27‏/8‏/2008

مصطفى كمال أتاتورك «أقنوم» لا يمكن تناوله بسوء


تحوّلات سياسيّة تنعكس نموّاً اقتصاديّاًتحولات هائلة شهدتها تركيا في السنوات الأخيرة على صعيد تنمية الصناعات والزراعات والاقتصاد وتعزيز السياحة. دولة علمانية الدستور إسلامية الهوى، تحلم بالانضمام إلى «جنة» الاتحاد الأوروبي
إسطنبول ـ معمر عطوي


الرحلة إلى«تركيا الحديثة» براً من ناحية سوريا، توفّر للزائر رؤية الجزء الأكبر الممكن من هذا البلد المقبل على تحولات كبيرة، حيث يمكن السائح أن يرصد تطورات البلاد بدءاً من ترتيب مقارّ الأمن العام الحديثة، وصولاً إلى التنظيم المدني والتخطيط العمراني البالغ الدقة، مروراً طبعاً بالمساحات الخضراء الشاسعة والمناطق الصناعية الكبيرة.مسافات طويلة تقطعها الحافلة من لواء الإسكندرون، مروراً بأضنة وجبال طوروس وقونيا وضواحي أنقرة، وصولاً حتى حدود الاتحاد الأوروبي، حيث عاصمة السلاطين، إسطنبول.
■ تضاريس متنوعة
تضاريس متنوّعة من جبال ووهاد وسهول وأنهار وبحيرات، خضرة كثيفة ومزروعات تشمل القطن والتبغ والفواكه والخضار (36,3 في المئة من المساحة الكلية للزراعة)؛ إضافة إلى الغابات التي تغطّي 26,2 في المئة من الأراضي.
■ سيّدة محجّبة
منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في عام 2002، شهدت تركيا نمواً اقتصادياً لافتاً وصل إلى حدود 9 في المئة، إلى جانب تقدم محاولات محاربة الفساد. تطور واضح يمثّل انعكاساً للحراك السياسي الذي تشهده البلاد باستمرار، رغم سلطة المؤسسة العسكرية. حراك تمثّل بوصول حزب ذي جذور دينية أوصل معه سيدة محجّبة للمرة الأولى في تاريخ «تركيا الحديثة» إلى القصر الرئاسي. حصل ذلك رغم كل القيود التي وضعها النظام العلماني، على مدى ثمانين عاماً أو أكثر.وبات حزب العدالة والتنمية (47 في المئة من أعضاء مجلس النواب) هو المسيطر على مقاليد الحكومة، فيما يتألّف البرلمان من غالبية إسلامية وأحزاب علمانية وقومية: حزب الحركة القومية اليميني وحزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي أسّسه مصطفى كمال أتاتورك. وحزب المجتمع الديموقراطي الكردي وحزب اليسار الديموقراطي.
■ إصلاحات وطموحات
لا يمكن فصل الإصلاحات والتطورات التي طالت المؤسسات الدستورية والسياسية والقطاعات الإنتاجية والسياحية والإنمائية، عن طموحات أنقرة بدخول الاتحاد الأوروبي في محاولة لتلبية بعض الشروط التي تؤهلها لبدء مفاوضات جديّة بهذا الخصوص. إذ تمثّل تركيا بعدد سكانها الذي يتعدى 70 مليون نسمة، عنصراً ديموغرافياً مهماً لتعديل آليات الإنتاج في الاتحاد الأوروبي؛ الأتراك أكبر نسبة عرقية (نحو 70 في المئة)، والأكراد (25 في المئة)، والعرب (2 في المئة).
■ بين الشرق والغرب
مما لا شكّ فيه أن موقع تركيا الجيو ـــــ استراتيجي بين آسيا وأوروبا، بين الشرق والغرب، هو الموقع الذي يجعلها بلداً سياحيّاً بامتياز। إذ تمتد وريثة الدولة الطورانية على مساحة تبلغ 779,452 كيلومتراً؛ الجزء الآسيوي منها يدعى الأناضول، ويمثّل حوالى 97 في المئة من مجموع أراضيها، بينما يمثّل الجزء الأوروبي 3 في المئة (23,623 كيلومتراً) ويدعى تراقيا।الممتع في زيارة هذه البلاد هو طول الحدود البحريّة التي تتميّز بجمال مناظرها وخضرتها ومنتجعاتها التي يقصدها السياح من الشرق والغرب. ( طول الحدود حوالى 9,848 كيلومتراً، 7,200 كيلومتر منها شواطـئ بحرية).تركيا شبه جزيرة واقعة بين ثلاثة بحار: بحر إيجة في الغرب، والبحر الأبيض المتوسط من الجنوب والبحر الأسود من الشمال. كذلك تتقاسم حدودها البريّة ثماني دول: جورجيا وأرمينيا (شمال شرق) وإيران وأذربيجان (جنوب شرق)، سوريا والعراق (جنوباً)، واليونان وبلغاريا (غرباً) والبحر الأسود (شمالاً).هذه المساحات الشاسعة المتنوعة في تضاريسها وعادات مجتمعاتها وتقاليدها، تمتد على مدى سبعة مناطق هي: منطقة إيجة ومنطقة البحر الأسود، ومنطقة وسط الأناضول ومنطقة شرق الأناضول ومنطقة مرمره، ومنطقة البحر المتوسط، ومنطقة جنوب شرق الأناضول. أمّا الجبال العالية فهي جزء أساسي من المشهد التركي؛ تحتوي على سلسلة من الجبال الشاهقة، منها: أرارات (5137 متراً) وأولودوروك وبوزول وغيرها.كذلك هي غنية بمصادر المياه كالأنهار والبحيرات؛ أهم الأنهار كيزيليرماك والفرات ومراد ودجلة وجيهان.أما أكبر بحيرات البلاد، فهي: بحيرة فان (3713 كيلومتراً) ثم تأتي في المرتبة الثانية توز أو بحيرة الملح (1500 كيلومتر) ثم بحيرة بيشيهير (656 كيلومتراً).قد تكون بحيرة الملح التي تمثّل ما يقارب 1/7 من مساحة لبنان، من أهم المعالم في منطقة قونيا الواقعة وسط تركيا، والتي تعطي 30 في المئة من إنتاج تركيا من الملح. على هذه البحيرة يمكن المشي سيراً حيث تتجمّد في أماكن واسعة قريبة من اليابسة وتصبح صلبة مثل التربة.المفارقة في هذا البلد العلماني الذي يمثّل مؤسسه مصطفى كمال أتاتورك أحد الأقانيم «المقدسة» الممنوع تناولها بأي سوء، أن ثمانين عاماً من الحكم العلماني الصارم، لم تستطع سلب تركيا هويتها الإسلامية، فبقيت محافظة على تراثها الديني، حيث ينتشر الحجاب بين الفتيات رغم التضييق والحظر في الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية.ويمكن ملاحظة كثرة عدد المساجد في القرى والمدن المستحدثة، وكأنه تحدٍّ واضح للنظام العلماني المدعوم من العسكر. في غمار الرحلة إلى تركيا تفاصيل كثيرة يمكن متابعتها في المشاهدات.





