31‏/3‏/2011

ليبيا: الاعتراف بالمعارضة غطاء سياسيّ للتدخل العسكري

من الواضح أن الدول الغربية التي تتابع الأزمة الليبية هذه الأيام بكثافة وشغف، لا تعتمد فقط على قوّتها العسكرية بفرض حظر جوي فوق الجماهيرية تحت جناح قرار الأمم المتحدة رقم 1973، بل باتت تتجه نحو تثبيت المعارضة
كسلطة شرعيّة

24‏/3‏/2011

«الجبهة الوطنيّة»: أربعون عاماً في خدمة «البعث»

منذ نجاحه في الانقلاب على مناوئيه في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي والسلطة السورية، أمين القيادة القطرية صلاح جديد والرئيس نور الدين الأتاسي، في 16 تشرين الثاني 1970، بدأ الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بوضع دستور جديد للبلاد يتلاءم مع أهداف حزب «البعث»
معمر عطوي
ما بين فترتي انطلاق الحركة التصحيحية التي سبقت تسلّمه رئاسة الجمهورية بأشهر ثلاثة (في 22 شباط 1971) وتاريخ الانتهاء من وضع الدستور في 13 آذار 1973، عكف الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد على وضع قوانين موسومة بطابع حزب البعث. لهذا، حصر الدستور السوري في مادّته الثامنة المثيرة للجدل، والمُندرجة تحت فصل المبادئ الأساسية، السلطة في سوريا بحزب البعث، على قاعدة أن «حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمّة العربية».
ولم يعدّل هذا الدستور في تاريخه غير ثلاث مواد: المادة السادسة (عُدّلت في 29 آذار 1980) وتقول «يبيّن القانون علَم الدولة وشعارها ونشيدها والأحكام الخاصة بكل منها». وفي 3 تموز 1971، عُدّلت الفقرة الثالثة من المادة 84 من الدستور الخاصة بتوقيت انتخاب الرئيس لتصبح: «يتم انتخاب الرئيس الجديد قبل انتهاء ولاية الرئيس القائم في مدة لا تقل عن شهر واحد ولا تزيد على ستة أشهر». وبعد وفاة الرئيس حافظ الأسد في حزيران 2000، وإفساحاً في المجال أمام تولّي نجله بشار (الرئيس الحالي) للرئاسة، عُدّلت المادة 83 من الدستور لتصبح: «يشترط في من يرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون عربياً سورياً متمتّعاً بحقوقه المدنية والسياسية متمّاً الرابعة والثلاثين عاماً من عمره».
وبناءً على استفتاء شعبي أجري في 12 آذار 1973، حصرت المادة الثامنة القيادة بحزب البعث العربي الاشتراكي وسمحت لأحزاب معيّنة، يوافق عليها حزب البعث، بالعمل في الحياة السياسية في إطار «الجبهة الوطنية التقدمية» تحت سقف تحدّده السلطة البعثية.
أمّا الجبهة الوطنية التقدمية، التي تأسست في 7 آذار 1972، فتتألّف من 7 أحزاب تمارس السياسة بذهنية حزب البعث وتعطي النظام صيغة تجميلية لمشهد التنوع السياسي والحزبي المُفترض. هذه الأحزاب هي: حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي السوري (بجناحيه «وصال بكداش» و«يوسف فيصل») والاتحاد الاشتراكي العربي وحزب الوحدويين الاشتراكيين وحركة الاشتراكيين العرب والحزب الوحدوي الاشتراكي الديموقراطي والاتحاد العربي الديموقراطي. ومنذ أواخر عام 2001، يشارك الحزب السوري القومي الاجتماعي في اجتماعات الجبهة بصفة مراقب.
وبموجب الفقرة الأخيرة من المادة (3) من نظامها الأساسي، هناك إمكانية لانضمام أطراف أو عناصر أخرى إلى الجبهة، مثل الاتحاد العام لنقابات العمال والاتحاد العام للفلاحين.
وبدا مسوّغ تأسيس هذه الجبهة، كما ورد في بيان القيادة القطرية المؤقتة في 16 تشرين الثاني 1970، أنه «ينبغي حشد الطاقات التقدمية، والشعبية، ووضعها في خدمة المعركة، وذلك من خلال تطوير العلاقات باتجاه جبهة تقدمية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي».
وتحقق هذا الطموح في 7 آذار 1972، بالتوقيع على ميثاق للجبهة. وأدّت الجبهة دوراً في تبهير صورة التعدديّة الحزبيّة في سوريا، إضافة الى إعطاء القرارات السورية المهمة التي يصدرها أركان النظام شرعية سياسية توحي بالإجماع حولها.
ولكي يبقى حزب البعث هو الأقوى على الساحة السياسية، عمد الى إضعاف الأحزاب الموجودة في الجبهة من خلال مغازلة شخصيات أو تيارات معيّنة وعزل أخرى، علماً بأن حزب «البعث» نفسه انشقّ تاريخياً عن نصفه العراقي، ثم انشقّ عنه ابراهيم ماخوس وأسس حزب البعث العربي الاشتراكي الديموقراطي وهو خارج الجبهة أيضاً.
ولعل أهمّ الانشقاقات التي تعرّضت لها أحزاب الجبهة جاءت من الحزب الشيوعي الذي انقسم الى تيارات متفرقة؛ بات الحزب الموجود داخل الجبهة جناحين (جناح وصال بكداش وجناح يوسف فيصل)، فيما انضم جناح رياض الترك الى المعارضة غير المعترف بها من السلطة.
أمّا الاتحاد العربي الاشتراكي فقد عرف آخر انقساماته عام 1973، حين خرج جمال الأتاسي بجناحه المعارض من الجبهة وبقي فوزي الكيالي فيها، وكلاهما احتفظ بذات الاسم.
بدورها، حركة الاشتراكيين العرب، انقسمت إلى جناحين، أحدهما عضو في الجبهة الوطنية كان يرأسه عبد الغني قنوت حتى وفاته، والثاني في المعارضة ضمن التجمع الوطني الديموقراطي ويرأسه عبد الغني عياش.
وعلى المنوال نفسه سار الحزب الوحدوي الاشتراكي الديموقراطي عام 1974، الذي انضمّ إلى الجبهة منذ نهاية كانون الأول 1988. كان يقوده أمينه العام أحمد الأسعد منذ تأسيسه حتى وفاته في 9 آذار 2001. ثم اندلع الصراع على أشده بين فراس الأسعد نجل زعيم الحزب وبين العديد من أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي. وانتخب فراس أميناً عاماً للحزب الممثل في الجبهة.
في أي حال، لم تكن أحزاب الجبهة قياساً بحزب البعث، أحزاباً جماهيرية قادرة على الحشد أو إعلان نشاطات وتحركات خاصة بها بعيداً عن التنسيق مع جهاز الاستخبارات.
واللافت أن قيادات هذه الجبهة، الذين أصبحوا كباراً في السن أو من ضمن صفوف الحرس القديم للنظام وحافظي أدبياته في القومية والاشتراكية والوحدة، لم يقدّموا يوماً أي اقتراحات تركت بصماتها على المشهد السياسي السوري إلّا من قبيل مباركة قرارات البعث.
الأخبار: 24-3-2011

23‏/3‏/2011

ثالوث الانتفاضات: الاقتصاد والحريّات ... و«ويكيليكس»

معمر عطوي
ما الذي يعطي الثورات الشعبية الحالية في العالم العربي خصوصية، تجعلها محط أنظار العالم ومحل تعاطف الأمة؟ سؤال قد يجد أجوبته في مقاربة عادلة بين الثورات العفوية التي تبدأ بفعل شعبي، وبين «الثورات» التي تكون مطية للدول الكبرى، من أجل وضع أقدامها في الأماكن الخصبة والغنية بالثروات.
ثمة مقاربة سرعان ما قفزت الى الأذهان، بعد نجاح ثورة تونس، وانغرست أكثر بعد خلع الرئيس المصري حسني مبارك عن الحكم في مصر. مقاربة استفهامية، حول الفارق بين التخلص من نظام ظالم في العراق بمساعدة الدول المستعمِرة، وبين إسقاط أنظمة فاسدة بمجهود جماهيري في الشارع. الفارق كبير جداً، ليس فقط في المعطيات والدوافع والقيم الأخلاقية التي تقف وراء العمل التغييري، بل أيضاً على مستوى التداعيات والنتائج. حصيلة ثورتي مصر وتونس لم يتجاوز ثمنها من الضحايا ألف شهيد، بينما وصل عدد ضحايا الغزو الأميركي ـــــ البريطاني للعراق إلى 655000 عراقي، منذ بدء الحرب في آذار 2003. مع ذلك ثمة تقاطع يصل بين هذين النمطين من التغيير.
«إنّه الاقتصاد يا غبي». عبارة قالها الرئيس الأسبق للولايات المتحدة، بيل كلينتون، خلال حملته الانتخابية ضد الرئيس السابق جورج بوش الأب، في التسعينيات من القرن الماضي. بيد أنّ هذا القول، الذي كان عنواناً لتقرير سري صدر عن السفارة الأميركية في طرابلس الغرب في عام 2009، بات يشير إلى أهمية العامل الاقتصادي في التغيير السياسي.
انطلاقاً من هذا المفهوم، يمكن رصد عوامل تثوير الشباب العربي في بلاد يعيش معظم سكانها تحت خط الفقر، رغم الثروات النفطية الهائلة في بعضها، والثروات الطبيعية في أخرى.
ثمة دور رائد لما عُرف بقضية وثائق «ويكيليكس»، التي شكلت إرهاصات الثورات الحالية في الوطن العربي. فقد استفزّت الفضائح حول آليات إدارة الحكم في أكثر من دولة، مشاعر الجماهير التي بات طموحها ليس أقل من اعتماد الشفافية في الأداء السياسي لإدارة الحكم.
هناك أسباب عدّة لاندلاع هذه الثورات المفاجئة. أسباب نضجت بفعل الإجحاف الاقتصادي، وتوسّعت كردّ فعل قوي على أساليب القمع ومصادرة الحريات، لتصل إلى ذروتها بفعل التمييز الطائفي هنا، أو القبلي هناك، أو الطبقي (أغنياء/ فقراء) في كل دولة.
ومن المعروف أنّ فساد السلطة وزبانيتها قد نهشا مصر وتونس لعقود طوال، رغم افتقار هذين البلدين الى ثروات نفطية، على غرار ليبيا ودول الخليج. وفي ليبيا، أشارت وثيقة سريّة للسفارة الأميركية عام 2009، الى أنّ مواطني هذه الدولة الأفريقية، التي لا يتجاوز عدد سكانها 6.5 ملايين نسمة، سيظلون «هادئين من ناحية سياسية ما دام الوضع الاقتصادي مقبولاً».
بيد أنّ نبوءة الاقتصاد تحققت، بعد أشهر قليلة من صدور دراسة اقتصادية اجتماعية أفادت بأنّ نحو 29 في المئة من إجمالي الأسر الليبية تعيش تحت خط الفقر. وأضافت الدراسة، التي أعدّتها أمانة اللجنة الشعبية العامة للتخطيط والمالية (رسمية)، إنّ عدد السكان تحت خط الفقر زاد من نحو 605 آلاف في 1992 ــ 1993 إلى نحو 739 ألفاً عام 2001، حسبما نقل موقع وكالة «ليبيا برس»، في لندن.
هذه الدراسة هي غيض من فيض التقارير التي تقول إنّ نحو 60 في المئة من القوة العاملة الليبية تعمل في القطاع العام، بأجور لم تتغير منذ عشرات السنين، كما أنّ تقرير الفساد الدولي لسنة 2010 يضع ليبيا في المرتبة الـ 146 من بين 178 دولة. كذلك أفادت تقارير دولية عن ارتفاع نسبة العاطلين من العمل إلى 25 في المئة.
وفي موضوع الحريّات، ليس خافياً على مراقب، سياسات السجون والقمع والمنع وكمّ الأفواه التي تمارسها السلطات الليبية منذ نجاح ثورتها في عام 1969. فلا أحزاب ولا صحف حرة أو مستقلة ولا رأي مخالفاً للعقيد، يمكن تمريره. قمع ظهر مع بداية الاحتجاجات في 17 شباط الماضي، حين اندفع المئات من الليبيين الى مدينة بنغازي في تظاهرة سلمية للتضامن مع عائلات ضحايا مجزرة سجن بوسليم (1996)، فتدخلت قوات الأمن وميليشيات اللجان الثورية لقمع المتظاهرين الذين أصيب منهم 38 شخصاً بجراح.
أمّا وصول الأمور الى ذروتها وانفلات العقدة الأساسية، فكانت بحافز من ثورتين مجاورتين؛ في الشرق ثورة النيل المصرية وفي الشمال الغربي ثورة الكرامة التونسية. هذا ما يفسّر القلق الليبي من انتقال الثورات إلى البلاد من جيرانها. قلق عبّرت عنه السلطات الليبية بتضييق الإجراءات على المسافرين الآتين براً من تونس والجزائر ومصر، منذ اندلاع الثورات، كأنّها استشعرت الخطر مبكراً.
ولا بد هنا من التذكير بمواقف القذافي التي تعاطفت مع الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، في تناقض تام مع نبض الشارع العربي ومنه الشارع الليبي، والتي صبّت في غير مصلحة «ملك ملوك أفريقيا». مواقف تعززت بأداء للقذافي يجتر ما قام به الرئيسان المخلوعان.
ثمة ثورة ليبية حقيقية انطلقت في الشرق، حيث مدينة بنغازي التي كانت تاريخياً من أشرس المدن المقاومة للاستعمار الإيطالي، ومن أكثر المناطق رفضاً لسياسات السلطة، سواء كانت ملكية في عهد السنوسي سابقاً أو جماهيرية في عهد القذافي حالياً. وكانت السلطات الليبية تتبع، دائماً، سياسات تمييزية بين الشرق والغرب.
لكن في أي حال، اتخذت ثورات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن والجزائر وغيرها، خصوصية معينة غير مسبوقة في تاريخ الثورات المعروفة. خصوصية تنأى بالثوار عن أي تنظيم أيديولوجي أو تشكيلات حزبية تقليدية أو حتى تيارات دينية تطالب بـ«حكم الله في الأرض». لقد تغيّرت صورة الثورات الحديثة المنطلقة من الشارع بطريقة عفوية والمُعززة بآليات تكنولوجية حديثة (فايسبوك وتويتر وغيرها من أساليب الاتصال والتواصل). أصبحت هذه الثورات، التي يمكن أن تستوعب من هم في أطر حزبية أو دينية أو نقابية، ثورات فضفاضة لا تتقيّد ببرنامج عمل مُسبق أو بمانيفستو يلتزم صيغة عمل الحزب ومبادئه وأهدافه السياسية والفكرية. ثورات تسعى الى المطالبة بحقوقها المهدورة في العيش والحرية والقيم الإنسانية عبر صياغة دستور يلائم تنوّع أطيافها ومشارب مواطنيها وطموحاتهم. دستور ينطلق من حاجات الناس وأهدافهم وطموحاتهم.
النقطة الأبرز هنا، أنّ الثورات التي تنطلق من وجع الناس وجراحاتهم، وتغيّر الواقع بدماء هذا الشعب وإصراره وتضحياته بعيداً عن أي تدخّل أجنبي، لا تتطلب حجماً من التضحية، بقدر الانخراط في مشاريع التغيير التي تأتي من الخارج. وهناك نماذج كثيرة على ذلك في العالم العربي، لعل آخرها في العراق، تبيّن كم يصبح البلد الذي «يتحرّر» من سلطته الديكتاتورية، بأيدي الاحتلال، مرهوناً لهذا الاحتلال سياسياً واقصادياً، فضلاً عما يتركه الاحتلال قبل رحيله، من فتن وقنابل موقوتة طائفية أو عرقية أو حتى حدودية، كما فعلت بريطانيا وفرنسا في البلدان العربية بعدما «حرّرتها» من الظلم العثماني عبر اتفاقية «سايس بيكو».
في النهاية، يبقى الاقتصاد هو الأساس بقطع النظر عن شكل الثورة وطبيعتها. الاقتصاد هو من دفع الدول الرأسمالية إلى دعم مكونات سياسية واجتماعية في بعض البلدان التوتاليتارية من أجل السيطرة على منابع النفط في هذه البلدان. كما أنّ الاقتصاد هو من دفع أبناء تونس ومصر الى الشارع لوقف مصادرة ثرواتهم ورغيف خبزهم من حيتان السلطة والمال والاستخبارات.


