7‏/2‏/2011

بيونغ يانغ في حماية التنين تحت سقف الضغط والتحفيز

لا يمكن تجاهل دور الصين في معالجة أي موضوع يتعلق بالوضع السائد في شبه الجزيرة الكورية، حيث تتوكأ كوريا الشمالية على عصا جارتها الكبرى في نزاعها التاريخي مع الغرب. ولطالما لعب التنين الشيوعي دور الأب الراعي أيديولوجياً والداعم اقتصادياً ودبلوماسياً للنظام الستاليني على حدوده الشمالية الشرقية في بيونغ يانغ



معمر عطوي
الحرب المفترضة في شبه الجزيرة الكورية لن تكون نزهة سهلة تترتب عليها نتائج حاسمة وسريعة، رغم كل المناخات الحربيّة العنترية التي تقوم بها حاملات الطائرات الأميركية في البحر الأصفر وبحر اليابان، من خلال مناورات مشتركة دورية بين الجيش الأميركي والجيش الكوري الجنوبي. فإلى جانب دولة نووية حديدية صمدت أكثر من نصف قرن في وجه الحصار والعقوبات الغربية تقف الصين، ذلك التنين الذي يؤدي دور حامي حمى نظام عائلة كيم وداعمه الاقتصادي والدبلوماسي في المحافل الدولية.
حيال الوضع في المنطقة يمكن ملاحظة حقيقتين: الأولى، الموقع الجيوستراتيجي لكوريا الشمالية الواقعة على حدود الصين الشمالية الشرقية، دفع بكين منذ بدايات الحرب الباردة إلى تدعيم نظام الكوري، منذ عهد الأب الروحي لجمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، كيم إيل سونغ. والثانية، رغم تطلع بكين في السنوات الأخيرة إلى تعزيز مصالحها الاقتصادية، ولو على حساب التزاماتها الأيديولوجية، فهي لا تزال ترى في بقاء الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية ضماناً لمصالحها وخط دفاع أمامي لها، في وجه عدوتها التاريخية اليابان، ومن خلفها الولايات المتحدة.
وبات دور الصين بمثابة البوصلة التي تحدد وجهة سير الحلول في المنطقة، على غرار العديد من الملفات في العالم. موقف تجلّى من خلال زيارة وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، لبكين قبل شهر، التي سبقت زيارة الرئيس الصيني هو جين تاو، لواشنطن، حيث التقى نظيره الأميركي باراك أوباما، وكان الملف الكوري في مقدمة الملفات التي بُحثت.
الجانب الأميركي ذكّر بخطر كوريا الشمالية «التي أصبحت تمثل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، ويمكنها تطوير صواريخ عابرة للقارات خلال خمس سنوات». ولم ينس أن ينوه بالجهود الصينية لتقليص التوتر في شبه الجزيرة الكورية، في تلميح واضح إلى ضرورة أن تؤدي بكين دورها في لجم جارتها «المشاكسة».
بيد أن التنين الشيوعي بقي على موقفه المتذبذب بين الانخراط في صنع قرارات دولية تنال الإجماع في مجلس الأمن، وعدم وصول الأمور إلى الانهيار، على طريقة المثل القائل «لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم». ووُصفت الصين مراراً بأنها أهم حليف لكوريا الشمالية، فهي من جهة أكبر شريك تجاري، وأهم مصدّر للغذاء والأسلحة والوقود للدولة الشيوعية التقليدية التي تحكمها عائلة كيم منذ انقسام الكوريتين في عام 1948. ودعمت الصين كوريا الشمالية منذ الحرب الكورية في عام 1950. وكما كانت بكين داعماً بلا حدود لنظام مؤسس الجمهورية الديموقراطية الشعبية، كيم إيل سونغ، واصلت الدولة الماوية دعم نظام الابن كيم يونغ إيل، فعارضت بما لها من قدرة على نقض قرارات مجلس الأمن (حق الفيتو) بالعقوبات الدولية الاقتصادية القاسية، على أمل تجنيب النظام الحليف الانهيار. وظل شبح تدفق اللاجئين الكوريين الشماليين إلى الصين (طول الحدود بين البلدين يصل إلى 800 ميل من خلال نهري التومن والأمنوك) في حال نشوب حرب بين الكوريتين، يتحكّم بموقف الصين في معالجة أي أزمة تنشأ في شبه الجزيرة الكورية عبر الدعوة إلى الحوار. وانطلاقاً من هذه الذهنية، أسهمت الصين بنحو كبير في إقناع كوريا الشمالية بالجلوس على طاولة التفاوض السداسية (تضم روسيا والصين والكوريتين واليابان والولايات المتحدة)، بهدف إخلاء المنطقة من السلاح النووي.
لكن التنين الصيني، بعد تجربة الكوريين لسلاح نووي في تشرين الأول 2006، اعتمد مقاربة جديدة مع كوريا الشمالية تقوم على الضغط والتحفيز في آن واحد. بيد أن التجربة النووية الثانية التي قامت بها بيونغ يانغ في أيار 2009، عقّدت العلاقة بين البلدين. مقاربة تجلّت في تصويت مندوب الصين لدى مجلس الأمن على قرار صدر في عام 2006 (رقم 1718)، وقضى بفرض عقوبات اقتصادية على كوريا الشمالية على خلفية تجربتها النووية. كذلك تجلّت أكثر في موافقة الصين أيضاً على قرار آخر بالعقوبات على كوريا صدر عن مجلس الأمن في أيار 2009 إثر تجربتها النووية الثانية.
وبحسب تعبير المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، آلان رومبرغ، لمجلة «التايم»، فإن «بيونغ يانغ بصقت في عين الشعب الصيني» حين قامت بتجربتين نوويتين «ناجحتين» أقلقتا الحليف قبل العدو. لذلك، يرى المحللون أن «بكين تواصل تعزيز نفوذها على بيونغ يانغ أكثر من أي دولة أخرى» بحكم الروابط الأيديولوجية والعلاقات الاقتصادية، وللحد من الطموحات النووية للحليف الأصغر والتي قد تهدّد المنطقة بأسرها فيما لو خرجت المسألة من قبضة التنين.
لكن في المقابل، حسب رأي الخبير في شؤون شرق آسيا لدى مجموعة الأزمات الدولية، دانييل بنكستون، فإنه «رغم تحالف بيونغ يانغ الطويل مع بكين لا تستطيع الأخيرة السيطرة على الأولى»، مشيراً إلى أن الأميركيين يميلون إلى المبالغة في تقدير تأثير الصين على كوريا الشمالية. وفي نظر الباحث لدى «مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي للأبحاث المُعمّقة، آدم سيغال، فإن «فكرة إدارة الصين ظهرها لكوريا الشمالية فكرة خاطئة»، مشيراً إلى أن بكين وافقت فقط على قرار الأمم المتحدة رقم 1718 بخصوص فرض عقوبات اقتصادية على كوريا، لكنها ضاعفت من نشاطها التبادلي التجاري معها ليصل إلى قيمة 2.79 مليار دولار أميركي في عام 2008، وارتفع بمعدل 41 في المئة عن عام 2007. كذلك بلغ حجم السلع الكمالية المحظورة التي صدّرتها الصين إلى كوريا الشمالية نحو 11 مليون دولار في الشهر عام 2009.
في الموضوع الاقتصادي، تنمو الشركات التجارية الصينية في الشطر الشمالي من كوريا ولديها امتيازات هناك. وتطور شركات صينية مصادر المعادن في المنطقة الشمالية، وذلك في سياق استراتيجية الصين، الحفاظ على الاستقرار في المناطق الحدودية التي تتشارك بها مع كوريا الشمالية. أما المصالح القومية للصين فتقتضي تطوير مناطقها الفقيرة في الشمال الشرقي من طريق توفير خطوط نقل المعادن ومصادر الطاقة عبر الحدود.
وعن أولويات الصين، تحدثت دراسة مجلس العلاقات الخارجية، عن أن بكين تدعم كوريا الشمالية كمنطقة عازلة على حدودها الشمالية الشرقية مع كوريا الجنوبية، حيث ينتشر أكثر من 29 ألف جندي أميركي. «هذا الأمر يسمح للصين بأن تخفف من انتشار قواتها على الحدود الشمالية الشرقية وتركز على معالجة قضية استقلال تايوان».
وبحسب ما كتب الباحث في معهد الدراسات الدولية في جامعة فودان في شنغهاي، شين دينغلي، في نشرة «أمن الصين»، فإن ولاء كوريا الشمالية مهم لبكين كحصن في وجه هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة، وفي الوقت نفسه في وجه أي تعاظم لقوة اليابان العسكرية.
الصين ستكون المتضرر في حال نشوب نزاع في المنطقة من جرّاء هروب مئات الآلاف من الكوريين الشماليين اليها؛ ولهذا السبب بدأت الصين ببناء شريط شائك على طول الحدود منذ عام 2006. ويرى سيغال أيضاً أنه «إذا حرّضت كوريا الشمالية على حرب مع الولايات المتحدة، ستتحمل كوريا الجنوبية والصين وطأة أي جبهة عسكرية في شبه الجزيرة الكورية»، لذلك فإن البلدين مترددان في دفع بيونغ يانغ إلى وضع صعب خوفاً من انهيار نظام كيم.
الخبراء يقولون إن الصين غامضة في مسألة التزامها في الدفاع عن كوريا الشمالية في حال النزاع العسكري. لكنه في أي حال، لن تقف بكين مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لإشعال فتيل النزاع في شبه الجزيرة الكورية، ما دامت الحرب ستهدد استقرار مناطق تمثّل مجالها الحيوي، وبالتالي فإن موقفها من المناورات العسكرية الأميركية والكورية الجنوبية التي تُجرى بالقرب من سواحلها الجنوبية، ما هو سوى تحذير استباقي من شأنه التلويح بعصا القوة لكسر أي يد تسعى إلى ليّ ذراعها في الشمال الكوري.
■ ■ ■
كوريا الجنوبية: رحلة إلى بلد الحروب والمصانع
كانت الرحلة شاقة من بيروت إلى سيول، حيث دامت 10 ساعات لم تتوقف خلالها الطائرة في أي مطار. لكن الوصول إلى هذا البلد ورؤية معالمه التاريخية ومعرفة أبرز محطاته السياسية تنسيك عناء السفر. سلسلة من المشاهدات تضع اليد على جُرح الانقسام وآمال الوحدة
كان المشهد رائعاً لدى وصول الطائرة إلى أحد المطارات الحربية في عاصمة كوريا الجنوبية، سيول، حيث كانت الفرقة الموسيقية وعدد من الضباط والجنود في الاستقبال على المدرج. إنه يوم سعيد بالنسبة إلى الشعب الكوري الذي يستقبل دفعة من جنوده العاملين في لبنان ضمن قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام (اليونيفيل)، بعدما خدموا في القرى الحدودية في الجنوب ستة أشهر.
لم تكن الرحلة طبيعية. كانت الطائرة تحتضن نحو 200 جندي كوري و16 لبنانياً أتوا بدعوة من الحكومة الكورية للتعرف إلى ثقافة هذا البلد الواقع خلف البحار. عشر ساعات متواصلة لتنتهي الرحلة في أحد المطارات العسكرية في سيول. كل ما في الرحلة منذ لحظة الانطلاق حتى وقت الترجّل، كان يشير إلى صرامة عسكرية في تنفيذ الأوامر. صرامة بدأت بإجراءت الدخول إلى المطار في بيروت، حيث كان ينبغي علينا الانتظار لمدة ست ساعات قبل الإقلاع «لأسباب تتعلق بخصوصية سفر جنود حفظ السلام»، حسبما أوضح المقدّم كيم نام هيون، الذي رافق الوفد اللبناني طوال فترة مكوثهم في بلاده. وفد قطع المسافة الطويلة مع الجنود محلّقاً فوق قبرص وتركيا وجورجيا وكازاخستان ومنغوليا والصين، قبل أن يحطّ في شبه الجزيرة المثيرة للجدل. أما سبب هذه الرحلة، فهو برنامج تنظّمه الكتيبة الكورية في الجنوب اللبناني بالتعاون مع سفير بلادها لدى لبنان، وبتمويل من الحكومة الكورية، تُدعى من خلاله فعاليات جنوبية وصحافيون ورجال أمن لبنانيون، بهدف تعريفهم إلى حضارة بلاد «الهيونداي» و«الكيا» و«السامسونغ».
بعد رحلة لم تخل من الرفاهية رغم ساعاتها الطويلة، كانت إجراءات الاستقبال في المطار مزيجاً من الترحيب بالجنود العائدين وضيوفهم وإجراءات تفتيش تضمّنت مراقبة بعض الصور الأخيرة التي اختطفتها آلات تصوير حملها بعض أعضاء الوفد اللبناني.
«ممنوع التصوير»، صرخ أحد الضباط الموجودين. تقدّم حارس مدجّج بالسلاح ليقول بتهذيب بالغ تميّزت به الشعوب الآسيوية «تصوير الفرقة الموسيقية ليس مشكلة، لكن ممنوع تصوير أيٍّ من منشآت المطار، لذلك ينبغي على كل من التقط صورة أن يعطيني آلة تصويره للتأكد من حذفها». إجراءت روتينية لم تخل من إطلاق الطرائف واعتذارات بعض ضباط الجيش لضيوفهم.
لعل أكثر ما يهمّ زائر هذا البلد هو قضية الكوريتين والحدود التي قسّمت شبه الجزيرة الواقعة بين دولتين كبيرتين (روسيا والصين)، ودولة عملاقة بالمعنى الاقتصادي (اليابان) التي تقف من خلفها الولايات المتحدة، حتى باتت موضوع تجاذبات وحروب باردة وساخنة. قضية يمكن اكتشاف بعض تفاصيلها لدى زيارة المنطقة الأمنية المشتركة على الحدود الفاصلة بين الكوريتين. هناك حيث يمكن الزائر أن يدخل خلف الخط الفاصل في الجزء الشمالي، وفق ترتيبات تجري مسبقاً بين كوريا الديموقراطية الاشتراكية (الشمالية) والجمهورية الكورية (الجنوبية)، تكتشف كم هو مؤلم واقع العائلات التي فُكّكت بفعل الانقسام.
بصمات الأميركيين واضحة في كل تفاصيل الحياة الكورية، لدرجة أن بعض المحافظين من الكوريين الجنوبيين باتوا يشعرون بخطورة تهديد حضارة العم سام لحضارتهم. وحسبما تقول بعض الإحصاءات الشائعة هنا، فإن 20 في المئة من الجنوبيين لا يحبّون أميركا، رغم مساعدتها لهم في حربهم ضد أشقائهم الشيوعيين، إلّا أنها تضع في المقدّمة مصالحها وأهدافها في فرض نمط حياة مختلف تماماً عن حياة هذه الدولة الآسيوية.
على أي حال، لن تكون مشاهدات هذه الزيارة الاستثنائية، التي أرادها السفير الكوري لدى لبنان فرصة للتقارب بين الشعبين اللبناني والكوري لمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيس العلاقات بين الجانبين، مقتصرة على جانب النزاع. ففي هذا البلد الذي تبلغ مساحته 100140 كيلومتراً مربّعاً، نهضة اقتصادية وصناعية كبرى، وضعته في مصاف الدول العشرين الاقتصادية الكبرى (جي ـــــ 20)، التي استضافت قمتها سيول في تشرين الثاني الماضي.
في كوريا الجنوبية، التي يتعدّى عدد سكانها خمسين مليوناً، ثمة تاريخ عريق حافل بالأحداث والمحطات التاريخية الفاصلة. أحداث يمكن الزائر أن يقف عندها خلال زيارته معالم هذا البلد وقصوره التاريخية ومتاحفه.
معالم عديدة تحكي قصة تاريخ حافل بالحروب والغزوات، والتحولات السياسية التي لم تحدّ من نشاط الشعب الكوري وتصميمه على العمل بجهد كبير، حتى أصبح نمراً آسيوياً اقتصادياً، يتربّع على عرش منسوج بخيوط تاريخ من الحروب ونهضة من المصانع. لعل أهم هذه المعالم، التي كانت في سياق برنامج زيارات الوفد اللبناني إلى كوريا، هي المتحف الوطني الكوري، ومتحف ذاكرة الحرب الكورية، وقصر غييونغبوك الملكي، والقرية الكورية الفولكلورية، والبيت الكوري الذي يعرّف الزائر إلى المطبخ المحلي والثقافة والفنون. معالم لم تكن في المتناول لولا جهود من رافق الوفد الضيف، بقيادة المقدّم كيم نام هيوم العائد من لبنان مع زميله الملازم كيم سيون جنك، اللذين لم يذهبا إلى عائلتيهما قبل انتهاء برنامج الزيارة، مع التنويه هنا بدور المترجمة التي تتقن العربية الفصحى جيداً، جانغ مين كيونغ، وهي تفضّل مناداتها بنجمة، لكون اسمها يعني بالعربية نجمة، إضافة إلى عناصر أخرى واكبت الضيوف خطوة خطوة.
كوريا الجنوبية أصبحت تتمتع بكفاءة عالية تجعلها شبيهه ببعض الدول الأوروبية، من حيث التنظيم والبنى التحتية ووسائل النقل والتنظيم المدني. أما عن الصناعات الرائدة، فلا مجال للحديث في عجالة. فباختصار، تحاول كوريا، بجهود كبيرة، الجمع بين عراقة الماضي واللحاق بتطورات الحاضر.
الأخبار: الاثنين ٧ شباط ٢٠١١

