنصرية التي سار بها كوخ، بشأن تشديد محاكمة الشبان الأجانب الذين يرتكبون جرائم أو جنحاً، هي التي عدّلت مزاج الناخب، ما أدّى الى تراجع حظوظ المحافظين وارتفاع رصيد الحزب الديموقراطي الحرّ (الليبراليون) وحزب الخضر. فيما كانت مفاجأة اليسار في بعض الولايات تجاوزه النسبة المقرّرة لدخول البرلمان(5 في المئة).لعلّ المفصل الأساسي في انتخابات هيسن، هو الدور الذي لعبته الحملة الانتخابية لرئيس حكومتها المحافظ في توتير الأجواء بين المحافظين والاشتراكيين الذين يتقاسمون السلطة في حكومة ذات تركيبة غير مسبوقة. تجلّى هذا التوتير من خلال تصريح وزير الخارجية، نائب رئيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي، فرانك فالتر شتاينماير، الذي انتقد فيه كوخ، متّهماً إيّاه بأنه يسيء إلى سمعة ألمانيا بحملته ضدّ مرتكبي الجرائم من الشباب الأجانب. الأمر الذي دفع العضو المحافظ في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، كارل تيودر فرايهر، للردّ عليه بقوله في حديث مع صحيفة «باساور نويه بريسه»: «يبدو أن شتاينماير فقد التوازن أثناء مشيه على الحبل المرتفع بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية».على الضفة الأخرى، برز الحزب اليساري الألماني الجديد ليؤكّد ما جاء على لسان رئيسه لوثار بيسكي، في آخر اجتماع لحزب الاشتراكية الديموقراطية (الشيوعي سابقاً) العام الماضي، الذي قال فيه «لقد جئنا وسنبقى»، مشدّداً على مساعي حزبه للفوز بمقاعد في برلمانات ولايات هيسن وسكسونيا السفلى وهامبورغ وبافاريا.لقد استطاع اليسار الألماني في السنتين الأخيرتين أن يوحّد صفوفه في إطار «الحزب اليساري»، محاولاً إعادة أمجاد سلفه حزب الاشتراكية الديموقراطية، الذي كان حاكماً أيام جمهورية ألمانيا الشرقية. تيّار جديد نشأ من تحالف بين حزب اليسار الجديد بزعامة غريغور غيزي والمنشّق عن الحزب الاشتراكي الديموقراطي أوسكار لافونتين وبين «القائمة الانتخابية البديلة للعمل والعدالة الاجتماعية» في حزيران عام 2007، في إطار توحيد صفوف اليسار الألماني في وجه الثنائية الحاكمة. مع العلم أن غالبية ناخبي حزب اليسار هم من أوساط الجناح المنشق عن الحزب الاشتراكي الديموقراطي.أمام هذا الواقع، توسّعت مروحة التحالفات على مستوى تشكيل حكومات محلية لتشمل أحزاباً أخرى، بدل اقتصارها ــــــ كما جرى في السنوات الماضية في معظم الولايات ـــــــ على الحزبين الرئيسين (الاشتراكيون والمحافظون) أو على حزب واحد كما هي الحال في هامبورغ (الحزب المسيحي). وبذلك أصبح بإمكان حزب الأحرار العودة إلى تحالفه التقليدي مع الاتحاد المسيحي الديموقراطي، فيما يواصل حزب الخضر التنسيق مع حليفه التقليدي الحزب الاشتراكي الديموقراطي، بينما بقي حزبان خارج دائرة التنسيق وهما اليسار الجديد والقومي اليميني.المفارقة في الخريطة الجديدة للتحالفات هي رفض الحزب الاشتراكي الديموقراطي التقرّب من الحزب اليساري رغم الكثير من النقاط التي تجمعهما، وخصوصاً أنّ الحزب الاشتراكي الذي يتزعّمه كورت بيك، كان قبل تحالفه مع الاتحاد المسيحي في الحكومة الحالية التي ترأسها المستشارة انغيلا ميركل، أقرب في طروحاته الاجتماعية إلى طروحات اليسار. بدا ذلك في خطاب لوثار بيسكي، الذي حمل انتقادات عنيفة لحلفائه السابقين في الحزب الاشتراكي، حين اتهمهم بالابتعاد عن برنامجهم الانتخابي منذ دخولهم الائتلاف مع الاتحاد المسيحي. ووصف بيسكي الحكومة الاتحادية بتبني سياسة «هدّامة وليست إصلاحية» فيما يتعلق بالتغيرات التي يجريها الاشتراكيون والمحافظون على نظام الضمان الاجتماعي.