الاخبار: لاربعاء ٢٣ آذار ٢٠١١

21‏/3‏/2011

الصين والجماهيريّة: المصلحة أوّلاً


11‏/3‏/2011

الصيــن تطلــب «علــم الثــورة» مــن العــالم العــربي

لا شك في أن الأحداث التي يشهدها الشارع العربي هذه الأيام وضعت بكين أمام موقف مشوب بالترقب والحذر أمام مناطق توتر تعارض النظام السائد. قلق يبدو جليّاً من خلال تصريح رئيس الحزب الشيوعي في إقليم شينجيانغ، تشانغ تشون شيان، «ينبغي أن نعي الدروس من الشرق الأوسط على المستوى التقني»


معمر عطوي
في زيارة قام بها وفد من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـــــ القيادة العامة»، بقيادة أحمد جبريل، إلى الصين في بداية السبعينيات، سأل أحد أعضاء الوفد الزعيم الصيني آنذاك، ماو تسي تونغ، أن يعطي الوفد نصائح في الثورة، فكان جواب ماو الذي عُرف بثقافته الواسعة، «لديكم (الإمام) الحسين» وتسألونني عن الثورة؟ حادثة يمكن البناء عليها في الوقت الحالي، حيث يحاول المسؤولون الصينيون اتّخاذ العبر من الثورات العربيّة القائمة، ولا سيما بعدما حاول ناشطون معارضون للنظام الصيني التجمّع بالمئات في شنغهاي نهاية الشهر الماضي.
جواب ماو للوفد الفلسطيني وسعي المسؤولين الصينيين لفهم ما يجري في الواقع العربي، يطرحان إشكاليّة ثقافية حول الصيغة العلائقية للتبادل الثقافي بين أمةٍ حثّ نبيّها محمد على طلب العلم «ولو في الصين»، وبين حضارة أنتجت ثورة ثقافية رائدة، باتت تستجدي الحلول لمشاكلها «ولو من عند العرب».
الحدث انطلق من إقليم شينجيانغ في شمال غرب الصين، حيث تعيش غالبية مسلمة، تعرضت في السنوات الأخيرة لاضطهاد من الحكومة المركزية في بكين. بيد أنه انتقل الى شنغهاي (إحدى البلديات المركزية الأربع في البلاد وتقع في وسط ساحل بر الصين)، والى مدن أخرى باتت تطالب برفع المظالم عن الشعب الصيني.
لعل حضور الدرس العربي كان لافتاً خلال الأسبوعين الأخيرين، حيث ألقت الشرطة القبض على عشرات المعارضين في عدة مناطق صينية، بسبب دعوات هؤلاء من خلال المدوّنات والمواقع الإلكترونية إلى تنظيم تجمعات تطالب بالديموقراطية، على غرار التجمعات التي تشهدها بعض الدول العربية.
وربما بسبب الرابط الديني الإسلامي بين سكان إقليم شينجيانغ، الذي يتحدث أهله التركية، مع غالبية مواطني العالم العربي، كان زخم المعارضة في شينجيانغ أقوى من باقي الأقاليم الصينية، فقد انتشرت أعداد كبيرة من رجال الشرطة تحسّباً لأيّ اضطرابات تعيد مشهد العنف الدموي (العرقي ـــــ الديني) الذي وقع في عاصمة الإقليم، أورومتشي، عام 2009، والتي أدّت الى سقوط 200 قتيل.
ثمة خشية حقيقية لدى المسؤولين الصينيين إزاء هذا الإقليم، لذلك ذكّر رئيس الحزب الشيوعي في إقليم شينجيانغ، تشانغ تشون شيان، الويغورييين بالإصلاحات التي بدأت قبل ثلاثة عقود ودفعت الصين لتصبح ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم، مضيفاً «إذا أردنا استقراراً طويل الأمد فينبغي أن نضمن أن ينعم المواطنون ويستفيدوا حقاً من ثمار الإصلاح والانفتاح». وفي محاولة للتقارب مع الأقليات، لم ينس المسؤول الصيني دعوة سكان شينجيانغ البالغ عددهم 21.6 مليون نسمة إلى أن يندمجوا أكثر في القاعدة العريضة للمجتمع الصيني.
هذا على صعيد مناطق الويغور، أما على مستوى المدن الأخرى، فقد أفردت صحيفة «واشنطن بوست» في عددها الصادر نهاية الشهر الماضي، تقريراً بعنوان «الصين تخمد الاحتجاجات المُستلهَمة من الشرق الأوسط قبل أن تنجح في تحركاتها».
ووصل الأمر الى حد أن رئيس الحكومة الصينية وين جياباو، لجأ الى الإنترنت لينصح بتطهير البلاد من المسؤولين الفاسدين الكبار في الدولة، وبكبح الزيادة في التضخم وارتفاع أسعار المساكن.
واتّبعت الحكومة الصينية، أمام ما لاحظته من امتعاض جماهيري واضح تغذّى من نجاحات ثورتي تونس ومصر، تكتيكات دفاعية وعدائية في آن. لعل الخطوة الأولى التي اتّبعها المسؤولون هي محاولة توضيح الفارق بين طبيعة الأنظمة العربية والنظام الصيني الذي يمثّل مفارقة في اعتماده الليبرالية الاقتصادية، بينما يعلن اعتناقه الشيوعية.
وأبرز التكتيكات الدفاعية التي قام بها المسؤولون، حسبما ذكرت «واشنطن بوست»، هي اعتماد خطوات تصعيدية إزاء تعليقات الجمهور التي تركّز على الاحتياجات، داعية الى «نضال اجتماعي» يعالج المشكلات الناتجة من تفاوت المداخيل بين الأغنياء والفقراء.
وعلى المستوى العدائي، اعتقلت السلطات عدداً من الناشطين الحقوقيين وحجبت مواقع إلكترونية اعتبرت أنها حساسة. كما أن الشرطة الصينية ومتطوعين من الشبيبة الشيوعية وضعوا في حال استنفار دائم في الأسابيع الأخيرة، ولا سيما يوم 27 شباط الماضي. استنفار لم تشهده فقط العاصمة بكين، إنما مدينة شنغهاي أيضاً ومدن أخرى دعت المعارضة الى تسيير احتجاجات فيها.
إجراءات عديدة شهدتها هذه المدن، منها منع الصحافيين من دخول مناطق الاحتجاج ومعاملة العشرات منهم «بخشونة»، والتعامل مع التجمعات بالقمع ومنع التصوير، بالرغم من اعتماد المتظاهرين لغة الصمت.
لم يكن الشعب الصيني لينتظر ثورات في المقلب الآخر من آسيا، حتى يهبّ للمطالبة بحقوقه وبحريته وبمعاقبة الفاسدين، فقد شهدت الصين العديد من الاحتجاجات على مدى أكثر من خمسين عاماً كانت دائماً تُجابه بالقوة. والأحداث الدموية التي شهدتها ساحة تيان أن مان، وسط بكين، في عام 1989، تؤكد طبيعة الشباب الصيني الذي يطالب دوماً بالديموقراطية والإصلاح.
العدد ١٣٦٠ الجمعة ١١ آذار ٢٠١١

5‏/3‏/2011

المشروع النوويّ الليبيّ بين الكوريتين وروسيا والصين

سعي القذافي إلى امتلاك السلاح النووي دفعه إلى طرق مجموعة من الابواب، ولا سيما الباب الكوري الشمالي، قبل أن يعدّل وجهته نحو سيول، بحثاً عن نووي سلمي، في أعقاب تصالحه مع الغرب
معمر عطوي

ليس خافياً أن ليبيا حاولت امتلاك برنامج نووي عسكري وسارت في هذا الاتجاه، لكنها لم تكمله، إذ كان للتحولات العسكرية والسياسية التي عصفت بالشرق الأوسط خلال العقد الأخير دور كبير في تخويف الزعيم الليبي معمر القذافي، ليتّخذ إجراءاته الاستباقية الشهيرة وتسليم ما لديه من مواد يمكن استخدامها في المجال النووي وصنع أسلحة غير تقليدية. كذلك لم يعد خافياً الدور الكوري الشمالي، إلى جانب الأدوار الصينية والروسية والباكستانية، في تمكين ليبيا سابقاً من الحصول على موادّ نووية.
لقد كان قرار القذافي في عام 2003، التخلّي عن أسلحته غير التقليدية وتجميد برنامجه النووي والسماح للمفتشين الدوليين بالتأكد من ذلك، انعطافة مهمّة في السياسة الليبية نقلت «الهضبة الأفريقية» إلى موقع آخر. موقع باتت معه طرابلس تفكّر في برامج نووية سلمية لتوليد الطاقة وتحلية المياه، فاتجهت الى دول عديدة، بينها كوريا الجنوبية التي تعدّ نقيضاً لكوريا الشمالية؛ الأولى متطوّرة على المستوى التسليحي والنووي والثانية متقدّمة تكنولوجياً وصناعياً.
وتنقل «واشنطن بوست» عن مسؤول عسكري أميركي قوله إن بيونغ يانغ ساعدت طرابلس على تطوير صواريخ قادرة على قطع مسافة 500 ميل. وساد اقتناع بأن ليبيا كانت الهدف من شحن تكنولوجيا متعلّقة بالصواريخ على ظهر السفينة الكورية الشمالية «كولسان»، التي فتشها ضباط جمارك هنود سنة 1999 في ميناء كاندلا. وكانت السفينة تحمل مئات من العناصر المكوّنة للصواريخ ومكائن ومخططات تفصيلية لصواريخ «سكود بي» و«سكود سي».
وفي أكثر من مناسبة وتقرير، أكّد مسؤولو استخبارات غربية وخبراء في حظر الانتشار النووي، أن ليبيا تلقّت مساعدات عسكرية كورية شمالية. ففي 11 آب 2000، اتهمت الولايات المتحدة كلّاً من روسيا والصين وكوريا الشمالية بتوفير برامج تكنولوجيا الصواريخ إلى كل من إيران وباكستان وليبيا. وقال تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) إن كوريا الشمالية صدّرت معدّات ومكوّنات وخبرة تقنية لها علاقة بالصواريخ الى دول في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشمال أفريقيا.
ولعل قصّة البرناج العسكري غير التقليدي لطرابلس الغرب بدأت في سبعينيات القرن الماضي، حين عقدت ليبيا اتفاقية تعاون مع الأرجنتين من أجل تشييد مفاعل نووي تجريبي. لكن الأرجنتين فسخت العقد تحت الضغط الأميركي، فلجأت ليبيا الى روسيا، حيث وقّعت اتفاقاً ينص على إمدادها بمفاعل تجريبي وبناء عدد من المعامل النووية في منطقة تاجوراء شرقي طرابلس. وبلغت قيمة تلك الصفقة أربعمئة‏ مليون دولار.
وتردّدت أنباء بأن ليبيا كانت تموّل البرنامج الباكستاني على أمل الحصول على إحدى القنابل الذرية من إسلام آباد، استناداً إلى اتفاق شرفي بين الزعيمين ذو الفقار علي بوتو والقذافي. لكن إطاحة الرئيس بوتو قضت على هذا الاتفاق.
وعلى مستوى الخطوات العملية، أسست ليبيا عام 1975 «مفوضية الطاقة الذرية» لتشرف على تطوير برنامجها النووي الواعد. وكان أول الغيث توقيع اتفاق مع فرنسا في عام 1976، لتمدّها بمفاعل نووي تبلغ طاقته 66 ميغاوات. كذلك وقّعت طرابلس في عام 1977، أثناء زيارة العقيد القذافي للاتحاد السوفياتي السابق، اتفاقية تضمنت بنداً ينصّ على تعهد الاتحاد السوفياتي بمدّ ليبيا بمفاعل نووي يستعمل للأغراض السلمية، طاقته 44 ميغاوات، وهو مفاعل مزدوج الأداء يمكن استعماله في تحلية مياه البحر إلى جانب استخدامه في توليد الكهرباء.
لكن لحظة الجنوح الى السلم والتخلّي عن «معاندة» المجتمع الدولي، أتت في التاسع عشر من شهر كانون الثاني 2003، حين أعلنت ليبيا على لسان وزير خارجيتها آنذاك، عبد الرحمن شلقم، تخلّيها طواعية عن برامج أسلحة الدمار الشامل المحظورة دولياً.
وبعد شهرين من القرار الليبي، تسلّمت واشنطن من طرابلس ما يزيد على ألف طن من المعدّات الخاصة ببرنامج نووي، وخمسة صواريخ «سكود» بعيدة المدى كانت ليبيا قد اشترتها من كوريا الشمالية.
أمّا في ما يتعلّق بالعلاقة بين طرابلس وسيول، فقد وجدت ليبيا في التعاون مع كوريا الجنوبية، الحليف القوي للولايات المتحدة، فرصة لتحسين صورتها في الغرب، فاستبدلت تعاونها مع سيول، من خلال برنامج نووي سلمي، بتعاونها السابق مع بيونغ يانغ في المجال العسكري. وحتى الشهر الماضي كانت المفاوضات بين كوريا الجنوبية وليبيا تسير في اتجاه تحقيق هذا التعاون، رغم الأزمة التي عصفت بالعلاقات بين البلدين منذ عام 2009، حين طردت السلطات الليبية مسؤولين من الاستخبارات الكورية الجنوبية، بعدما اتّهمتهم بالتجسس على أعضاء في الحكومة الليبية.
وعلى ما يبدو، فإن حل هذه الأزمة أعاد عجلة التعاون النووي بين سيول وطرابلس. بيد أن كوريا الجنوبية، التي ربطت مصالحها بمصالح الولايات المتحدة منذ وقوف الأخيرة إلى جانبها في الحرب الكورية (1950-1953)، أبت إتمام هذا التعاون مع الجماهيرية من دون مباركة أميركيّة.
فتحت عنوان «سيول تتابع مشروع نووي سلمي مع ليبيا»، ذكرت صحيفة «كوريا تايمز» في 6 شباط الماضي، أن كوريا الجنوبية تشاورت مع الولايات المتحدة العام الماضي حول تعزيز البرنامج النووي المدني لليبيا، وذلك نقلاً عن برقية دبلوماسية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية سرّبها موقع «ويكيليكس».
واستناداً الى هذه البرقية، سأل السفير الكوري لدى طرابلس، تشانغ دونغ هي، نظيره الأميركي، جين كريتز، عما إذا كانت واشنطن تعارض مثل هذا التطوير (لمفاعل نووي). فأخبر تشانغ كريتز بأن السفارة الكورية في واشنطن أجرت مقاربة للموضوع مع الحكومة (الأميركية) من دون أن تلقى رداً.
ويبدو أن العقيد الليبي الذي تخضع علاقات بلاده مع الدول لمزاجية غريبة طالما أساءت الى جوهر هذه العلاقات، حافظ على عدم وضع البيض في سلّة واحدة، فوقّعت حكومته في السنوات الأخيرة اتفاقات نووية مشابهة مع فرنسا والأرجنتين وكندا وأوكرانيا وروسيا، حسبما ورد في البرقية السرية التي لفتت إلى نية العقيد العمل مع واشنطن في هذا الحقل.
لقد نجحت واشنطن في إقناع العقيد العنيد، بتغيير سياساته تحت سطوة حربي العراق وأفغانستان، وإغراءات تبييض سجل «الإرهاب الدولي»، فتمكّنت من تحويل أوراق اعتماداته من دولة اشتراكية ستالينية في شمال شبه الجزيرة الكورية الى الشطر الجنوبي الذي يرتمي في أحضان الولايات المتحدة، ولا يقيم علاقات تعاون إلّا وفق مشورتها. هذا ما يفسّر لحظة الانتقال من التسليح الى إنتاج الطاقة لأغراض مدنيّة.