29‏/1‏/2011

العلاقات الصينيّة الأميركيّة: صدام فتعاون فاحتواء

أكدت زيارة الرئيس الصيني، هو جينتاو، الأخيرة إلى واشنطن، أن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة باتت تسير وفق صيغة جديدة قائمة على التعاون الاقتصادي والتفاهم في الأمور الخلافية بدل الصدام وسباق التسلح. ولعل الإشارة الأهم في هذا السياق، هي زيارة وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس إلى بكين، حيث وصل التعاون العسكري إلى ذروته
معمر عطوي

كان الرئيس الصيني، هو جينتاو، واضحاً خلال زيارته للولايات المتحدة في التاسع عشر من الشهر الجاري (دامت أياماً عدّة)، في تحديد أولويات السياسة الصينية تجاه الخصم التاريخي في شمال الكرة الأرضية. فقد أكد في خطاب أمام لجنة الأعمال الصينية الأميركية أن بلاده ملتزمة بحل سلمي للنزاعات وبموقعها العسكري «الدفاعي»، متعهداً بـ«ألا نخوض أي سباق تسلح مع الولايات المتحدة أو نمثّل أي تهديد عسكري لأي دولة، والصين لن تسعى إلى السيطرة أو التوسّع».
لكنه لدى طرحه القضايا الخلافية الرئيسية بين الصين والولايات المتحدة، أعرب عن التزام حكومته ببناء «بلد اشتراكي حديث»، رافضاً أي تدخل أجنبي في قضيتي تايوان والتيبت اللتين قال إنهما «تخصّان سيادة الصين وتماسك أراضيها وتلامسان شعور 1.3 مليار صيني».
ويبدو أن الموقف الصيني الجديد الذي بات يضع الاقتصاد في قائمة أولويات المصالح الحيوية للبلاد، قد تماهى مع التغيرات التي حدثت في السياسة الأميركية عبر مراحل بدأت مع سباق التسلح والصدام في عهد الإدارات الأميركية المتعاقبة، وخصوصاً في مراحل تصاعد نفوذ المحافظين الجدد، وبين مرحلة الرئيس الحالي باراك أوباما. مرحلة فضّل فيها الأميركيون سياسة التعاون كوسيلة للاحتواء وتجنب إثارة مناطق جديدة لاستنزاف الجيش الأميركي وراء البحار.
فلطالما ظلّت الصين الحمراء هدفاً رئيسياً للساسة الذين توالوا على الإدارات الأميركية من ديموقراطيين وجمهوريين على حد سواء، رغم تحوّل الاقتصاد الصيني، في مرحلة لاحقة، من اقتصاد اشتراكي موجّه، إلى ليبرالي يعتمد آليات السوق الرأسمالية. وتباينت خطط الإدارات الأميركية أيام ما كان يُعرف بالحرب الباردة، في التعاطي مع عدو تاريخي يهدّد مصالحها، في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مروراً بالشرق الأوسط. فبعدما فشلت الولايات المتحدة في تدمير الصين، على غرار المنظومة الاشتراكية في شرق أوروبا، لجأت الى أساليب أخرى، منها الاحتواء الاقتصادي والتعاون العسكري.
وشهدت مرحلة الرئيس الأميركي رونالد ريغان تغييرات في التعاطي مع جمهورية الصين الشعبية، إذ لان موقفه كثيراً مع تقدّم ولايته، لتبدأ في حزيران 1981 رحلة الصداقة التي قام بها وزير الخارجية، ألكسندر هيغ، إلى بكين. سياسة معتدلة أرساها ريغان تجاه الصين تُمثّل امتداداً لسياستي الرئيسين، ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر، اللتين وضعتا تعزيز العلاقات بين القوّتين الأميركية والصينية نصب  أعينهما.
أما في عهد جورج بوش الابن، حيث بات التنين الصيني، قوة اقتصادية حقيقية، فقد أصبحت الرؤية مختلفة مع المحافظين الجدد. ولعل ما أعلنته وزيرة الخارجية آنذاك، كوندوليزا رايس، من أن الصين تتعاون والولايات المتحدة على قضايا تتراوح بين محاربة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، يشير الى اقتناع أميركي بأن التنين بدأ تحوّله نحو فخ الاحتواء، الذي نصبته واشنطن للنظام الحديدي، وخصوصاً أن هذا النظام بات مرشّحاً لأن يصبح القوة الثانية الاقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة، محتلاً موقع اليابان. لكن الليبرالية الصينية في الاقتصاد لم تكن لتُقنع واشنطن بأن النظام الشيوعي أصبح في دائرة الاحتواء. اقتناع عبّر عنه رايس في محاولة لإيجاد ذرائع أخرى تبرّر استمرار سياسة التضييق على الصين، بقولها «إن حصول أهل الصين على قدر أكبر من التعليم، من حريّة التفكير، ومن روح المبادرة، من شأنه، باعتقادنا، أن يفضي، بالضرورة، إلى قدر أكبر من الحريّة. وتبرّر هذه السياسة توظيف تعاون القوى الكبرى في حل النزاعات المتفاقمة من الشرق الأوسط إلى كشمير فالكونغو وغيرها».
الواضح أن الولايات المتحدة في ظل إدارة بوش وقفت عاجزة عن تكبيل الصين وفرض سيادتها عليها. ذلك رغم أن الإدارة الأميركية تبنّت رؤية نائب الرئيس ديك تشيني، التي تقول إن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع الأشرار، بل تحبطهم وتلحق الهزيمة بهم.
بيد أن رؤية المحافظين الجدد في التعامل مع الصين لم تنجح، بل سرعان ما أُجهِضت بعد هجوم 11 أيلول في نيويورك، حيث سارعت بكين إلى إعلان دعمها لأميركا في حربها على الإرهاب. لكن يبدو أن انقساماً حاداً في الإدارة الأميركية قد طرأ على جدول الأعمال الخاص بالملف الصيني، إذ حذّرت، مراراً، وكالة الاستخبارات الأميركية الكونغرس من تعاظم القوى العسكرية في الصين، مهملةً أي ملاحظة عن مساندة الصين للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، وعمّا قدّمته من مساعدات في قضية كوريا الشمالية واستمرارها باستخدام الوسائل الاقتصادية السلمية من أجل توسيع نفوذها.
ويمكن أن تكون الرؤية الجديدة لواشنطن تجاه الصين جزءاً من استراتيجية جديدة في القرن الواحد والعشرين. وفي أيّ حال، كان المحافظون الجدد دائماً متيقنّين الى مدى خطورة الصين، لكن لم يكونوا ليتصوّروا صعود هذا العملاق الشيوعي إلى هذا المستوى من التفوق، بآليات رأسمالية. وهذا ما بدا من خلال موقف وزير الدفاع السابق رامسفيلد في صيف عام 2005، حين أعلن من سنغافورة، أن «قدرات بكين الصاروخية والبحرية والجوية، باتت تهدد موازين القوى ليس فقط في حوض آسيا ـــ الباسيفيك، بل أيضاً في كل العالم».
أمّا زيارة زيارة وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، إلى الصين في النصف الأول من هذا الشهر، فتحمل رسائل عديدة: الأولى تتعلق بالتحضير لمناقشات الرئيس الصيني، مع نظيره الأميركي، والتي كان التعاون العسكري في مقدمها. ثانياً، إرساء عقيدة جديدة لدى الأميركيين تنسحب من الاقتصاد والسياسة الى العسكر تحت شعار التعاون. وتعبّر الرسالة الثالثة عن خشية أميركية من تعاظم القوة البحرية للصينيين بالقرب من البحر الأصفر وبحر اليابان، حيث تنتشر حاملات الطائرات الأميركية الى جانب القوات العسكرية الكورية الجنوبية واليابانية. فقادة الولايات المتحدة يعبّرون دائماً عن قلقهم من سرية انتهاج الصين تطوير أسلحة تقليدية متطورة تبدو أنها تستهدف الولايات المتحدة.
أما الرسالة الرابعة، فهي التلويح بالعصا في وجه كوريا الشمالية، بأن بكين التي دعمت بيونغ يانغ لعقود، والتي لم تجد مانعاً من موافقة واشنطن على عقوبات دولية ضد النظام الكوري الستاليني لمرتين متتاليتين، قد تنصاع لرغبة واشنطن في المسألة الكورية إذا حقّقت لها أميركا بعض مصالحها الاستراتيجية.
في المقابل، بدا أن الصين التي حذّرت من المناورات العسكرية الأميركية الكورية الجنوبية قبالة سواحلها الجنوبية، قد تعمّدت تجربة الطائرة الشبح «جاي ــ 20» خلال زيارة غيتس الى بكين، لتوجيه رسالة إلى واشنطن بأن سياسة التعاون لا تمنعها من الاستمرار في سباق التسلح وتعزيز قدراتها العسكرية، وخصوصاً بعدما باتت حاملات الطائرات الأميركية على مرمى حجر من سواحلها. وفي السياق نفسه، كانت دعوة المسؤولين الصينيين وزير الدفاع الأميركي، لزيارة موقع نووي عسكري، في منطقة موتيانيو، مانحة إيّاه لمحة نادرة عن التحكم بالأسلحة التي يمكن يوماً ما أن تطلق على الولايات المتحدة.
من الواضح أن المحادثات الأمنية بين الجانبين الأميركي والصيني، تركز بشدة على الدفاع الصاروخي والنووي، وكذلك الحرب الإلكترونية والعسكرية واستخدامات الفضاء. إذ يمتلك الطرفان صواريخ بإمكانها الوصول الى شواطئ الطرف الآخر.
وما لم ينطق به غيتس في بكين، فاضت به قريحته بعد يومين في طوكيو، إذ رأى خلال زيارة لليابان أن القدرات العسكرية الصينية المتطورة في الحرب الإلكترونية والأقمار الاصطناعية، يمكن أن تهدّد قدرة القوات الأميركية على العمل في المحيط الهادئ. وكرر غيتس تعبيره عن قلق واشنطن من تحديث جيش التحرير الشعبي الصيني الذي عرض قوّته بإجراء أول اختبار على مقاتلة شبح.
بيت القصيد، أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين لن تكون علاقة متينة كما توحي التصريحات الإيجابية من الجانبين، فتنافس المصالح والنفوذ ومصادر التوتر أكبر من أن تحلّها زيارات متبادلة سياسية أو عسكرية. فعمليات الرصد والمراقبة التي تقوم بها البحرية  الأميركية على السواحل الصينية، ومبيعات الأسلحة الى تايوان، وعرض قوات المارينز عضلاتها في منطقتي آسيا والمحيط الهادئ، كل ذلك يشير الى أن التعاون لن يكون سوى شهر عسل قصير الأجل.
الصين بين رؤيتين أميركيتين
يطرح روبرت كيغان، أحد منظّري المحافظين الجدد، في كتابه «عودة التاريخ ونهاية الأحلام»، فكرة إنشاء «رابطة للدول الديموقراطية» غايتها الدفاع والمحافظة على مصالح هذه الدول في وجه الصعود المتزايد «للديكتاتوريات الكبرى»، وبخاصة روسيا والصين. أما روبرت كابلان فقد توقع في «أتلانتيك مانثلي»، «حرباً أميركية ساخنة كبيرة مع الصين، أو سلسلة من المجابهات على نمط الحرب الباردة التي ستستمر عقوداً طويلة».
في المقابل، يقول الباحث لدى معهد «بروكينغز»، كين بولاك، إنه يجب على الولايات المتحدة دعوة الصين إلى الانخراط في قضايا الشرق الأوسط ـــ من إيران إلى العراق، إلى النزاع العربي الإسرائيلي»، واصفاً الصينيّين بأنهم «نجوم الروك بالنسبة إلى الشرق الأوسط»، وخاطب بولاك الساسة الأميركيّين، قائلاً «عليكم أن تسمحوا لهم (للصينيين) بالدخول، وعليكم أن تجعلوا منهم شريكنا».
الأخبار: السبت ٢٩ كانون الثاني ٢٠١١