وذهبت رئيسة الحزب الاشتراكي في ولاية هيسن، أندريا يبسلانتي، أبعد من ذلك في رفض العلاقة مع اليسار حين وصفت عقب فوزها في انتخابات الولاية حزب اليسار بأنه «قوة رجعية»، حسبما نقلت عنها صحيفة «بيلد أوم زونتاغ».مع العلم أنّ رئيس الاشتراكيّين كورت بيك، كان قد دعا اليساريين قبل الانتخابات لدعم بسيلانتي وتمكينها من تولّي رئاسة الحكومة في ولاية. في مخالفة واضحة لمواقفه السابقة التي كرّر فيها رفضه لكلّ أشكال التعاون مع حزب اليسار. موقف يؤكّد أهمية بروز اليسار والثقل الذي بات يُحسَب له الحساب في الخريطة السياسية للبلاد.بيت القصيد هنا، أنّ صعود الحزب اليساري المفاجئ خلال السنتين الأخيرتين، أعاد خلط الأوراق على ساحة التجاذبات الحزبية في ألمانيا الاتحادية. هذا الصعود كان محلّ مراهنة العديد من النخب ولا سيما بعض أنصار وأعضاء الحزب الاشتراكي (ما يسمَّى الجناح اليساري في هذا الحزب) وشيوعيّين سابقين مستقلّين أو منضمّين إلى أحزاب بيئية ومنظّمات شبابية واجتماعية على غرار حزب الخضر.مراهنة بدت واضحة من خلال ظهور خلاف حادّ وسط الاشتراكيين، وخصوصاً بعد انتخابات هامبورغ التي تراجعت فيها مقاعد المحافظين الى مستوى لم يعودوا قادرين فيها على تشكيل حكومة منفردين. هذا الخلاف بين الجناحين اليميني واليساري نشأ على خلفية التعاون مع حزب اليسار. إذ حذّر ممثلو التيار اليساري في صفوف الحزب الاشتراكي من نتائج استبعاد الحزب اليساري وما يمكن أن ينتج من إقصائه من عوائق على صعيد إقامة تحالفات في وجه الحزب المحافظ.ولم يقتصر الجدل على الاشتراكيّين، بل امتدّ إلى المحافظين، حين هدّدت الأمينة العامة للحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، كريستينه هادرتاور بإنهاء التحالف مع الاشتراكيين في حال تعاونهم مع اليسار في ولاية هيسن.وكانت المستشارة ميركل أوّل المتوجّسين من فوز اليسار عندما قالت إن حزبها سيتحدّث إلى كل الأحزاب الديموقراطية باستثناء اليساريّين.هذه الهواجس تؤكّد صورة الخريطة الجديدة التي حملت أحزاباً كان لها حضورها على مسرح السلطة، لكنها حملت أيضاً حزباً جديداً كان مغيّباً دائماً في الشطر الغربي قبل الوحدة، وتقلّص نفوذه أكثر على المستوى الاتحادي بعد الوحدة.وبانتظار انتخابات ولاية بافاريا الجنوبية التي تعدّ الولاية الأغنى في ألمانيا، يعيش اليسار حالاً من التوثّب، والشعور بالفخر، نظراً لما حقّقه وما يمكن أن يحقّقه. رغم صعوبة تقدّمه في بافاريا، التي يسيطر عليها منذ زمن طويل الاتحاد المسيحي الاجتماعي (شقيق الاتحاد المسيحي الديموقراطي). لكن ــــــ على ما يبدو ــــــ إنّ المحافظين أيضاً في هذه الولاية يعيشون هاجس تراجعهم، بعدما شهدوه من تقدّم لموجة اليسار. لعلَّ أصدق تعبير على هذا القلق ما جاء على لسان رئيس حكومة ولاية بافاريا، غونتر بكشتاين، الذي حذَّر من اتجاه البلاد نحو التيار اليساري، بقوله في حديث لصحيفة «باساور نويه برسه» إنّ ملامح المستقبل تشير إلى ضرورة تعوّد نظام حكم يشمل ائتلافاً مكوّناً من خمسة أحزاب.* من أسرة الأخبار