7‏/2‏/2011

بيونغ يانغ في حماية التنين تحت سقف الضغط والتحفيز

لا يمكن تجاهل دور الصين في معالجة أي موضوع يتعلق بالوضع السائد في شبه الجزيرة الكورية، حيث تتوكأ كوريا الشمالية على عصا جارتها الكبرى في نزاعها التاريخي مع الغرب. ولطالما لعب التنين الشيوعي دور الأب الراعي أيديولوجياً والداعم اقتصادياً ودبلوماسياً للنظام الستاليني على حدوده الشمالية الشرقية في بيونغ يانغ



معمر عطوي
الحرب المفترضة في شبه الجزيرة الكورية لن تكون نزهة سهلة تترتب عليها نتائج حاسمة وسريعة، رغم كل المناخات الحربيّة العنترية التي تقوم بها حاملات الطائرات الأميركية في البحر الأصفر وبحر اليابان، من خلال مناورات مشتركة دورية بين الجيش الأميركي والجيش الكوري الجنوبي. فإلى جانب دولة نووية حديدية صمدت أكثر من نصف قرن في وجه الحصار والعقوبات الغربية تقف الصين، ذلك التنين الذي يؤدي دور حامي حمى نظام عائلة كيم وداعمه الاقتصادي والدبلوماسي في المحافل الدولية.
حيال الوضع في المنطقة يمكن ملاحظة حقيقتين: الأولى، الموقع الجيوستراتيجي لكوريا الشمالية الواقعة على حدود الصين الشمالية الشرقية، دفع بكين منذ بدايات الحرب الباردة إلى تدعيم نظام الكوري، منذ عهد الأب الروحي لجمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، كيم إيل سونغ. والثانية، رغم تطلع بكين في السنوات الأخيرة إلى تعزيز مصالحها الاقتصادية، ولو على حساب التزاماتها الأيديولوجية، فهي لا تزال ترى في بقاء الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية ضماناً لمصالحها وخط دفاع أمامي لها، في وجه عدوتها التاريخية اليابان، ومن خلفها الولايات المتحدة.
وبات دور الصين بمثابة البوصلة التي تحدد وجهة سير الحلول في المنطقة، على غرار العديد من الملفات في العالم. موقف تجلّى من خلال زيارة وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، لبكين قبل شهر، التي سبقت زيارة الرئيس الصيني هو جين تاو، لواشنطن، حيث التقى نظيره الأميركي باراك أوباما، وكان الملف الكوري في مقدمة الملفات التي بُحثت.
الجانب الأميركي ذكّر بخطر كوريا الشمالية «التي أصبحت تمثل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، ويمكنها تطوير صواريخ عابرة للقارات خلال خمس سنوات». ولم ينس أن ينوه بالجهود الصينية لتقليص التوتر في شبه الجزيرة الكورية، في تلميح واضح إلى ضرورة أن تؤدي بكين دورها في لجم جارتها «المشاكسة».
بيد أن التنين الشيوعي بقي على موقفه المتذبذب بين الانخراط في صنع قرارات دولية تنال الإجماع في مجلس الأمن، وعدم وصول الأمور إلى الانهيار، على طريقة المثل القائل «لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم». ووُصفت الصين مراراً بأنها أهم حليف لكوريا الشمالية، فهي من جهة أكبر شريك تجاري، وأهم مصدّر للغذاء والأسلحة والوقود للدولة الشيوعية التقليدية التي تحكمها عائلة كيم منذ انقسام الكوريتين في عام 1948. ودعمت الصين كوريا الشمالية منذ الحرب الكورية في عام 1950. وكما كانت بكين داعماً بلا حدود لنظام مؤسس الجمهورية الديموقراطية الشعبية، كيم إيل سونغ، واصلت الدولة الماوية دعم نظام الابن كيم يونغ إيل، فعارضت بما لها من قدرة على نقض قرارات مجلس الأمن (حق الفيتو) بالعقوبات الدولية الاقتصادية القاسية، على أمل تجنيب النظام الحليف الانهيار. وظل شبح تدفق اللاجئين الكوريين الشماليين إلى الصين (طول الحدود بين البلدين يصل إلى 800 ميل من خلال نهري التومن والأمنوك) في حال نشوب حرب بين الكوريتين، يتحكّم بموقف الصين في معالجة أي أزمة تنشأ في شبه الجزيرة الكورية عبر الدعوة إلى الحوار. وانطلاقاً من هذه الذهنية، أسهمت الصين بنحو كبير في إقناع كوريا الشمالية بالجلوس على طاولة التفاوض السداسية (تضم روسيا والصين والكوريتين واليابان والولايات المتحدة)، بهدف إخلاء المنطقة من السلاح النووي.
لكن التنين الصيني، بعد تجربة الكوريين لسلاح نووي في تشرين الأول 2006، اعتمد مقاربة جديدة مع كوريا الشمالية تقوم على الضغط والتحفيز في آن واحد. بيد أن التجربة النووية الثانية التي قامت بها بيونغ يانغ في أيار 2009، عقّدت العلاقة بين البلدين. مقاربة تجلّت في تصويت مندوب الصين لدى مجلس الأمن على قرار صدر في عام 2006 (رقم 1718)، وقضى بفرض عقوبات اقتصادية على كوريا الشمالية على خلفية تجربتها النووية. كذلك تجلّت أكثر في موافقة الصين أيضاً على قرار آخر بالعقوبات على كوريا صدر عن مجلس الأمن في أيار 2009 إثر تجربتها النووية الثانية.
وبحسب تعبير المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، آلان رومبرغ، لمجلة «التايم»، فإن «بيونغ يانغ بصقت في عين الشعب الصيني» حين قامت بتجربتين نوويتين «ناجحتين» أقلقتا الحليف قبل العدو. لذلك، يرى المحللون أن «بكين تواصل تعزيز نفوذها على بيونغ يانغ أكثر من أي دولة أخرى» بحكم الروابط الأيديولوجية والعلاقات الاقتصادية، وللحد من الطموحات النووية للحليف الأصغر والتي قد تهدّد المنطقة بأسرها فيما لو خرجت المسألة من قبضة التنين.
لكن في المقابل، حسب رأي الخبير في شؤون شرق آسيا لدى مجموعة الأزمات الدولية، دانييل بنكستون، فإنه «رغم تحالف بيونغ يانغ الطويل مع بكين لا تستطيع الأخيرة السيطرة على الأولى»، مشيراً إلى أن الأميركيين يميلون إلى المبالغة في تقدير تأثير الصين على كوريا الشمالية. وفي نظر الباحث لدى «مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي للأبحاث المُعمّقة، آدم سيغال، فإن «فكرة إدارة الصين ظهرها لكوريا الشمالية فكرة خاطئة»، مشيراً إلى أن بكين وافقت فقط على قرار الأمم المتحدة رقم 1718 بخصوص فرض عقوبات اقتصادية على كوريا، لكنها ضاعفت من نشاطها التبادلي التجاري معها ليصل إلى قيمة 2.79 مليار دولار أميركي في عام 2008، وارتفع بمعدل 41 في المئة عن عام 2007. كذلك بلغ حجم السلع الكمالية المحظورة التي صدّرتها الصين إلى كوريا الشمالية نحو 11 مليون دولار في الشهر عام 2009.
في الموضوع الاقتصادي، تنمو الشركات التجارية الصينية في الشطر الشمالي من كوريا ولديها امتيازات هناك. وتطور شركات صينية مصادر المعادن في المنطقة الشمالية، وذلك في سياق استراتيجية الصين، الحفاظ على الاستقرار في المناطق الحدودية التي تتشارك بها مع كوريا الشمالية. أما المصالح القومية للصين فتقتضي تطوير مناطقها الفقيرة في الشمال الشرقي من طريق توفير خطوط نقل المعادن ومصادر الطاقة عبر الحدود.
وعن أولويات الصين، تحدثت دراسة مجلس العلاقات الخارجية، عن أن بكين تدعم كوريا الشمالية كمنطقة عازلة على حدودها الشمالية الشرقية مع كوريا الجنوبية، حيث ينتشر أكثر من 29 ألف جندي أميركي. «هذا الأمر يسمح للصين بأن تخفف من انتشار قواتها على الحدود الشمالية الشرقية وتركز على معالجة قضية استقلال تايوان».
وبحسب ما كتب الباحث في معهد الدراسات الدولية في جامعة فودان في شنغهاي، شين دينغلي، في نشرة «أمن الصين»، فإن ولاء كوريا الشمالية مهم لبكين كحصن في وجه هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة، وفي الوقت نفسه في وجه أي تعاظم لقوة اليابان العسكرية.
الصين ستكون المتضرر في حال نشوب نزاع في المنطقة من جرّاء هروب مئات الآلاف من الكوريين الشماليين اليها؛ ولهذا السبب بدأت الصين ببناء شريط شائك على طول الحدود منذ عام 2006. ويرى سيغال أيضاً أنه «إذا حرّضت كوريا الشمالية على حرب مع الولايات المتحدة، ستتحمل كوريا الجنوبية والصين وطأة أي جبهة عسكرية في شبه الجزيرة الكورية»، لذلك فإن البلدين مترددان في دفع بيونغ يانغ إلى وضع صعب خوفاً من انهيار نظام كيم.
الخبراء يقولون إن الصين غامضة في مسألة التزامها في الدفاع عن كوريا الشمالية في حال النزاع العسكري. لكنه في أي حال، لن تقف بكين مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لإشعال فتيل النزاع في شبه الجزيرة الكورية، ما دامت الحرب ستهدد استقرار مناطق تمثّل مجالها الحيوي، وبالتالي فإن موقفها من المناورات العسكرية الأميركية والكورية الجنوبية التي تُجرى بالقرب من سواحلها الجنوبية، ما هو سوى تحذير استباقي من شأنه التلويح بعصا القوة لكسر أي يد تسعى إلى ليّ ذراعها في الشمال الكوري.
■ ■ ■
كوريا الجنوبية: رحلة إلى بلد الحروب والمصانع
كانت الرحلة شاقة من بيروت إلى سيول، حيث دامت 10 ساعات لم تتوقف خلالها الطائرة في أي مطار. لكن الوصول إلى هذا البلد ورؤية معالمه التاريخية ومعرفة أبرز محطاته السياسية تنسيك عناء السفر. سلسلة من المشاهدات تضع اليد على جُرح الانقسام وآمال الوحدة
كان المشهد رائعاً لدى وصول الطائرة إلى أحد المطارات الحربية في عاصمة كوريا الجنوبية، سيول، حيث كانت الفرقة الموسيقية وعدد من الضباط والجنود في الاستقبال على المدرج. إنه يوم سعيد بالنسبة إلى الشعب الكوري الذي يستقبل دفعة من جنوده العاملين في لبنان ضمن قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام (اليونيفيل)، بعدما خدموا في القرى الحدودية في الجنوب ستة أشهر.
لم تكن الرحلة طبيعية. كانت الطائرة تحتضن نحو 200 جندي كوري و16 لبنانياً أتوا بدعوة من الحكومة الكورية للتعرف إلى ثقافة هذا البلد الواقع خلف البحار. عشر ساعات متواصلة لتنتهي الرحلة في أحد المطارات العسكرية في سيول. كل ما في الرحلة منذ لحظة الانطلاق حتى وقت الترجّل، كان يشير إلى صرامة عسكرية في تنفيذ الأوامر. صرامة بدأت بإجراءت الدخول إلى المطار في بيروت، حيث كان ينبغي علينا الانتظار لمدة ست ساعات قبل الإقلاع «لأسباب تتعلق بخصوصية سفر جنود حفظ السلام»، حسبما أوضح المقدّم كيم نام هيون، الذي رافق الوفد اللبناني طوال فترة مكوثهم في بلاده. وفد قطع المسافة الطويلة مع الجنود محلّقاً فوق قبرص وتركيا وجورجيا وكازاخستان ومنغوليا والصين، قبل أن يحطّ في شبه الجزيرة المثيرة للجدل. أما سبب هذه الرحلة، فهو برنامج تنظّمه الكتيبة الكورية في الجنوب اللبناني بالتعاون مع سفير بلادها لدى لبنان، وبتمويل من الحكومة الكورية، تُدعى من خلاله فعاليات جنوبية وصحافيون ورجال أمن لبنانيون، بهدف تعريفهم إلى حضارة بلاد «الهيونداي» و«الكيا» و«السامسونغ».
بعد رحلة لم تخل من الرفاهية رغم ساعاتها الطويلة، كانت إجراءات الاستقبال في المطار مزيجاً من الترحيب بالجنود العائدين وضيوفهم وإجراءات تفتيش تضمّنت مراقبة بعض الصور الأخيرة التي اختطفتها آلات تصوير حملها بعض أعضاء الوفد اللبناني.
«ممنوع التصوير»، صرخ أحد الضباط الموجودين. تقدّم حارس مدجّج بالسلاح ليقول بتهذيب بالغ تميّزت به الشعوب الآسيوية «تصوير الفرقة الموسيقية ليس مشكلة، لكن ممنوع تصوير أيٍّ من منشآت المطار، لذلك ينبغي على كل من التقط صورة أن يعطيني آلة تصويره للتأكد من حذفها». إجراءت روتينية لم تخل من إطلاق الطرائف واعتذارات بعض ضباط الجيش لضيوفهم.
لعل أكثر ما يهمّ زائر هذا البلد هو قضية الكوريتين والحدود التي قسّمت شبه الجزيرة الواقعة بين دولتين كبيرتين (روسيا والصين)، ودولة عملاقة بالمعنى الاقتصادي (اليابان) التي تقف من خلفها الولايات المتحدة، حتى باتت موضوع تجاذبات وحروب باردة وساخنة. قضية يمكن اكتشاف بعض تفاصيلها لدى زيارة المنطقة الأمنية المشتركة على الحدود الفاصلة بين الكوريتين. هناك حيث يمكن الزائر أن يدخل خلف الخط الفاصل في الجزء الشمالي، وفق ترتيبات تجري مسبقاً بين كوريا الديموقراطية الاشتراكية (الشمالية) والجمهورية الكورية (الجنوبية)، تكتشف كم هو مؤلم واقع العائلات التي فُكّكت بفعل الانقسام.
بصمات الأميركيين واضحة في كل تفاصيل الحياة الكورية، لدرجة أن بعض المحافظين من الكوريين الجنوبيين باتوا يشعرون بخطورة تهديد حضارة العم سام لحضارتهم. وحسبما تقول بعض الإحصاءات الشائعة هنا، فإن 20 في المئة من الجنوبيين لا يحبّون أميركا، رغم مساعدتها لهم في حربهم ضد أشقائهم الشيوعيين، إلّا أنها تضع في المقدّمة مصالحها وأهدافها في فرض نمط حياة مختلف تماماً عن حياة هذه الدولة الآسيوية.
على أي حال، لن تكون مشاهدات هذه الزيارة الاستثنائية، التي أرادها السفير الكوري لدى لبنان فرصة للتقارب بين الشعبين اللبناني والكوري لمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيس العلاقات بين الجانبين، مقتصرة على جانب النزاع. ففي هذا البلد الذي تبلغ مساحته 100140 كيلومتراً مربّعاً، نهضة اقتصادية وصناعية كبرى، وضعته في مصاف الدول العشرين الاقتصادية الكبرى (جي ـــــ 20)، التي استضافت قمتها سيول في تشرين الثاني الماضي.
في كوريا الجنوبية، التي يتعدّى عدد سكانها خمسين مليوناً، ثمة تاريخ عريق حافل بالأحداث والمحطات التاريخية الفاصلة. أحداث يمكن الزائر أن يقف عندها خلال زيارته معالم هذا البلد وقصوره التاريخية ومتاحفه.
معالم عديدة تحكي قصة تاريخ حافل بالحروب والغزوات، والتحولات السياسية التي لم تحدّ من نشاط الشعب الكوري وتصميمه على العمل بجهد كبير، حتى أصبح نمراً آسيوياً اقتصادياً، يتربّع على عرش منسوج بخيوط تاريخ من الحروب ونهضة من المصانع. لعل أهم هذه المعالم، التي كانت في سياق برنامج زيارات الوفد اللبناني إلى كوريا، هي المتحف الوطني الكوري، ومتحف ذاكرة الحرب الكورية، وقصر غييونغبوك الملكي، والقرية الكورية الفولكلورية، والبيت الكوري الذي يعرّف الزائر إلى المطبخ المحلي والثقافة والفنون. معالم لم تكن في المتناول لولا جهود من رافق الوفد الضيف، بقيادة المقدّم كيم نام هيوم العائد من لبنان مع زميله الملازم كيم سيون جنك، اللذين لم يذهبا إلى عائلتيهما قبل انتهاء برنامج الزيارة، مع التنويه هنا بدور المترجمة التي تتقن العربية الفصحى جيداً، جانغ مين كيونغ، وهي تفضّل مناداتها بنجمة، لكون اسمها يعني بالعربية نجمة، إضافة إلى عناصر أخرى واكبت الضيوف خطوة خطوة.
كوريا الجنوبية أصبحت تتمتع بكفاءة عالية تجعلها شبيهه ببعض الدول الأوروبية، من حيث التنظيم والبنى التحتية ووسائل النقل والتنظيم المدني. أما عن الصناعات الرائدة، فلا مجال للحديث في عجالة. فباختصار، تحاول كوريا، بجهود كبيرة، الجمع بين عراقة الماضي واللحاق بتطورات الحاضر.
الأخبار: الاثنين ٧ شباط ٢٠١١

29‏/1‏/2011

العلاقات الصينيّة الأميركيّة: صدام فتعاون فاحتواء

أكدت زيارة الرئيس الصيني، هو جينتاو، الأخيرة إلى واشنطن، أن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة باتت تسير وفق صيغة جديدة قائمة على التعاون الاقتصادي والتفاهم في الأمور الخلافية بدل الصدام وسباق التسلح. ولعل الإشارة الأهم في هذا السياق، هي زيارة وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس إلى بكين، حيث وصل التعاون العسكري إلى ذروته
معمر عطوي