بورتريه


ولد مصطفى علي رضا الملقب بـ«أتاتورك» أي «أبو الأتراك» عام 1881 في مدينة سالونيك اليونانية (كانت عثمانية). لقّبه أحد مدرسيه في الكليّة العسكرية، بكمال لنبوغه الدراسي، فأصبح اسمه مصطفى كمال. توّج بطلاً قوميّاً لبطولاته في الحروب، وخصوصاً في مضيق الدردنيل. في عام 1921، انتخب بالإجماع رئيساً للجمهورية «الحديثة». وفي 3 آذار 1924، ألغى الخلافة العثمانية، وطرد الخليفة وأسرته من البلاد، وأعلن أن تركيا دولة علمانية.
الاخبار:٢٧ آب ٢٠٠٨

15‏/8‏/2008

نجاد يسرق الأضواء في إسطنبول

يبحث وأردوغان اليوم أنابيب الغاز والأزمة النوويّةيقترب الحزب الحاكم في تركيا من إيران، لجهة القيم الدينية المشتركة. لكن لكل منهما تكتيكه الخاص في التعاطي مع الإسلام كنظام سياسي
معمر عطوي

تحمل زيارة الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، إلى تركيا إشارات عديدة، تتعدّى العلاقات الثنائية وروابط الجيرة، الى أدوار سياسية مرتقبة يمكن أن تنتج ممّا يحاك في أنقرة من وساطات لتقريب وجهات النظر بين طهران والغرب حول أزمة الملف النووي للجمهورية الاسلامية.البعد الأيديولوجي واضح في زيارة الرئيس الإيراني المحافظ، الذي يتميّز نظام بلاده عن الحركة الاسلامية التركية بمبدئيته الصارمة، بينما تتميّز الثانية ببراغماتية نجحت الى حد بعيد في التوفيق بين احترامها لعلمانية الدولة ومحافظتها على قيم الدين الإسلامي.بدا ذلك جليّاً في محاولة الرئيس التركي عبد الله غول، الذي التقى نجاد امس، إنقاذ الموقف الذي وُضع فيه الرئيس الايراني، بسبب تجنّبه زيارة ضريح مؤسس الدولة التركية مصطفى كمال اتاتورك، البروتوكولية في أنقرة. فقد غُيّر البرنامج من عنوان «زيارة رسمية» الى «زيارة عمل»، ونقلت المحادثات من العاصمة الى مدينة إسطنبول، حيث سيلتقي رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان اليوم.وتأتي زيارة نجاد التاريخية في أعقاب تشديد الدول الأوروبية العقوبات على طهران، وفي ظل الحديث عن مبادرة تركية لحل النزاع بين النظام الإسلامي والغرب، على غرار رعاية المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل؛ ربما كانت هذه المبادرات التي تقوم بها تركيا تصبّ في تهيئة الظروف لإيجاد دور هام لها في المنطقة كحلقة اتصال بين أوروبا وآسيا وبين الشرق والغرب، تمهيداً للانضمام الى الاتحاد الأوروبي.ومن المفيد الاشارة هنا الى أن التقارب الإيراني ـــــ التركي بدأ أواخر التسعينيات، بعدما وصل حزب «الرفاه» الإسلامي الى سدة الحكم في الدولة العلمانية عام 1997؛ حينها عقد رئيس الوزراء آنذاك، نجم الدين أربكان، مع طهران اتفاقات عديدة أهمها اتفاق استيراد الغاز. وباتت تركيا تعتمد على إيران كمورد ثان بعد روسيا للغاز، في وقت تتوق فيه الى توسيع عمل شركاتها في مجالات الاستثمارات في حقول الطاقة الايرانية؛ تعهدت تركيا باستثمار 3.5 مليارات دولار في مراكز إنتاج الغاز الإيرانية، وهناك اتفاق شامل للاستثمار التركي في حقول جنوب فارس. لكن الملف الأكثر صعوبة في هذه المحادثات هو إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من إيران الى تركيا، الملف الذي أبلغ مسؤولون إيرانيون صحيفة «زمان» أنه سيكون مطروحاً في المحادثات بين نجاد وأردوغان اليوم.وفي ملف العلاقات التجارية، وصلت التجارة بين البلدين الى 5 مليارات دولار في النصف الأول من العام الجاري، فيما تسعى أنقرة الى تنمية هذه العلاقات لتصل في نهاية العام الى 10 مليارات دولار.ربما كان أحد أهم أسباب التقارب بين أنقرة وطهران في السنوات الأخيرة، الملف الأمني، حيث يواجه البلدان مقاتلي حزب العمال الكردستاني وحزب الحياة الحرة «بيجاك» الكرديين.في الموضوع الأكثر إثارة للجدل، ورغم إبداء تركيا العلمانية شيئاً من الودّ غير المسبوق تجاه جارتها الدينية، بيد أنها تتخوّف من البرنامج النووي على حدودها الشرقية، الذي قد يتحوّل الى برنامج عسكري يهدّدها. في هذا الإطار، نقلت صحيفة «توركيش دايلي نيوز» عن مسؤول تركي قوله «أخبرنا الايرانيين: أنتم تحتاجون إلى الطاقة النووية. ونحن نحتاج إليها أكثر منكم. لكن البرنامج النووي ينبغي أن يكون شفافاً ويقع على عاتقكم إثبات سلمية برنامجكم».من الطبيعي أن ثمة مفارقات في العلاقة الإيرانية ـــــ التركية، تبدأ من عضوية أنقرة في حلف «الأطلسي» الذي تعاديه طهران، وتنتهي بالعلاقات الوطيدة بين أنقرة من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، بينما ترتبط طهران بعلاقة عداء مع العاصمتين. لعلّ ذلك تجلّى أكثر في الصحف التركية التي انتقدت استقبال انقرة لأحد منكري المحرقة النازية والداعين لإزالة إسرائيل عن الخريطة.نهاية المطاف هنا، سؤال عن وجه الفائدة من زيارة الرئيس الإيراني الى تركيا. سؤال يجيب عنه دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى لوكالة «رويترز» بقوله إن «الزيارة لن تكون مفيدة لتركيا بقدر ما ستكون كذلك بالنسبة لنجاد الذي سيسرق الأضواء لمدة 15 دقيقة مطلقاً العنان لهجماته ضد إسرائيل والولايات المتحدة».
الأخبار:١٥ آب ٢٠٠٨

4‏/8‏/2008

رايس «تُطبّع» مع القذافي




لا يمكن فصل الانفتاح السياسي الأميركي تجاه ليبيا، عن السباق المحموم بين واشنطن والعواصم الأوروبية على المصالح الاقتصادية والنفطية في أفريقيا


معمر عطوي

دلالات عديدة تحملها زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى ليبيا اليوم(4 ايلول2008)، لا سيما أنها تأتي بعد أقلّ من شهرين على زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى طرابلس الغرب، وعقب أيام من زيارة مماثلة لرئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني. زيارة تتوّج مسيرة تطبيع العلاقات بين البلدين بعد نحو 40 عاماً من العداء، وصفها المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك بأنها «مهمة وتاريخية.. تفتح فصلاً جديداً من العلاقات الثنائية الأميركية ــــ الليبية».

لعلّ تاريخيتها تتمثّل في أنها الأولى من نوعها منذ عام 1953، حين قام وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالس (في عهد الرئيس دوايت إيزنهاور) بزيارة طرابلس، حيث التقى الملك السابق محمد إدريس السنوسي.ومنذ ثورة «الفاتح من سبتمبر» في عام 1969، تاريخ سيطرة العقيد معمر القذافي على السلطة في ليبيا، بدأت صفحة جديدة من العلاقات الضدّية بين طرابلس «الثورية» وواشنطن «الإمبريالية».