الأخبار٢٩ شباط ٢٠٠٨

27‏/2‏/2008

قبرص والصبغة الحمراء

معمر عطوي
بدت نبرة «الوحدة» واضحة في خطاب الرئيس الشيوعي الجديد للجزيرة القبرصية ديمتريس خريستوفياس، بعد فوزه في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية متقدماً على منافسه المحافظ وزير الخارجية السابق يوانيس كاسوليدس.لكن فوز خريستوفياس، أول رئيس شيوعي في دولة من دول الاتحاد الأوروبي، لا يعني أن البلاد ستدخل ابتداءً من تسلّمه مهامه وقسمه اليمين الدستورية، مرحلة تأميم الصناعات والشركات، وإعادة توزيع الثروة بعدالة. هذا الأمر ربما أصبح ثانوياً في طروحات معظم الأحزاب الشيوعية، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.فالرئيس الجديد للمستعمرة البريطانية السابقة، ملتزم مع حلفائه السياسيين برنامج «تسوية»، هو نتيجة لتحالف بين أضداد، الأمر الذي يجعل صورة الحكم المُقبل في غير مصلحة تطلعات حزب «آكيل» الشيوعي القبرصي المعروف بتشدّده.لقد حظي رئيس البرلمان السابق بدعم الاشتراكيين الديموقراطيين «حزب ايديك» وحزب ديكو (وسط يمين) بقيادة الرئيس السابق الذي خرج من حلبة المنافسة من الدورة الأولى، تاسوس بابادوبولوس. دعم يقوم على تعاون بين هذه التيارات بما يشير بوضوح إلى تقديم كل منها تنازلات للآخر على حساب روزنامته الاقتصادية، وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية بالتحديد.لكن ثمة عائق أهم أمام الحزب الشيوعي، يتمثل بعضوية قبرص في البرلمان الأوروبي. عضوية من شأنها أن تمنع الرئيس الأحمر من تغيير وجه الجزيرة كما يريد. ربما لجأ إلى التغيير التدريجي على غرار رفيقه في فنزويلا هوغو تشافيز. لكن بحكم نفوذ اليمينيين المدعومين من الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، وبحكم انتماء الجزيرة للاتحاد الاوروبي، واستضافتها قواعد عسكرية غربية إضافة إلى قضية التقسيم، كل ذلك من شأنه دفع الرئيس للبحث عن توليفة تجمع بين اقتصاد السوق والتعددية السياسية وتعزيز القطاعات الإنتاجية والخدمات الاجتماعية والنقابات.لعلَّ إشكالية الشيوعي الأول الذي يترشّح للرئاسة في تاريخ حزبه، هي في أنه لا يمتلك الفرص المشجِّعة بسبب عدم ميل حزبه إلى اقتصاد السوق والعولمة أو اعتماد اليورو، بما لا ينسجم مع عضوية الجزيرة في الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً أن جنوحه نحو وريثة الاتحاد السوفياتي، روسيا، حيث تلقى دراسته الجامعية، قد يؤدي دوراً في ازدياد العوائق التي ستقف أمام تحقيق تصوراته المستقبلية للجزيرة.لقد اعترف خريستوفياس بهذه الصعوبات أمام صور تشي غيفارا التي رفعها المحتفون بنصر الشيوعية بقوله: «غداً يوم آخر وسنواجه العديد من الصعوبات».وقد يكون الهاجس الأول بالنسبة إلى أستاذ فلسفة التاريخ هو توحيد الجزيرة، إذ إن رابطاً عاطفياً يدفع الرجل في السير بهذا المشروع، نظراً لأنه مولود في كيرينيا (الشطر الشماليالتركي).مهما يكن، فإن الانتخابات حملت مفاجأة على المستوى الأوروبي. قد لا تظهر تداعيات هذه المفاجأة في المدى القريب، لكن المشهد السياسي القبرصي ـــــ بأي حال ـــــ قد تخضَّب باللون الأحمر.