كان الرئيس الصيني، هو جينتاو، واضحاً خلال زيارته للولايات المتحدة في التاسع عشر من الشهر الجاري (دامت أياماً عدّة)، في تحديد أولويات السياسة الصينية تجاه الخصم التاريخي في شمال الكرة الأرضية. فقد أكد في خطاب أمام لجنة الأعمال الصينية الأميركية أن بلاده ملتزمة بحل سلمي للنزاعات وبموقعها العسكري «الدفاعي»، متعهداً بـ«ألا نخوض أي سباق تسلح مع الولايات المتحدة أو نمثّل أي تهديد عسكري لأي دولة، والصين لن تسعى إلى السيطرة أو التوسّع».
لكنه لدى طرحه القضايا الخلافية الرئيسية بين الصين والولايات المتحدة، أعرب عن التزام حكومته ببناء «بلد اشتراكي حديث»، رافضاً أي تدخل أجنبي في قضيتي تايوان والتيبت اللتين قال إنهما «تخصّان سيادة الصين وتماسك أراضيها وتلامسان شعور 1.3 مليار صيني».
ويبدو أن الموقف الصيني الجديد الذي بات يضع الاقتصاد في قائمة أولويات المصالح الحيوية للبلاد، قد تماهى مع التغيرات التي حدثت في السياسة الأميركية عبر مراحل بدأت مع سباق التسلح والصدام في عهد الإدارات الأميركية المتعاقبة، وخصوصاً في مراحل تصاعد نفوذ المحافظين الجدد، وبين مرحلة الرئيس الحالي باراك أوباما. مرحلة فضّل فيها الأميركيون سياسة التعاون كوسيلة للاحتواء وتجنب إثارة مناطق جديدة لاستنزاف الجيش الأميركي وراء البحار.
فلطالما ظلّت الصين الحمراء هدفاً رئيسياً للساسة الذين توالوا على الإدارات الأميركية من ديموقراطيين وجمهوريين على حد سواء، رغم تحوّل الاقتصاد الصيني، في مرحلة لاحقة، من اقتصاد اشتراكي موجّه، إلى ليبرالي يعتمد آليات السوق الرأسمالية. وتباينت خطط الإدارات الأميركية أيام ما كان يُعرف بالحرب الباردة، في التعاطي مع عدو تاريخي يهدّد مصالحها، في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مروراً بالشرق الأوسط. فبعدما فشلت الولايات المتحدة في تدمير الصين، على غرار المنظومة الاشتراكية في شرق أوروبا، لجأت الى أساليب أخرى، منها الاحتواء الاقتصادي والتعاون العسكري.
وشهدت مرحلة الرئيس الأميركي رونالد ريغان تغييرات في التعاطي مع جمهورية الصين الشعبية، إذ لان موقفه كثيراً مع تقدّم ولايته، لتبدأ في حزيران 1981 رحلة الصداقة التي قام بها وزير الخارجية، ألكسندر هيغ، إلى بكين. سياسة معتدلة أرساها ريغان تجاه الصين تُمثّل امتداداً لسياستي الرئيسين، ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر، اللتين وضعتا تعزيز العلاقات بين القوّتين الأميركية والصينية نصب  أعينهما.
أما في عهد جورج بوش الابن، حيث بات التنين الصيني، قوة اقتصادية حقيقية، فقد أصبحت الرؤية مختلفة مع المحافظين الجدد. ولعل ما أعلنته وزيرة الخارجية آنذاك، كوندوليزا رايس، من أن الصين تتعاون والولايات المتحدة على قضايا تتراوح بين محاربة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، يشير الى اقتناع أميركي بأن التنين بدأ تحوّله نحو فخ الاحتواء، الذي نصبته واشنطن للنظام الحديدي، وخصوصاً أن هذا النظام بات مرشّحاً لأن يصبح القوة الثانية الاقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة، محتلاً موقع اليابان. لكن الليبرالية الصينية في الاقتصاد لم تكن لتُقنع واشنطن بأن النظام الشيوعي أصبح في دائرة الاحتواء. اقتناع عبّر عنه رايس في محاولة لإيجاد ذرائع أخرى تبرّر استمرار سياسة التضييق على الصين، بقولها «إن حصول أهل الصين على قدر أكبر من التعليم، من حريّة التفكير، ومن روح المبادرة، من شأنه، باعتقادنا، أن يفضي، بالضرورة، إلى قدر أكبر من الحريّة. وتبرّر هذه السياسة توظيف تعاون القوى الكبرى في حل النزاعات المتفاقمة من الشرق الأوسط إلى كشمير فالكونغو وغيرها».
الواضح أن الولايات المتحدة في ظل إدارة بوش وقفت عاجزة عن تكبيل الصين وفرض سيادتها عليها. ذلك رغم أن الإدارة الأميركية تبنّت رؤية نائب الرئيس ديك تشيني، التي تقول إن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع الأشرار، بل تحبطهم وتلحق الهزيمة بهم.
بيد أن رؤية المحافظين الجدد في التعامل مع الصين لم تنجح، بل سرعان ما أُجهِضت بعد هجوم 11 أيلول في نيويورك، حيث سارعت بكين إلى إعلان دعمها لأميركا في حربها على الإرهاب. لكن يبدو أن انقساماً حاداً في الإدارة الأميركية قد طرأ على جدول الأعمال الخاص بالملف الصيني، إذ حذّرت، مراراً، وكالة الاستخبارات الأميركية الكونغرس من تعاظم القوى العسكرية في الصين، مهملةً أي ملاحظة عن مساندة الصين للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، وعمّا قدّمته من مساعدات في قضية كوريا الشمالية واستمرارها باستخدام الوسائل الاقتصادية السلمية من أجل توسيع نفوذها.
ويمكن أن تكون الرؤية الجديدة لواشنطن تجاه الصين جزءاً من استراتيجية جديدة في القرن الواحد والعشرين. وفي أيّ حال، كان المحافظون الجدد دائماً متيقنّين الى مدى خطورة الصين، لكن لم يكونوا ليتصوّروا صعود هذا العملاق الشيوعي إلى هذا المستوى من التفوق، بآليات رأسمالية. وهذا ما بدا من خلال موقف وزير الدفاع السابق رامسفيلد في صيف عام 2005، حين أعلن من سنغافورة، أن «قدرات بكين الصاروخية والبحرية والجوية، باتت تهدد موازين القوى ليس فقط في حوض آسيا ـــ الباسيفيك، بل أيضاً في كل العالم».
أمّا زيارة زيارة وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، إلى الصين في النصف الأول من هذا الشهر، فتحمل رسائل عديدة: الأولى تتعلق بالتحضير لمناقشات الرئيس الصيني، مع نظيره الأميركي، والتي كان التعاون العسكري في مقدمها. ثانياً، إرساء عقيدة جديدة لدى الأميركيين تنسحب من الاقتصاد والسياسة الى العسكر تحت شعار التعاون. وتعبّر الرسالة الثالثة عن خشية أميركية من تعاظم القوة البحرية للصينيين بالقرب من البحر الأصفر وبحر اليابان، حيث تنتشر حاملات الطائرات الأميركية الى جانب القوات العسكرية الكورية الجنوبية واليابانية. فقادة الولايات المتحدة يعبّرون دائماً عن قلقهم من سرية انتهاج الصين تطوير أسلحة تقليدية متطورة تبدو أنها تستهدف الولايات المتحدة.
أما الرسالة الرابعة، فهي التلويح بالعصا في وجه كوريا الشمالية، بأن بكين التي دعمت بيونغ يانغ لعقود، والتي لم تجد مانعاً من موافقة واشنطن على عقوبات دولية ضد النظام الكوري الستاليني لمرتين متتاليتين، قد تنصاع لرغبة واشنطن في المسألة الكورية إذا حقّقت لها أميركا بعض مصالحها الاستراتيجية.
في المقابل، بدا أن الصين التي حذّرت من المناورات العسكرية الأميركية الكورية الجنوبية قبالة سواحلها الجنوبية، قد تعمّدت تجربة الطائرة الشبح «جاي ــ 20» خلال زيارة غيتس الى بكين، لتوجيه رسالة إلى واشنطن بأن سياسة التعاون لا تمنعها من الاستمرار في سباق التسلح وتعزيز قدراتها العسكرية، وخصوصاً بعدما باتت حاملات الطائرات الأميركية على مرمى حجر من سواحلها. وفي السياق نفسه، كانت دعوة المسؤولين الصينيين وزير الدفاع الأميركي، لزيارة موقع نووي عسكري، في منطقة موتيانيو، مانحة إيّاه لمحة نادرة عن التحكم بالأسلحة التي يمكن يوماً ما أن تطلق على الولايات المتحدة.
من الواضح أن المحادثات الأمنية بين الجانبين الأميركي والصيني، تركز بشدة على الدفاع الصاروخي والنووي، وكذلك الحرب الإلكترونية والعسكرية واستخدامات الفضاء. إذ يمتلك الطرفان صواريخ بإمكانها الوصول الى شواطئ الطرف الآخر.
وما لم ينطق به غيتس في بكين، فاضت به قريحته بعد يومين في طوكيو، إذ رأى خلال زيارة لليابان أن القدرات العسكرية الصينية المتطورة في الحرب الإلكترونية والأقمار الاصطناعية، يمكن أن تهدّد قدرة القوات الأميركية على العمل في المحيط الهادئ. وكرر غيتس تعبيره عن قلق واشنطن من تحديث جيش التحرير الشعبي الصيني الذي عرض قوّته بإجراء أول اختبار على مقاتلة شبح.
بيت القصيد، أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين لن تكون علاقة متينة كما توحي التصريحات الإيجابية من الجانبين، فتنافس المصالح والنفوذ ومصادر التوتر أكبر من أن تحلّها زيارات متبادلة سياسية أو عسكرية. فعمليات الرصد والمراقبة التي تقوم بها البحرية  الأميركية على السواحل الصينية، ومبيعات الأسلحة الى تايوان، وعرض قوات المارينز عضلاتها في منطقتي آسيا والمحيط الهادئ، كل ذلك يشير الى أن التعاون لن يكون سوى شهر عسل قصير الأجل.
الصين بين رؤيتين أميركيتين
يطرح روبرت كيغان، أحد منظّري المحافظين الجدد، في كتابه «عودة التاريخ ونهاية الأحلام»، فكرة إنشاء «رابطة للدول الديموقراطية» غايتها الدفاع والمحافظة على مصالح هذه الدول في وجه الصعود المتزايد «للديكتاتوريات الكبرى»، وبخاصة روسيا والصين. أما روبرت كابلان فقد توقع في «أتلانتيك مانثلي»، «حرباً أميركية ساخنة كبيرة مع الصين، أو سلسلة من المجابهات على نمط الحرب الباردة التي ستستمر عقوداً طويلة».
في المقابل، يقول الباحث لدى معهد «بروكينغز»، كين بولاك، إنه يجب على الولايات المتحدة دعوة الصين إلى الانخراط في قضايا الشرق الأوسط ـــ من إيران إلى العراق، إلى النزاع العربي الإسرائيلي»، واصفاً الصينيّين بأنهم «نجوم الروك بالنسبة إلى الشرق الأوسط»، وخاطب بولاك الساسة الأميركيّين، قائلاً «عليكم أن تسمحوا لهم (للصينيين) بالدخول، وعليكم أن تجعلوا منهم شريكنا».
الأخبار: السبت ٢٩ كانون الثاني ٢٠١١

25‏/1‏/2011

الثورة وأسئلة التغيير لبنانياً

معمر عطوي

تطرح الثورة التونسية المفاجئة العديد من الأسئلة على المواطن العربي بشأن إمكانيات تحويل قدراته العفوية إلى فعل تغيير، في ظل استمرار أنظمة استبدادية قمعية لا تتيح لشعوبها حرية الحركة في سبيل تحسين أوضاعهم الاجتماعية، على أقل تقدير. بيد أنّ المسألة اللبنانية تختلف في واقعها وظروفها وتركيبتها الدستورية عن باقي البلدان العربية، بما يطرح أسئلة استثنائية حول شروط إمكان فعل تغييري كبير في هذا البلد الصغير.
لعل أهم هذه الأسئلة، هو عن أهمية العفوية التي تميزت بها هذه الثورة غير المؤدلجة، التي انطلقت من حاجة اجتماعية ملحّة تفاقمت بفعل ضغوط سلطوية طالت الأمن والاقتصاد والتنمية والتعليم وكل نواحي الحياة التي تمس المواطن في لقمة عيشه وكينونته الإنسانية.
إذن، هي ثورة لم يسبقها بيان شيوعي ولا حلقات دعوية تطرح شعار «الإسلام هو الحل»، بل انطلقت من شرارة جسد، لخّص باحتراقه كلّ عناوين الأزمة الحاصلة، من محسوبيات وقمع واسئثار بالسلطة ونهب للخيرات القومية ومُصادرة للحريّات وتهجير للعقول الناشطة في مجالات المجتمع المدني والفكر السياسي الديموقراطي ورموز النضال.
هو جسد محمد البوعزيزي الذي احترق لينير طريقاً مظلماً منذ عقود، فأشعل بذلك جذوة ثورة لم تكن نتيجة إعداد خلايا سريّة مسلّحة ولا تتويجاً لتنظيم صفوف ضباط في الجيش أرادوا الانقلاب على النظام، ولا هي حصيلة أفكار عقائدية انتشرت في الجامعات لتصنع نواة حزب سياسي يعلن تسلم الحكم بعد اجتثاث كل رواسب الطغيان السابق.
ربما لهذه الأسباب، كان عنوان الثورة هو رغيف الخبز، وأدبياتها «إذا الشعب يوماً أراد الحياة». وربما لهذه الأسباب، لم يتغير الطقم السياسي الحاكم والنخبة العسكرية السابقة، مباشرة بعد هروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي إلى السعودية. كانت الثورة بداية تغيير قد تحتاج لشهور، وربما سنوات، حتى تتبلور معالم صورتها في الحكم، ونظمها الفكريّة، وعلاقاتها الدولية، ورهاناتها المستقبلية، لا سيما آلياتها في التعاطي مع الهمّ الشعبي وحاجات المواطن الأساسية.
لكن في أي حال، لا يمكن الحديث عن قطيعة بين منجزات الشعب التونسي الأخيرة وبين إرهاصات سبقت هذه الثورة. من هذه الإرهاصات ما جاء بفعل السلطة البائدة وممارساتها التي ألّبت الناس ضدها، ومنها ما هو حصيلة شحن وتثقيف متواصلين عبر عقود من الزمن لنخب سياسية، لا يمكن التقليل من شأن حركتها ونشاطها في التأثير في الواقع السائد.
لعل ما يميّز هذه الثورة، التي قد تُستنسخ في العديد من دول المنطقة فيما لو وعت الشعوب أهمية ترك الأيديولوجيا جانباً حين تُمس لقمة عيشها، هو البنية المجتمعية التونسية القائمة على هوية دينية واحدة بغالبيتها، ومذهب واحد. ولا يعني الحديث هنا عن هذه الهوية أنّ أحاديتها هي السبب في نجاح الثورة، بقدر ما يشير الواقع الى البنية الاجتماعية اللبنانية والعوائق المذهبية أمام التغيير.
يمكن الحديث عن تأثيرات ماركسية بالقدر نفسه الذي تتمتع به التيارات الإسلامية أو القومية في تونس، خصوصاً أنّ الشعب التونسي متميز بثقافته السياسية، التي كانت سبباً في إبعاد العديد من رموز التيارات السياسية، على تنوعها، الى خارج البلاد.
وبما أنّ الشعب التونسي، كما بيّنت التجارب السابقة، هو شعب مسالم مقارنة بالشعب الجزائري الجار، أتت حركته العفوية استجابة طبيعية ومشروعة لاستبداد طويل الأمد. استبداد ساهم في نفاد صبر المواطن البسيط، الذي لا يهمّه من التغيير سوى تحصيل حاجاته الأساسية والعمل، وفق أدبيات الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، الذي قال «عجبت لمن لا يجد في بيته قوت يومه كيف لا يخرج شاهراً سيفه». فالحديث عن تغيير جذري هنا، يبدأ من ترسيخ سياسة اقتصادية عادلة، وصولاً الى العمل وفق دستور ديموقراطي عصري لا يستبعد من تكويناته إلا الطغمة التي سرقت ونهبت وعاثت فساداً. تغيير لا يمكن القول إلا أنّه حصيلة العديد من التجارب النضالية المتراكمة التي اختصرها جسد شاب عاطل من العمل، شعر بمهانته فأراد الحياة على طريقة شاعر بلاده الكبير أبي القاسم الشابي، واستجاب القدر بسرعة.
أما في الواقع اللبناني الذي شهد في السبعينيات من القرن الماضي حركات مطلبية استجابت لظلم التفاوت الطبقي، ثم ما لبثت أن تحوّلت الى حرب طائفية تتعلق بمكاسب هذه الطائفة أو امتيازات تلك، فالأمر مختلف عما جرى في تونس، اختلافاً جذرياً.
لقد أسهمت الحرب اللبنانية في تأسيس طبقة ورثت بعض الإقطاع السياسي السابق، لتكوّن طوائف إقطاعية حديثة. كل طائفة تتسلّح بمصالح مجتمعها في ممارستها للسرقة، وتتذرع بفساد رموز الطائفة الأخرى حين تتعرض للسؤال «من أين لكم هذا؟».
تمادت هذه الطبقة في ممارسة وضع اليد على حقوق المواطن وثرواته، بمباركة ومشاركة من قوى خارجية لعبت دور الوصي الشرعي، مثل سوريا، أو قامت بالغزو العسكري، مثل إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة وبعض دول الغرب.
واختلط حابل التنمية الاقتصادية بنابل السياسة الدفاعية وكرامة الوطن. فنشأ التزاوج بين اقتصاد رفيق الحريري الذي يتغذى من توزيع الثروات والرشى على المحسوبين والأزلام، لتحقيق مشاريعه الخاصة، وبين طبقة سياسية متنفّعة ركبت موجة التحالف مع المقاومة وسوريا من أجل أن يطالها بعض حصص من هذه السرقات المُنظّمة، فباتت معادلة حماية المقاومة منوطة بالسكوت عن السرقات، التي سميت خطأً هدراً. هذه المعادلة، التي تورط فيها حزب الله بما هو فصيل بات وحده يمارس العمل المقاوم بعدما أُصيبت الفصائل الأخرى بأزمات مالية وأيديولوجية وبنيوية، بدا واضحاً أنّه سيدفع ثمن تداعياتها وحده. ذلك جراء ما نشهده من هجوم منظّم على وجوده وكيانه السياسي في لبنان وحضوره بما هو حالة استنهاض شعبية في المحيط العربي.
من هنا صار لزاماً على حزب الله، الذي لم يكن قبل عام 2004 مشاركاً في الحكومة، أن يتلقّى الانتقادات والاتهامات لتحالفه مع طغمة من رموز الفساد السابق، وتغطيتهم طائفياً. وبذلك أصبحت الجماعة المذهبية في المعسكرين، غطاءً شرعياً للفساد هنا أو للخيانة الوطنية هناك، ما أدى الى ظهور وضع جديد لا يمكن الحديث معه عن معسكر طهراني بالمطلق أو معسكر فاسد بالمطلق، بل عن معسكرين، واحد ضد المقاومة وآخر مع المقاومة. وغاب عن وعي القيمين على أمور المقاومة، وما تمثله من إنجازات تركزت أخيراً على الجانب الأمني والتقني، أنّ العمل المقاوم هو عمل تغييري، وبالتالي، قد لا يصح وجوده بمعزل عن عمل تغييري آخر يتعلق بتحسين شروط حياة المواطن وعدم السكوت عن السرقات والفساد حتى لو كان من جهة تدّعي مساندة المقاومة.
انطلاقاً من هذه الذهنية الحاكمة، شاركت المقاومة، ولو بنحو غير مباشر، في بلورة صيغة فائقة البشاعة، من أجل تعزيز معسكرها في الحياة السياسية اللبنانية. صيغة لم تتخذ من المقاومة سوى عنوان عسكري وأمني، فيما كلمة مقاومة تعني التصدي لكل ظلم سياسي واجتماعي واقتصادي وطبقي، حتى لو كان من ذوي القربى.
بهذا المعنى، تختلف الصيغة السياسية اللبنانية عن الصيغة التونسية، لوجود هذه الاعتبارات الطائفية التي تمنع السياسي السني من فضح فساد السياسي الشيعي والعكس بالعكس. وبهذا المعنى يسكت حزب الله، الذي يضع مقاومة اسرائيل في أولوياته، عن انتقاد قيادي من تيار حليف، رغم اعتراف هذا الأخير بالاتصال مع ضباط استخبارات العدو الاسرائيلي. كلّ هذه الازدواجية في التعاطي سببها الحد من استثارة النزعات الطائفية «حفاظاً على استقرار البلد».
وربط استقرار البلد بترك الأمور على وساختها، يجعل الصيغة اللبنانية، بالمعنى التونسي، صيغة متخلفة لا يمكن أن تتحول الى صورتها الطهرانية التي يرسمها لنا جهابذة السياسة من هذا المعسكر أو ذاك.
لهذا لا يمكن القول إنّ الشعب اللبناني يريد الحياة، ولا يمكن للقدر أن يستجيب لهذا الشعب، الذي يصرّ على النزول الى الشوارع هائجاً كالثور حين يتعلق الموضوع بالدفاع عن «قدسية» رجل دين هنا أو مسلسل تلفزيوني هناك يمس بهذه المجموعة البشرية أو تلك. وحين يخرج رجل الدين ليملي على هذه الغوغاء فتواه بأن «هذا الموقع السياسي يمثل الطائفة وكل من يهاجمه فإنّه يعتدي على الطائفة»، فتلك هي آخر درجات التخلف السياسي.
لعل الفرق بين لبنان وتونس هو أنّ في لبنان «رموزاً» تختصر هذه الطائفة وتلك، لا يمكن المساس بها، حتى لو سرقت وعاثت في البلاد فساداً، بينما في تونس ثمة جسد شاب احترق ليختصر تفاصيل الوطن.