25‏/1‏/2011

الثورة وأسئلة التغيير لبنانياً

معمر عطوي

تطرح الثورة التونسية المفاجئة العديد من الأسئلة على المواطن العربي بشأن إمكانيات تحويل قدراته العفوية إلى فعل تغيير، في ظل استمرار أنظمة استبدادية قمعية لا تتيح لشعوبها حرية الحركة في سبيل تحسين أوضاعهم الاجتماعية، على أقل تقدير. بيد أنّ المسألة اللبنانية تختلف في واقعها وظروفها وتركيبتها الدستورية عن باقي البلدان العربية، بما يطرح أسئلة استثنائية حول شروط إمكان فعل تغييري كبير في هذا البلد الصغير.
لعل أهم هذه الأسئلة، هو عن أهمية العفوية التي تميزت بها هذه الثورة غير المؤدلجة، التي انطلقت من حاجة اجتماعية ملحّة تفاقمت بفعل ضغوط سلطوية طالت الأمن والاقتصاد والتنمية والتعليم وكل نواحي الحياة التي تمس المواطن في لقمة عيشه وكينونته الإنسانية.
إذن، هي ثورة لم يسبقها بيان شيوعي ولا حلقات دعوية تطرح شعار «الإسلام هو الحل»، بل انطلقت من شرارة جسد، لخّص باحتراقه كلّ عناوين الأزمة الحاصلة، من محسوبيات وقمع واسئثار بالسلطة ونهب للخيرات القومية ومُصادرة للحريّات وتهجير للعقول الناشطة في مجالات المجتمع المدني والفكر السياسي الديموقراطي ورموز النضال.
هو جسد محمد البوعزيزي الذي احترق لينير طريقاً مظلماً منذ عقود، فأشعل بذلك جذوة ثورة لم تكن نتيجة إعداد خلايا سريّة مسلّحة ولا تتويجاً لتنظيم صفوف ضباط في الجيش أرادوا الانقلاب على النظام، ولا هي حصيلة أفكار عقائدية انتشرت في الجامعات لتصنع نواة حزب سياسي يعلن تسلم الحكم بعد اجتثاث كل رواسب الطغيان السابق.
ربما لهذه الأسباب، كان عنوان الثورة هو رغيف الخبز، وأدبياتها «إذا الشعب يوماً أراد الحياة». وربما لهذه الأسباب، لم يتغير الطقم السياسي الحاكم والنخبة العسكرية السابقة، مباشرة بعد هروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي إلى السعودية. كانت الثورة بداية تغيير قد تحتاج لشهور، وربما سنوات، حتى تتبلور معالم صورتها في الحكم، ونظمها الفكريّة، وعلاقاتها الدولية، ورهاناتها المستقبلية، لا سيما آلياتها في التعاطي مع الهمّ الشعبي وحاجات المواطن الأساسية.
لكن في أي حال، لا يمكن الحديث عن قطيعة بين منجزات الشعب التونسي الأخيرة وبين إرهاصات سبقت هذه الثورة. من هذه الإرهاصات ما جاء بفعل السلطة البائدة وممارساتها التي ألّبت الناس ضدها، ومنها ما هو حصيلة شحن وتثقيف متواصلين عبر عقود من الزمن لنخب سياسية، لا يمكن التقليل من شأن حركتها ونشاطها في التأثير في الواقع السائد.
لعل ما يميّز هذه الثورة، التي قد تُستنسخ في العديد من دول المنطقة فيما لو وعت الشعوب أهمية ترك الأيديولوجيا جانباً حين تُمس لقمة عيشها، هو البنية المجتمعية التونسية القائمة على هوية دينية واحدة بغالبيتها، ومذهب واحد. ولا يعني الحديث هنا عن هذه الهوية أنّ أحاديتها هي السبب في نجاح الثورة، بقدر ما يشير الواقع الى البنية الاجتماعية اللبنانية والعوائق المذهبية أمام التغيير.
يمكن الحديث عن تأثيرات ماركسية بالقدر نفسه الذي تتمتع به التيارات الإسلامية أو القومية في تونس، خصوصاً أنّ الشعب التونسي متميز بثقافته السياسية، التي كانت سبباً في إبعاد العديد من رموز التيارات السياسية، على تنوعها، الى خارج البلاد.
وبما أنّ الشعب التونسي، كما بيّنت التجارب السابقة، هو شعب مسالم مقارنة بالشعب الجزائري الجار، أتت حركته العفوية استجابة طبيعية ومشروعة لاستبداد طويل الأمد. استبداد ساهم في نفاد صبر المواطن البسيط، الذي لا يهمّه من التغيير سوى تحصيل حاجاته الأساسية والعمل، وفق أدبيات الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، الذي قال «عجبت لمن لا يجد في بيته قوت يومه كيف لا يخرج شاهراً سيفه». فالحديث عن تغيير جذري هنا، يبدأ من ترسيخ سياسة اقتصادية عادلة، وصولاً الى العمل وفق دستور ديموقراطي عصري لا يستبعد من تكويناته إلا الطغمة التي سرقت ونهبت وعاثت فساداً. تغيير لا يمكن القول إلا أنّه حصيلة العديد من التجارب النضالية المتراكمة التي اختصرها جسد شاب عاطل من العمل، شعر بمهانته فأراد الحياة على طريقة شاعر بلاده الكبير أبي القاسم الشابي، واستجاب القدر بسرعة.
أما في الواقع اللبناني الذي شهد في السبعينيات من القرن الماضي حركات مطلبية استجابت لظلم التفاوت الطبقي، ثم ما لبثت أن تحوّلت الى حرب طائفية تتعلق بمكاسب هذه الطائفة أو امتيازات تلك، فالأمر مختلف عما جرى في تونس، اختلافاً جذرياً.
لقد أسهمت الحرب اللبنانية في تأسيس طبقة ورثت بعض الإقطاع السياسي السابق، لتكوّن طوائف إقطاعية حديثة. كل طائفة تتسلّح بمصالح مجتمعها في ممارستها للسرقة، وتتذرع بفساد رموز الطائفة الأخرى حين تتعرض للسؤال «من أين لكم هذا؟».
تمادت هذه الطبقة في ممارسة وضع اليد على حقوق المواطن وثرواته، بمباركة ومشاركة من قوى خارجية لعبت دور الوصي الشرعي، مثل سوريا، أو قامت بالغزو العسكري، مثل إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة وبعض دول الغرب.
واختلط حابل التنمية الاقتصادية بنابل السياسة الدفاعية وكرامة الوطن. فنشأ التزاوج بين اقتصاد رفيق الحريري الذي يتغذى من توزيع الثروات والرشى على المحسوبين والأزلام، لتحقيق مشاريعه الخاصة، وبين طبقة سياسية متنفّعة ركبت موجة التحالف مع المقاومة وسوريا من أجل أن يطالها بعض حصص من هذه السرقات المُنظّمة، فباتت معادلة حماية المقاومة منوطة بالسكوت عن السرقات، التي سميت خطأً هدراً. هذه المعادلة، التي تورط فيها حزب الله بما هو فصيل بات وحده يمارس العمل المقاوم بعدما أُصيبت الفصائل الأخرى بأزمات مالية وأيديولوجية وبنيوية، بدا واضحاً أنّه سيدفع ثمن تداعياتها وحده. ذلك جراء ما نشهده من هجوم منظّم على وجوده وكيانه السياسي في لبنان وحضوره بما هو حالة استنهاض شعبية في المحيط العربي.
من هنا صار لزاماً على حزب الله، الذي لم يكن قبل عام 2004 مشاركاً في الحكومة، أن يتلقّى الانتقادات والاتهامات لتحالفه مع طغمة من رموز الفساد السابق، وتغطيتهم طائفياً. وبذلك أصبحت الجماعة المذهبية في المعسكرين، غطاءً شرعياً للفساد هنا أو للخيانة الوطنية هناك، ما أدى الى ظهور وضع جديد لا يمكن الحديث معه عن معسكر طهراني بالمطلق أو معسكر فاسد بالمطلق، بل عن معسكرين، واحد ضد المقاومة وآخر مع المقاومة. وغاب عن وعي القيمين على أمور المقاومة، وما تمثله من إنجازات تركزت أخيراً على الجانب الأمني والتقني، أنّ العمل المقاوم هو عمل تغييري، وبالتالي، قد لا يصح وجوده بمعزل عن عمل تغييري آخر يتعلق بتحسين شروط حياة المواطن وعدم السكوت عن السرقات والفساد حتى لو كان من جهة تدّعي مساندة المقاومة.
انطلاقاً من هذه الذهنية الحاكمة، شاركت المقاومة، ولو بنحو غير مباشر، في بلورة صيغة فائقة البشاعة، من أجل تعزيز معسكرها في الحياة السياسية اللبنانية. صيغة لم تتخذ من المقاومة سوى عنوان عسكري وأمني، فيما كلمة مقاومة تعني التصدي لكل ظلم سياسي واجتماعي واقتصادي وطبقي، حتى لو كان من ذوي القربى.
بهذا المعنى، تختلف الصيغة السياسية اللبنانية عن الصيغة التونسية، لوجود هذه الاعتبارات الطائفية التي تمنع السياسي السني من فضح فساد السياسي الشيعي والعكس بالعكس. وبهذا المعنى يسكت حزب الله، الذي يضع مقاومة اسرائيل في أولوياته، عن انتقاد قيادي من تيار حليف، رغم اعتراف هذا الأخير بالاتصال مع ضباط استخبارات العدو الاسرائيلي. كلّ هذه الازدواجية في التعاطي سببها الحد من استثارة النزعات الطائفية «حفاظاً على استقرار البلد».
وربط استقرار البلد بترك الأمور على وساختها، يجعل الصيغة اللبنانية، بالمعنى التونسي، صيغة متخلفة لا يمكن أن تتحول الى صورتها الطهرانية التي يرسمها لنا جهابذة السياسة من هذا المعسكر أو ذاك.
لهذا لا يمكن القول إنّ الشعب اللبناني يريد الحياة، ولا يمكن للقدر أن يستجيب لهذا الشعب، الذي يصرّ على النزول الى الشوارع هائجاً كالثور حين يتعلق الموضوع بالدفاع عن «قدسية» رجل دين هنا أو مسلسل تلفزيوني هناك يمس بهذه المجموعة البشرية أو تلك. وحين يخرج رجل الدين ليملي على هذه الغوغاء فتواه بأن «هذا الموقع السياسي يمثل الطائفة وكل من يهاجمه فإنّه يعتدي على الطائفة»، فتلك هي آخر درجات التخلف السياسي.
لعل الفرق بين لبنان وتونس هو أنّ في لبنان «رموزاً» تختصر هذه الطائفة وتلك، لا يمكن المساس بها، حتى لو سرقت وعاثت في البلاد فساداً، بينما في تونس ثمة جسد شاب احترق ليختصر تفاصيل الوطن.

22‏/12‏/2010

لاجئ يتقاسمه وطنان

معمر عطوي
ثمّة حالات استثنائية وسط هذا الجمع المُكتظ في مخيمات لبنان، تستحقّ أن تنحني لها احتراماً. محمود أحمد الأسعد، الذي غادرالحياة منذ أيام عن 23 عاماً هو واحد منها، فابن قرية مغار الخيط في محافظة صفد، كان يعيش في حي «الجالية» الفلسطينية في بلدة برالياس البقاعية. الأكثر إيلاماً من وضعه ـــــ مُقعد عاجز عن تحريك أي عضو في جسده ـــــ كان وضعه المواطني.
فوالدته اللبنانية لم تستطع منحه جنسيتها بسبب ظلم قانون بلادها، فغادرنا الشاب بحسرتين: العجز عن زيارة بيت جدّه لأمه في جنوب لبنان بدون تصريح، والعجز عن العودة إلى بلاد أبيه فلسطين. أمّا الإعاقة، فهزمها بالتفوق حتى كاد أن يحصل على دبلوم في إدارة الأعمال لولا المنيّة.
قصة تراجيدية طويلة عاشها هذا الفتى الذي وُلد في الكويت، حيث عمل والده بكد لتعليم أولاده الستة، إلا أن حرب الخليج الأولى واقتحام الجيش العراقي لهذه الإمارة النفطية، أوقعا الفلسطينيين ضحايا مرة أخرى. هكذا، هُجّروا بحجة مساندة زعيمهم الراحل ياسر عرفات للرئيس العراقي صدام حسين. هذا التهجير الذي أعادهم الى المربّع الثاني بعد مغار الخيط، أي البقاع اللبناني، ما كان ليوفّر مناخاً ملائماً لمعالجة مرض أصيب به الصبي الصغير، أضعف أعصابه لدرجة الشلل الكلي تدريجاً. فالعناية الصحيّة التي يقدّمها الهلال الأحمر الفلسطيني أو منظمة «الأونروا»، ليست كافية ولا تليق بمجتمعات الإنسانية المُتحضّرة. معاناة عايشها الطفل والمراهق والشاب تدريجاً حتى أصبح في وضع الشلل التام الذي يحتاج إلى من يحرّك له رأسه وجسده باستمرار. معاناة الإنسان الفلسطيني مع الرعاية الصحية لم ينج منها حتى الوالد الذي فارق الحياة بعد عذاب مضن مع أمراض الكلى التي لا يستطيع الفلسطيني معالجتها إلّا في صيدا.
لعلّ شجاعة محمود الذي فارق الحياة متألماً في مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني في بر الياس، تكمن في هذا الإصرار على خوض غمار العلم وتحقيق مقولة والده «إحنا الفلسطينيي ما إلنا غير العلم سلاح لنرجع على أرضنا. ما حدا سائل عنا»، وهو أمر اتبعته ابنة عمه «إقبال»، أصغر طالبة طب في العالم. محمود، الذي يتقاسمه وطنان، عاش مظلوماً في كلا الوطنين، ورحل حزيناً وسط أكوام من الأحلام لم يتح له وقت لرؤيتها تتحقق.

16‏/11‏/2010

«ألبا» في قبضة «السي آي إيه»!

منظمات أوروبيّة غير حكوميّة تساعد في حصار اليسار اللاتيني

لم تكن محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها جمهورية الإكوادور قبل شهرين، وليدة صدفة، أو مجرد فعل تمرد داخلي، بمعزل عن التدخل الخارجي، ذلك أن بصمات الولايات المتحدة، ومعها بعض الدول الأوروبية، واضحة في مخططات تغيير هوية بلدان أميركا اللاتينية اليسارية بمعظمها من خلال دعم انقلابات ومؤامرات لعزل رؤساء يقفون في مواجهة الهيمنة الإمبريالية على الحديقة الخلفية للبيت الأبيض. في شهر تموز من صيف العام الحالي، أفردت مجلة «غيهايم» الألمانية المتخصصة بالشؤون الأمنية، معظم صفحاتها للحديث عن التدخل الأميركي ـــ الأوروبي في أميركا الجنوبية والوسطى، مسلطّة الضوء على مؤامرات لتغيير هوية المنطقة



معمر عطوي

تناولت مجلة «غيهايم» الألمانية، في عددها الصادر في شهر تموز الماضي، محوراً يتحدث عن خطط قامت بها واشنطن، «بتواطؤ» أوروبي للقيام بانقلاب في فنزويلا، «لتغيير النظام» من خلال الانتخابات التشريعية التي أجريت في 26 أيلول الماضي.

ويبدو أن فوز حزب الرئيس الفنزويلي، هوغو تشافيز، قد فوّت الفرصة على المعارضين الموالين للغرب، ولم يحدث أي تدخل واضح في فنزويلا، بل حدث ذلك في الإكوادور، التي تدور بدورها في كنف الدول ذوي الصبغة اليسارية. فما جرى للرئيس الإكوادوري، رافائيل كوريا، شبيه إلى حد ما بما جرى لرفيقه الفنزويلي في عام 2002. ولعل انقلاب هندوراس، الذي أقيل بموجبه الرئيس مانويل زيلايا المعروف بـ«ميل»، في صيف العام الماضي، يدخل في سياق هذا المخطط. فالولايات المتحدة، حسبما ذكرت «غيهايم» لجأت إلى استغلال نفوذ منظمات مدنية غير حكومية تابعة لأحزاب أوروبية، لإحداث تغيير في المنطقة. وذكرت المجلة عدة منظمات مثل «كونراد أديناور»، التابعة للحزب المسيحي الديموقراطي الألماني، الحاكم، ومنظمة «فريدريش ناومان» التابعة للحزب الديموقراطي الحر، وهو حزب حليف في الائتلاف الحاكم في ألمانيا.

ومن شأن البرامج الاجتماعية والسياسية والتربوية التي تقوم بها هذه المنظمات وتدعمها، تسهيل دحر اليسار البوليفاري، في دول ما يسمى مجموعة دول البديل البوليفاري (ألبا) (تضم كلاً من فنزويلا، والإكوادور وبوليفيا وكوبا وهندوراس ونيكاراغوا ودومينيكا وأنتيجغا وباربودا وسانت فنسينت والغرينادينز في أميركا اللاتينية).

وبالعودة إلى ما حدث في الإكوادور، كان من الطبيعي أن يلقي كوريا بمسؤولية محاولة الانقلاب على سلفه في قصر الرئاسة، لوسيو غوتيريز. لكن ما كشفه الصحافي الكندي، جان غاي إيلارد، استناداً إلى تقرير وزير الدفاع خافيير بونس، في تشرين الأول 2008، يفيد بأن الدبلوماسيين الأميركيين منحوا الشرطة الإكوادورية والعسكر المال منذ وقت طويل، الأمر الذي دفع وزير الدفاع، إلى تهديد المسؤولين والضباط، بعقوبات إذا تقاضوا أموالاً من السفارة الأميركية.

«غيهايم»، أشارت إلى السفيرة الأميركية السابقة في كيتو، هيثر هودغيز، التي اعترفت بالتعاون مع المؤسسات العسكرية في الإكوادور بقولها: «نحن نعمل مع حكومة الإكوادور، مع الجيش، ومع الشرطة لغرض مهم جداً، هو الأمن لنا جميعاً».

لكن الصحافية التحقيقية، إيفا غولينغر، كشفت عن أن هودغيز تمكنت من إنماء منظمات تدعمها وزارة الخارجية الأميركية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والمؤسسة الوطنية للديموقراطية. وصرفت الوكالة الأميركية للتنمية وحدها في عام 2010 نحو 38 مليون دولار في أعمالها في الإكوادور. والتمويل لم يشمل فقط الجماعات المدنية المعادية لكوريا، بل أيضاً منظمات السكان الأصليين الهنود.

ويرى رئيس تحرير مجلة «غيهايم»، إنغو نيبل، أن «الأحداث التي جرت في الاكوادور تثبت مرة أخرى أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يزالون على استعداد لاستخدام الانقلاب كأداة سياسية». ويكشف نيبل دوراً لمؤسسة «كونراد أديناور» (KAS) ، ومؤسسة «فريدريش ناومان» (FNS) الليبرالية، في انقلاب الهندوراس، 2009.

ويرى أن المرشح المقبل على قائمة الاغتيالات هو نيكارغوا عضو «ألبا»، مشيراً إلى أن مسؤول «FNS»، كريستيان لوث، الذي أيد الانقلاب على زيلايا، لا يزال يصوّب الآن نحو الرئيس السانديني، دانيال أورتيغا (الجبهة الساندية).

وبدا من وراء الهجوم على نيكاراغوا، أن الهدف الاستراتيجي هو حكومة الثوار في كراكاس ثم هافانا، حسبما يقول نيبل في مقال بعنوان «أولاً فنزويلا وبعد ذلك كوبا».

وفي كتاب بعنوان «السي آي إيه في إسبانيا»، يُبين الباحث الشهير الفريدو غريمالدو، من مدريد، كيف «تدير المؤسسات الألمانية برامج في ستين بلداً، حيث صرفت نحو 150 مليون دولار أميركي». ويشير إلى «أنهم يعملون في سرية تامة تقريباً».

ويستشهد الكاتب الإسباني بقول لعميل سابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، يدعى فيليب أغي، نشره في صحيفة «زونا سيرو» في آذار عام 1987، يفيد بأنه من ضمن «برامج الديموقراطية» التي أعدتها الوكالة المركزية، استخدمت هذه الوكالة المؤسسات الألمانية لـ«توزيع أموال السي آي إيه»، على الرغم من أن هذه الوسيلة تفيد مصالح الولايات المتحدة.

وفي مقال بعنوان «ضد الروابط الكوبية»، كتب جين غاي إيلارد في مجلة «غيهايم»، أن «المؤسسة الألمانية جزء من «الحركة العالمية للديموقراطية»، التي أنشأتها «المؤسسة الوطنية للديموقراطية». وجرى تمويلها من الوكالة الأميركية للتنمية، التي تمثل الواجهة الرئيسية لوكالة الاستخبارات المركزية».

أمّا الكاتبة الألمانية الخبيرة بشؤون أميركا اللاتينية، سوزان غراتيوس، التي ابتُعِثت للبحث لمصلحة مؤسسة «فريدي» في إسبانيا مدة خمس سنوات، فوصفت في تقرير «متفجّر» بالتفصيل، كيف تدعم مرافق تابعة للولايات المتحدة إلى جانب «كونراد أديناور» و«فريدريش ايبرت»، منظمات المجتمع المدني في فنزويلا بالمال، وتأهيلها للكفاح ضد الحكومة. وتقول إن ما بين 40 و50 مليون دولار سنوياً، تتدفق الجمهورية البوليفارية.