علاقات وصلت إلى حد القطيعة الكاملة في عام 1981، إثر اتّهام الولايات المتحدة لليبيا بدعم الإرهاب.في الواقع، لم تشهد العلاقات بين البلدين أي تطورات إيجابية منذ السنوات الأولى للثورة التي أثارت سياساتها خوف الولايات المتحدة وسخطها تجاه شعارات رأت أنها تصبّ في دعم الإرهاب ورعايته، ولا سيما أن هذه السياسات كانت تتضمن العمل لتحقيق الوحدة العربية، وإجلاء القواعد البريطانية والأميركية (1970)، وتأميم شركات النفط ( 1973)، ودعم حركات التحرر في العالم ومساعدتها.لذلك، اعتمدت واشنطن تجاه الثورة الحديثة في شمال أفريقيا خطوات عديدة من شأنها استفزاز نظام القذافي، مثل رفضها سنة 1972 إجراء حوار وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة على مستوى السفراء.وذهبت الإدارة الأميركية أبعد من ذلك، حين انتهكت إحدى طائراتها في صيف عام 1973 المجال الجوي أثناء المناورات التي كان يجريها الأسطول السادس قبالة الساحل الليبي. مناورات تكررت في 1978 وفي عام 1991، بينما حاولت طائرات تابعة للأسطول السادس في 27/ 6/ 1980 إسقاط الطائرة المقلّة للعقيد القذافي من دون أن تنجح في ذلك.وفي عام 1981، قامت الطائرات الأميركية باختراق المجال الجوي الليبي وأسقطت طائرتي استطلاع ليبيّتين فوق خليج سرت. وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أدرجت اسم ليبيا على قائمة أعداء الولايات المتحدة سنة 1977.

كذلك أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في أول عام 1978 أن ليبيا في مقدّمة الدول التي تعتزم الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات ضدها بسبب موقفها من القضية الفلسطينية.وازدادت حدة التوتر لتدخل المواجهة المباشرة في 24 و25 آذار 1986، حين شنّت الولايات المتحدة عدواناً بحرياً وجوّياً على أهداف مدنية وعسكرية في خليج سرت، وأغرقت عدداً من الزوارق الليبية، وتبعه هجوم جوي واسع في 15/ 4/ 1986 على مدينتي طرابلس وبنغازي، راح ضحيته المئات من المدنيين الأبرياء، من بينهم ابنة القذافي بالتبنّي.ووصلت القضية بين واشنطن وليبيا إلى مجلس الأمن، حيث أصدر في عام 1993 القرار (883) الداعي إلى فرض حظر نفطي على طرابلس.

رغم كل هذه التطورات، دخلت العلاقات الليبية الأميركية في عام 2003 مرحلة جديدة، كانت طرابلس هي صاحبة المبادرة فيها، عبر اتخاذها إجراءات استباقيّة لدرء خطر واشنطن التي كانت قد اجتاحت العراق. واستؤنفت العلاقات بين البلدين في عام 2004 بعد إعلان الزعيم الليبي تخلّي بلاده عن برنامج لاقتناء أسلحة دمار شامل.غير أن هذه المبادرة لم تدخل حيّز التنفيذ إلاّ في عام 2006، حين شُطبت ليبيا عن اللائحة الأميركية للدول المتهمة بدعم الإرهاب، وسمّى كلّ بلد سفيراً له في البلد الآخر. علاقات لم تُطبّع تماماً، إذ اختلقت الولايات المتحدة ذرائع عديدة لتأجيل خطوات التطبيع، بدءاً بالعقبة المتمثّلة بالتعويضات المتفق عليها مع طرابلس لضحايا اعتداءي لوكربي وبرلين.ومن المهم الإشارة هنا إلى أهمية دور مزاجية الزعيم الليبي الذي اشتهر بمواقفه المتذبذبة بين التشدّد والانتقاد من جهة، واللين والانفتاح من جهة أخرى. العقيد «المزاجي» الذي وصل إلى مرحلة تخلّى فيها عن طموحاته في دعم تحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين ودعا إلى أفضل العلاقات مع الغرب، كان له موقف مثير للجدل، الاثنين الماضي، حين قال إن «ليبيا لا تطمح إلى أن تصبح صديقة للولايات المتحدة، بل تريد فقط أن تتركها واشنطن وشأنها، كما تترك ليبيا الولايات المتحدة وشأنها».
الأخبار: ٤ ايلول ٢٠٠٨