22‏/12‏/2010

لاجئ يتقاسمه وطنان

معمر عطوي
ثمّة حالات استثنائية وسط هذا الجمع المُكتظ في مخيمات لبنان، تستحقّ أن تنحني لها احتراماً. محمود أحمد الأسعد، الذي غادرالحياة منذ أيام عن 23 عاماً هو واحد منها، فابن قرية مغار الخيط في محافظة صفد، كان يعيش في حي «الجالية» الفلسطينية في بلدة برالياس البقاعية. الأكثر إيلاماً من وضعه ـــــ مُقعد عاجز عن تحريك أي عضو في جسده ـــــ كان وضعه المواطني.
فوالدته اللبنانية لم تستطع منحه جنسيتها بسبب ظلم قانون بلادها، فغادرنا الشاب بحسرتين: العجز عن زيارة بيت جدّه لأمه في جنوب لبنان بدون تصريح، والعجز عن العودة إلى بلاد أبيه فلسطين. أمّا الإعاقة، فهزمها بالتفوق حتى كاد أن يحصل على دبلوم في إدارة الأعمال لولا المنيّة.
قصة تراجيدية طويلة عاشها هذا الفتى الذي وُلد في الكويت، حيث عمل والده بكد لتعليم أولاده الستة، إلا أن حرب الخليج الأولى واقتحام الجيش العراقي لهذه الإمارة النفطية، أوقعا الفلسطينيين ضحايا مرة أخرى. هكذا، هُجّروا بحجة مساندة زعيمهم الراحل ياسر عرفات للرئيس العراقي صدام حسين. هذا التهجير الذي أعادهم الى المربّع الثاني بعد مغار الخيط، أي البقاع اللبناني، ما كان ليوفّر مناخاً ملائماً لمعالجة مرض أصيب به الصبي الصغير، أضعف أعصابه لدرجة الشلل الكلي تدريجاً. فالعناية الصحيّة التي يقدّمها الهلال الأحمر الفلسطيني أو منظمة «الأونروا»، ليست كافية ولا تليق بمجتمعات الإنسانية المُتحضّرة. معاناة عايشها الطفل والمراهق والشاب تدريجاً حتى أصبح في وضع الشلل التام الذي يحتاج إلى من يحرّك له رأسه وجسده باستمرار. معاناة الإنسان الفلسطيني مع الرعاية الصحية لم ينج منها حتى الوالد الذي فارق الحياة بعد عذاب مضن مع أمراض الكلى التي لا يستطيع الفلسطيني معالجتها إلّا في صيدا.
لعلّ شجاعة محمود الذي فارق الحياة متألماً في مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني في بر الياس، تكمن في هذا الإصرار على خوض غمار العلم وتحقيق مقولة والده «إحنا الفلسطينيي ما إلنا غير العلم سلاح لنرجع على أرضنا. ما حدا سائل عنا»، وهو أمر اتبعته ابنة عمه «إقبال»، أصغر طالبة طب في العالم. محمود، الذي يتقاسمه وطنان، عاش مظلوماً في كلا الوطنين، ورحل حزيناً وسط أكوام من الأحلام لم يتح له وقت لرؤيتها تتحقق.

16‏/11‏/2010

«ألبا» في قبضة «السي آي إيه»!

منظمات أوروبيّة غير حكوميّة تساعد في حصار اليسار اللاتيني

لم تكن محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها جمهورية الإكوادور قبل شهرين، وليدة صدفة، أو مجرد فعل تمرد داخلي، بمعزل عن التدخل الخارجي، ذلك أن بصمات الولايات المتحدة، ومعها بعض الدول الأوروبية، واضحة في مخططات تغيير هوية بلدان أميركا اللاتينية اليسارية بمعظمها من خلال دعم انقلابات ومؤامرات لعزل رؤساء يقفون في مواجهة الهيمنة الإمبريالية على الحديقة الخلفية للبيت الأبيض. في شهر تموز من صيف العام الحالي، أفردت مجلة «غيهايم» الألمانية المتخصصة بالشؤون الأمنية، معظم صفحاتها للحديث عن التدخل الأميركي ـــ الأوروبي في أميركا الجنوبية والوسطى، مسلطّة الضوء على مؤامرات لتغيير هوية المنطقة



معمر عطوي

تناولت مجلة «غيهايم» الألمانية، في عددها الصادر في شهر تموز الماضي، محوراً يتحدث عن خطط قامت بها واشنطن، «بتواطؤ» أوروبي للقيام بانقلاب في فنزويلا، «لتغيير النظام» من خلال الانتخابات التشريعية التي أجريت في 26 أيلول الماضي.

ويبدو أن فوز حزب الرئيس الفنزويلي، هوغو تشافيز، قد فوّت الفرصة على المعارضين الموالين للغرب، ولم يحدث أي تدخل واضح في فنزويلا، بل حدث ذلك في الإكوادور، التي تدور بدورها في كنف الدول ذوي الصبغة اليسارية. فما جرى للرئيس الإكوادوري، رافائيل كوريا، شبيه إلى حد ما بما جرى لرفيقه الفنزويلي في عام 2002. ولعل انقلاب هندوراس، الذي أقيل بموجبه الرئيس مانويل زيلايا المعروف بـ«ميل»، في صيف العام الماضي، يدخل في سياق هذا المخطط. فالولايات المتحدة، حسبما ذكرت «غيهايم» لجأت إلى استغلال نفوذ منظمات مدنية غير حكومية تابعة لأحزاب أوروبية، لإحداث تغيير في المنطقة. وذكرت المجلة عدة منظمات مثل «كونراد أديناور»، التابعة للحزب المسيحي الديموقراطي الألماني، الحاكم، ومنظمة «فريدريش ناومان» التابعة للحزب الديموقراطي الحر، وهو حزب حليف في الائتلاف الحاكم في ألمانيا.

ومن شأن البرامج الاجتماعية والسياسية والتربوية التي تقوم بها هذه المنظمات وتدعمها، تسهيل دحر اليسار البوليفاري، في دول ما يسمى مجموعة دول البديل البوليفاري (ألبا) (تضم كلاً من فنزويلا، والإكوادور وبوليفيا وكوبا وهندوراس ونيكاراغوا ودومينيكا وأنتيجغا وباربودا وسانت فنسينت والغرينادينز في أميركا اللاتينية).

وبالعودة إلى ما حدث في الإكوادور، كان من الطبيعي أن يلقي كوريا بمسؤولية محاولة الانقلاب على سلفه في قصر الرئاسة، لوسيو غوتيريز. لكن ما كشفه الصحافي الكندي، جان غاي إيلارد، استناداً إلى تقرير وزير الدفاع خافيير بونس، في تشرين الأول 2008، يفيد بأن الدبلوماسيين الأميركيين منحوا الشرطة الإكوادورية والعسكر المال منذ وقت طويل، الأمر الذي دفع وزير الدفاع، إلى تهديد المسؤولين والضباط، بعقوبات إذا تقاضوا أموالاً من السفارة الأميركية.

«غيهايم»، أشارت إلى السفيرة الأميركية السابقة في كيتو، هيثر هودغيز، التي اعترفت بالتعاون مع المؤسسات العسكرية في الإكوادور بقولها: «نحن نعمل مع حكومة الإكوادور، مع الجيش، ومع الشرطة لغرض مهم جداً، هو الأمن لنا جميعاً».

لكن الصحافية التحقيقية، إيفا غولينغر، كشفت عن أن هودغيز تمكنت من إنماء منظمات تدعمها وزارة الخارجية الأميركية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والمؤسسة الوطنية للديموقراطية. وصرفت الوكالة الأميركية للتنمية وحدها في عام 2010 نحو 38 مليون دولار في أعمالها في الإكوادور. والتمويل لم يشمل فقط الجماعات المدنية المعادية لكوريا، بل أيضاً منظمات السكان الأصليين الهنود.

ويرى رئيس تحرير مجلة «غيهايم»، إنغو نيبل، أن «الأحداث التي جرت في الاكوادور تثبت مرة أخرى أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يزالون على استعداد لاستخدام الانقلاب كأداة سياسية». ويكشف نيبل دوراً لمؤسسة «كونراد أديناور» (KAS) ، ومؤسسة «فريدريش ناومان» (FNS) الليبرالية، في انقلاب الهندوراس، 2009.

ويرى أن المرشح المقبل على قائمة الاغتيالات هو نيكارغوا عضو «ألبا»، مشيراً إلى أن مسؤول «FNS»، كريستيان لوث، الذي أيد الانقلاب على زيلايا، لا يزال يصوّب الآن نحو الرئيس السانديني، دانيال أورتيغا (الجبهة الساندية).

وبدا من وراء الهجوم على نيكاراغوا، أن الهدف الاستراتيجي هو حكومة الثوار في كراكاس ثم هافانا، حسبما يقول نيبل في مقال بعنوان «أولاً فنزويلا وبعد ذلك كوبا».

وفي كتاب بعنوان «السي آي إيه في إسبانيا»، يُبين الباحث الشهير الفريدو غريمالدو، من مدريد، كيف «تدير المؤسسات الألمانية برامج في ستين بلداً، حيث صرفت نحو 150 مليون دولار أميركي». ويشير إلى «أنهم يعملون في سرية تامة تقريباً».

ويستشهد الكاتب الإسباني بقول لعميل سابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، يدعى فيليب أغي، نشره في صحيفة «زونا سيرو» في آذار عام 1987، يفيد بأنه من ضمن «برامج الديموقراطية» التي أعدتها الوكالة المركزية، استخدمت هذه الوكالة المؤسسات الألمانية لـ«توزيع أموال السي آي إيه»، على الرغم من أن هذه الوسيلة تفيد مصالح الولايات المتحدة.

وفي مقال بعنوان «ضد الروابط الكوبية»، كتب جين غاي إيلارد في مجلة «غيهايم»، أن «المؤسسة الألمانية جزء من «الحركة العالمية للديموقراطية»، التي أنشأتها «المؤسسة الوطنية للديموقراطية». وجرى تمويلها من الوكالة الأميركية للتنمية، التي تمثل الواجهة الرئيسية لوكالة الاستخبارات المركزية».

أمّا الكاتبة الألمانية الخبيرة بشؤون أميركا اللاتينية، سوزان غراتيوس، التي ابتُعِثت للبحث لمصلحة مؤسسة «فريدي» في إسبانيا مدة خمس سنوات، فوصفت في تقرير «متفجّر» بالتفصيل، كيف تدعم مرافق تابعة للولايات المتحدة إلى جانب «كونراد أديناور» و«فريدريش ايبرت»، منظمات المجتمع المدني في فنزويلا بالمال، وتأهيلها للكفاح ضد الحكومة. وتقول إن ما بين 40 و50 مليون دولار سنوياً، تتدفق الجمهورية البوليفارية.

السؤال الذي يطرحه محور النقاش في مجلة «غيهايم»، هو أن إرسال الولايات المتحدة لعشرين ألف جندي أميركي مدججين بالسلاح إلى هايتي، بذريعة إغاثة المنكوبين من الزلزال في كانون الثاني الماضي، هل يهدف إلى تطويق دول «ألبا»، بدءاً بكوبا، ولا سيما أن هايتي تقع على الساحل الغربي للجزيرة الشيوعية.







--------------------------------------------------------------------------------



الصحف الأميركيّة: معارضة لا انقلاب



الصحافة في أميركا اللاتينية الخاضعة لهيمنة الولايات المتحدة، قلّلت من شأن الأحداث في الإكوادور، حسبما لفت الصحافي الكندي جين غاي، ولم تشر إلى وقوع انقلاب، بل إلى معارضة داخلية بسبب مشروع قانون إعادة تنظيم القطاع العام التقشفي، الذي ينص على قطع عدد من مكتسبات الشرطة والجيش المالية ويطيل مدة الترقي الآلي من 4 إلى 7 سنوات. لكن الرئيس رفائيل كوريا يصرّ على أن «محاولة انقلاب حصلت»، حسبما نقلت عنه صحيفة «دياريو لاس. أميركا» التي تصدر في ميامي. الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، الذي ذاق طعم مرارة الانقلابات المدعومة أميركياً، اتهم الولايات المتحدة بالوقوف وراء التمرد، رافضاً القول إنها انتفاضة عفوية. فالرئيس اليساري السائر «أنتي أميركا»، كان حريصاً على الاتصال بنحو متواصل مع نظيره الإكوادوري خلال محنته. ففي مقابلة مع قناة «تيليسور»، أعلن قائد الثورة البوليفارية، أن كوريا في خطر، ملقياً بالمسؤولية على اليمين المتطرف.