السؤال الذي يطرحه محور النقاش في مجلة «غيهايم»، هو أن إرسال الولايات المتحدة لعشرين ألف جندي أميركي مدججين بالسلاح إلى هايتي، بذريعة إغاثة المنكوبين من الزلزال في كانون الثاني الماضي، هل يهدف إلى تطويق دول «ألبا»، بدءاً بكوبا، ولا سيما أن هايتي تقع على الساحل الغربي للجزيرة الشيوعية.







--------------------------------------------------------------------------------



الصحف الأميركيّة: معارضة لا انقلاب



الصحافة في أميركا اللاتينية الخاضعة لهيمنة الولايات المتحدة، قلّلت من شأن الأحداث في الإكوادور، حسبما لفت الصحافي الكندي جين غاي، ولم تشر إلى وقوع انقلاب، بل إلى معارضة داخلية بسبب مشروع قانون إعادة تنظيم القطاع العام التقشفي، الذي ينص على قطع عدد من مكتسبات الشرطة والجيش المالية ويطيل مدة الترقي الآلي من 4 إلى 7 سنوات. لكن الرئيس رفائيل كوريا يصرّ على أن «محاولة انقلاب حصلت»، حسبما نقلت عنه صحيفة «دياريو لاس. أميركا» التي تصدر في ميامي. الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، الذي ذاق طعم مرارة الانقلابات المدعومة أميركياً، اتهم الولايات المتحدة بالوقوف وراء التمرد، رافضاً القول إنها انتفاضة عفوية. فالرئيس اليساري السائر «أنتي أميركا»، كان حريصاً على الاتصال بنحو متواصل مع نظيره الإكوادوري خلال محنته. ففي مقابلة مع قناة «تيليسور»، أعلن قائد الثورة البوليفارية، أن كوريا في خطر، ملقياً بالمسؤولية على اليمين المتطرف.







الأخبار:١٦ تشرين الثاني ٢٠١٠ 

10‏/11‏/2010

إطلالة على إيران بلد المفارقات العجيبة


بدت طهران من نافذة الطائرة، في الساعة التاسعة ليلاً، متناسقة بهندسة شوارعها ومبانيها، مشعّة بأضوائها التي لا تنطفئ، مزدانة بنوافير مياهها العالية التي تحاكي جبالاً تحيط بالمدينة المكتظّة مثل أمّ حنون. هنا قد يصبح الحديث عن العقوبات الدولية ضرباً من الخيال لولا ملاحظة تأثر الشارع بلسعة الحصار وتداعيات الاضطرابات الداخلية التي لا تزال آثارها واضحة

طهران ــ معمر عطوي
حين تطأ أقدامك أرض مطار الإمام الخميني في طهران، تستقبلك الأزهار والنباتات الطبيعية والاصطناعية من كل جانب. منظر الخضرة هنا هو أحد أهم عناصر المشهد في وريثة الإمبراطورية الفارسية. منظر لا يشغلك عمّا تعيشه إيران من ضغوط وعقوبات ومحاولات دولية لعزلها بسبب برنامجها النووي الذي تصرّ على سلميّته، فيما يصرّ الغرب على ترسيخ هاجس عسكرته.
صورة الحصار الدولي سرعان ما تبدأ بالتراجع أمام حركة الأسواق والشوارع بالتوازي مع حراك سياسي دبلوماسي يُشعرك بمدى القطيعة مع ما يُحاك خارج الحدود من مؤامرات لزعزعة الدولة ـــــ الثورة. ثمة لامبالاة بكل ما يُفرض من عقوبات لليّ ذراع هذه الجمهورية التي تتسلّح بعقيدة دينية. ثمة كبرياء لدى القادة والشعب معاً أمام كل محاولات إجبار هذا البلد المثير للجدل على التخلي عن حقّه بامتلاك الطاقة النووية السلمية، «القطار الذي لن يتوقف». برنامج يبدأ بإيتاء ثماره خلال أشهر قليلة حين ينتج مفاعل بوشهر النووي (جنوب البلاد) نحو ألف ميغاواط من الطاقة الكهربائية.
مفارقات الخيال والواقع تبدأ بالتجلّي لحظة الوصول الى المطار، حيث بان ضعف التنسيق بين المؤسسات؛ موفد وزارة الثقافة الموكل باستقبال الوفد اللبناني المشارك في معرض وسائل الإعلام الدولي، لم يستطع تأمين استثناء للدخول من دون جلبة، فطال الانتظار على شبابيك الأمن العام، وتوسّعت دائرة تذمّر المشاركين. هنا لم تمنع جمالية المشهد الديكوري في صالات المطار، من ظهور الامتعاض على وجوه أعضاء الوفد اللبناني المدعو إلى المشاركة في المعرض الذي أُقيم في مصلّى الإمام الخميني بشمال العاصمة طهران. مشهد الامتعاض تكرّر أيضاً، أمام موظفي الفندق الفخم ومنسّقي إقامة «الضيوف» الآتين من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في المعرض. ضعف تنظيم لا يتلاءم بتاتاً مع «عظمة» بلد وصلت صواريخه الى الفضاء واقتحم لتوّه النادي النووي.
بيد أن حسن الضيافة والقلب الواسع في استيعاب نقد بعض التدابير وآليات التنظيم، يخفف من غلواء الامتعاض. لعلها سياسة طول النفس التي يتحلّى بها الإيرانيون في تعاطيهم مع الآخرين.
صحافيون من كل الطوائف والتوجهات، وسائل إعلام متعددة، وإن غلبت عليها شريحة تابعة لمحور «الممانعة». بعض الفتيات المرافقات، تحوّلن فجأة قبل هبوط الطائرة في المطار الى أخريات، إذ أرخين على رؤوسهن مناديل للتماهي مع النظام السائد.
ويمكن الزائر التمييز بين من ترتدي الحجاب عن قناعة عقائدية راسخة وبين من ترتديه استجابة لحالة اجتماعية ولما تقتضيه متطلبات النظام. ثمة شريحة تكسر لديك الصورة النمطية عن المجتمع المحافظ، من خلال أسلوب حياة يتماهى تماماً مع الصيحات الغربية. يبدو الحجاب في إيران لدى بعض الفتيات موضة أكثر منه تمسكاً بواجب ديني، فالتبرّج الظاهر على وجوه الفتيات وتلك الرقعة الصغيرة التي لا تكفي لتغطية كامل الشعر يشيان بواقع صعب ومعقّد لا يمكن سوقه بقوة «العقيدة».
أمّا الحديث عن جمال نساء إيران ومستوياتهن الثقافية، فقد لا تتسع له عجالة. وقد يصح القول: في هذا البلد، الذي تغطيه الغابات والحدائق، تتوافر بامتياز المياه والخضرة والوجه الحسن.
الناس رغم عدم إلمام الكثيرين باللغات الأجنبية، لطيفون ومتعاونون بما توافر من وسائل تخاطب وتواصل. يسارعون إلى إرشاد التائه أو العثور على كلمة مناسبة للتعبير، بكل ما أوتوا من قوة شرح.
أما سائقو سيارات الأجرة ـــــ على الأقل من رافقنا في تنقلاتنا ـــــ فلم يبدُ عليهم طمع بسائح دسم، بل كانوا يقبلون بمنطق المساومة في خفض الأجرة، من دون أي تذمّر. وللسائقين قصة أخرى مع البنزين، الذي أصبح متاحاً أكثر مع تطوير مصافي تكرير النفط؛ كانت إيران، البلد الرابع من حيث إنتاج النفط في العالم، تستورد منذ أسابيع قليلة أكثر من 40 في المئة من حاجاتها من البنزين المكرر. لكن في الأسابيع الأخيرة، يبدو أنها وصلت الى مرحلة قريبة من الاستغناء عن الاستيراد، حسبما يفيد أحد المقيمين في العاصمة الإيرانية.
«كأننا في دمشق»، هتف أحد الزملاء أثناء انتقالنا بالحافلة الى جامعة الإمام الصادق، سيارات الأجرة الصفراء، عبق المدينة، الأسواق المقفلة؛ مثل «الحميدية» الجبل المواجه يشبه «قاسيون». تشابه كبير بين المدينتين، ربما كان الأمر مجرد تخيّل بسبب طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين سوريا وإيران.
الشارع الإيراني مُسيّس بامتياز. فرغم كل الأحداث التي شهدتها البلاد إثر إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد، وما رافقها من تشكيك بالنتائج وتظاهرات ومواجهات تبعتها اعتقالات ومحاكمات، لا يزال بعض الإيرانيين يعبّرون عن امتعاضهم من سياسة الحكومة الحالية. صورة الامتعاض هذه بدأت من صالة الانتظار (ترانزيت) في مطار الدوحة، حيث كان أحد الإيرانيين المقيمين في الخارج واضحاً في انتقاد الرئيس نجاد وسياسته الاقتصادية التي «رفعت نسبة التضخم وزادت البطالة».
للحديث هذا صلة تتواصل في شوارع ومحال شمال طهران الغني حيث تتجمع البورجوازية الإيرانية المعروفة بتوجهاتها المعارضة، خلافاًً للجنوب الفقير الموالي بأكثريته الساحقة للنظام. هنا، في شمال العاصمة الإيرانية، لا يخشى العديد من المواطنين التعبير عن آرائهم بنجاد الذي «يعادي الغرب بخطابه الاستفزازي»، بينما يرى أحدهم أن الزعيم المعارض مير حسين موسوي لن يكون بخلاف نجاد في فرض نظام إسلامي محافظ على الناس و«مصادرة حريتهم باسم الدين». تقول إحدى السيدات «ما نفع التقييد سوى زيادة عدد مدمني المخدرات ليصل الى أكثر من مليوني مدمن»، تقاطعها رفيقتها لتقول «كل شيء موجود في إيران. المنع أصبح شيئاً مضحكاً في عصر الإنترنت». بيد أن أحد الشباب ينبري ليعبّر عن تعجّبه من اتهام إيران بالتخلف والتضييق على الحريات، مقارناً بين بلده والسعودية بالقول «لدينا سينما ومسرح وفنون وزواج منقطع وتطورات تقنية هائلة وصناعة رائدة، ماذا لديهم في دول الخليج سوى التمسك بالتقاليد البدوية وتقليد الغرب في آن؟». نظرة استعلائية فارسية لها جذورها التاريخية التي عززها تخلّف العرب عن ركب الحضارة في العصر الحديث، وزادت من حدّتها حرب شنها العراق على إيران، في عهد الرئيس صدام حسين بين عامي 1980- 1988.
الفوارق الطبقية تبدو واضحة، نسبياً، بين شمال طهران الراقي الحافل بحركة إعمار ومظاهر رفاهية وأسلوب حياة غربي ممزوج بروحية المعارضة للحكومة، وبين جنوب فقير محافظ يتماهى تماماً مع تعاليم ولاية الفقيه ويسلّم أموره الى الحكومة «المهدوية».
فوارق لا تمنع معظم سكان المدينة بضفتيها، الشمالية والجنوبية، من نسج علاقة عشق مع الشعب اللبناني، ولا سيما الجنوبي منه، حيث يبادرونك دائماً حين يعرفون أنك من لبنان بالقول «أنتم من بلد حزب الله»... «كيف حال السيد نصر الله؟». ثمة حماسة ظاهرة للزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإيراني الى بيروت، حيث لا تزال مدار أحاديث بين منتقد لتوزيع أموال النفط على اللبنانيين، وآخر مفتخر بدعم المقاومة و«الطبقة المحرومة» من الشيعة في لبنان.
يمتعض سائح أوروبي بشدة حين يقطع الشارع، وسط خطر الموت المحيط من جراء عدم توقف السيارات عند الإشارة الحمراء. يتساءل كيف يمكن دولة تنتج صواريخ باليستية وأقماراً اصطناعية أن تكون ضعيفة في مسألة تنظيم السير. يعلّق أحد المارة «ينبغي إنزال الحرس الثوري لتنظيم حركة السير بدل الشرطة المتقاعسة».
البضائع الأميركية والأوروبية متوافرة رغم الحصار، ولا قيود على بيعها. بيد أن أسعارها أغلى بقليل من دول الجوار. أمّا لوازم المعيشة فيبدو أنها لا تزال في حدود الممكن، فالثورة حققت بعض طموحاتها على طريق الاكتفاء الذاتي. لكن المثير في الأمر أن مطعم الفندق لم يقدم للوفود الإعلامية سوى شراب الكوكا كولا، يؤكد عامل المطعم أنه «لا وجود للبن ولا للعصير ضمن برنامج الضيافة». المفارقة أن الكولا هي رمز الشيطان الأكبر.
صورة الإرادة في تحقيق الاكتفاء الذاتي تتجلّى في العديد من القطاعات؛ معظم السيارات التي تسير في شوارع طهران هي من صنع إيراني، مثل «سورن» و«سمند» إضافة الى نماذج إيرانية من سيارات «بيجو» و«رينو» الفرنسية.
التقنيات الحديثة، ولا سيما على مستوى وسائل الاتصال، تظهر جليّة خلال جولة على مجمّع الإذاعة والتلفزيون في شمال طهران، حيث قنوات العالم والكوثر وإيران الرسمية والإذاعات الناطقة بالفارسية والعربية والكردية والطورانية والأذرية وغيرها.
ولبازار طهران حكاية أخرى لا تنتهي فصولها في أسطر. هنا يدرك الزائر أهمية البازار في تشكيل المشهد السياسي. تجار هذا السوق الضخم لديهم نفوذهم داخل الحوزة كما داخل أروقة الحكم.
في البازار تجد كل ما تشتهي نفسك من سلع ومأكولات وهدايا ومعدّات صناعية وأجهزة كهربائية وسجاد عجمي منسوج بعناية وكافيار فاخر وفستق وزعفران. قائمة لا تنتهي من السلع التي تؤكد أن البلاد تسير بعناد لتحقيق طموحاتها، رغم العقوبات والحصار.
مفارقات عجيبة في بلاد فارس، حيث الاحتفاظ بطقوس وتقاليد تبدو أحياناً كثيرة منافية للمنطق، وبين ظواهر تقدميّة تحاكي العصر الحديث بتقنياته المتطورة. وفي أي حال، تبقى رائحة النفط بعيدة عن عبق الشارع الذي يعيش لحظات انتظار ما بعد الحصار.



--------------------------------------------------------------------------------

قوميّات

لا يمكن الحديث عن شعب ذي لون واحد في إيران الذي يتخذ هوية فارسية ومذهباً شيعياً اثني عشرياً رسمياً للدولة يوجّه آفاق مستقبلها وحركتها السياسية والاجتماعية بتعاليم «مقدّسة». ثمة قوميات عديدة في إيران التي يتجاوز عدد سكانها 74 مليون نسمة. أعراق مختلفة معظمها من الفرس، إلى جانب الأكراد والتركمان والبلوش والأرمن والعرب وغيرهم.
أمّا دينياً، فرغم أن معظم السكان يتبعون للمذهب الشيعي الاثني عشري (89 في المئة)، وهو المذهب الرسمي للدولة، هناك نسبة من المسلمين السنّة، إلى جانب أقليات دينية أخرى، منها اليهود والمسيحيون والبهائيون والمندائيون والزرداشتيون. كما أن هذا البلد الذي تتجاوز مساحته مليوناً وستمئة ألف كيلومتر مربع، يحتضن أكثر من 110 لغات، أبرزها الفارسية والأذرية والكردية والعربية والبلوشية والعبرانية والأرمنية والمندائية والبختارية، وغيرها من اللغات غير المعروفة.