25‏/7‏/2008

الخرطوم: لا نعوّل على العرب كثيراً

يعيش السودان اليوم على وقع المبادرات والتهديدات المتعدّدة المصادر؛ فرغم أن المبادرة العربية على ما يبدو في طريقها إلى تحقيق اختراق على صعيد إنشاء محاكم خاصة لمنفذي الانتهاكات في دارفور، إلا أن التهديدات لا تزال تنهال على الخرطوم
معمر عطوي
وصف رئيس لجنة التشريع في مجلس الولايات السوداني، إسماعيل الحاج موسى، زيارة الرئيس عمر حسن البشير إلى منطقة دارفور الغربيّة، بأنها بمثابة تأكيد للأمن وللالتفاف الشعبي حوله هناك، بعد طلب المحكمة الجنائية الدوليّة توقيفه بتهمة التورط في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الإقليم المضطرب.وقال الحاج موسى، لـ«الأخبار»، إن الرئيس السوداني «يريد أن يصوّر أن الأمن في المنطقة مستتبّ وأن الوضع ليس كما يصوّره أعداء السودان بأنه مضطرب جداً هناك»، مشيراً إلى أن «هذا الرئيس ليس معزولاً. وهو يزور المنطقة التي يقال إنه قتل فيها آلاف الأشخاص».ورأى ممثّل الخرطوم في مجلس الولايات أن الاتهام الذي أصدره المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو أوكامبو، «مسطّح، وضعيف جداً من الناحية القانونية».وعن دور الجامعة العربية في حلّ الأزمة بين الخرطوم والمحكمة الجنائية الدوليّة، قال الحاج موسى «نحن نعوّل على محيطنا وعلى مواطنينا وعلى وحدتنا الوطنية. لكننا مع ذلك نعتقد بأننا لا بد أن نلجأ إلى المنظمات التي نحن أعضاء فيها، مثل الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي. الجامعة العربية وللمرة الأولى لم تكتف ببيانات الاستنكار والشجب، وإنما بدأت تقترح بعض الخطوات العملية». لكنه استدرك قائلاً إن «الجامعة العربية هي مؤسسة معروفة بضعفها. هذه الجامعة لم تفعل شيئاً مفيداً حتى الآن للأمة العربية. نحن حين نتحدّث معهم فمن منطلق انتمائنا إليهم، لكننا لا نعوّل عليهم كثيراً».ورأى الحاج موسى أن الاتحاد الأفريقي يمكنه أداء دور أكبر من الجامعة العربية «لأنه كان قد تسلّم ملف هذه القضية وأرسل قوات ومراقبين وكذلك منظّمات قضائية. واستضاف المفاوضات السياسية في عاصمة نيجيريا، أبوجا».ولمّح المسؤول السوداني إلى محاولات وساطة تقوم بها الجامعة العربية لتسوية الأزمة بين السودان والغرب. وقال «هم يجرون اتصالات عديدة مع الدول والمنظمات ومع الأمم المتحدة بصفة خاصة. لكن لم يصدر أي شيء عن الجامعة العربية في هذا الخصوص». وشدد في الوقت نفسه على «أننا لن نقبل أي تسوية نُلزم بموجبها بتسليم أي مواطن سوداني. نحن نقوم بإجراء محاكمات عندنا في السودان وليحضر مراقبون دوليون لمتابعتها»، مشيراً إلى قرار الخرطوم بعدم تسليم المتهمين، أحمد هارون وعلي الكشيب. وأوضح أنه بموجب النظام الأساسي لاتفاق روما، الذي أُنشئت بموجبه المحكمة الجنائية الدولية، «من حقّنا إن كانت هناك اتهامات ضد أي مواطن سوداني أن يحاكم في داخل السودان. لأن هذا النظام في ديباجته وفي مادته الأولى يقول بالنص: إن المحكمة الجنائية الدولية مكمّلة للهيئات الجنائية الوطنية». وأضاف: إن النظام يقول أيضاً في الباب الخاص بالمقبولية وعدم المقبولية «ألا تكون الدعوى مقبولة إذا كان المواطن الذي وُجّهت إليه التهمة يمكن محاكمته في دولته. إلا إذا كانت الدولة غير راغبة سياسياً وغير قادرة قضائياً».وخلص الحاج موسى إلى أن السودان «سياسياً لديه رغبة لأن رئيس الجمهورية شكّل لجنة تحقيق برئاسة رئيس قضاء سابق وأنشئت محاكم؛ حتى محاكم ميدانية في دارفور أصدرت أحكاماً بالإعدام. أما لجهة القدرة القضائية فأعتقد أن لدينا نظاماً قضائياً قادراً جداً. لذلك من حق السودان أن يحاكم مواطنيه داخل أراضيه لأن هذه المحكمة مكمّلة للهيئات الجنائية».«وما يدعو إلى السخرية»، في نظر الحاج موسى، هو أن الولايات المتحدة «رفضت القرار 1593، الذي أحيلت بموجبه قضية البشير من مجلس الأمن الدولي إلى محكمة الجنايات الدولية. وهدّدت واشنطن بأنها لن تصوّت مع هذا القرار وأنها تملك حق نقضه. ومن أجل هذا عقدت صفقة رخيصة وغير أخلاقية مع الاتحاد الأوروبي بأن يستثنى رعاياها في نص القرار نفسه من الملاحقة. أكثر من ذلك، وفي القرار نفسه، قالت إنها غير ملتزمة أو متعهدة بأي إسهام مادي في تنفيذ هذا القرار حتى تقول إنها لا تعترف بهذه المحكمة. ولكن إذا صدر قرار عنها لتهديد مواطنين سودانيين أو رئيس الجمهورية السودانية، تخرج إلينا الولايات المتحدة وتطالبنا بأن ننصاع لقرار المحكمة».وأوضح المسؤول السوداني أن «القرار الدولي 1593 الذي استند إليه لإحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، ارتكز على ما يسمّى لجنة تقصّي الحقائق الدولية، التي تجمع المعلومات فقط. فيما تقوم لجنة التحقيق بالتحقّق والاستجواب وجمع البيّنات وتقويمها».وعلّق الحاج موسى على عريضة الاتّهام التي قدّمها أوكامبو ضد البشير بالقول «ليس فيها أية أدلة أو براهين يُعتّد بها من الناحية القانونية. كلّها شهادات سمعية، وهذه الشهادات لا يُعتّد بها في أية محاكم»، مضيفاً أن «المدعي العام لم يشهد بنفسه ولم يبعث بلجنة تحقيق ولم يتقصّ الحقائق، بل اعتمد على أقوال سمعية من بعض من هم خارج السودان. ماذا تتوقع أن يسمع منهم؟ هل تعتقد أنهم سيمتدحون البشير؟ طبعاً لا».وأشار عضو مجلس الولايات السوداني إلى أن «تقرير المدعي العام جاء في وقت أصدرنا فيه قانوناً للانتخابات ممتازاً جداً، فيه نظام مختلط بين الجغرافيا والتفسير العلمي. وفيه تخصيص حصة للمرأة تبلغ ربع مقاعد المجلس في البرلمان، وفيه رقابة دولية منصوص عليها»، مؤكداً أنه «كلما كان هناك تقدم أو إنجاز يخرجون علينا إمّا بقرار لمجلس الأمن وإمّا بمثل هذا التقرير من المدّعي العام. التوقيت مقصود منه إجهاض إنجازات حصلت في السودان».وفي ما يتعلق بالاقتراح الذي يقوم بموجبه مجلس الأمن بالسعي لتعليق صدور أمر القبض على البشير لمدة عام، قال الحاج موسى «نحن لا نسعى لتأجيل القرار بل إلى إلغائه». ويرى أن «أوكامبو هو من ينبغي أن يحال إلى المحاكمة لأنه صرّح على لسان المتحدث الرسمي باسمه، أنه كان يخطط لخطف أحمد هارون».
الاخبار: ٢٥ تموز ٢٠٠٨