الأخبار:١٦ تشرين الثاني ٢٠١٠ 

10‏/11‏/2010

إطلالة على إيران بلد المفارقات العجيبة


بدت طهران من نافذة الطائرة، في الساعة التاسعة ليلاً، متناسقة بهندسة شوارعها ومبانيها، مشعّة بأضوائها التي لا تنطفئ، مزدانة بنوافير مياهها العالية التي تحاكي جبالاً تحيط بالمدينة المكتظّة مثل أمّ حنون. هنا قد يصبح الحديث عن العقوبات الدولية ضرباً من الخيال لولا ملاحظة تأثر الشارع بلسعة الحصار وتداعيات الاضطرابات الداخلية التي لا تزال آثارها واضحة

طهران ــ معمر عطوي
حين تطأ أقدامك أرض مطار الإمام الخميني في طهران، تستقبلك الأزهار والنباتات الطبيعية والاصطناعية من كل جانب. منظر الخضرة هنا هو أحد أهم عناصر المشهد في وريثة الإمبراطورية الفارسية. منظر لا يشغلك عمّا تعيشه إيران من ضغوط وعقوبات ومحاولات دولية لعزلها بسبب برنامجها النووي الذي تصرّ على سلميّته، فيما يصرّ الغرب على ترسيخ هاجس عسكرته.
صورة الحصار الدولي سرعان ما تبدأ بالتراجع أمام حركة الأسواق والشوارع بالتوازي مع حراك سياسي دبلوماسي يُشعرك بمدى القطيعة مع ما يُحاك خارج الحدود من مؤامرات لزعزعة الدولة ـــــ الثورة. ثمة لامبالاة بكل ما يُفرض من عقوبات لليّ ذراع هذه الجمهورية التي تتسلّح بعقيدة دينية. ثمة كبرياء لدى القادة والشعب معاً أمام كل محاولات إجبار هذا البلد المثير للجدل على التخلي عن حقّه بامتلاك الطاقة النووية السلمية، «القطار الذي لن يتوقف». برنامج يبدأ بإيتاء ثماره خلال أشهر قليلة حين ينتج مفاعل بوشهر النووي (جنوب البلاد) نحو ألف ميغاواط من الطاقة الكهربائية.
مفارقات الخيال والواقع تبدأ بالتجلّي لحظة الوصول الى المطار، حيث بان ضعف التنسيق بين المؤسسات؛ موفد وزارة الثقافة الموكل باستقبال الوفد اللبناني المشارك في معرض وسائل الإعلام الدولي، لم يستطع تأمين استثناء للدخول من دون جلبة، فطال الانتظار على شبابيك الأمن العام، وتوسّعت دائرة تذمّر المشاركين. هنا لم تمنع جمالية المشهد الديكوري في صالات المطار، من ظهور الامتعاض على وجوه أعضاء الوفد اللبناني المدعو إلى المشاركة في المعرض الذي أُقيم في مصلّى الإمام الخميني بشمال العاصمة طهران. مشهد الامتعاض تكرّر أيضاً، أمام موظفي الفندق الفخم ومنسّقي إقامة «الضيوف» الآتين من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في المعرض. ضعف تنظيم لا يتلاءم بتاتاً مع «عظمة» بلد وصلت صواريخه الى الفضاء واقتحم لتوّه النادي النووي.
بيد أن حسن الضيافة والقلب الواسع في استيعاب نقد بعض التدابير وآليات التنظيم، يخفف من غلواء الامتعاض. لعلها سياسة طول النفس التي يتحلّى بها الإيرانيون في تعاطيهم مع الآخرين.
صحافيون من كل الطوائف والتوجهات، وسائل إعلام متعددة، وإن غلبت عليها شريحة تابعة لمحور «الممانعة». بعض الفتيات المرافقات، تحوّلن فجأة قبل هبوط الطائرة في المطار الى أخريات، إذ أرخين على رؤوسهن مناديل للتماهي مع النظام السائد.
ويمكن الزائر التمييز بين من ترتدي الحجاب عن قناعة عقائدية راسخة وبين من ترتديه استجابة لحالة اجتماعية ولما تقتضيه متطلبات النظام. ثمة شريحة تكسر لديك الصورة النمطية عن المجتمع المحافظ، من خلال أسلوب حياة يتماهى تماماً مع الصيحات الغربية. يبدو الحجاب في إيران لدى بعض الفتيات موضة أكثر منه تمسكاً بواجب ديني، فالتبرّج الظاهر على وجوه الفتيات وتلك الرقعة الصغيرة التي لا تكفي لتغطية كامل الشعر يشيان بواقع صعب ومعقّد لا يمكن سوقه بقوة «العقيدة».
أمّا الحديث عن جمال نساء إيران ومستوياتهن الثقافية، فقد لا تتسع له عجالة. وقد يصح القول: في هذا البلد، الذي تغطيه الغابات والحدائق، تتوافر بامتياز المياه والخضرة والوجه الحسن.
الناس رغم عدم إلمام الكثيرين باللغات الأجنبية، لطيفون ومتعاونون بما توافر من وسائل تخاطب وتواصل. يسارعون إلى إرشاد التائه أو العثور على كلمة مناسبة للتعبير، بكل ما أوتوا من قوة شرح.
أما سائقو سيارات الأجرة ـــــ على الأقل من رافقنا في تنقلاتنا ـــــ فلم يبدُ عليهم طمع بسائح دسم، بل كانوا يقبلون بمنطق المساومة في خفض الأجرة، من دون أي تذمّر. وللسائقين قصة أخرى مع البنزين، الذي أصبح متاحاً أكثر مع تطوير مصافي تكرير النفط؛ كانت إيران، البلد الرابع من حيث إنتاج النفط في العالم، تستورد منذ أسابيع قليلة أكثر من 40 في المئة من حاجاتها من البنزين المكرر. لكن في الأسابيع الأخيرة، يبدو أنها وصلت الى مرحلة قريبة من الاستغناء عن الاستيراد، حسبما يفيد أحد المقيمين في العاصمة الإيرانية.
«كأننا في دمشق»، هتف أحد الزملاء أثناء انتقالنا بالحافلة الى جامعة الإمام الصادق، سيارات الأجرة الصفراء، عبق المدينة، الأسواق المقفلة؛ مثل «الحميدية» الجبل المواجه يشبه «قاسيون». تشابه كبير بين المدينتين، ربما كان الأمر مجرد تخيّل بسبب طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين سوريا وإيران.
الشارع الإيراني مُسيّس بامتياز. فرغم كل الأحداث التي شهدتها البلاد إثر إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد، وما رافقها من تشكيك بالنتائج وتظاهرات ومواجهات تبعتها اعتقالات ومحاكمات، لا يزال بعض الإيرانيين يعبّرون عن امتعاضهم من سياسة الحكومة الحالية. صورة الامتعاض هذه بدأت من صالة الانتظار (ترانزيت) في مطار الدوحة، حيث كان أحد الإيرانيين المقيمين في الخارج واضحاً في انتقاد الرئيس نجاد وسياسته الاقتصادية التي «رفعت نسبة التضخم وزادت البطالة».
للحديث هذا صلة تتواصل في شوارع ومحال شمال طهران الغني حيث تتجمع البورجوازية الإيرانية المعروفة بتوجهاتها المعارضة، خلافاًً للجنوب الفقير الموالي بأكثريته الساحقة للنظام. هنا، في شمال العاصمة الإيرانية، لا يخشى العديد من المواطنين التعبير عن آرائهم بنجاد الذي «يعادي الغرب بخطابه الاستفزازي»، بينما يرى أحدهم أن الزعيم المعارض مير حسين موسوي لن يكون بخلاف نجاد في فرض نظام إسلامي محافظ على الناس و«مصادرة حريتهم باسم الدين». تقول إحدى السيدات «ما نفع التقييد سوى زيادة عدد مدمني المخدرات ليصل الى أكثر من مليوني مدمن»، تقاطعها رفيقتها لتقول «كل شيء موجود في إيران. المنع أصبح شيئاً مضحكاً في عصر الإنترنت». بيد أن أحد الشباب ينبري ليعبّر عن تعجّبه من اتهام إيران بالتخلف والتضييق على الحريات، مقارناً بين بلده والسعودية بالقول «لدينا سينما ومسرح وفنون وزواج منقطع وتطورات تقنية هائلة وصناعة رائدة، ماذا لديهم في دول الخليج سوى التمسك بالتقاليد البدوية وتقليد الغرب في آن؟». نظرة استعلائية فارسية لها جذورها التاريخية التي عززها تخلّف العرب عن ركب الحضارة في العصر الحديث، وزادت من حدّتها حرب شنها العراق على إيران، في عهد الرئيس صدام حسين بين عامي 1980- 1988.
الفوارق الطبقية تبدو واضحة، نسبياً، بين شمال طهران الراقي الحافل بحركة إعمار ومظاهر رفاهية وأسلوب حياة غربي ممزوج بروحية المعارضة للحكومة، وبين جنوب فقير محافظ يتماهى تماماً مع تعاليم ولاية الفقيه ويسلّم أموره الى الحكومة «المهدوية».
فوارق لا تمنع معظم سكان المدينة بضفتيها، الشمالية والجنوبية، من نسج علاقة عشق مع الشعب اللبناني، ولا سيما الجنوبي منه، حيث يبادرونك دائماً حين يعرفون أنك من لبنان بالقول «أنتم من بلد حزب الله»... «كيف حال السيد نصر الله؟». ثمة حماسة ظاهرة للزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإيراني الى بيروت، حيث لا تزال مدار أحاديث بين منتقد لتوزيع أموال النفط على اللبنانيين، وآخر مفتخر بدعم المقاومة و«الطبقة المحرومة» من الشيعة في لبنان.
يمتعض سائح أوروبي بشدة حين يقطع الشارع، وسط خطر الموت المحيط من جراء عدم توقف السيارات عند الإشارة الحمراء. يتساءل كيف يمكن دولة تنتج صواريخ باليستية وأقماراً اصطناعية أن تكون ضعيفة في مسألة تنظيم السير. يعلّق أحد المارة «ينبغي إنزال الحرس الثوري لتنظيم حركة السير بدل الشرطة المتقاعسة».
البضائع الأميركية والأوروبية متوافرة رغم الحصار، ولا قيود على بيعها. بيد أن أسعارها أغلى بقليل من دول الجوار. أمّا لوازم المعيشة فيبدو أنها لا تزال في حدود الممكن، فالثورة حققت بعض طموحاتها على طريق الاكتفاء الذاتي. لكن المثير في الأمر أن مطعم الفندق لم يقدم للوفود الإعلامية سوى شراب الكوكا كولا، يؤكد عامل المطعم أنه «لا وجود للبن ولا للعصير ضمن برنامج الضيافة». المفارقة أن الكولا هي رمز الشيطان الأكبر.
صورة الإرادة في تحقيق الاكتفاء الذاتي تتجلّى في العديد من القطاعات؛ معظم السيارات التي تسير في شوارع طهران هي من صنع إيراني، مثل «سورن» و«سمند» إضافة الى نماذج إيرانية من سيارات «بيجو» و«رينو» الفرنسية.
التقنيات الحديثة، ولا سيما على مستوى وسائل الاتصال، تظهر جليّة خلال جولة على مجمّع الإذاعة والتلفزيون في شمال طهران، حيث قنوات العالم والكوثر وإيران الرسمية والإذاعات الناطقة بالفارسية والعربية والكردية والطورانية والأذرية وغيرها.
ولبازار طهران حكاية أخرى لا تنتهي فصولها في أسطر. هنا يدرك الزائر أهمية البازار في تشكيل المشهد السياسي. تجار هذا السوق الضخم لديهم نفوذهم داخل الحوزة كما داخل أروقة الحكم.
في البازار تجد كل ما تشتهي نفسك من سلع ومأكولات وهدايا ومعدّات صناعية وأجهزة كهربائية وسجاد عجمي منسوج بعناية وكافيار فاخر وفستق وزعفران. قائمة لا تنتهي من السلع التي تؤكد أن البلاد تسير بعناد لتحقيق طموحاتها، رغم العقوبات والحصار.
مفارقات عجيبة في بلاد فارس، حيث الاحتفاظ بطقوس وتقاليد تبدو أحياناً كثيرة منافية للمنطق، وبين ظواهر تقدميّة تحاكي العصر الحديث بتقنياته المتطورة. وفي أي حال، تبقى رائحة النفط بعيدة عن عبق الشارع الذي يعيش لحظات انتظار ما بعد الحصار.



--------------------------------------------------------------------------------

قوميّات

لا يمكن الحديث عن شعب ذي لون واحد في إيران الذي يتخذ هوية فارسية ومذهباً شيعياً اثني عشرياً رسمياً للدولة يوجّه آفاق مستقبلها وحركتها السياسية والاجتماعية بتعاليم «مقدّسة». ثمة قوميات عديدة في إيران التي يتجاوز عدد سكانها 74 مليون نسمة. أعراق مختلفة معظمها من الفرس، إلى جانب الأكراد والتركمان والبلوش والأرمن والعرب وغيرهم.
أمّا دينياً، فرغم أن معظم السكان يتبعون للمذهب الشيعي الاثني عشري (89 في المئة)، وهو المذهب الرسمي للدولة، هناك نسبة من المسلمين السنّة، إلى جانب أقليات دينية أخرى، منها اليهود والمسيحيون والبهائيون والمندائيون والزرداشتيون. كما أن هذا البلد الذي تتجاوز مساحته مليوناً وستمئة ألف كيلومتر مربع، يحتضن أكثر من 110 لغات، أبرزها الفارسية والأذرية والكردية والعربية والبلوشية والعبرانية والأرمنية والمندائية والبختارية، وغيرها من اللغات غير المعروفة.



عدد الاربعاء ١٠ تشرين الثاني ٢٠١٠

13‏/10‏/2010

علاقة ملتبسة بين «العمال الكردستاني» وإسرائيل

معمر عطوي
العلاقة لا تزال ملتبسة بين حزب العمال الكردستاني وإسرائيل. التقارير الإعلامية والأمنية تحدثت كثيراً عن تنسيق ما بين فصائل قوات الدفاع الشعبي الكردستاني (الجناح العسكري للحزب) والاستخبارات الإسرائيلية، ولا سيما بعد توتر العلاقات بين إسرائيل وتركيا، لتؤكّد أن ثمة خيطاً يربط بين الجانبين، هدفه ليّ ذراع أنقرة.
فالحزب الكردستاني، الذي لا يزال في ساحة النضال من أجل تحصيل حقوقه الاجتماعية والثقافية والسياسية داخل الدولة التركية، اشتهر بعلاقته الوطيدة بالثورة الفلسطينية منذ كان يمتلك معسكرات تدريب في البقاع اللبناني.
واللافت أن قائد الحزب عبد الله أوجلان، المعتقل في تركيا منذ عام 1999 جرّاء عملية خطف تورط فيها الموساد الإسرائيلي، كان يشارك إلى جانب المنظمات الفلسطينية في المعارك ضد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.
وفي مقابلة أجرتها «الأخبار» مع القائد العام السابق للجناح العسكري لحزب العمال الكردسـتاني، باهـوز أردال، نُشرت في 10 تشرين الثاني 2007، أكد الأخير في ردّ على سؤال عن صحة ما يشاع عن علاقة بين الحزب وإسرائيل، أنه «ليست لنا أي علاقات مع إسرائيل». وقال «لم ولن ننسى مساندة الشعبين اللبناني والفلسطيني لنا في بدايات نضالنا. وما زلنا في خندقٍ نضالي واحد مع هذين الشعبين».
السؤال نفسه وجّهته «الأخبار» إلى مسؤول المكتب الإعلامي لقوات الدفاع الشعبي، دوزدار حمو، في 3 آب الماضي، وخصوصاً بعد تزامن عملية لواء الإسكندرون التي نفذها عناصر من الحزب مع حادثة اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لسفينة «مافي مرمرة» التركية. بيد أن المسؤول الكردي أصرّ على أن عملية الإسكندرون كانت «صدفة بكل معنى الكلمة، ونحن لسنا بحاجة إلى أن نطلب الغطاء من إسرائيل ولا من أي دولة أخرى عندما نقرر القيام بأي بعملية عسكرية».
لكنّ القشة التي قصمت ظهر البعير تمثّلت في المقابلة التي أجرتها القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، الشهر الماضي، مع رئيس اللجنة التنفيذية لمنظومة المجتمع الكردستاني، مراد قره يلان. مقابلة أكد مسؤولو الحزب حصولها، لكنهم تحدّثوا عن تشويه مضمونها في الإعلام التركي.
فالمشكلة لم تعد في لقاء ـــــ غير مسبوق ـــــ مع إسرائيليين، بل في ما نُقل عن لسان قره يلان، من وصف لتركيا بـ«العدو المشترك لإسرائيل والأكراد».
المسؤول الإعلامي لم يلجأ إلى تبرير قبول الحزب بهذه المقابلة، بل تحدّث لـ«الأخبار» عن أن «الإعلام التركي حرّف اللقاء بهدف جذب تعاطف العالم العربي إلى بلاده».
ونقل حمو عن قره يلان قوله إن «وسائل الإعلام التركية تشن حرباً خاصة على الشعب الكردي وتنتهك أصول العمل الإعلامي وأخلاقياته، وهي بتسويقها للأكاذيب تعمل لمصلحة الأطراف المراهنة على الحرب والعمليات العسكرية، والرافضة لحل القضية الكردية حلاً سلمياً وديموقراطياً عادلاًً».
لعلّ قره يلان أراد التغطية على موضوع المقابلة بالحديث عمّا أثاره مع الصحافي الإسرائيلي، ايتالي انغهل، من أن الحكومة الإسرائيلية تواصل بيع الأسلحة الحديثة ذات التقنية العالية للدولة التركية التي تستخدمها بدورها ضد المقاتلين الكرد، مطالباً إسرائيل بأن تتوقف عن بيع مثل هذه الأسلحة لتركيا.
هذا التطور في سياسة حزب العمال الكردستاني، الذي طالما نفى وجود أي علاقات له مع الدولة العبرية، قد يبيّن وجود تيارات داخل تشكيلات الحزب المتعددة بخصوص العلاقة مع إسرائيل للَيّ ذراع الأتراك في هذه المرحلة، وخصوصاً بعد تسرّب أنباء عن حصول خلافات بين قره يلان وعضو اللجنة العسكرية لقوات الدفاع الشعبي، باهوز أردال.
الأمر الآخر في تطورات القضية الكردية يتعلق بما أُثير في بعض وسائل الإعلام عن طلب أوجلان من عناصر الحزب عدم استفزاز عناصر الجيش التركي. وهذا ما ينفيه حمو، قائلاً إن «الإعلام التركي يعمل وفق تعليمات وتوجيهات مؤسسة الحرب الخاصة التركية، بما يتوافق مع مصالح الدولة العميقة».