عدد الاربعاء ١٠ تشرين الثاني ٢٠١٠

13‏/10‏/2010

علاقة ملتبسة بين «العمال الكردستاني» وإسرائيل

معمر عطوي
العلاقة لا تزال ملتبسة بين حزب العمال الكردستاني وإسرائيل. التقارير الإعلامية والأمنية تحدثت كثيراً عن تنسيق ما بين فصائل قوات الدفاع الشعبي الكردستاني (الجناح العسكري للحزب) والاستخبارات الإسرائيلية، ولا سيما بعد توتر العلاقات بين إسرائيل وتركيا، لتؤكّد أن ثمة خيطاً يربط بين الجانبين، هدفه ليّ ذراع أنقرة.
فالحزب الكردستاني، الذي لا يزال في ساحة النضال من أجل تحصيل حقوقه الاجتماعية والثقافية والسياسية داخل الدولة التركية، اشتهر بعلاقته الوطيدة بالثورة الفلسطينية منذ كان يمتلك معسكرات تدريب في البقاع اللبناني.
واللافت أن قائد الحزب عبد الله أوجلان، المعتقل في تركيا منذ عام 1999 جرّاء عملية خطف تورط فيها الموساد الإسرائيلي، كان يشارك إلى جانب المنظمات الفلسطينية في المعارك ضد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.
وفي مقابلة أجرتها «الأخبار» مع القائد العام السابق للجناح العسكري لحزب العمال الكردسـتاني، باهـوز أردال، نُشرت في 10 تشرين الثاني 2007، أكد الأخير في ردّ على سؤال عن صحة ما يشاع عن علاقة بين الحزب وإسرائيل، أنه «ليست لنا أي علاقات مع إسرائيل». وقال «لم ولن ننسى مساندة الشعبين اللبناني والفلسطيني لنا في بدايات نضالنا. وما زلنا في خندقٍ نضالي واحد مع هذين الشعبين».
السؤال نفسه وجّهته «الأخبار» إلى مسؤول المكتب الإعلامي لقوات الدفاع الشعبي، دوزدار حمو، في 3 آب الماضي، وخصوصاً بعد تزامن عملية لواء الإسكندرون التي نفذها عناصر من الحزب مع حادثة اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لسفينة «مافي مرمرة» التركية. بيد أن المسؤول الكردي أصرّ على أن عملية الإسكندرون كانت «صدفة بكل معنى الكلمة، ونحن لسنا بحاجة إلى أن نطلب الغطاء من إسرائيل ولا من أي دولة أخرى عندما نقرر القيام بأي بعملية عسكرية».
لكنّ القشة التي قصمت ظهر البعير تمثّلت في المقابلة التي أجرتها القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، الشهر الماضي، مع رئيس اللجنة التنفيذية لمنظومة المجتمع الكردستاني، مراد قره يلان. مقابلة أكد مسؤولو الحزب حصولها، لكنهم تحدّثوا عن تشويه مضمونها في الإعلام التركي.
فالمشكلة لم تعد في لقاء ـــــ غير مسبوق ـــــ مع إسرائيليين، بل في ما نُقل عن لسان قره يلان، من وصف لتركيا بـ«العدو المشترك لإسرائيل والأكراد».
المسؤول الإعلامي لم يلجأ إلى تبرير قبول الحزب بهذه المقابلة، بل تحدّث لـ«الأخبار» عن أن «الإعلام التركي حرّف اللقاء بهدف جذب تعاطف العالم العربي إلى بلاده».
ونقل حمو عن قره يلان قوله إن «وسائل الإعلام التركية تشن حرباً خاصة على الشعب الكردي وتنتهك أصول العمل الإعلامي وأخلاقياته، وهي بتسويقها للأكاذيب تعمل لمصلحة الأطراف المراهنة على الحرب والعمليات العسكرية، والرافضة لحل القضية الكردية حلاً سلمياً وديموقراطياً عادلاًً».
لعلّ قره يلان أراد التغطية على موضوع المقابلة بالحديث عمّا أثاره مع الصحافي الإسرائيلي، ايتالي انغهل، من أن الحكومة الإسرائيلية تواصل بيع الأسلحة الحديثة ذات التقنية العالية للدولة التركية التي تستخدمها بدورها ضد المقاتلين الكرد، مطالباً إسرائيل بأن تتوقف عن بيع مثل هذه الأسلحة لتركيا.
هذا التطور في سياسة حزب العمال الكردستاني، الذي طالما نفى وجود أي علاقات له مع الدولة العبرية، قد يبيّن وجود تيارات داخل تشكيلات الحزب المتعددة بخصوص العلاقة مع إسرائيل للَيّ ذراع الأتراك في هذه المرحلة، وخصوصاً بعد تسرّب أنباء عن حصول خلافات بين قره يلان وعضو اللجنة العسكرية لقوات الدفاع الشعبي، باهوز أردال.
الأمر الآخر في تطورات القضية الكردية يتعلق بما أُثير في بعض وسائل الإعلام عن طلب أوجلان من عناصر الحزب عدم استفزاز عناصر الجيش التركي. وهذا ما ينفيه حمو، قائلاً إن «الإعلام التركي يعمل وفق تعليمات وتوجيهات مؤسسة الحرب الخاصة التركية، بما يتوافق مع مصالح الدولة العميقة».



عدد الاربعاء ١٣ تشرين الأول ٢٠١٠ |

19‏/8‏/2010

لبنان: مسارات ساخنة في قضية مقتل الحريري

ما هي خلفيّة اتهام حزب الله، أو عناصر منه، باغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ وما هي التداعيات والنتائج المحتملة لاتّهام كهذا؟ سؤالان أساسيّان يحاول الدكتور شتيفان روزيني الإجابة عنهما في هذا التقرير الصادر عن معهد «غيغا» للدراسات الشرق أوسطية في مدينة هامبورغ الألمانية. المعهد الذي يهتمّ ببحوث حول الإسلام السياسي من خلال توظيف فرق بحثية متخصصة في «الدين: الصراع والسياسة»، يشكل حزب اللّه موضوعاً رئيسياً في أبحاثه. والجدير بالذكر أنّ المعهد الذي تأسس في 1964 وأعيدت هيكلته في 2006، يعدّ من أكبر معاهد البحث الألمانية، ومن أضخم المعاهد الأوروبية المهتمة بالأبحاث في المنطقة والدراسات المقارنة.

إعداد وترجمة: معمر عطوي

شتيفان روزيني*

في 23 تموز 2010، ذكر الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أنّ المحكمة الخاصة بلبنان (أس تي ال)، في لاهاي، ستتّهم خلال وقت قصير أعضاءً في حزبه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (في شباط 2005). وقد أكد له سعد الحريري، نجل الضحية البارزة ورئيس مجلس الوزراء الحالي، أنّ «أعضاءً غير منضبطين» فقط سيتحمّلون المسؤولية، لا الحزب.

تحليل

- سيمثّل هذا الاتهام، من جانب المحكمة، التي تكوّنت عام 2007 بناءً على قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قضية سياسية من الدرجة الأولى، كما سيمثل خطراً على «حكومة الوحدة الوطنية»، التي تكوّنت بمشاركة حزب الله بعد جهود مضنية وسنوات من الحصار اللبناني الداخلي. ومن المحتمل كذلك أن يسهم الاتهام في تسخين النزاع بين الشيعة والسنّة، بحيث يفيض خارج حدود لبنان.
- جرى التخمين سابقاً في لبنان بشأن مشاركة حزب الله في الاغتيال باعتباره حليفاً لسوريا، في هذا الوقت كان النظام السوري ذاته متّهماً بالاغتيال، وهو ما أدى إلى عزله سياسياً لسنوات.
- تتناقض مشاركة حزب الله (الشيعي) في الاغتيال مع صورته العملية السابقة، ومع أجندته السياسية، التي تعمل على تجاوز الخنادق الطائفية بين السنّة والشيعة. تنفيذ العملية يبدو مناسباً أكثر لقتلة جهاديين سنّة، الذين لديهم العديد من الدوافع لاغتيال الحريري.

 من شأن اتهامات خاطئة جديدة، مثل التي ساقتها لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة (لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة)؛ التي تحدثت في البداية عن «المسار السوري» وتوقفت الآن، أن تضع صدقية المحكمة الخاصة بلبنان موضع تساؤل وباطّراد.
- يريد ساسة المنطقة أن يمنعوا العنف الطائفي من العودة مرةً أخرى، ولهذا الغرض فقد سافر الملك السعودي عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد معاً إلى بيروت نهاية تموز لإظهار نيّتهم نزع فتيل التوتر.

سوريا وقضية اغتيال الحريري تستقطبان السياسة اللبنانية الداخلية

بعد مرور عشرين عاماً على انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، أُزيلت الخسائر الظاهرية، إلّا أن المجتمع اللبناني لا يزال موسوماً بقدر عال من العنف وبشكل ملحوظ. وأنتج الوضع الأمني غير المستقر على الحدود: ثلاث حروب مع إسرائيل (1993 و1996 2006)، صراعات طائفية داخلية، صدامات بين القوى الأمنية وجهاديين، ونحو 100 اعتداء سياسي منذ عام 1990، مناخاً متوتراً على الدوام.
ما زالت الهويات الطائفية ـــــ مثلما كانت عليه الحال في السابق ـــــ تؤدّي دوراً أساسياً في توزيع السلطة وتوزيع الموارد، وفي بناء التحالفات الداخلية والخارجية. هناك على الأخص احتمال نشوب صراع إذا ما تقاطعت النزاعات الداخلية مع السياسات الإقليمية، وبالتوازي مع المكونات الطائفية.
نشأ تكتل كهذا إثر مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ووقعت عملية الاغتيال في مرحلة استقطاب حاد بالسياسة الخارجية الأميركية. فبعد هجمات 11 ايلول 2001، ربطت الإدارة الأميركية السابقة كل أنواع سلوك الممانعة في الشرق الأوسط في سياق واحد مع الإرهاب. وعندما وجدت لحظات شك وحتى ـــــ كما ظهر لاحقاً ـــــ شهود «زور» أشاروا إلى مسؤولية سوريا والمتعاونين معها في الجهاز الأمني اللبناني، جرى التوافق على اعتبار هذا البلد «دولة مارقة»، كما عُزل سياسياً. وبناءً على استنابة قضائية من المحقق الدولي ديتليف ميليس، اعتُقل رؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية. وبسبب الضغوط اللبنانية والدولية المكثفة عليها، انسحبت القوات السورية من لبنان بحلول 26 نيسان 2005.
كان الاحتلال السوري للبنان مكروهاً من كل الطوائف اللبنانية. ويعود السبب في ذلك إلى عجرفة الجهاز الأمني السوري وسيطرته القاسية، وكذلك إلى انتشار الفساد على نطاق واسع بين صفوفه. وإضافةً إلى ذلك فقد بدأت عمالة سورية كثيفة تتوافد على لبنان، والتي ـــــ دون دفع ضرائب ولا مساهمات في الضمان الاجتماعي ـــــ أسهمت في إعادة إعمار لبنان، إلا أنها ضغطت على أجور العمال اللبنانيين. جنت النخبة الاقتصادية اللبنانية الأرباح من طفرة البناء ومن السياسات الليبرالية الجديدة للحريري، واستثمرت هذه الوضعية لترتيب علاقاتها مع سلطة النظام السوري. وجاء اغتيال الحريري ليضع البلد في أوج اغتراب زاحف. فالتدخل المتعاظم في السياسة الداخلية اللبنانية خلق استياءً متزايداً. وأكد أتباع الحريري، بعد ساعات قليلة من مقتله، أن سوريا تختبئ خلف الجريمة. فقط الأحزاب الشيعية أمل وحزب الله، إضافةً إلى صف من الأحزاب الصغيرة الموالية لسوريا، أيدوا سوريا، وخصوصاً لأن الوجود السوري في لبنان يسّر تسليم الأسلحة لـ«المقاومة»، مثلما وفّر قدراً من الحماية أمام اجتياح إسرائيلي جديد. وأعطتهم التظاهرة الضخمة في 8 آذار 2005 تحت عنوان «شكراً سوريا» اسمهم «حركة الثامن من آذار».
احتشد الجانب الآخر، في 14 اذار 2005، في أكبر تظاهرة عرفها لبنان، وطالب بانسحاب فوري للقوات السورية من لبنان. كانت حركة 14 آذار في تشكيلها غير متجانسة بحق. حيث انضوت وقتها في هذه الحركة أحزاب مسيحية ناهضت وقتاً طويلاً الاحتلال السوري، إضافةً إلى أطراف ربطتها علاقة وطيدة بالسوريين، مثل حركة المستقبل السنية العلمانية التابعة للحريري، أو الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
ولاحقاً انفضّ منها التيار الوطني الحر التابع للجنرال السابق المسيحي ميشال عون، الذي كان يقف ضد الوجود السوري، ليعقد تحالفاً مع حزب الله في 6 شباط 2006. وبناءً على ذلك فقد كان التصنيف الرائج في الإعلام الغربي بين أتباع سوريا ومناهضيها مضلِّلاً. الأكثر من ذلك أن تبايناً سنياً ـــــ شيعياً قد تجلى في الكتلتين، بحيث انضمت إليه أحزاب طائفية أخرى. عزا معظم السنّة في البلاد الذنب في مقتل «شهيدهم» رفيق الحريري إلى الحكم المهيمن عليه علويّاً في دمشق، وفي السر أيضاً إلى حزب الله الشيعي. وساعد الشعور المشترك بالتهديد في تحول المجتمع المتشظّي إلى وحدة جديدة، واشتكت الأحزاب الشيعية من تدخل سياسي غربي يخدم إسرائيل في الحقيقة ـــــ حسب اعتقادهم ـــــ. نشط الدرزي جنبلاط باعتباره «بيضة القبان" أو «رمانة الميزان»، وبحيث يضع مجموعته الصغيرة في وضع يمكّنهم من إحداث أكبر تأثير ممكن. توزع المسيحيون على المعسكرين. وتباينوا أساساً على خلفية رؤيتهم للخوف: مسيحيو 14 آذار لديهم الخوف من أيرنة (شيعية)، وتيار عون يتخوف من سعودة لبنان (الوهابية).