عدد الاربعاء ٢٧ شباط ٢٠٠٨

25‏/2‏/2008

الجنرال البراغماتي

معمر عطوي
لطالما كان راوول كاسترو (76 عاماً) رجل الظل، الذي يحمي أخاه فيديل ونظامه الاشتراكي في كوبا، من دون أن تجذبه الأضواء. لكن «الرجل الثاني»، الذي يُقال عنه إنه الشيوعي الأول من بين الثوار الذين أطاحوا الدكتاتور فولخنسيو باتيستا عام 1959، قد تميَّز أخيراً بطروحاته الانفتاحية، إذ عرض «غصن الزيتون» على عدوة بلاده اللدود، واشنطن.لقد جمع الجنرال راوول منذ نصف قرن بين مهمات عديدة، كنائب أول لرئيس مجلس الدولة (السلطة التنفيذية) والأمين الثاني للحزب الشيوعي ووزير الدفاع. وقاد بيد من حديد مؤسسة الجيش، التي تُعدّ دعامة النظام الاشتراكي، فيما يقوم بمهمات الرئاسة منذ تعرُّض شقيقه فيديل لأزمة صحّية في تموز 2006.هو الشاب المُتحمّس الذي اعتنق الشيوعية مذ كان في الثانية والعشرين من عمره. وكان من بين ثوار قلائل تعرفُّوا على هذه المدرسة، حين شارك في الهجوم على ثكنة مونكادا في 26 تموز 1953.إثر هذا الهجوم الفاشل، سُجن راوول إلى جانب رفاقه الذين نجوا من القتل، لكنه استفاد وإياهم من عفو الدكتاتور باتيستا في عام 1955، ونُفي بعدها إلى المكسيك، حيث بدأ التحضير للثورة مع فيديل والطبيب الأرجنتيني آرنستو تشي غيفارا وآخرين.وكان راوول بعد عودة الثوار إلى كوبا في عام 1956 أحد القادة الأقوياء الذين أداروا حرب العصابات مع جيش باتيستا، من جبال سييرا مايسترا (جنوب) والتي انتهت بانتصار الثوريين في الأول من كانون الثاني 1959 وفرار باتيستا إلى الخارج.في تلك الجبال، تعرَّف راوول على زوجته فيلما إسبين «السيدة الأولى الحقيقية» في البلاد، والتي توفيت في حزيران من العام الماضي. وأنجب منها أربعة أولاد.بعد نجاح الثورة، تحوّل راوول الى اعتماد الخط السوفياتي المُتشدّد وتولى مهمة إقامة جيش وأجهزة الاستخبارات وفق رؤية شقيقه، وعزَّز وضع المؤسسة العسكرية في الحياة العامة، وأصبح للجيش نفوذه في قطاعات سياسية وإقتصادية.لقد استطاع راوول أن يُقنِع شقيقه الصلب بمقدرته على تولِّي دفّة السفينة المتلاطمة بين أمواج العقوبات والحصار الغربي. لذلك كان فيديل واضحاً حين أعلن في عام 2001، أن راوول «الرفيق الذي يتمتع بأكبر سلطة بعدي وبأفضل خبرة وبالتالي فانه يتحلَّى بكل الصفات التي تخولّه ليخلفني».ويتصّف راوول بأنه رجل دولة إصلاحي من الطراز الأول، إذ إن حسّه الفكاهي وحبّه للحياة، يجعلانه أكثر براغماتية، ما ينعكس على رؤيته الاقتصادية؛ ولعلَّ أهم ما قام به في هذا المضمار تطبيق إصلاحات مستلهمة من التجارب الصينية والفيتنامية التي سيطرت علىاإهتماماته خلال زياراته المتكرّرة الى بكين وهانوي.ومنذ أن خلف شقيقه «مؤقتاً»، أبدى راوول ميله الى التغيير البراغماتي «ضمن الاستمرارية» الاشتراكية. وحث الكوبيين، في خطاب ألقاه في 26 تموز 2007، على الخوض في مشكلاتهم «بصدق وشجاعة»، الأمر الذي قام به الملايين إثر ذلك في مواقع العمل والأحياء.لكنه نبَّه إلى أنه لن يتحقق شيء «خارق للعادة» وأن التغيرات ستحصل «رويداً رويداً» لأنه يتعّين أن يتوصل الكوبيون الى «توافق»، مشدداً على أن النظام «ينبغي أن يكون أكثر ديموقراطية».وكان نتيجة هذه السياسة، موافقته على الإفراج عن أربعة منشقّين صدرت بحقهم أحكام قاسية عام 2003 وأبعدوا وعائلاتهم الى إسبانيا.أما بخصوص رؤيته للعلاقة مع الولايات المتحدة، فقد عبر عن ذلك منذ عام 2001 حين دعا الى تطبيع العلاقات مع واشنطن. وقد كرَّر هذا العرض في العام الماضي مرتين؛ الأولى في ذكرى العيد الوطني الكوبي في 26 تموز، والثانية في 2 كانون الأول، قائلاً خلال احتفالات العرض العسكري في هافانا «أستغل هذه الفرصة لأعرب عن استعدادنا لتسوية الخلاف بين كوبا والولايات المتحدة على طاولة المفاوضات شرط قبولهم باحترام سيادتنا وعدم التدخل في شؤوننا الداخلية».وبموجب قرار الجمعية الوطنية الكوبية، التي اجتمعت أمس لانتخاب الرئيس، أصبح راوول خلفاً لفيديل، لكن برؤية براغماتية لم يحن الوقت بعد للحكم على نتائجها.
الأخبار٢٥ شباط ٢٠٠٨