23‏/7‏/2008

رادوفان كراديتش

مجرم حرب في نظر المجتمع الدولي، وبطل قومي في عيون أنصاره، انضم أخيراً إلى المعتقلين بتهم ارتكاب جرائم إنسانية في يوغوسلافيا السابقة، بعد نحو 13 عاماً من الملاحقة.
معمر عطوي
يصنّف أنصار رادوفان كراديتش، القائد العسكري السابق لصرب البوسنة بأنه بطل وقف في وجه تقسيم يوغوسلافيا، ومدافع عن بني قومه ووحدة أراضيهم في وجه مشروع أميركي ــــــ غربي يستهدف تقسيم البلقان।وينطلق هؤلاء في مناصرتهم له إمّا من منطلق قومي «شوفيني» أو من منطلق العداء للغرب ولأميركا مع تجاوز وجع الضحيّة، التي راهنت على «رمز الإمبرياليّة العالمية»।«القائد» الطبيب المولود عام 1945 في قرية جبلية صغيرة في الجبل الأسود، هو أحد أكثر الأسماء المطلوبة لـ«العدالة الدولية»؛ فجريمته ليست بالأمر السهل مهما جرى التخفيف من وهجها।قد يكون عدد ضحايا كراديتش، وفق إحصائيات الغرب، محاولة تستهدف تضخيم خطر «العدو» الذي يقف في وجه تحقيق مصالح الغرب في البلقان। لكن بأي حال، لقد اتُّهم الطبيب، الذي فضّل «التطهير العرقي» على رسالته الإنسانية، مرتّين من جانب المحكمة الدولية الخاصّة بالنظر في جرائم حرب البوسنة أوائل تسعينيات القرن الماضي।يبدو واضحاً أن نشأة الرجل كانت في مناخات «عنصريّة»، إذ كان والده فوك، ينتمي إلى حزب «شتنكس» القومي الصربي الذي حارب النازية خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها وقف ضد الأنصار اليساريين للرئيس السابق جوزف تيتو।عاش القائد القومي طفولته في ظل غياب الوالد الذي كان مسجوناً إبان الحقبة الشيوعيّة. لكن هذا الحرمان من عطف الأبوة لم يمنعه من أن يكون وفيّاً ويعمل بجهد كبير، حسبما تذكر والدته، التي تشير إلى أنه كان يساعدها في الأعمال المنزلية وفي زراعة الأرض، وأنه كان متعاوناً مع زملاء الدراسة.ربما دفعه حبّه للمساعدة، إلى اختيار مهنة الطب، التي أهّلته ليكون معالجاً نفسيّاً لحالات العصاب والكآبة، في أحد مستشفيات سراييفو، حيث تخرّج عام 1960، وحيث التقى أيضاً زوجته ليليانا.لكن هذه الرسالة، إلى جانب حبّه للشعر وكتابته، لم تمنعاه من خوض غمار السياسة بتشجيع من الكاتب القومي الصربي دوبريتشا كوشيتش، وعرف عنه مصادقته للمثقفين القوميين.في العمل السياسي، كانت لكراديتش مساهمته في تأسيس حزب الخضر وساعد على تأسيس الحزب الديموقراطي الصربي عام 1990، الذي جاء ردّ فعل على صعود الأحزاب القوميّة الكرواتيّة والبوسنيّة.ومضى كراديتش في تحديّه لقرارات الغرب، فأعلن جمهورية الصرب البوسنية المستقلة وعاصمتها ساراييفو، وعيّن رئيساً لها، حين اعترف المجتمع الدولي بالبوسنة والهرسك دولةً مستقلة بعد انهيار يوغوسلافيا.لكن تحوّل مسار الأمور لمصلحة حلف الأطلسي عام 1996، أجبر كراديتش على الاستقالة من منصبه الرئاسي، ليبدأ رحلة الهروب التي استمرت 13 عاماً، فيما استسلم بعض الجنرالات الذين رافقوه.ويرجّح أنه اختبأ في منطقة جبلية جنوب شرقي البوسنة حيث استمرت بعض الميليشيات في حمايته. وقالت تقارير غير مؤكدة إنه تخفّى في هيئة قس أورثوذكسي في دير في منطقة نائية. ونقلت تقارير أخرى أنه كان يعمل متخفيّاً في عيادة للطب البديل.وتمكّن خلال هذا الهروب من نشر كتاب بمساعدة من أحد أعوانه السابقين، ميروسلاف توهولج.لعل الظهور الاستثنائي للرجل خلال هذه السنوات كان مرتيّن فقط، رصدهما المحقّقون عام 2005. إذ ظهر في المرة الأولى مع زوجته ليليانا جنوب شرقي البوسنة، وفي المرّة الثانية مع شقيقه لوقا أثناء وفاة والدتهما بالسرطان.«أسامة بن لادن الأوروبي»، بحسب وصف دبلوماسي أميركي، كان محلّ اتهام محكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة في لاهاي، في تموز 1995 لإعطائه الإذن بإطلاق النار على المدنيين أثناء حصار سراييفو، الذي استمّر 43 شهراً. وباستعمال ما لا يقل عن 280 من رجال حفظ السلام دروعاً بشرية.ووجّه إليه الاتهام بالإبادة الجماعية مرة ثانية بعد ذلك بأربعة أشهر عن تنظيم مجزرة «قتل فيها 8000 مسلم تقريباً» في سربرنيتشا (شرق البوسنة).في ظل هذه الملاحقة المستمرة له، لم تسلم عائلته من الضربات «الأطلسية» إذ أغارت قوات الحلف في اوائل عام 2007، على منزلي ابنَتيه ساسا وسونيا، معللّة ذلك حينها بالاشتباه في أن أولاد المتهم ينتمون إلى الشبكة الأمنية التي تحميه.لم يبدِ كراديتش، الذي أرخى لحيته وصبغ شعره باللون الأسود، أي مقاومة خلال اعتقاله في حافلة للنقل العام في بلغراد.كان يحمل حقيبة سفر ويُعتقد أنه يستعد لمغادرة المدينة، مع إدراكه التام أن اعتقاله، يمثّل جواز سفر لبلاده نحو عضوية الاتحاد الأوروبي.

الأخبار: ٢٣ تموز ٢٠٠٨

إعادة صياغة ليبرتاريّة المؤسّسين بعيون اليوم

وصاية على أفكارنا في كليشيهات «مصباح الحريّة»
معمر عطوي

«الخضوع في الأشياء الصغيرة يحدث كل يوم، وتشعر به الجماعة الواحدة كلّها من دون تمييز. هذا الخضوع لا يدفع الرجال إلى المقاومة، لكنه يعترض طريقهم عند كل منحنى، حتى ينتهي بهم إلى التخلّي عن ممارسة إرادتهم. وهكذا تنكسر روحهم تدريجياً وتضعف شخصياتهم»، كلمات لفيلسوف الاجتماع السياسي، أليكسي دو توكفيل، اختيرت من بحث بعنوان «أي نوع من الاستبداد ينبغي أن تخشى منه الشعوب الديموقراطية»، وذلك في طيّات كتاب «التشكيك في السلطة» الصادر عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» في بيروت.أهمية الكتاب أنه يندرج في سلسلة تتألف من سبعة كتب تحت عنوان «مفاهيم الليبرتاريّة وروّادها»، أصدرتها «الريّس» بالتعاون مع مؤسسة «مصباح الحريّة» التابعة لـ«معهد كيتو» في واشنطن. ووصفها الناشر رياض نجيب الريس بأنها عودة إلى ينابيع الفكر الإنساني الأولى.تضع هذه المجموعة أمام القارئ العربي «مبادئ الفكر الإنساني الهادف إلى الحرية: حرية الفرد وحرية المجتمع». وتعرّفه على رواد الحرية في الفلسفة الاجتماعية والفلسفة السياسية والسياسة الاقتصادية.يقول الناشر في تعريف المجموعة «الموسوعة» تحت عنوان «انهيار الأسوار»: لا بد للقارئ العربي أن يلمّ بكل هذا التراث الليبرتاري، فينتقي منه ما يريد، ويعيد تقييم نظرياته في السياسة والاقتصاد والمجتمع. وإذا كنّا اليوم نطرح في هذه الكتب السبعة مجمل الأفكار الليبرتارية لكبار فلاسفتها ومنظّريها، نأمل أن آفاقاً جديدة من النقاش في الندوات والمجتمعات والمنابر، ستفتح الباب أمام إعادة النظر في مواقعنا الفكرية ومواقفنا السياسية.لكن ينبغي التوقف هنا عند هوية المؤسسة الراعية لهذا المشروع «مصباح الحريّة»، التي تسير في ركب مشروع إعلامي دعائي، في إطار إمبراطوريّة أميركيّة كبرى تسعى إلى دس السم في الدسم من أجل تغيير مفاهيم شريحة من المثقفين ورؤاها، لا تزال تغرّد خارج سرب «الليبرالية» المتوحشة.لا غبار هنا على تعريف المؤسسة لمفهوم الليبرتارية: فلسفة فردانية تحرّرية تؤيّد الاحترام التام لحقوق الفرد والقيود على سلطة الدولة. كما تؤمن الليبرتارية بأنه يجب أن يكون لجميع الأفراد الحريّة لفعل ما يريدون بأنفسهم وممتلكاتهم، ما دامت هذه الأفعال لا تنتهك حرمة حريّة الآخرين نفسها.بناءً على ذلك، فإن الحريّة متساوية بين الأفراد من دون أن يكون لأيّ فرد حريّة تزيد عن أيّ شخص آخر. لكن الإشكالية تكمن في هذه الفوقيّة التي تتعاطى بها بعض المؤسسات الغربية مع مجتمعاتنا، على طريقة الوصاية التي تشعرنا بقصور في فهم القيم السياسية. مع العلم بأن هذه القيم هي وليدة حضارات متعددة وأطوار زمنية متلاحقة، كل منها أضاف للأخرى مفاهيم ثمينة وأفكاراً خلّاقة.وتضيف المؤسّسة الأميركية التي تعمل في سياق حملة منظمة للتغيير داخل المجتمعات «الهدف» على طريقة الثورة المخملية، أن «الليبرتاريين يعتقدون بوجه عام أنه يجب على الحكومات أن تتمسّك بالمعايير الأخلاقية نفسها كالأفراد. لذلك، فإنهم يعارضون معظم الممارسات الحكومية أو كلّها، حتّى وإن كانت مؤيَّدة بأغلبية ديموقراطية. وتمتدّ هذه المعارضة للإكراه أيضاً إلى مجال الاقتصاد. إنهم يعارضون تدخّل الحكومة في الاقتصاد». من هنا تنبع ازدواجية المعايير في المؤسسات الإعلامية والثقافية الأميركية انعكاساً للممارسة السياسية. إذ تحاول هذه المؤسسات إغراء مؤسسات بحثية وثقافية ومنظمات مجتمع مدني في العالم الثالث للعمل معها، بغية خلق مناخات ملائمة لمرحلة تحقّق السيادة الرأسمالية. وبذلك تُغرس في حقلنا كليشيهات جميلة في بعدها الإنساني، تدغدغ مشاعرنا بـ«القيم» السياسية الفضفاضة، بغية السيطرة بالثقافة على ما خسرته في الحرب.هذا لا يعني أن هذه المجموعة الثمينة من المساهمات بحدّ ذاتها، جزء من مؤامرة على مجتمعاتنا، فلندع الأوهام الإيديولوجية جانباً، لكن من دون أن نتغاضى عن دور هذه المؤسسات في خدمة المشروع الاستعماري.بأي حال، تتناول سلسلة الليبرتارية نصوصاً لشخصيات فكريّة، هي من أهم من وضع أسس الفلسفة الليبرتارية ومشتقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.ممّا لا شك فيه أنّ هذه السلسلة رائدة في مجال اختيار مساهمات تصبّ جميعها في محاور مشتركة، تتفرّع جميعها من مفهوم الليبرتاريّة. لكن هذا لا يعني بأي حال أن هذه «الينابيع» الذي تحدّث عنها الريّس لا تتدفّق إلاّ بما هو مفيد. فثمة نظريّات عديدة ـــ ولا مجال لمناقشتها هنا في هذه العجالة ـــ هي عبارة عن فرضيات قابلة للمناقشة، كما هي كل العلوم الإنسانيّة التي تتميّز بنسبيّة صحتها وخطئها.انطلاقاً من هذه الرؤية النقديّة للأفكار، تفتح هذه المساهمات باباً لنقاشات مستفيضة عن المجتمع المدني والسلطة وما بينهما من قيم الحريّة والديموقراطيّة والتعدديّة، لا سيما أن هذه الخطوة تسهّل على القارئ العربي الوصول إلى رؤية فلسفيّة متعددة لمفهوم واحد في بضعة كتب، لا يثقل حملها كاهل قارئها.
العنوان الأصليمفاهيم الليبرتارية وروّادها
الكاتبمجموعة من المفكريّن
الناشررياض الريس ومصباح الحريّة
الاخبار: ٢٣ تموز ٢٠٠٨