لا نهاية للعنف في لبنان

كانت التفجيرات والاغتيالات السياسية حاضرة بالفعل قبل اغتيال الحريري بطريقة أكثر تواتراً، واستمرت أيضاً بعد انسحاب القوات السورية. صوّبت الاغتيالات السياسية على سياسيين وصحافيين وأعضاء في قوى الأمن وزعماء الميليشيات. مات معظم هؤلاء من طريق زرع عبوات ناسفة في سياراتهم. ومات العديد من الناس وأصيب آخرون من جراء وضع عبوات ناسفة في الأماكن العامة، على الأغلب في المناطق المأهولة مسيحياً. استقطبت هذه الهجمات السياسة الداخلية اللبنانية وأقعدتها. واندلعت التوترات الطائفية بين السنة والشيعة بقوة، إلى درجة أعادت المخاوف من اندلاع حرب أهلية.
اتهمت حركة 14 آذار وكذلك بعض وسائل الإعلام الغربية، سوريا غالباً بتدبير الاعتداءات الجديدة، لأن الاستخبارات السورية عملت على زعزعة استقرار لبنان، بغية الإعداد لعودة الجيش السوري كسلطة حاكمة إلى لبنان، أو من أجل الانتقام من جحود اللبنانيين.
وعلى النقيض من ذلك تبين أن الهجمات لم تتوجه حصراً إلى معارضي سوريا، فبعض الضحايا صنفوا باعتبارهم معتدلين، أو بناة جسور محتملين بين الفرقاء. أضرّت الانفجارات المتعمدة التي حصلت في المنطقة المسيحية بصورة ميشال عون، الذي انتمى إلى المعسكر «المؤيد لسوريا». وبالعكس من ذلك لم يهاجَم مناهضو سوريا المتشددون أمثال سمير جعجع ووليد جنبلاط.
أحيلت على لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، قضايا مختارة، دعمت فرضية ارتكاب سوريا لها. ولم تتضمن التحقيقات الاعتداءات التي نُفّذت بذات الطريقة، والتي استهدفت القوى «المؤيدة لسوريا».
لم تُحَل عملية اغتيال سمير شحادة في 9 أيار 2006، على لجنة التحقيق الدولية ـــــ كما هو ظاهر ـــــ على الرغم من أنه حقّق في قضية اغتيال الحريري، وطبقاً لذلك يمكن اعتبار وجود رابط مشترك. على كل حال كان سمير شحادة يحقق في اتجاه المجموعات القريبة من تنظيم القاعدة.
حتى الآن لم تتوافر دلائل على تورط سوريا. بدلاً من ذلك، جرى الاشتباه في بعض الهجمات، من ضمنها عملية شحادة، في جهاديين سنّة. بيد أن حركة 14 آذار جدّدت اتهام سوريا بالاختباء خلف هذه المجموعة. إلا أن نظرتهم المتعصبة في فهم الإسلام، ورؤيتهم «للعلويّين والشيعة كمرتدّين في الإيمان»، والعمليات الإرهابية التي قامت بها الشبكات الجهادية ذاتها في سوريا، تظهر أن مسألة إدارة الاستخبارات السورية لها هي مسألة موضع شك.
وبدلاً من ذلك تزايدت المؤشرات، على أن حركة المستقبل السنية التابعة للحريري، قد ساعدت وموّلت إخوانها في العقيدة الراديكاليين بغرض تأسيس ثقل موازن للشيعة.
في تموز 2005 كرس سعد الحريري ورئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة، جهدهما لإطلاق 29 أصولياً سنياً، اعتقلوا بسبب أعمال عنف (الشرق الأوسط 19 تموز 2005).
وطبقاً للصحافي الأميركي البارز، سيمور هيرش، فقد دعمت السعودية والولايات المتحدة السنّة الجهاديين الراديكاليين، لتقليص نفوذ إيران (الشيعية) في المنطقة. ودُعمت عصبة الأنصار، المجموعة السنية الجهادية الأكبر في لبنان، التي تورطت في العديد من الهجمات، بالأسلحة من جانب تيار الحريري مثلما قيل.
على أي حال، تحرر الجهاديون على نحو متزايد، من سيطرة مموّليهم. وسقط في المعارك التي دارت بين فتح الاسلام، التي دعت الى الجهاد لتحرير فلسطين في أحد مخيمات الفلسطينيين بطرابلس في شمالي لبنان، وبين الجيش اللبناني صيف 2007، قتلى من بينهم 179 جندياً و50 مدنياً و226 جهادياً.
من يومها، تبدل التعامل مع هذه المجموعات، إذ نشطت قوى الامن الداخلي القريبة من معسكر الحريري واستخبارات الجيش ـــــ التي نشطت ضدهم في السابق ـــــ في وجه الجهاديين. وأدّى ذلك إلى اعتقال العديدين منهم وفكّ لغز بعض الهجمات.
منذ بداية عام 2006، وعلى الأخص عام 2009، اعتُقل عشرات عملاء وكالة استخبارات الموساد، التي قيل إنها نفذت أعمالاً إجرامية ضد قادة فلسطينيّين ومن حزب الله.
ظهرت أوجه شبه تقنية بين بعض هذه الاعتداءات واعتداءات أخرى لاحقة. وعُثر على كميات كبيرة من المواد الناسفة، لدى الموقوفين، ومن بينهم من يحملون رتباً عليا في الأجهزة الأمنية اللبنانية.
في 18 شباط 2010 حكمت محكمة عسكرية على محمود رافع، العنصر المتقاعد في قوى الأمن الداخلي، بالإعدام، ووجدته المحكمة مذنباً في جرائم عديدة متعلقة باغتيال قادة فلسطينيين ومن حزب الله.
شريك رافع في الجريمة، حسين خطاب، اختفى في اللحظة المناسبة. وأشارت آثاره المريبة إلى شبكات الجهاديين، إذ إن شقيقه، الشيخ جمال خطاب، الداعية الراديكالي في مخيم عين الحلوة الفلسطيني، فقد قيل إنه يعدّ المقاتلين للجهاد في العراق. إضافةً إلى ذلك، كان له اتصال ضيق مع أبي عبيدة، الذي تربطه علاقة مفترضة بأبي عدس، المتهم بقتل الحريري.
وأسهمت الاعتقالات في صفوف الجهاديين وعملاء الموساد المحتملين معاً واتفاق الدوحة (21-5-2008) في تليين الجبهات السياسية الداخلية. بحث سعد الحريري رئيس حكومة الوحدة الوطنية منذ 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، عن تسوية مع حركة 8 آذار. وتحول وليد جنبلاط تماماً إلى معسكر «المقاومة»، واعتذر عن تأكيداته السابقة؛ بأن حزب الله يختبئ خلف الاعتداءات. وتزامن انتهاء الاستقطاب السياسي الداخلي مع التقارب مجدداً مع سوريا، فقد كانت العلاقة بين البلدين منذ اغتيال الحريري صعبة جداً.
هل يلائم اغتيال الحريري صورة حزب اللّه؟
في هذا الظرف، ستتهم محكمة الحريري على الأرجح أعضاءً في حزب الله. وتلقي نوعية الهجوم وطريقته، وكذلك الدوافع المحتملة، مجموعة من الشكوك في هذا المسار «الجديد». بعد حادثة اغتيال الحريري مباشرة، أُعدّ فيديو تحدّث فيه أحمد أبو عدس باسم خلية جهادية غريبة، وأعلن مسؤوليّته عن قتل الحريري. لكن كان هناك شكوك متعلقة بهذة الفرضية. كما كان هناك زهير محمد الصدّيق، الذي تقدّم الى لجنة التحقيق كعميل سابق في الاستخبارات السورية، أكد أنه شاهد العربة التي استُخدمت في الاعتداء في سوريا، وهي تحمّل بالمواد المتفجرة. كما أكد أن السوريين أجبروا أبو عدس تحت التهديد على تسجيل فيديو الاعتراف، وقتلوه في النهاية. لكنّ الصدّيق غيّر أقواله لاحقاً. الموقوف فيصل أكبر وهو شريك أبو عدس، سرد بإسهاب خطة الهجوم، التي كلفت نحو 50 ألف دولار أميركي، ثم سحب اعترافه لاحقاً هو الآخر.
وبسبب مثالية الخطة المفترضة الكاملة للاعتداء، فقد ذهب مراقبون إلى أن اعتداءً كهذا لا يمكن تنفيذه إلا من طريق منظمة حكومية ذات خبرة أو منظمة شبه حكومية، مثل حزب الله. لكن هل يمكن أن يكون خلف ذلك محاولة لتشويه العمل؟ وليس إخفاءً مبتذلاً للخطة؟ هل يمكن ألا يكون هذا الاعتداء «الناجح» والخطير مجرد سلسلة من المصادفات؟
لماذا استخدم الجناة المفترضون هواتف نقالة في اتصالاتهم؟ كان معروفاً في بيروت، بأن بأس موكب الحريري في ما يتعلق بالحماية، كان قادراً على تأمين الحماية من القنابل التي تفجَّر عن بعد، وذلك عبر تعطيل كل أجهزة الهواتف النقالة دوريّاً. لماذا استطاعت أجهزة الاتصال الخلوي أن تعمل بالرغم من ذلك في هذا اليوم المثير للجدل، وفي موقع الهجوم؟
استخدم الجناة سيارة نقل بمقود أيمن، لنقل العبوة الى المكان المستهدف. هذا النوع من المركبات غير معتاد بالمرة في لبنان، وكان ينبغي أن يلفت الأنظار. أيضاً هناك من الصعوبة بمكان قيادة هذه المركبات «اليمينية». وأخيراً لم تكن هناك ميزة من استخدام انتحاري. هذا الشكل من الاعتداء يكون له معنى إذا وُضعت العبوة المحتملة بالقرب من الهدف كلما أمكن، فإذا كانت الحال كذلك واقتربت الضحية ـــــ مثل موكب الحريري ـــــ من القنبلة يكفي ساعتئذ أن تفجَّر القنبلة عن بعد، لأن مدة ردّ الفعل الإنساني للانتحاري تمثّل عنصراً من عدم اليقين يمكن تجنبه.
ضخامة القنبلة، وتصرف الجناة بهذه الطريقة من عدم الاحترافية والاختيار غير الضروري لانتحاري حتى يقوم بالعملية، كلها أمور تقول بعدم ضلوع حزب الله في العملية، ذلك الحزب المعروف بدقة تقنياته وأعماله التي يجري التفكير فيها بصورة استراتيجية. ألحق الحزب خسائر جسيمة بالقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان حتى نهاية احتلالها عام 2000 عبر زرع العبوات الناسفة على جوانب الطرقات. غير ان طرق الاعتداءات الانتحارية في شوارع مكتظة بالسكان وفي قلب بيروت، حيث من المتوقع أن يقتل مدنيين كثيرين، أمر لا يتناسب مع طريقته في العمل. توجهت كل عملياته الانتحارية في لبنان حصراً إلى أهداف عسكرية، ولكن الانتحاري كان ضرورياً فيها ليكون قريباً من الهدف. ينضوي حزب الله كمنظمة شيعية، تحت ولاية الفقيه، بقيادة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي. يعدّ قتل عشرات الأشخاص غير المشاركين، والمغامرة غير الضرورية عسكرياً بإشراك انتحاريين، واحتمال إطاحة النظام اللبناني السياسي، كلها أمور غير واردة لدى مواقع خامنئي. أمّا الجهاديون السنّة، فيجيزون القتل لـ«المرتدين»، وتسوّغ هذا الحكمَ فتاوى ابن تيمية في القرون الوسطى، قتل غير المشاركين في المواقع العسكرية في الظروف الضرورية، ولا يمثّل ذلك عائقاً لهم.
أيّ سبب يدفع حزب الله إلى قتل الحريري؟
اختيار المنطقة وسط غرب بيروت، حيث الضغط الهائل للانفجار، وأعداد المدنيين الكثيرة الذين يتوقع موتهم عبر عملية انتحارية، أمر باد للعيان. مع ذلك قد يكون من المحتمل، أن الهدف ليس فقط استهدافاً سياسياً مزعجاً، بل قد يكون هز النظام السياسي بكامله، وهو ما حدث في النهاية. مارس حزب الله القريب من حكومته وقتذاك انتقادات لسياسة رفيق الحريري، لكن هذا الانتقاد اكتسب طابعاً تكتيكياً ولم يوفر سبباً لهكذا نوع من الاعتداءات. بدأ الحريري، الذي كان من قبل حليفاً مقرباً من سوريا، بالابتعاد منذ منتصف عام 2004 عن بشار الأسد، وخطط علناً لإنشاء تحالف معاد لسوريا ليخوض به الانتخابات البرلمانية القريبة. وفي حال نجاحه بالفوز في الانتخابات، وبسبب نظام المحاصصة الطائفيّة، لم يكن بوسعه تجاهل أكبر حزب شيعي، أي حزب الله، ولذلك فقد كان متوقعاً أن يضم الحزب إلى حكومته، كما فعل تيار المستقبل لاحقاً بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية عام 2005.
كانت مطالب المعارضة التي قادها الحريري بالانسحاب السوري من لبنان مزعجة لحزب الله، لكنها لم تكن كارثة. أسس الوجود السوري في لبنان حماية بقدر معين للحزب؛ ولم تكن الحرب الاسرائيلية عام 2006 ممكنة في حال وجود القوات السورية على الجبهة. وبالرغم من ذلك، فقد استطاع حزب الله بطريقة مدهشة إثبات قدرته على مواجهة التفوق الإسرائيلي، بل وعدّ نفسه منتصراً في الحرب، لأن اسرائيل لم تحقق أياً من أهدافها العسكرية. وبالعكس فقد كان من الممكن أن يحدّ الوجود السوري في لبنان من حرية حركة حزب الله. لعله جرى في حسابات قيادة الحزب أن سوريا تستخدم الحزب لتقايض به على الجولان. كما أنه في حال حدوث اتفاق سوري ـــــ اسرائيلي فعلى الأرجح سيُنزع سلاح حزب الله بالقوة.
لم يكن بوسع الشيعي نصر الله ولا السني الحريري، نظراً إلى الطائفية السياسية المتجذرة في بنى لبنان، أن يكونا متنافسين، ذلك أنه لا يمكن أن يقوم أيهما بعمل سياسي نيابةً عن المجموعة الأخرى. كان عليهما ان يلتقيا دوريّاً منذ منتصف عام 2004 في جو من الصداقة وكمواطنين لبنانيين يحظون بالاحترام.
الثابت أن كلا الحليفين المتعايشين أقاما علاقة مصلحة متبادلة: الحريري دافع عن «المقاومة الإسلامية» التابعة لحزب الله في المحافل الدولية، لدفع تهمة الارهاب عنها. وبالمقابل فقد منع نصر الله حزبه ومؤسساته الخيرية الاجتماعية، من القيام بانتفاضة مطلبية، رغم أنّ الشيعة عانوا من السياسية الاقتصادية ذات الطابع النيوليبرالي التي اعتمدها رفيق الحريري. وإضافةً إلى ذلك فلم تحقق التداعيات السياسية للاغتيال أياً من أهداف حزب الله. تزايد الضغط على سوريا لسحب قواتها من لبنان، وهو ما تكلل بالنجاح في النهاية. وكذلك أجبر قادة الأجهزة الامنية، الذين كانوا على علاقة ايجابية مع حزب الله، على الاستقالة وجرى اعتقالهم. كما زاد الانتقاد لكل القوى الحليفة لسوريا بعد كل عملية اغتيال لأحد معارضيها.
أصبح لحزب الله وظيفة حاسمة في إطار سياسة التقارب السني ـــــ الشيعي كرأس جسر في العالم العربي السني. طبقاً لرؤية الحزب بأن «الغرب» واسرائيل يستخدمون التناقضات بين السنّة والشيعة في الشرق الأوسط لتقسيم العالم الإسلامي، ومن ثم السيطرة على المنطقة. وإذا قتل حزب الله الحريري الزعيم السني، فسيبدد صدقيته تماماً. استفحلت الضغائن ضد الشيعة من خلال الاعتداء بقوة، وفقد حزب الله تصاعدياً تعاطف غير الشيعة.

دافع محتمل للجهاديّين

العبوة الضخمة التي استخدمت لقتل الحريري، هي أقرب إلى فاعلين من الجهاديين السنّة، الذين تتميز عملياتهم باستخدام مكثف للعنف وبطريقة تفوق الغرض العسكري منها. يمكن أن تكون الكمية الكبيرة من المتفجرات قد استُقدمت من العراق، حيث يوجد مراكز أسلحة كبيرة نهبها الجهاديون من مستودعات الذخيرة. وفي لبنان الجهاديون الفاعلون لديهم علاقات شخصية مع زعيم القاعدة ابو مصعب الزرقاوي. كانت الحدود العراقية السورية في وقت ما سهلة العبور، وبين سوريا ولبنان كانت هناك شاحنات بكاملها تقوم بتهريب الأسمنت عبر الحدود نظراً لفارق الأسعار بين البلدين، ومن المحتمل أن يكون أيضاً قد جرى تهريب شحنات متفجرات. اعترف لاحقاً المعتقلون من أعضاء فتح الإسلام، كيف كانوا يتسترون خلف مواد البناء للانتقال هنا وهناك عبر الحدود. كان للحريري بعض الأعداء من الإسلاميين في لبنان، لأنهم عُدّوا ذراعاً للنظام السوري. صحيفة «نداء الاسلام» الصادرة في استراليا والناطقة بالانكليزية، رأت أنّ ثلاثة جهاديين أُعدموا في لبنان ووقّع الحريري حكم إعدامهم، عُدوا شهداء واحتفت بهم. أطلقوا في عهد حكومة الحريري «النظام اللبناني الجديد الذي لا يتميز عن غيره من الأنظمة الكافرة في محاربته للإسلام وصحوته» .
وفّر النظام المعلن كفره، المسوّغ الإسلامي الشرعي لقتل ممثليه. في 8 حزيران 1999، انتقم الجهاديون لأحكام بالإعدام طاولت رفاقهم، باغتيال أربعة قضاة وقّعوا حكم الإعدام. كما وقّع الحريري لاحقاً أحكاماً بالإعدام طاولت ثلاثة جهاديين أعدموا في 17 كانون الأول 2004.
كره الجهاديون العابرون للوطنية في نشاطاتهم، رفيق الحريري لعلاقته برئيس وزراء العراق السابق، إياد علاوي، ولعلاقته بالأسرة الملكية السعودية. وعلاوي الشيعي يُنظر اليه على أنه دمية للجيش «الصليبي الأميركي» الذي قمع تمرد الجهاديين في الفلوجة من نيسان حتى تشرين الثاني عام 2004 بكل القمع المسلح. هدّد الزرقاوي بالانتقام من السعودية التي حدثت فيها لاحقاً عدة عمليات. بدورها، ردّت القوات الأمنية السعودية رداً عنيفاً بحملة واسعة قتلت خلالها زعيم تنظيم القاعدة في البلاد، عبد العزيز المقرن وألقت القبض على قائدين آخرين اثنين.
في شريط الفيديو المتعلق بالاعتراف بقتل الحريري، دعا عضو في ما يسمى جماعة «نصرة الجهاد في الأراضي السورية»، إلى الاقتصاص من السعودية «انتقاماً للشهداء الأبرياء الذين قتلتهم قوات الأمن السعودية، رغم أن نظام الحكم في البلاد يرعى الحرمين الشريفين، فقد قررنا الاقتصاص العادل بحق وكيل هذا النظام في الأراضي السورية رفيق الحريري» (صحيفة الشرق الاوسط / 2005/2/16).

استنتاج

يعدّ توجيه الاتهام إلى حزب الله، تدخلاً من المحكمة الدولية في توازن القوى الهش في لبنان والصراع بين السنة والشيعة. يفترض كثير من اللبنانيين أن لإسرائيل مصلحة قوية في تفتيت لبنان واستقطابه. وما دام اللبنانيون يتحاربون، فلن يستطيعوا أن يمثّلوا تهديداً لجارهم الجنوبي. وأوضح القبض على 70 عميلاً للموساد منذ نيسان 2009 (ديلي ستار 8-3-2010) إمكان جرح التدخل الإسرائيلي «الناعم».
وبدا الأمر واضحاً من خلال اكتشاف خلايا نهاية تموز 2010 تعمل في شركتي الهواتف ألفا وأوجيرو لمصلحة الموساد. والسؤال عما إذا كانوا قد تلاعبوا في المعلومات المتعلقة بالتحقيق، بحيث تتأثر تحقيقات المحكمة الدولية، نوقش حتى في الصحافة الإسرائيلية. وأسهمت التقارير التي تتناول تحقيقات المحكمة الدولية عبر الإعلام الإسرائيلي، وأخيراً عبر تصريح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غابي أشكينازي، عن القرار الاتهامي، في تقويض الثقة بالمحكمة، ليس فقط في لبنان.