عدد الاربعاء ١٣ تشرين الأول ٢٠١٠ |

19‏/8‏/2010

لبنان: مسارات ساخنة في قضية مقتل الحريري

ما هي خلفيّة اتهام حزب الله، أو عناصر منه، باغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ وما هي التداعيات والنتائج المحتملة لاتّهام كهذا؟ سؤالان أساسيّان يحاول الدكتور شتيفان روزيني الإجابة عنهما في هذا التقرير الصادر عن معهد «غيغا» للدراسات الشرق أوسطية في مدينة هامبورغ الألمانية. المعهد الذي يهتمّ ببحوث حول الإسلام السياسي من خلال توظيف فرق بحثية متخصصة في «الدين: الصراع والسياسة»، يشكل حزب اللّه موضوعاً رئيسياً في أبحاثه. والجدير بالذكر أنّ المعهد الذي تأسس في 1964 وأعيدت هيكلته في 2006، يعدّ من أكبر معاهد البحث الألمانية، ومن أضخم المعاهد الأوروبية المهتمة بالأبحاث في المنطقة والدراسات المقارنة.

إعداد وترجمة: معمر عطوي

شتيفان روزيني*

في 23 تموز 2010، ذكر الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أنّ المحكمة الخاصة بلبنان (أس تي ال)، في لاهاي، ستتّهم خلال وقت قصير أعضاءً في حزبه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (في شباط 2005). وقد أكد له سعد الحريري، نجل الضحية البارزة ورئيس مجلس الوزراء الحالي، أنّ «أعضاءً غير منضبطين» فقط سيتحمّلون المسؤولية، لا الحزب.

تحليل

- سيمثّل هذا الاتهام، من جانب المحكمة، التي تكوّنت عام 2007 بناءً على قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قضية سياسية من الدرجة الأولى، كما سيمثل خطراً على «حكومة الوحدة الوطنية»، التي تكوّنت بمشاركة حزب الله بعد جهود مضنية وسنوات من الحصار اللبناني الداخلي. ومن المحتمل كذلك أن يسهم الاتهام في تسخين النزاع بين الشيعة والسنّة، بحيث يفيض خارج حدود لبنان.
- جرى التخمين سابقاً في لبنان بشأن مشاركة حزب الله في الاغتيال باعتباره حليفاً لسوريا، في هذا الوقت كان النظام السوري ذاته متّهماً بالاغتيال، وهو ما أدى إلى عزله سياسياً لسنوات.
- تتناقض مشاركة حزب الله (الشيعي) في الاغتيال مع صورته العملية السابقة، ومع أجندته السياسية، التي تعمل على تجاوز الخنادق الطائفية بين السنّة والشيعة. تنفيذ العملية يبدو مناسباً أكثر لقتلة جهاديين سنّة، الذين لديهم العديد من الدوافع لاغتيال الحريري.

 من شأن اتهامات خاطئة جديدة، مثل التي ساقتها لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة (لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة)؛ التي تحدثت في البداية عن «المسار السوري» وتوقفت الآن، أن تضع صدقية المحكمة الخاصة بلبنان موضع تساؤل وباطّراد.
- يريد ساسة المنطقة أن يمنعوا العنف الطائفي من العودة مرةً أخرى، ولهذا الغرض فقد سافر الملك السعودي عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد معاً إلى بيروت نهاية تموز لإظهار نيّتهم نزع فتيل التوتر.

سوريا وقضية اغتيال الحريري تستقطبان السياسة اللبنانية الداخلية

بعد مرور عشرين عاماً على انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، أُزيلت الخسائر الظاهرية، إلّا أن المجتمع اللبناني لا يزال موسوماً بقدر عال من العنف وبشكل ملحوظ. وأنتج الوضع الأمني غير المستقر على الحدود: ثلاث حروب مع إسرائيل (1993 و1996 2006)، صراعات طائفية داخلية، صدامات بين القوى الأمنية وجهاديين، ونحو 100 اعتداء سياسي منذ عام 1990، مناخاً متوتراً على الدوام.
ما زالت الهويات الطائفية ـــــ مثلما كانت عليه الحال في السابق ـــــ تؤدّي دوراً أساسياً في توزيع السلطة وتوزيع الموارد، وفي بناء التحالفات الداخلية والخارجية. هناك على الأخص احتمال نشوب صراع إذا ما تقاطعت النزاعات الداخلية مع السياسات الإقليمية، وبالتوازي مع المكونات الطائفية.
نشأ تكتل كهذا إثر مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ووقعت عملية الاغتيال في مرحلة استقطاب حاد بالسياسة الخارجية الأميركية. فبعد هجمات 11 ايلول 2001، ربطت الإدارة الأميركية السابقة كل أنواع سلوك الممانعة في الشرق الأوسط في سياق واحد مع الإرهاب. وعندما وجدت لحظات شك وحتى ـــــ كما ظهر لاحقاً ـــــ شهود «زور» أشاروا إلى مسؤولية سوريا والمتعاونين معها في الجهاز الأمني اللبناني، جرى التوافق على اعتبار هذا البلد «دولة مارقة»، كما عُزل سياسياً. وبناءً على استنابة قضائية من المحقق الدولي ديتليف ميليس، اعتُقل رؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية. وبسبب الضغوط اللبنانية والدولية المكثفة عليها، انسحبت القوات السورية من لبنان بحلول 26 نيسان 2005.
كان الاحتلال السوري للبنان مكروهاً من كل الطوائف اللبنانية. ويعود السبب في ذلك إلى عجرفة الجهاز الأمني السوري وسيطرته القاسية، وكذلك إلى انتشار الفساد على نطاق واسع بين صفوفه. وإضافةً إلى ذلك فقد بدأت عمالة سورية كثيفة تتوافد على لبنان، والتي ـــــ دون دفع ضرائب ولا مساهمات في الضمان الاجتماعي ـــــ أسهمت في إعادة إعمار لبنان، إلا أنها ضغطت على أجور العمال اللبنانيين. جنت النخبة الاقتصادية اللبنانية الأرباح من طفرة البناء ومن السياسات الليبرالية الجديدة للحريري، واستثمرت هذه الوضعية لترتيب علاقاتها مع سلطة النظام السوري. وجاء اغتيال الحريري ليضع البلد في أوج اغتراب زاحف. فالتدخل المتعاظم في السياسة الداخلية اللبنانية خلق استياءً متزايداً. وأكد أتباع الحريري، بعد ساعات قليلة من مقتله، أن سوريا تختبئ خلف الجريمة. فقط الأحزاب الشيعية أمل وحزب الله، إضافةً إلى صف من الأحزاب الصغيرة الموالية لسوريا، أيدوا سوريا، وخصوصاً لأن الوجود السوري في لبنان يسّر تسليم الأسلحة لـ«المقاومة»، مثلما وفّر قدراً من الحماية أمام اجتياح إسرائيلي جديد. وأعطتهم التظاهرة الضخمة في 8 آذار 2005 تحت عنوان «شكراً سوريا» اسمهم «حركة الثامن من آذار».
احتشد الجانب الآخر، في 14 اذار 2005، في أكبر تظاهرة عرفها لبنان، وطالب بانسحاب فوري للقوات السورية من لبنان. كانت حركة 14 آذار في تشكيلها غير متجانسة بحق. حيث انضوت وقتها في هذه الحركة أحزاب مسيحية ناهضت وقتاً طويلاً الاحتلال السوري، إضافةً إلى أطراف ربطتها علاقة وطيدة بالسوريين، مثل حركة المستقبل السنية العلمانية التابعة للحريري، أو الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
ولاحقاً انفضّ منها التيار الوطني الحر التابع للجنرال السابق المسيحي ميشال عون، الذي كان يقف ضد الوجود السوري، ليعقد تحالفاً مع حزب الله في 6 شباط 2006. وبناءً على ذلك فقد كان التصنيف الرائج في الإعلام الغربي بين أتباع سوريا ومناهضيها مضلِّلاً. الأكثر من ذلك أن تبايناً سنياً ـــــ شيعياً قد تجلى في الكتلتين، بحيث انضمت إليه أحزاب طائفية أخرى. عزا معظم السنّة في البلاد الذنب في مقتل «شهيدهم» رفيق الحريري إلى الحكم المهيمن عليه علويّاً في دمشق، وفي السر أيضاً إلى حزب الله الشيعي. وساعد الشعور المشترك بالتهديد في تحول المجتمع المتشظّي إلى وحدة جديدة، واشتكت الأحزاب الشيعية من تدخل سياسي غربي يخدم إسرائيل في الحقيقة ـــــ حسب اعتقادهم ـــــ. نشط الدرزي جنبلاط باعتباره «بيضة القبان" أو «رمانة الميزان»، وبحيث يضع مجموعته الصغيرة في وضع يمكّنهم من إحداث أكبر تأثير ممكن. توزع المسيحيون على المعسكرين. وتباينوا أساساً على خلفية رؤيتهم للخوف: مسيحيو 14 آذار لديهم الخوف من أيرنة (شيعية)، وتيار عون يتخوف من سعودة لبنان (الوهابية).