14‏/7‏/2008

حراثة في حقل «الثالوث المحرّم»

معضلات علاقة الدولة بالمجتمع في الخليج
معمر عطوي
عنوان جميل ومعبّر ذلك الذي اختاره باقر سلمان النجّار لكتابه «الديموقراطية العصيّة في الخليج العربي»। إذ إنه يوضح في دراسة مستفيضة تجمع ما بين التحليل والمعلومات والإحصاء، طبيعة المشهد السياسي في دول الخليج العربي الست، بما يمكن وصفه: شهادة شاهد من أهله. والحديث عن المجتمع المدني الخليجي وآفاق حراكه السياسي، يشبه الحراثة في حقل من الألغام التي باتت تميّز العديد من دول العالم الثالث، حيث الثالوث المحرّم «السياسة والجنس والدين».جاءت دراسة الباحث البحريني، أستاذ علم الاجتماع في جامعة البحرين، رؤية منهجيّة نبعت من قلب الحدث، حيث يرى البحرين في طليعة الدول الخليجية الست لجهة الحيوية السياسية التي تطبع مجتمعها، رغم سطوة النظام الوراثي ـــ الأمني، المرتبط عضوياً بمصالح مع الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.يكتشف القارئ مع النجّار، أهمية دور السلطة الثنائية القبائلية والحركات الدينية، في توجيه المجتمعات، حيث نجحت هذه السلطة إلى جانب المونارشية ـــ الوراثيّة في حكم هذه الكيانات السياسية، ضمن صفقة متبادلة تعطي للأولى الحق في إدارة شؤون المجتمع السلوكية والتربويّة، في مقابل إضفاء مشروعية على السلطة السياسية التي تمتلك البلاد والعباد.ثمة تعقيدات عديدة تحكم هذه المجتمعات، تؤكد صعوبة إحلال الديموقراطيّة في بيئة لم تصل بعد إلى مرحلة يمكنها من خلالها الالتحاق بفضاء السياسة الكونيّة، أو هضم القيم السياسية التي من شأنها الوصول بالمجتمع إلى مرحلة يستطيع فيها المواطن أن يدرك أهمية دور الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في خلق مجتمع سياسي يرفض الوراثيّة في الحكم و«قداستها» المزيّفة.يحاول الكاتب في بحثه المستفيض أن يضع يده على جرح المجتمعات الخليجية، متجاوزاً لغة التنظير إلى أسلوب الرصد والمتابعة، مستنداً إلى دراسة ميدانية يصفها بـ«الشاملة».تتناول هذه الدراسة الهيئات والمؤسسات والجمعيات والأحزاب، السياسية والدينية، وميادين نشاطها ووسائل تمويلها وأساليب عملها. مع الإشارة هنا إلى أنّ الحديث عن أحزاب في الخليج هو حديث فضفاض، إذ يمكن رصد جمعيات سياسية ودينية تقوم بالعمل السياسي من غير أن تندرج تحت مسمى «الحزب» بمعناه المنهجي. مع العلم بأن ثمة أطراً سياسية تعمل تحت الأرض أو في المنفى. كما أنّ بعض الناشطين السعوديين والبحرينيين والكويتيّين ينضوون تحت رايات حزبية يسارية أو قومية أو دينية سائدة في محيطهم العربي. وقد حاولوا فاشلين نقل تجاربهم إلى بلدانهم.يرى النجار في استنتاجاته أنّ «التحولات التي شهدتها المنطقة، من الطفرة النفطية في السبعينيات، مروراً بالثورة الإيرانية وحروب العراق الثلاث، قد ساهمت في حل بعض من المشكلات الاقتصاديّة والسياسيّة الداخليّة لهذه المجتمعات. إلا أنها في المقابل قد عمّقت من معضلات علاقة الدولة بالمجتمع في الداخل، وتحديداً في علاقتها مع الجماعات والفئات الأقل حظاً في نصيبها من الثروة النفطية، أو في علاقتها مع الفئات الطبقية الجديدة التي لم تعد قادرة على التكيف مع الآليات التقليديّة في إدارة الدولة.