يتهم نصر الله المحكمة الخاصة بلبنان، بأنها تمثل «مشروعاً إسرائيلياً». وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن لائحة الاتهام أثلجت صدرها، وخصوصاً أنها تستهدف خصماً عسكرياً مزعجاً، وبالتالي يمكنها أن تقترب من القيام بهجوم على المنشآت النووية الإيرانية.
قد يكون الحل موجوداً بالفعل لعقد تسوية على أعلى المستويات، ومؤشر ذلك زيارة الملك السعودي والرئيس السوري في أواخر تموز 2010 الى بيروت. الحكام السنّة قد يكونون أسخياء ويؤثرون في أتباعهم لأن يعفوا عن الشيعة، فلا يحدث انتقام للقتل. سعد الحريري قد يكون سعيداً، حين ينصرف العمل عن مسار المتطرفين السنّة، فلا يصبح والده ضحية انتقام في طائفته. أما سوريا التي عُزلت لمدة خمس سنوات بسبب اغتيال الحريري فيمكنها أن تعود إلى نادي اللاعبين الإقليميّين.
صياغة سعد الحريري، التي تحدثت عن «عناصر غير منضبطة» مسؤولة عن الهجوم، كان الهدف منها حفظ ماء وجه حزب الله. من الممكن أن يرد اسم عماد مغنية، الذي اغتيل في دمشق في شباط 2008، بسيارة ملغومة، كرأس للعملية، وبذلك تصبح ملاحقة حزب الله أسهل. سيبقى حزب الله كقوة سياسية، حتى مع إضعافه، ولكن الضغط عليه لتسليم سلاحه سيتزايد.
وأخيراً، قد تتعرض المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، للشك، نظراً إلى عدم التوصل إلى نتائج بالفعل، وستتبين في نهاية المطاف صعوبة تبرير التكاليف الباهظة من دون لائحة اتهام قبل نهاية عام 2010. وبالتالي سيتهدد الاستمرار في تمويلها بعد سنتين على قيامها، وبعد ستّ سنوات على اغتيال الحريري.
لا يًُعتقد أن يقبل نصر الله بيدق التضحية هذا، ذلك أن الاعتراف بارتكاب هذه الجريمة سيجلب نكسة خطيرة للحزب، بعد سنوات حاول خلالها الحزب بالكثير من الجهد نزع صفة الإرهاب عن نفسه، وترسيخ وضعه كقوة شرعية سياسية في السياسة الداخلية.
أكد نصر الله يوم 23/07/2010، أن الحزب غير منقسم وليس فيه أعضاء «غير منضبطين». وفي خطابه يوم 2010/7/25، أعلن أنه لا يقبل لائحة اتهام ضد القاعدة أيضاً، لكنه يعتقد أن اسرائيل هي المسؤولة. وأبدى أثناء مؤتمر صحافي عقد في 9/8/2010 عدة ملاحظات على هذه النقطة، تصب في هذا الاتجاه:
- اعترافات المتهمين بالعمالة للموساد،
- تصوير لحزب الله يظهر اختراقه لصور التقطتها طائرات اسرائيلية من دون طيار، راقبت في ما بعد مكان الاغتيال.
- المعلومات التي تقول إن الطائرات الاسرائيلية حلقت وقت الهجوم فوق بيروت في 14/02/2005.
تأخذ المحكمة الدولية الوثائق التي ظهرت الآن، ومن الواضح أنها ستأخذها على محمل الجد، وتطلب تسلمها حتى تستطيع فحص المسارات الجديدة.
* باحث في برنامج «العنف والأمن» التابع لمعهد «غيغا» لدراسات الشرق الأوسط في مدينة هامبورغ الألمانية. وتشمل اهتماماته البحثية الإسلام والعنف والدين، والإسلام الشيعي في المنطقة العربية الشرقية.



الأخبار:  الخميس ١٩ آب ٢٠١٠ الأخبار

18‏/8‏/2010

هل استخدمت تركيا الأسلحة الكيميائية ضد الأكراد؟


معمر عطوي
نقلت صحيفة «در شبيغل» عن نشطاء لحقوق الإنسان، إدانتهم للحكومة التركية، على خلفية تقارير تقول إن الجيش التركي استخدم الأسلحة الكيميائية في أيلول الماضي، ضد المقاتلين الأكراد، في جنوب شرق البلاد.

13‏/8‏/2010

أوجلان يقترح لجنة برلمانية لتحريك «خريطة طريق السلام»

زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان قدّم من سجنه مقترحات لحل القضيّة الكردية، لكن لا بوادر استجابة من أنقرة

معمر عطوي
قدّم زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، خلال لقائه الأخير مع محاميه في سجن إيمرلي التركي، مقترحات جديدة من شأنها تحريك خطته السابقة لإرساء حل بين الأكراد والحكومة التركية، والتي عرفت بـ«خريطة طريق أوجلان للسلام».
وكشف مصدر مسؤول في مركز الإعلام والاتصال لقوات الدفاع الشعبي الكردستاني (الجناح العسكري لحزب العمال)، في حديث إلى «الأخبار»، أن «القائد آبو (عبد الله أوجلان) قدّم لمحاميه، أثناء زيارته في 12 تموز الماضي، اقتراحاتٍ بخصوص مشروع الحل، تستند في الدرجة الأولى إلى تأسيس «لجنة الدستور الديموقراطي» ضمن بنية البرلمان من أجل حل القضية (مع الحكومة التركية).
وأشار المصدر إلى أن هذه اللجنة يمكن أن تقوم بمهمة التوافق الدستوري للدولة بطريقة ما، كذلك فإنها تقوم بمهمة مجلس تأسيسي في الوقت نفسه.
واقترح أوجلان، الذي خطفته القوات التركية في عملية كوماندوس معقّدة عام 1999، أن تكون «لجنة العدالة والبحث عن الحقائق» ضمن بنية البرلمان. وهذه اللجنة تتناول وتبحث في دعاوى سيليفري (منطقة قرب إسطنبول تُجرى فيها محاكمة منظمة أرغنكون) ومنظمة المجتمع الكردستاني (KCK) وقضية سجن إيمرلي وقضايا أخرى.
وفي رأي أوجلان، حسبما يضيف المصدر الإعلامي، فإنه «بعد القيام بالتعديلات القانونية والدستورية اللازمة، تتحقق عودة كل الشرائح التي تُركت خارج الحقوق. فمثلاً يمكن أن يعود محامي أوجلان، محمود شاكار، من أوروبا، ويمكن أن يعود عشرات الآلاف الذين تقدموا إلى وضع اللجوء السياسي، كذلك تتحقق عودة آلاف الأشخاص الذين جُرّدوا من المواطنة، وباختصار تتحقق عودة كل الذين تُركوا خارج القانون».
وقال المصدر إن أوجلان استخدم، خلال لقائه الأخير بالمحامي، مصطلحاً جديداً، «خريطة الطريق لمشروع دستور ديموقراطي»، معتبراً أن «هناك حاجة إلى تكوين أجواء عدم الاشتباك والثقة المتبادلة قبل كل هذه الأمور، ويجب تكوين قنوات لهذا الأمر، ويجب على الجميع أن يقوموا بما يقع على عاتقهم من مسؤوليات سياسية ديموقراطية في هذا الموضوع».
أمّا المطالب الأخرى التي ذكرها قائد حزب العمال لوكيله، التي ورد معظمها في خريطة الطريق، فهي: وقف الاعتقالات التي تطال الساسة الكرد والأطفال، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين من السجون التركية، والاعتراف بالقومية الكردية ولغتها وثقافتها في الدستور العام للجمهورية، وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية في كردستان، وإلغاء نظام حماة القرى «ميليشيات المرتزقة»، إلى جانب وقف العمليات العسكرية وحملات التمشيط في كردستان، والبدء بوقف إطلاق النار من الطرفين، إضافة إلى البدء بالمفاوضات السياسية لأجل حلّ المسألة الكردية بأساليب ديموقراطية وسلمية وحوارية في داخل تركيا.
المصدر الكردي عدّ هذه البنود أساسية لمقترحات «القائد أوجلان... إلّا أن الدولة التركية وحكومتها حجبتا خريطة الطريق عن الرأي العام قائلة: إننا لا نعلن مقترحات أوجلان للرأي العام، لأسباب تخصّ مصلحة الدولة».
ويرى المصدر أن هذا هو الموقف التركي إزاء خريطة الطريق التي قدمها أوجلان، مشدداً على أن الحزب سيستمر بتصعيد نضاله سياسياً من خلال الاحتجاجات والتظاهرات والمسيرات الديموقراطية، وعسكرياً من خلال نهج الدفاع المشروع عن الذات. وكان قائد حزب العمال قد قدّم في وقت سابق خطته للحل بعنوان «خريطة الطريق» المؤلفة من 160صفحة، والتي أعدّها في سجنه الانفرادي وسط بحر مرمرة التركي. وتتضمن هذه الخريطة بنوداً عامة لحل القضايا المعلّقة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني، وهناك بنود خاصة تتعلق بحل قضية الشعب الكردي بأساليب سياسية وديموقراطية وسلمية في كل من تركيا وسوريا والعراق وإيران، وفي المهجر أيضاً.



الأخبار:١٣ آب ٢٠١٠ |

4‏/8‏/2010

الإمارات وإيران: علاقة مصلحة تخرقها العقوبات

لم تمنع الخلافات بين إيران والإمارات العربية المتحدة على ثلاث جزر، في الخليج، مسؤولي البلدين من تحسين علاقاتهما الاقتصادية والتجارية الى أفضل مستوياتها، بحكم الجيرة وبسبب وجود جالية إيرانية كبيرة في الإمارات معظمها من التجار وأصحاب الشركات. غير أن ارتفاع حجم الضغوط الدولية على إيران، أرغم حليفة واشنطن الخليجية على تغيير سياستها تجاه جارتها الفارسية

معمر عطوي
سلّط إعلان مصادر في قطاعي التجارة والشحن البحري في دبي ولندن أمس، عن أن السفن التي تنقل النفط إلى إيران تواجه مراقبة مشددة في موانئ الإمارات بعد العقوبات الغربية الجديدة، الضوء على علاقات إيران بجارتها الخليجية الإمارات. ذلك يأتي في وقت تشهد فيه هذه العلاقات الملتبسة، فتوراً لم يصل بعد الى مرحلة القطيعة، رغم الخلاف التاريخي بين البلدين على ملكية الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.
ويبدو أن صورة هذه العلاقات التي تتعرض لعملية مدّ وجزر بحكم سلسلة من العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن ضد إيران، والتي تلتها عقوبات أحادية عن أوستراليا وكندا واليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لم تُحسم صورتها الحقيقية بعد، بسبب التصريحات العدائية المتبادلة ونفيها المتكرر.
هذه التطورات الحاصلة على المستوى التجاري ذي الطابع الملاحي، أوضحها مصدر تجاري بقوله إنه «في السابق كان بالإمكان نقل شحنات من الفجيرة وجبل علي في تكتم، لكن لا يجري في الوقت الراهن نقل شحنات من هناك إلى إيران». بيد أن المصدر التجاري أشار إلى أن من الممكن أن تسعى إيران إلى استيراد البنزين من باكستان في شاحنات. وقال «لن يصدّروا شحنات من (ميناء) كراتشي، لكن يمكن نقلها براً».
اللافت أن بعض وكلاء الشحن أكدوا أنهم لم يواجهوا مراقبة مشددة من جانب المسؤولين الإماراتيين من قبل، فيما قال مصدر آخر إن المراقبة المشددة للموانئ الإماراتية جاءت بتشجيع من وزارة الخزانة الأميركية.
الإجراء الإماراتي الأخير يأتي في سياق تحوّلات تشهدها الدولة الخليجية في تطبيق العقوبات، إذ قامت بخطوات عملية في إطار الإجراءات العقابية الدولية ضد الجمهورية الإسلامية، من خلال قرار صدر عن المصرف المركزي في أبوظبي في 28 حزيران الماضي، يقضي بتجميد 41 رصيداًَ مصرفياً تشملها العقوبات الدولية المفروضة على إيران. وتزامن هذا الإجراء مع تقارير صحافية نقلت عن مصدر إماراتي رسمي قوله إن السلطات أغلقت أكثر من 40 شركة محلية ودولية انتهكت العقوبات الدولية عبر القيام ببيع إيران مواد يمكن استخدامها في صناعة أسلحة نووية.
وربما كان أحد أهم الاستفزازات الإماراتية لإيران عمليات التفتيش التي كان الإيرانيون يخضعون لها في مطار أبوظبي ودبي، لدى زيارتهم الإمارات العام الماضي، والتي اعتبرتها طهران «مهينة» و«غير لائقة».
الإجراءات الإماراتية تعبّر عن القلق الإماراتي، غير الخفي، من طموحات إيران النووية، وإن كانت تسعى إلى إخفائه بعلاقات اقتصادية خشية غضب إيراني مفترض في المستقبل، على طريقة «ضربة على الحافر وضربة على المسمار».
هذه الطريقة بدأت تميل، خلال السنوات القليلة الماضية، لمصلحة التماهي الإماراتي مع العقوبات، وكان بنتيجتها انخفاض حجم التبادل التجاري بين ايران والامارات في السنوات الأخيرة من نحو عشرة مليارات دولار سنوياً الى سبعة مليارات دولار العام الماضي.
في أي حال، يبدو أن المصالح بين البلدين رغم هذا التراجع، وفي ظل القوة الاقتصادية الإيرانية في أبوظبي ودبي، لا يمكن أن تتعرض للشطب بقرار، فثمة ثغر كثيرة يمكن أن يستفيد منها البلدان لمواصلة نشاطهما ـــــ على الأقل التجاري. لعل خير دليل على ذلك، إعلان المدير التنفيذي لشركة تصدير الغاز الوطنية في إيران، رضا كسائي زاده، في 4 تموز الماضي، أن ثلاث شركات إماراتية على الأقل تقدمت بطلبات لشراء الغاز الإيراني بالأسعار الدولية.
لكن المفارقة هي أن طهران لا تتعاطى بحماسة مع هذه الصفقة، وربما تتعاطى بفوقية، من خلال تسريبها تصريحات برلمانية تقول إن تنفيذ عقد الغاز مع شركة نفط الهلال الإماراتية لا يضمن المصالح الوطنية.
بالنتيجة، لا يزال للإمارات دور مهم كشريان تجاري ومالي لإيران، ولا سيما أن وجود أكثر من 500 ألف إيراني على الأراضي الإماراتية، يجعل مسألة قطع العلاقات التجارية شبه مستحيلة. لعل مصلحة الإمارات في عدم خسارة هذا الثقل المالي والتجاري الإيراني لديها، في وقت تعاني فيه من أزمة اقتصادية حادة، دفعتها الى عدم الكشف علناً عن تطبيق العقوبات في موانئها.
الإمارات والجزر والنووي
ليس من الصدفة أن تطالب الإمارات في كل مناسبة بإعادة جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، بحجة أن إيران تحتلها. لكن المفاجأة الأخطر كانت في تصريح إماراتي منذ فترة قصيرة، أتى على لسان وزير الخارجية عبد الله بن زايد آل نهيان، يقول فيه إن ايران تحتل الجزر الثلاث المتنازع عليها بين البلدين مثلما تحتل اسرائيل الأراضي العربية.
ولم تتوقف تصريحات أبوظبي عند حدّ تشبيه إيران بعدوة الأخيرة اللدود إسرائيل، بل انخرطت هذه التصريحات ضمن أوركسترا التضييق على النظام الإسلامي اقتصادياً في عملية تماهٍ واضحة مع مطالب الغرب بإجبار طهران على التخلي عن طموحاتها النووية.
ولعل آخر الغيث الإماراتي، وليس الأخير، كان تصريحات سفير الإمارات لدى واشنطن، يوسف العتيبي، المؤيدة لضرب إيران عسكرياً، والتي قال فيها على هامش منتدى في مدينة إسبن الأميركية، إن مسألة ضرب إيران «مسألة حسابات للكلفة والربح».
تصريحات العتيبي هذه التي نفتها أبوظبي في ما بعد، أشارت الى أنه «بالرغم من حجم التبادل التجاري مع إيران، ستكون هناك تبعات، وسيكون هناك ارتدادات ومشاكل وسنرى الناس يتظاهرون ويحتجّون ويعبّرون عن عدم رضاهم لرؤية طرف خارجي يهاجم بلداً مسلماً».
لكن هذه الارتدادات والمشاكل المتوقعة لم تمنع السفير الإماراتي من التوضيح بأنه «لو سُئلت عما إذا كنت مستعداً لأعيش في ظل إيران نووية، فإن إجابتي لم تتغير وهي أنني مستعد لاستيعاب ما سيحصل لقاء حماية أمن الإمارات».
هذا الموقف الذي فاجأ الغرب نفسه، كأول تصريح من هذا النوع يصدر عن بلد عربي، أظهر انقساماً أو لعله توزيع أدوار بين النخب الحاكمة في الإمارات، الهدف منها هز العصا في وجه دولة قوية كإيران، فيما أتى النفي لاحقاً، على لسان مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية الإماراتية طارق الهيدان، بمثابة ترطيب للأجواء وامتصاص للغضب الإيراني. لعلها رسالة إماراتية على طريقة البريد السريع، الذي يقول للخصم إن ثمة قوة خلفنا في حال استمراركم في سياستكم هذه، لكن في الوقت نفسه ماذا يمكن لنا كدولة ضعيفة ان نقوم به إذا ما تخلّى عنا الغرب.
لهذا شدد الهيدان في تصريحه على أن «الإمارات تحترم سيادة الدول، وتلتزم بعدم التدخل في شؤونها الداخلية بأي صورة من الصور»، مؤكداً أن موقفه من أزمة الملف النووي الإيراني لم يتغير.
لكنه بإشارته الى أن بلده يصرّ على «إبقاء منطقة الخليج خالية من السلاح النووي»، عاد ليؤكد أن نفي تصريحات سفيره لا يعني زوال الخشية من طموحات إيران النووية.
من جهتها، فإن طهران، التي تتصرّف من منطلق كونها القوة الإقليمية في المنطقة، تعاطت مع هذه التصريحات بتجاهل يبيّن حجم الاستخفاف ببلد يستقوي بقوة عالمية لا تزال تتخبط في وحول العراق وأفغانستان، وتبقى مصالحها رهناً لبقاء مضيق هرمز البحري مفتوحاً أمام حركة الملاحة، الذي يهدد الإيرانيّون بإقفاله ومنع أكثر من 60 في المئة من حاجات العالم النفطية من الخروج عبر هذا المضيق.
مع ذلك، كان للمتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، كاظم جلالي، موقف رأى فيه أن تصريحات العتيبي «سخيفة» من «بلد صغير بلا تاريخ». ولعل الإجراء الوحيد الذي دعا جلالي إلى تنفيذه ضد دولة «ما كان لإيران أن تسايرها»، هو وقف الرحلات السياحية الإيرانية منها وإليها.
بيد أن الإيرانيين في المقابل، لمّحوا الى أن الإمارات لا تزال تمثّل حاجة إليهم في ظل العقوبات. تلميح بدا جلياً من خلال إعلان طهران نيتها استبدال الدرهم الإماراتي باليورو والدولار، في تعاملاتهم التجارية الخارجية. موقف اعتبرته أبو ظبي «مزحة» رغم أنه يصبّ في مصلحتها.
إجراءات وتصريحات تؤكد تخبط هذا البلد الخليجي في مواقفه بين إرضاء حليفته أميركا وبين «كفّ شر» جارته الفارسية.