لا نهاية للعنف في لبنان

كانت التفجيرات والاغتيالات السياسية حاضرة بالفعل قبل اغتيال الحريري بطريقة أكثر تواتراً، واستمرت أيضاً بعد انسحاب القوات السورية. صوّبت الاغتيالات السياسية على سياسيين وصحافيين وأعضاء في قوى الأمن وزعماء الميليشيات. مات معظم هؤلاء من طريق زرع عبوات ناسفة في سياراتهم. ومات العديد من الناس وأصيب آخرون من جراء وضع عبوات ناسفة في الأماكن العامة، على الأغلب في المناطق المأهولة مسيحياً. استقطبت هذه الهجمات السياسة الداخلية اللبنانية وأقعدتها. واندلعت التوترات الطائفية بين السنة والشيعة بقوة، إلى درجة أعادت المخاوف من اندلاع حرب أهلية.
اتهمت حركة 14 آذار وكذلك بعض وسائل الإعلام الغربية، سوريا غالباً بتدبير الاعتداءات الجديدة، لأن الاستخبارات السورية عملت على زعزعة استقرار لبنان، بغية الإعداد لعودة الجيش السوري كسلطة حاكمة إلى لبنان، أو من أجل الانتقام من جحود اللبنانيين.
وعلى النقيض من ذلك تبين أن الهجمات لم تتوجه حصراً إلى معارضي سوريا، فبعض الضحايا صنفوا باعتبارهم معتدلين، أو بناة جسور محتملين بين الفرقاء. أضرّت الانفجارات المتعمدة التي حصلت في المنطقة المسيحية بصورة ميشال عون، الذي انتمى إلى المعسكر «المؤيد لسوريا». وبالعكس من ذلك لم يهاجَم مناهضو سوريا المتشددون أمثال سمير جعجع ووليد جنبلاط.
أحيلت على لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، قضايا مختارة، دعمت فرضية ارتكاب سوريا لها. ولم تتضمن التحقيقات الاعتداءات التي نُفّذت بذات الطريقة، والتي استهدفت القوى «المؤيدة لسوريا».
لم تُحَل عملية اغتيال سمير شحادة في 9 أيار 2006، على لجنة التحقيق الدولية ـــــ كما هو ظاهر ـــــ على الرغم من أنه حقّق في قضية اغتيال الحريري، وطبقاً لذلك يمكن اعتبار وجود رابط مشترك. على كل حال كان سمير شحادة يحقق في اتجاه المجموعات القريبة من تنظيم القاعدة.
حتى الآن لم تتوافر دلائل على تورط سوريا. بدلاً من ذلك، جرى الاشتباه في بعض الهجمات، من ضمنها عملية شحادة، في جهاديين سنّة. بيد أن حركة 14 آذار جدّدت اتهام سوريا بالاختباء خلف هذه المجموعة. إلا أن نظرتهم المتعصبة في فهم الإسلام، ورؤيتهم «للعلويّين والشيعة كمرتدّين في الإيمان»، والعمليات الإرهابية التي قامت بها الشبكات الجهادية ذاتها في سوريا، تظهر أن مسألة إدارة الاستخبارات السورية لها هي مسألة موضع شك.
وبدلاً من ذلك تزايدت المؤشرات، على أن حركة المستقبل السنية التابعة للحريري، قد ساعدت وموّلت إخوانها في العقيدة الراديكاليين بغرض تأسيس ثقل موازن للشيعة.
في تموز 2005 كرس سعد الحريري ورئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة، جهدهما لإطلاق 29 أصولياً سنياً، اعتقلوا بسبب أعمال عنف (الشرق الأوسط 19 تموز 2005).
وطبقاً للصحافي الأميركي البارز، سيمور هيرش، فقد دعمت السعودية والولايات المتحدة السنّة الجهاديين الراديكاليين، لتقليص نفوذ إيران (الشيعية) في المنطقة. ودُعمت عصبة الأنصار، المجموعة السنية الجهادية الأكبر في لبنان، التي تورطت في العديد من الهجمات، بالأسلحة من جانب تيار الحريري مثلما قيل.
على أي حال، تحرر الجهاديون على نحو متزايد، من سيطرة مموّليهم. وسقط في المعارك التي دارت بين فتح الاسلام، التي دعت الى الجهاد لتحرير فلسطين في أحد مخيمات الفلسطينيين بطرابلس في شمالي لبنان، وبين الجيش اللبناني صيف 2007، قتلى من بينهم 179 جندياً و50 مدنياً و226 جهادياً.
من يومها، تبدل التعامل مع هذه المجموعات، إذ نشطت قوى الامن الداخلي القريبة من معسكر الحريري واستخبارات الجيش ـــــ التي نشطت ضدهم في السابق ـــــ في وجه الجهاديين. وأدّى ذلك إلى اعتقال العديدين منهم وفكّ لغز بعض الهجمات.
منذ بداية عام 2006، وعلى الأخص عام 2009، اعتُقل عشرات عملاء وكالة استخبارات الموساد، التي قيل إنها نفذت أعمالاً إجرامية ضد قادة فلسطينيّين ومن حزب الله.
ظهرت أوجه شبه تقنية بين بعض هذه الاعتداءات واعتداءات أخرى لاحقة. وعُثر على كميات كبيرة من المواد الناسفة، لدى الموقوفين، ومن بينهم من يحملون رتباً عليا في الأجهزة الأمنية اللبنانية.
في 18 شباط 2010 حكمت محكمة عسكرية على محمود رافع، العنصر المتقاعد في قوى الأمن الداخلي، بالإعدام، ووجدته المحكمة مذنباً في جرائم عديدة متعلقة باغتيال قادة فلسطينيين ومن حزب الله.
شريك رافع في الجريمة، حسين خطاب، اختفى في اللحظة المناسبة. وأشارت آثاره المريبة إلى شبكات الجهاديين، إذ إن شقيقه، الشيخ جمال خطاب، الداعية الراديكالي في مخيم عين الحلوة الفلسطيني، فقد قيل إنه يعدّ المقاتلين للجهاد في العراق. إضافةً إلى ذلك، كان له اتصال ضيق مع أبي عبيدة، الذي تربطه علاقة مفترضة بأبي عدس، المتهم بقتل الحريري.
وأسهمت الاعتقالات في صفوف الجهاديين وعملاء الموساد المحتملين معاً واتفاق الدوحة (21-5-2008) في تليين الجبهات السياسية الداخلية. بحث سعد الحريري رئيس حكومة الوحدة الوطنية منذ 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، عن تسوية مع حركة 8 آذار. وتحول وليد جنبلاط تماماً إلى معسكر «المقاومة»، واعتذر عن تأكيداته السابقة؛ بأن حزب الله يختبئ خلف الاعتداءات. وتزامن انتهاء الاستقطاب السياسي الداخلي مع التقارب مجدداً مع سوريا، فقد كانت العلاقة بين البلدين منذ اغتيال الحريري صعبة جداً.
هل يلائم اغتيال الحريري صورة حزب اللّه؟
في هذا الظرف، ستتهم محكمة الحريري على الأرجح أعضاءً في حزب الله. وتلقي نوعية الهجوم وطريقته، وكذلك الدوافع المحتملة، مجموعة من الشكوك في هذا المسار «الجديد». بعد حادثة اغتيال الحريري مباشرة، أُعدّ فيديو تحدّث فيه أحمد أبو عدس باسم خلية جهادية غريبة، وأعلن مسؤوليّته عن قتل الحريري. لكن كان هناك شكوك متعلقة بهذة الفرضية. كما كان هناك زهير محمد الصدّيق، الذي تقدّم الى لجنة التحقيق كعميل سابق في الاستخبارات السورية، أكد أنه شاهد العربة التي استُخدمت في الاعتداء في سوريا، وهي تحمّل بالمواد المتفجرة. كما أكد أن السوريين أجبروا أبو عدس تحت التهديد على تسجيل فيديو الاعتراف، وقتلوه في النهاية. لكنّ الصدّيق غيّر أقواله لاحقاً. الموقوف فيصل أكبر وهو شريك أبو عدس، سرد بإسهاب خطة الهجوم، التي كلفت نحو 50 ألف دولار أميركي، ثم سحب اعترافه لاحقاً هو الآخر.
وبسبب مثالية الخطة المفترضة الكاملة للاعتداء، فقد ذهب مراقبون إلى أن اعتداءً كهذا لا يمكن تنفيذه إلا من طريق منظمة حكومية ذات خبرة أو منظمة شبه حكومية، مثل حزب الله. لكن هل يمكن أن يكون خلف ذلك محاولة لتشويه العمل؟ وليس إخفاءً مبتذلاً للخطة؟ هل يمكن ألا يكون هذا الاعتداء «الناجح» والخطير مجرد سلسلة من المصادفات؟
لماذا استخدم الجناة المفترضون هواتف نقالة في اتصالاتهم؟ كان معروفاً في بيروت، بأن بأس موكب الحريري في ما يتعلق بالحماية، كان قادراً على تأمين الحماية من القنابل التي تفجَّر عن بعد، وذلك عبر تعطيل كل أجهزة الهواتف النقالة دوريّاً. لماذا استطاعت أجهزة الاتصال الخلوي أن تعمل بالرغم من ذلك في هذا اليوم المثير للجدل، وفي موقع الهجوم؟
استخدم الجناة سيارة نقل بمقود أيمن، لنقل العبوة الى المكان المستهدف. هذا النوع من المركبات غير معتاد بالمرة في لبنان، وكان ينبغي أن يلفت الأنظار. أيضاً هناك من الصعوبة بمكان قيادة هذه المركبات «اليمينية». وأخيراً لم تكن هناك ميزة من استخدام انتحاري. هذا الشكل من الاعتداء يكون له معنى إذا وُضعت العبوة المحتملة بالقرب من الهدف كلما أمكن، فإذا كانت الحال كذلك واقتربت الضحية ـــــ مثل موكب الحريري ـــــ من القنبلة يكفي ساعتئذ أن تفجَّر القنبلة عن بعد، لأن مدة ردّ الفعل الإنساني للانتحاري تمثّل عنصراً من عدم اليقين يمكن تجنبه.
ضخامة القنبلة، وتصرف الجناة بهذه الطريقة من عدم الاحترافية والاختيار غير الضروري لانتحاري حتى يقوم بالعملية، كلها أمور تقول بعدم ضلوع حزب الله في العملية، ذلك الحزب المعروف بدقة تقنياته وأعماله التي يجري التفكير فيها بصورة استراتيجية. ألحق الحزب خسائر جسيمة بالقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان حتى نهاية احتلالها عام 2000 عبر زرع العبوات الناسفة على جوانب الطرقات. غير ان طرق الاعتداءات الانتحارية في شوارع مكتظة بالسكان وفي قلب بيروت، حيث من المتوقع أن يقتل مدنيين كثيرين، أمر لا يتناسب مع طريقته في العمل. توجهت كل عملياته الانتحارية في لبنان حصراً إلى أهداف عسكرية، ولكن الانتحاري كان ضرورياً فيها ليكون قريباً من الهدف. ينضوي حزب الله كمنظمة شيعية، تحت ولاية الفقيه، بقيادة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي. يعدّ قتل عشرات الأشخاص غير المشاركين، والمغامرة غير الضرورية عسكرياً بإشراك انتحاريين، واحتمال إطاحة النظام اللبناني السياسي، كلها أمور غير واردة لدى مواقع خامنئي. أمّا الجهاديون السنّة، فيجيزون القتل لـ«المرتدين»، وتسوّغ هذا الحكمَ فتاوى ابن تيمية في القرون الوسطى، قتل غير المشاركين في المواقع العسكرية في الظروف الضرورية، ولا يمثّل ذلك عائقاً لهم.
أيّ سبب يدفع حزب الله إلى قتل الحريري؟
اختيار المنطقة وسط غرب بيروت، حيث الضغط الهائل للانفجار، وأعداد المدنيين الكثيرة الذين يتوقع موتهم عبر عملية انتحارية، أمر باد للعيان. مع ذلك قد يكون من المحتمل، أن الهدف ليس فقط استهدافاً سياسياً مزعجاً، بل قد يكون هز النظام السياسي بكامله، وهو ما حدث في النهاية. مارس حزب الله القريب من حكومته وقتذاك انتقادات لسياسة رفيق الحريري، لكن هذا الانتقاد اكتسب طابعاً تكتيكياً ولم يوفر سبباً لهكذا نوع من الاعتداءات. بدأ الحريري، الذي كان من قبل حليفاً مقرباً من سوريا، بالابتعاد منذ منتصف عام 2004 عن بشار الأسد، وخطط علناً لإنشاء تحالف معاد لسوريا ليخوض به الانتخابات البرلمانية القريبة. وفي حال نجاحه بالفوز في الانتخابات، وبسبب نظام المحاصصة الطائفيّة، لم يكن بوسعه تجاهل أكبر حزب شيعي، أي حزب الله، ولذلك فقد كان متوقعاً أن يضم الحزب إلى حكومته، كما فعل تيار المستقبل لاحقاً بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية عام 2005.
كانت مطالب المعارضة التي قادها الحريري بالانسحاب السوري من لبنان مزعجة لحزب الله، لكنها لم تكن كارثة. أسس الوجود السوري في لبنان حماية بقدر معين للحزب؛ ولم تكن الحرب الاسرائيلية عام 2006 ممكنة في حال وجود القوات السورية على الجبهة. وبالرغم من ذلك، فقد استطاع حزب الله بطريقة مدهشة إثبات قدرته على مواجهة التفوق الإسرائيلي، بل وعدّ نفسه منتصراً في الحرب، لأن اسرائيل لم تحقق أياً من أهدافها العسكرية. وبالعكس فقد كان من الممكن أن يحدّ الوجود السوري في لبنان من حرية حركة حزب الله. لعله جرى في حسابات قيادة الحزب أن سوريا تستخدم الحزب لتقايض به على الجولان. كما أنه في حال حدوث اتفاق سوري ـــــ اسرائيلي فعلى الأرجح سيُنزع سلاح حزب الله بالقوة.
لم يكن بوسع الشيعي نصر الله ولا السني الحريري، نظراً إلى الطائفية السياسية المتجذرة في بنى لبنان، أن يكونا متنافسين، ذلك أنه لا يمكن أن يقوم أيهما بعمل سياسي نيابةً عن المجموعة الأخرى. كان عليهما ان يلتقيا دوريّاً منذ منتصف عام 2004 في جو من الصداقة وكمواطنين لبنانيين يحظون بالاحترام.
الثابت أن كلا الحليفين المتعايشين أقاما علاقة مصلحة متبادلة: الحريري دافع عن «المقاومة الإسلامية» التابعة لحزب الله في المحافل الدولية، لدفع تهمة الارهاب عنها. وبالمقابل فقد منع نصر الله حزبه ومؤسساته الخيرية الاجتماعية، من القيام بانتفاضة مطلبية، رغم أنّ الشيعة عانوا من السياسية الاقتصادية ذات الطابع النيوليبرالي التي اعتمدها رفيق الحريري. وإضافةً إلى ذلك فلم تحقق التداعيات السياسية للاغتيال أياً من أهداف حزب الله. تزايد الضغط على سوريا لسحب قواتها من لبنان، وهو ما تكلل بالنجاح في النهاية. وكذلك أجبر قادة الأجهزة الامنية، الذين كانوا على علاقة ايجابية مع حزب الله، على الاستقالة وجرى اعتقالهم. كما زاد الانتقاد لكل القوى الحليفة لسوريا بعد كل عملية اغتيال لأحد معارضيها.
أصبح لحزب الله وظيفة حاسمة في إطار سياسة التقارب السني ـــــ الشيعي كرأس جسر في العالم العربي السني. طبقاً لرؤية الحزب بأن «الغرب» واسرائيل يستخدمون التناقضات بين السنّة والشيعة في الشرق الأوسط لتقسيم العالم الإسلامي، ومن ثم السيطرة على المنطقة. وإذا قتل حزب الله الحريري الزعيم السني، فسيبدد صدقيته تماماً. استفحلت الضغائن ضد الشيعة من خلال الاعتداء بقوة، وفقد حزب الله تصاعدياً تعاطف غير الشيعة.

دافع محتمل للجهاديّين

العبوة الضخمة التي استخدمت لقتل الحريري، هي أقرب إلى فاعلين من الجهاديين السنّة، الذين تتميز عملياتهم باستخدام مكثف للعنف وبطريقة تفوق الغرض العسكري منها. يمكن أن تكون الكمية الكبيرة من المتفجرات قد استُقدمت من العراق، حيث يوجد مراكز أسلحة كبيرة نهبها الجهاديون من مستودعات الذخيرة. وفي لبنان الجهاديون الفاعلون لديهم علاقات شخصية مع زعيم القاعدة ابو مصعب الزرقاوي. كانت الحدود العراقية السورية في وقت ما سهلة العبور، وبين سوريا ولبنان كانت هناك شاحنات بكاملها تقوم بتهريب الأسمنت عبر الحدود نظراً لفارق الأسعار بين البلدين، ومن المحتمل أن يكون أيضاً قد جرى تهريب شحنات متفجرات. اعترف لاحقاً المعتقلون من أعضاء فتح الإسلام، كيف كانوا يتسترون خلف مواد البناء للانتقال هنا وهناك عبر الحدود. كان للحريري بعض الأعداء من الإسلاميين في لبنان، لأنهم عُدّوا ذراعاً للنظام السوري. صحيفة «نداء الاسلام» الصادرة في استراليا والناطقة بالانكليزية، رأت أنّ ثلاثة جهاديين أُعدموا في لبنان ووقّع الحريري حكم إعدامهم، عُدوا شهداء واحتفت بهم. أطلقوا في عهد حكومة الحريري «النظام اللبناني الجديد الذي لا يتميز عن غيره من الأنظمة الكافرة في محاربته للإسلام وصحوته» .
وفّر النظام المعلن كفره، المسوّغ الإسلامي الشرعي لقتل ممثليه. في 8 حزيران 1999، انتقم الجهاديون لأحكام بالإعدام طاولت رفاقهم، باغتيال أربعة قضاة وقّعوا حكم الإعدام. كما وقّع الحريري لاحقاً أحكاماً بالإعدام طاولت ثلاثة جهاديين أعدموا في 17 كانون الأول 2004.
كره الجهاديون العابرون للوطنية في نشاطاتهم، رفيق الحريري لعلاقته برئيس وزراء العراق السابق، إياد علاوي، ولعلاقته بالأسرة الملكية السعودية. وعلاوي الشيعي يُنظر اليه على أنه دمية للجيش «الصليبي الأميركي» الذي قمع تمرد الجهاديين في الفلوجة من نيسان حتى تشرين الثاني عام 2004 بكل القمع المسلح. هدّد الزرقاوي بالانتقام من السعودية التي حدثت فيها لاحقاً عدة عمليات. بدورها، ردّت القوات الأمنية السعودية رداً عنيفاً بحملة واسعة قتلت خلالها زعيم تنظيم القاعدة في البلاد، عبد العزيز المقرن وألقت القبض على قائدين آخرين اثنين.
في شريط الفيديو المتعلق بالاعتراف بقتل الحريري، دعا عضو في ما يسمى جماعة «نصرة الجهاد في الأراضي السورية»، إلى الاقتصاص من السعودية «انتقاماً للشهداء الأبرياء الذين قتلتهم قوات الأمن السعودية، رغم أن نظام الحكم في البلاد يرعى الحرمين الشريفين، فقد قررنا الاقتصاص العادل بحق وكيل هذا النظام في الأراضي السورية رفيق الحريري» (صحيفة الشرق الاوسط / 2005/2/16).

استنتاج

يعدّ توجيه الاتهام إلى حزب الله، تدخلاً من المحكمة الدولية في توازن القوى الهش في لبنان والصراع بين السنة والشيعة. يفترض كثير من اللبنانيين أن لإسرائيل مصلحة قوية في تفتيت لبنان واستقطابه. وما دام اللبنانيون يتحاربون، فلن يستطيعوا أن يمثّلوا تهديداً لجارهم الجنوبي. وأوضح القبض على 70 عميلاً للموساد منذ نيسان 2009 (ديلي ستار 8-3-2010) إمكان جرح التدخل الإسرائيلي «الناعم».
وبدا الأمر واضحاً من خلال اكتشاف خلايا نهاية تموز 2010 تعمل في شركتي الهواتف ألفا وأوجيرو لمصلحة الموساد. والسؤال عما إذا كانوا قد تلاعبوا في المعلومات المتعلقة بالتحقيق، بحيث تتأثر تحقيقات المحكمة الدولية، نوقش حتى في الصحافة الإسرائيلية. وأسهمت التقارير التي تتناول تحقيقات المحكمة الدولية عبر الإعلام الإسرائيلي، وأخيراً عبر تصريح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غابي أشكينازي، عن القرار الاتهامي، في تقويض الثقة بالمحكمة، ليس فقط في لبنان.

يتهم نصر الله المحكمة الخاصة بلبنان، بأنها تمثل «مشروعاً إسرائيلياً». وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن لائحة الاتهام أثلجت صدرها، وخصوصاً أنها تستهدف خصماً عسكرياً مزعجاً، وبالتالي يمكنها أن تقترب من القيام بهجوم على المنشآت النووية الإيرانية.
قد يكون الحل موجوداً بالفعل لعقد تسوية على أعلى المستويات، ومؤشر ذلك زيارة الملك السعودي والرئيس السوري في أواخر تموز 2010 الى بيروت. الحكام السنّة قد يكونون أسخياء ويؤثرون في أتباعهم لأن يعفوا عن الشيعة، فلا يحدث انتقام للقتل. سعد الحريري قد يكون سعيداً، حين ينصرف العمل عن مسار المتطرفين السنّة، فلا يصبح والده ضحية انتقام في طائفته. أما سوريا التي عُزلت لمدة خمس سنوات بسبب اغتيال الحريري فيمكنها أن تعود إلى نادي اللاعبين الإقليميّين.
صياغة سعد الحريري، التي تحدثت عن «عناصر غير منضبطة» مسؤولة عن الهجوم، كان الهدف منها حفظ ماء وجه حزب الله. من الممكن أن يرد اسم عماد مغنية، الذي اغتيل في دمشق في شباط 2008، بسيارة ملغومة، كرأس للعملية، وبذلك تصبح ملاحقة حزب الله أسهل. سيبقى حزب الله كقوة سياسية، حتى مع إضعافه، ولكن الضغط عليه لتسليم سلاحه سيتزايد.
وأخيراً، قد تتعرض المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، للشك، نظراً إلى عدم التوصل إلى نتائج بالفعل، وستتبين في نهاية المطاف صعوبة تبرير التكاليف الباهظة من دون لائحة اتهام قبل نهاية عام 2010. وبالتالي سيتهدد الاستمرار في تمويلها بعد سنتين على قيامها، وبعد ستّ سنوات على اغتيال الحريري.
لا يًُعتقد أن يقبل نصر الله بيدق التضحية هذا، ذلك أن الاعتراف بارتكاب هذه الجريمة سيجلب نكسة خطيرة للحزب، بعد سنوات حاول خلالها الحزب بالكثير من الجهد نزع صفة الإرهاب عن نفسه، وترسيخ وضعه كقوة شرعية سياسية في السياسة الداخلية.
أكد نصر الله يوم 23/07/2010، أن الحزب غير منقسم وليس فيه أعضاء «غير منضبطين». وفي خطابه يوم 2010/7/25، أعلن أنه لا يقبل لائحة اتهام ضد القاعدة أيضاً، لكنه يعتقد أن اسرائيل هي المسؤولة. وأبدى أثناء مؤتمر صحافي عقد في 9/8/2010 عدة ملاحظات على هذه النقطة، تصب في هذا الاتجاه:
- اعترافات المتهمين بالعمالة للموساد،
- تصوير لحزب الله يظهر اختراقه لصور التقطتها طائرات اسرائيلية من دون طيار، راقبت في ما بعد مكان الاغتيال.
- المعلومات التي تقول إن الطائرات الاسرائيلية حلقت وقت الهجوم فوق بيروت في 14/02/2005.
تأخذ المحكمة الدولية الوثائق التي ظهرت الآن، ومن الواضح أنها ستأخذها على محمل الجد، وتطلب تسلمها حتى تستطيع فحص المسارات الجديدة.
* باحث في برنامج «العنف والأمن» التابع لمعهد «غيغا» لدراسات الشرق الأوسط في مدينة هامبورغ الألمانية. وتشمل اهتماماته البحثية الإسلام والعنف والدين، والإسلام الشيعي في المنطقة العربية الشرقية.



الأخبار:  الخميس ١٩ آب ٢٠١٠ الأخبار