العنوان الأصلي :الديموقراطيّة العصيّة في الخليج العربي
الكاتب: باقر سلمان النجّار
الناشر: دار الساقي

4‏/7‏/2008

عبد الملك الحوثي: لم نبدأ الحرب الفعليّة بعد

ضرب صنعاء بـ«الكاتيوشا» خيار وارد... والموقف الإيراني منّا سلبي
حاوره معمر عطوي
هدّد زعيم تيّار الحوثيّين في اليمن، عبد الملك الحوثي، بتوسيع دائرة المعركة مع السلّطة إلى خارج محافظة صعدة الشمالية لتصل إلى العاصمة صنعاء، مشيراً إلى أن الحرب على جماعته «تجري بدعم أجنبي ومالٍ سعودي وتأييد أميركي». ونفى تلقّي جماعته دعماً إيرانيّاً، واصفاً موقف طهران من الحوثيين بأنه «سلبي»
■ كيف تصف تيار الحوثيين. هل هو حزب سياسي له جناح مسلّح؟ وما هي أهدافكم؟
ــــ التيار الحوثي هو عبارة عن مجاميع شعبية تتحرَّك سلمياً لمعارضة الهجمة الأميركيّة ــــ الإسرائيليّة على العالم الإسلامي عبر شعارها الشهير «الله أكبر... الموت لأميركا... الموت لإسرائيل... اللعنة على اليهود... النصر للإسلام»، والدعوة إلى مقاطعة البضائع الأميركية ــــ الإسرائيلية، ونشر الثقافة القرآنية في مواجهة الغزو الفكري. وهو ليس حزباً سياسياً. أما بخصوص السلاح، فالشعب اليمني كله مسلّح، وهذا شيء معروف في اليمن.
■ ما هي حدود نفوذكم في محافظة صعدة؟ وماذا عن تفاعل الناس معكم هناك؟
ــــ لنا امتداد شعبي واسع في محافظة صعدة، وحجم الحوادث وانتشارها على نحو واسع يشهد على ذلك. تفاعل الناس معنا كبير، كما أن الجميع يضيقون ذرعاً بالممارسات الظالمة من جانب السلطة، التي يعاني منها الجميع.
■ ما هي صحة التصريحات الرسمية اليمنية عن سيطرة القوات الحكومية على جيب كنتم تعسكرون فيه في ضاحية صنعاء (بني حشيش)، وما الذي يدفعكم إلى التحرك عسكرياً بالقرب من العاصمة؟
ــــ لا يزال للإخوة في بني حشيش وجود قويّ وفاعل، في كلّ من: وادي رجام وغظران وبيت الأغربي وبيت القحم والشراية. وننبّه هنا إلى أننا لسنا جيشاً نظامياً، وقد يتمكّن الجيش اليمني، بعد استخدام عتاده الحربي من طائرات ودبّابات والآلاف من الجنود، أن يتقدم ميدانياً في بعض المناطق، لكنّ ذلك لا يعني نهاية الحرب، ولا يعني انتصاره، ولا يعني سيطرته على الوضع، ولا يعني قدرته على إيقاف عملياتنا، لأنه تبقى لنا فرصة مواصلة حرب العصابات والاستنزاف الطويل. كما أن تقدّمه الميداني في مناطق محدودة وجديدة خارج محافظة صعدة، يأتي بعد أن يتكبّد الخسائر الفادحة.أما التحرك العسكري في منطقة بني حشيش، فكان دفاعاً وموقفاً اضطرارياً بعدما بدأت السلطة بالاعتداء على المحسوبين علينا في المنطقة، ما اضطرهم إلى الدفاع عن أنفسهم. ويبقى التحرك العسكري بالقرب من العاصمة خياراً وارداً، كما أن ضرب أهداف داخل العاصمة صنعاء بصواريخ الكاتيوشا خيارٌ واردٌ أيضاً.
■ ما هو ردّكم على دعوة وزير الداخلية اللواء مطهر المصري أخيراً لتسليم أنفسكم إلى أقسام الشرطة ورؤساء السلطات المحلية؟ وما هي خططكم في المدى المنظور؟
ــــ دعوة ما يسمّى وزير الداخلية هي شبيهة بما يكرره الإعلام الرسمي من الإيحاء بأن الوضع الميداني للحرب هو لمصلحة السلطة، وهذا ما لا يتفق مع الواقع والحقيقة. نحن لسنا مذنبين حتى نسلّم أنفسنا إلى أقسام الشرطة أو نعتذر عن دفاعنا عن أنفسنا. أما خططنا في المدى المنظور، فنحن حتى الآن لم نبدأ الحرب الفعلية من جانبنا، وكما أكدنا من قبل، فإن الحرب لن تنحصر في محافظة صعدة، فهذا ما سنثبته ميدانياً بفضل الله في الفترة المقبلة، بعد أن تكون السلطة قد غرقت وزجّت بثقلها العسكري في صعدة. كما أن من الوارد استخدام صواريخ الكاتيوشا في هذه الحرب وبالطريقة المؤثّرة التي تخدم إيقاف الحرب.أما الوضع الميداني حالياً في محافظة صعدة، فالسلطة تكبّدت خسائر فادحة في معداتها العسكرية التي خسرت منها أكثر من90 آلية، وكذلك الخسائر البشرية الفادحة في الجنود.
■ هل تفكّرون في القيام بانقلاب للسيطرة على الحكم؟
إن الحرب من جانبنا ليست بهدف الانقلاب للسيطرة على الحكم، بل هي فقط دفاع عن النفس في مواجهة اعتداء بدأت به السلطة التي تتخّذ هي قرار الحرب، وتشن الحرب من دون مبرر، وبدعم أجنبي ومالٍ سعودي وتأييد أميركي.
■ هل ترون رابطاً بين زيارة رئيس الأركان السعودي، الفريق صالح المحيا، إلى اليمن، الأسبوع الأخير من أيار، والمواجهات الدائرة معكم؟
ــــ نحن نعبّر عن استيائنا من الدعم السعودي للعدوان الذي تقوم به السلطة علينا، ونأمل من الأشقاء في المملكة العربية السعودية أن يصلحوا موقفهم وألا يبذروا أموالهم أو يشاركوا بها في سفك الدم اليمني، وأن يجعلوا أموالهم للإعمار لا للدمار، وللحياة لا للموت، ولمساندة الشعب اليمني الذي هو جارهم، لا لدعم التسلّط عليه.
■ هل ترتبطون بالفعل بمشروع شيعي ــــ إيراني يهدف إلى تغيير المنطقة؟
ــــ ليس لنا أي ارتباطات سياسية بأي جهات أجنبية، لا إيران ولا غيرها، وهذا واضح، ونتحدَّى السلطة أن تقدّم أي دليل صحيح يثبت أي صلة لنا أو أية ارتباطات سياسية بأي جهات أجنبية. والحديث عن ارتباطات أجنبية بالإيرانيين تكرره السلطة بهدف إثارة المخاوف لدى السعوديين من أجل استجلاب دعم سعودي سخي في مواجهتنا. ونحن نرى الموقف الإيراني تجاهنا سلبياً أكثر مما هو إيجابي. كما أنه من الملحوظ ابتعاد الساسة الإيرانيين عن أسس مهمة للثورة الإسلامية، والتي من أهمها مناصرة المستضعفين في العالم.
■ لكن هناك أحاديث كثيرة عن تلقّيكم دعماً من إيران؟ ما هي طبيعة العلاقة مع طهران؟
ــــ لا نتلقّى أي دعم من إيران ولا يوجد لنا ارتباطات مع الإيرانيين، بل إنّا نلحظ أن التيارات السياسية في اليمن وبعض الأحزاب تتواصل مع الإيرانيين ولديها علاقات جيدة. كما أننا نعرف حرص الإيرانيين على أن تكون علاقاتهم بالنظام اليمني جيدة. وأنا هنا أدعو الإيرانيين، بدعوة الإسلام ودعوة المظلومين، إلى أن يكونوا حذرين من أي مناصرة لهذا النظام الظالم حتى لا يكونوا شركاء له في ظلمه، كما فعلت بعض الأنظمة العربية.