--------------------------------------------------------------------------------

رئيس عربي طلب من زايد التخلّي عن الجزر

كشف وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، أوائل الشهر الماضي، أن رئيساً عربياً (رفض ذكر اسمه)، «حاول إقناع الرئيس الإماراتي الراحل زايد بالتنازل عن الجزر (الثلاث) التي تحتلها إيران». ولفت إلى أن زايد ردّ بالقول: أنا موافق على التنازل عن الجزر، بشرط أن أعلن رسمياً أن الرئيس الفلاني هو الذي طلب مني التنازل»، مضيفاً إن الرئيس العربي «تراجع عن اقتراحه على الفور».
وللعلم، فإن 86 في المئة من صادرات نفط الشرق الأوسط تمر من مضيق هرمز عبر شواطئ الجزر الثلاث. وإن هذه النسبة تمثّل نصف الطاقة التي تعتمد عليها صناعة العالم واقتصاده وحياته اليومية، حسبما تفيد دراسة لخبراء الاقتصاد والسياسة في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في جامعة جورج تاون الأميركية.



الأخبار: ٤ آب ٢٠١٠ |

3‏/8‏/2010

«الكردستاني»: حادثة «مرمرة» مفبركة لجعل تركيا مركز المنطقة

معمر عطوي
توالت الأحداث تباعاً خلال الشهرين الماضيين، بين فتورٍ على خط العلاقات التركية الإسرائيليّة، وتصعيد على جبهة العمليات العسكرية الكردية ضد الجيش التركي، وصولاً إلى ظهور خريطة جديدة للتحالفات في المنطقة تقودها أنقرة وطهران. أمام هذا المشهد، أين يقف حزب العمال الكردستاني؟ وكيف يقوّم الأمور من موقعه في جبال القنديل على الحد الفاصل بين سوريا والعراق وإيران وتركيا؟
في حديث مع «الأخبار» عبر الإنترنت، يرى مصدر إعلامي مسؤول في قوات الدفاع الشعبي الكردستاني، (الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني)، أن «الهجوم الإسرائيلي على سفينة «مرمرة» التركية، كان مخططاً له من حكومة رجب طيب أردوغان (التركية)، بهدف جذب انتباه العالم العربي إلى تركيا»، واصفاً اتّهام الحكومة لحزبه بالعلاقة مع إسرائيل بأنه «أضحوكة».
ويقول المصدر إن الهجوم الإسرائيلي هذا كان هدفه «إبراز تركيا دولةً وحيدة للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في المنطقة، بعد تقاعس الدور العربي حيال الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة»، وبالتالي فإن «تركيا وأردوغانها أصبحا المنقذ الوحيد للعرب في القرن الحادي والعشرين، حسبما روّج الإعلام التركي، والإعلام العربي أيضاً انزلق إلى ما تروّج له تركيا في هذا الخصوص». ويخلص المصدر إلى أن حكومة أنقرة «قتلت عدة عصافير بحجر واحد».
ويشير المصدر إلى أن السكوت التركي حيال الجريمة التي اقترفتها إسرائيل، خير دليل على ما قاله، مضيفاً: «يجب أن نعلم في البداية، ليس هناك توتر ولا صراع بين تركيا وإسرائيل، لا اليوم ولا في الغد ولا في الأمس، كلها سياسة مفبركة من الصهاينة والتيار الأردوغاني المدعوم من الداعية التركي فتح الله غولن، المقيم في أميركا». ويتساءل: «ما دام هناك توتر وصراع، فلماذا تستمر الدولة في إجراء صفقاتها العسكرية مع إسرائيل؟ ولماذا لم تنه اتفاقاتها الاستراتيجية العسكرية التي وقعها الأب الروحي لأردوغان، (رئيس الحكومة الأسبق) نجم الدين أربكان؟». وعن مستقبل العلاقات بين تركيا وإسرائيل، يقول المصدر: «لا أظن أن هناك تصعيداً في وتيرة التوتر والصراع بين تركيا وإسرائيل، بل على العكس، ستتحسّن العلاقات أكثر، لأن أميركا أعطت دوراً جديداً لحكومة أردوغان، للدخول في علاقات مع دول الشرق بهدف وضع حد للدور الإيراني في المنطقة، وربط دول الشرق بمركز تركي. وستغدو تركيا واجهة للدول العربية، سياسياً واجتماعياً وسياحياً وثقافياً... الخ»، مستنتجاً أن تحقق هذا الأمر، يعني حاكمية أميركا وإسرائيل على سياسات المنطقة كاملة.
أما بالنسبة إلى تزامن عملية حزب العمال الكردستاني في لواء إسكندرون على قاعدة بحريّة للجيش التركي، سقط فيها سبعة جنود أتراك، مع الهجوم الإسرائيلي على سفينة الحرية، فيؤكد المصدر الكردي أنها «صدفة بكل معنى الكلمة، ونحن لسنا بحاجة إلى أن نطلب الغطاء من إسرائيل ولا من أي دولة أخرى عندما نقرر القيام بأي بعملية عسكرية، إن كان في داخل كردستان أو في العمق التركي؛ لأننا في حركة تحرّر كردستانية مستقلة تماماً في اتخاذ قرار الحرب والسلام، ودعمنا الوحيد هو شعبنا الأبيّ». ويتابع المصدر: «لنا إمكانات وتجارب وخبرة واستخبارات عسكرية وسياسية في كل تركيا، ولنا قدرة على تنفيذ العمليات، ليس في إسكندرون وحدها، بل في جميع الأماكن التي ننوي استهدافها». وفي ما يتعلق باتّهام أردوغان وحكومته لحزب العمال بأنه على علاقة مع إسرائيل، قال: «هذه أضحوكة، والكل يعلم، لأردوغان هدف من ذلك، ألا وهو تشويه سمعة نضالنا وقضيتنا المشروعة والعادلة أمام الرأي العام العالمي والعربي خصوصاً». ويشير إلى أن رئيس الحكومة «حاول تسخير عملية إسكندرون لخدمة مصالحه البراغماتية أصلاً». وينفي المصدر أن يكون حزب العمال الكردستاني قد اخترق الأجهزة الأمنية التركية. ويضيف أن «هذا الخبر عارٍ من الصحة تماماً، والجيش يصفّي حساباته الداخلية بين صفوف الضباط بين حين وآخر».



الأخبار: ٣ آب ٢٠١٠ |

9‏/7‏/2010

العلامة فضل الله بنظر متشيّع أصبح يسارياً

معمر عطوي *
من الصعب تخيّل الساحة اللبنانية المفتوحة دوماً على الصراعات المذهبية والطائفية، وعلى حروب مدمرة مع العدو الإسرائيلي، من دون رجل دين حواري منفتح ومعتدل بوزن السيد محمد حسين فضل الله، الذي غادرنا باكراً. غادرنا في وقت لا تزال نار الحقد تحت رماد هذا التنوع القائم على خدعة التكاذب بين اللبنانيين. وقد أكون مبالغاً إن قلت إن أهمية وجود رجل في لبنان بوزن السيد فضل الله تعادل أهمية الأمن في منطقة ملتهبة.
منذ مراهقتي تعلقت بشخصية السيد ونهلت من معين خطبه ودروسه ومحاضراته، وخشعت معه في أدعيته وابتهالاته. كما أني كنت ألتهم كل ما يصدر من كتبه ومنشوراته الفقهية والفكرية والسياسية وحتى الأدبية.
حفظته عن ظهر قلب منذ كنت ذلك السنّي المتشيّع، أتابع صلاة الجمعة خلفه في مسجد بئر العبد، حيث كان المسجد رمزاً للمقاومة وللحياة السياسية الكريمة. لم يكن السيّد فقيه حائض ونفاس ولا مفتياً في قضايا سخيفة كتلك التي نشاهدها في بعض المحطات الدعوية. بل كان دائماً يحث أتباعه على الخوض في مسائل أعمق وأكثر أهمية من حكم المستنجي وطريقة الدخول إلى بيت الخلاء.
لذلك لم يكن السيد تقليدياً في معالجته قضايا المجتمع ومشاكل السياسة، بل كان دائماً ذلك الباحث عن مخرج لمقلّديه، على أساس أن «الإسلام دين يسر وليس دين عسر»، وأن «الأصل في الأحكام الإباحة». وأن القاعدة الأساسية هي حفظ الإنسان وتطويره وتنميته. فكان فقيهاً من أجل الإنسان.
هو العالم الجريء الذي لا يمكنه إخفاء رأيه حتى لو خرج عن إجماع الفقهاء، فكان العالم الشيعي الذي يؤيد روايات وأحاديث موجودة لدى أهل السنة ويرفض أخرى موجودة لدى أهل الشيعة بدعوى عدم وجود سند قوي لها، مثل رفضه ادعاء بعض علماء الشيعة أن الخليفة عمر بن الخطاب سبّب إجهاض فاطمة ووفاة جنينها «المحسن»، ومثل حديث الإفك بحق زوجة الرسول عائشة، وصولاً إلى تطبير الرؤوس وأذى النفس في ذكرى عاشوراء.
لعلّ أكثر ما أتذكّره من السيد، مقولة كان يرددها دائماً: «لنقتل هذا البدوي فينا»، انطلاقاً من هذا البدوي الذي يقفز بين حين وآخر في فكرنا وسلوكنا كان السيد يحارب التخلف.

وكان العلامة فضل الله قادراً على مخاطبة الآخرين بلغة فلسفية سهلة ممتنعة، تصل إلى الكبير والصغير، المتعلم والأمي. وكان كل همّه أن تتطور الأمة في محيطها المتنوع من دون أي ظهور لجدالات بيزنطية لا حاجة لظهورها أصلاً. لذلك كان فضل الله يحاول الاجتهاد لمصلحة تضييق هوة التناقضات بين السنة والشيعة، وبين المسلمين والمسيحيين، وبين الشرق والغرب.
ففي محاضرة ألقاها في الجامعة الأميركية أواخر التسعينيات، تحدث عن السيد المسيح ورؤية الإسلام له. أذكر يومها عبارة شهيرة قالها بما معناه «إذا كان المسيح بنظر المسيحيين قد صلب وطلع إلى السماء، وإذا كان المسلمون يؤمنون بوجوده حياً في السماء، فلنتفق على أنه طلع إلى السماء ولنترك جانباً خلافنا على صلبه».
هكذا كانت ذهنيته الحوارية المنفتحة تبحث عن مواطن اللقاء وتترك الخلافات جانباً. انطلاقاً من هذه الذهنية، برزت فتاواه الجريئة التي أدهشت الآخر وأزعجت أهل المذهب الذين ما كانوا ليتنازلوا عن الكثير من المقولات «حفاظاً على هوية المذهب وخصوصيته وعدم ذوبانه بالمذاهب الأخرى».
لعلّ أهم فتوى برزت لدى السيد، كانت حول الرجوع إلى علم الفلك في تحديد بداية الشهر الهجري ونهايته. وحين أفتى بجواز الإفطار حسب توقيت أهل السنة. كأنه كان يريد لهذه المجموعات البشرية المتناحرة في لبنان أن تلتقي على كلمة سواء. فكان ذلك العالم الذي يسعى إلى جلب المصلحة ليس فقط للمسلمين بل لكل اللبنانيين ويدرأ عنهم المفاسد الطائفية التي كسرت ظهر بعيرهم.
غالباً ما كنت أقصده في منزله بحارة حريك، حين أواجه معضلة فقهية أو فكرية. وخلال الوقت المخصص للمواطنين كان يستقبلني في صالونه المتواضع، حيث كان المضيف يقدّم الشاي اللذيذ لضيوفه ومريديه. كان يجيبني بكل رحابة صدر عن أي سؤال مهما كان محرجاً أو جريئاً أو ذا طابع نقدي للدين، ويستمع إلى وجهة نظري برحابة صدر.
لم يكن السيد حزبياً لأنه كان يعتقد أن الحزب وسيلة للوصول إلى تحقيق العدالة، وكان يرفض تحوّل الحزب إلى غاية كما حصل مع الكثير من الأحزاب الإسلامية. ولم يكن ديماغوجياً يطرح أفكاره من دون أن ينظر إلى إمكان تحققها في الواقع. كان ذلك الواقعي والمبدئي في آن. الشخص المرشد المتجاوز لحدود الحزب ودوغمائيته. من هنا كان طرحه دولة الإنسان في لبنان معتقداً أن القيم لدى المسيحيين والمسلمين كفيلة بتشكيل منظومة تضمن إقامة دولة رائدة قائمة على الأخلاق.
هو العالم الشيعي الذي حمل همّ اللبنانيين جميعاً، والجنوبي الذي حلم بفلسطين محررة من كل قيد، واللبناني الذي تمنى للعرب أن يكونوا بالفعل خير أمة. لذلك كان تمسكه بقضايا الأمة أكبر من خلافاته السياسية مع التيارات المقاومة، فبقي على دعمه القوي للمقاومة الإسلامية في لبنان رغم خلافه العقائدي مع قيادتها، وتميز بدعمه للمقاومة العراقية رغم تقاربه مع بعض التيارات التي وقعت أسيرة الاحتلال الأميركي هناك، محرّماً خدمة هذا الاحتلال بأي شكل من الأشكال.
كان فضل الله كما عرفته وعرفه الكثيرون، ذلك الشاعر الذي طبع فكره بنداوة الأدب، وأعطى لآرائه السياسية طراوة الشعر حتى تصبح أكثر سلاسة وقدرة على اقتحام العقول حتى المتحجرة منها. لذلك كان كل من يلتقيه من عرب أو عجم ومن مفكرين أو سياسيين أو شخصيات على تنوعها، يخرج من عنده مشدوهاً بقدرته على التعبير وسعة أفقه وجدّيته في خوض الحوار؛ هو الذي كان يقول دائماً «لا مقدسات في الحوار».
هذا هو السيد فضل الله الذي غادرنا بالأمس، في نظر شاب عرفه عن قرب وتابعه، رغم اختلاف المشارب والخلفية المذهبية والرؤى الفلسفية. هو السيد العاقل في نظر متشيّع سابق خارج إلى رحاب العقل وقيم اليسار والعدالة الاجتماعية.
لا مجال لإخفاء حجم الخلاف الجذري مع السيد في مواضيع عديدة، لا سيما اختلاف النظرة إلى البعد الماورائي للدين والجانب الأسطوري من اللاهوت. بيد أن هذه الذهنية المتّقدة بالحوار والمتميزة بالقدرة على الانفتاح على الآخر هي حاجة يسارية أيضاً حتى لا يتحوّل اليسار إلى الوقوع في تهويمات الأيديولوجيا ودوغمائيتها.

الأخبار»


عدد الجمعة ٩ تموز ٢٠١٠ |