■ ما هو مصير اتفاق الدوحة؟ هل يواجه مأزقاً؟ من الذي يتحمل مسؤولية خرقه؟
ــــ نحن ما زلنا متمسّكين باتفاق الدوحة، كما أننا ندعو السلطة للعودة إلى رشدها، وتطبيق التزاماتها في اتفاق الدوحة، ولو أنه من الواضح أن السلطة تعمل على الانقلاب على الاتفاق والالتفاف عليه. وكان هذا واضحاً منذ أن حان وقت التطبيق. السلطة التي ترفض تطبيق بنود واضحة من الاتفاق، تتحمل هي مسؤولية خرقه.
■ ما صحّة ما يقال عن مطالبتكم بعودة الإمامة الزيدية إلى اليمن؟
ــــ لم يسبق أن كان من جانبنا أي مطالبة بعودة الإمامة الزيدية إلى اليمن، ولا المطالبة بالحكم، وهذه الأمور مجرد دعايات زائفة من جانب السلطة واختلاق ذرائع للعدوان علينا.
■ هل ما زلتم ترون نظام الرئيس علي عبد الله صالح غير شرعي؟ وما هي مسوّغاتكم الشرعية والقانونية؟ ولماذا لا تلجأون إلى المؤسسات الدستورية من أجل تحقيق طموحاتكم بدلاً من حمل السلاح؟
ــــ إن كان المقصود بالشرعية، الشرعية الدينية، فلا شرعية دينية لأي ظالم، سواء باسم إمام أو رئيس أو ملك أو أمير. وإن كان المقصود الشرعية الديموقراطية، فهذا يعود إلى مدى التطابق بين الأسس الديموقراطية في الحكم والممارسة. أما لماذا لم نلجأ إلى المؤسسات الدستورية بدلاً من حمل السلاح، فنحن لم نحمل السلاح من أجل تحقيق طموحات معينة، نحن ننشط ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وبالطرق السلمية، والسلطة هي التي حملت السلاح علينا وعاملتنا بالعنف من دون مبرر.
■ لماذا تمنع السلطات اليمنية وصول الصحافيين إلى مواقع النزاع معكم، وتعلن محافظة صعدة منطقة عسكرية مغلقة؟
ــــ هي تفعل ذلك لسببين. الأول: التغطية على جرائمها الفظيعة والبشعة بحق المدنيين المسالمين، والأطفال والنساء على وجه الخصوص، حيث تهدم البيوت على الأسر داخلها. وفي جريمة واحدة في منطقة ربوع الحدود، قتل الطيران الحربي أكثر من20 طفلاً وامرأةً.السبب الثاني: التغطية على هزائمها وإخفاقاتها الميدانية في المواجهة معنا، وكما كنا نقول، إذا كانت السلطة مطمئنة إلى أخلاقياتها في الحرب وإلى سيطرتها على الوضع في الصراع معنا، فلتكن شجاعة ولتسمح للصحافيين بتغطية الحوادث والوصول إلى المحافظة. ونحن نتحداها أن تفعل ذلك وبكل ثقة.
■ كانت مصادر مقرّبة من الحكومة اليمنية قد أعلنت في أيار الماضي أن عبد الملك الحوثي ربما يكون قد لاقى حتفه أو أصيب في اشتباكات ضارية مع القوات الحكومية في معقله الشمالي بصعدة؟ ما هي أسباب هذا الإعلان؟
ــــ هذا الإعلان السخيف هو في سياق حرب إعلامية ومحاولة لاختلاق إنجازات حقّقوها في الحرب، وأنا أقول لهم من الشرف لي أن ألقى الله في ميادين العزّة وفي مواجهة الظلم والطاغوت. وأنبه هنا إلى أن القضية ليست قضية شخصية. فحتى لو حدث أن استشهدت أنا أو أي من القيادات الميدانية، فإن ذلك لن يؤثّر أيّ تأثير سلبي، بل سيخلفنا في الدور من هو أشد منا صلابة وأحكم تدبيراً، كما أؤكد أن السلطة هي من فقدت الكثير من القيادات الميدانية العسكرية وتكبدّت الخسائر الفادحة، وأن ضجيجها الإعلامي وصراخها الذي لا يتوقف إنما يكشف فداحة الخسائر والقلق الكبير الذي يعانيه القائمون على رأس هذا النظام الظالم.
■ هل تتقاطعون مع تيارات معارضة أخرى في اليمن؟ وما هي حدود التنسيق؟
ــــ يتفق أكثر اليمنيين على طغيان النظام، وأنه لم يقدم للشعب إلا الجهل والمرض والحروب والدمار، ويجمع أغلب اليمنيين على ضرورة تغيير هذا الواقع. وهذه خطوة مهمة يمكن أن تليها خطوات أخرى في تنسيق المواقف وتكاتف الجهود بما يغيّر الواقع المأساوي والمظلم الذي يعيشه الشعب اليمني المظلوم.
■ كيف تنظرون إلى حزب الله والمقاومة الفلسطينية؟
ــــ نحن ننظر إلى الإخوة المجاهدين في حزب الله بعين الإكبار والإجلال، ونكنّ لهم كل المودة والتقدير، ونعدّهم شرفاً للأمة الإسلامية وسادةً للمجاهدين في العالم، ونأسف للموقف السلبي من بعض الأنظمة العربية تجاههم.أما الإخوة المجاهدون في فلسطين، فنظرتنا إليهم لا تقل عن نظرتنا إلى حزب الله، ونحن نعيش معهم آلامهم وأحزانهم التي يسببها لهم العدو الصهيوني وأولياؤه من العرب.
-------------------------------
البداية كانت ثقافية
ظهرت حركة الحوثيين في نهاية التسعينيات بقيادة حسين الحوثي، نجل المرجع الديني بدر الدين الحوثي. وهي منبثقة من نواة تنظيم «الشباب المؤمن» الذي كان قد تأسّس سنة 1990 كمنتدى لتدريس العقيدة الزيدية الإسلاميّة في منطقة صعدة الشمالية اليمنية.في البداية، ظلت حركة «الحوثي» لسنوات طويلة حركة ثقافية دعوية بعيدة عن السياسة، إلا أنه بدءاً من عام 2002 بدأت تتجه إلى السياسة وتأخذ خط المعارضة للحكومة والولايات المتحدة وإسرائيل. وكان عام 2004 البداية الحقيقية لتلك التحركات، حين قامت السلطات بشن حرب مفتوحة على الحوثيين، أدّت إلى مقتل حسين الحوثي.
الأخبار: ٤ تموز ٢٠٠٨

25‏/6‏/2008

اشتراكيّو صربيا يستسلمون لإغراءات الغرب


معمر عطوي
وأخيراً، حسم الاشتراكيوُّن الصربيّون قرارهم وانضّموا إلى التيّار الموالي للغرب، مستسلمين للإغراءات التي دفعتهم إلى ترك مواقعهم السابقة، تحت تأثير «هالة» استقلال كوسوفو. الحزب الاشتراكي القومي الصربي (20 نائباً)، الذي كان يمثّل بيضة القباّن في المفاوضات «الشاقّة» بين القوميين ــــ الراديكاليين والديموقراطيين، حسم موقفه، محدداً موقعه على المسرح السياسي على طريقته، بخلاف التوقعّات.ثمة معسكران على هذا المسرح: الأول يمثّله «الحزب الديموقراطي الصربي» بزعامة رئيس الحكومة السابق، فويسلاف كوستونيتشا، وحزب «صربيا الجديدة» (30 نائباً)، إضافة إلى «الحزب الراديكالي الصربي» (78 نائباً من أصل 250)، الذي يقوده حاليّاً فويسلاف نيكوليتش.أمّا المعسكر الآخر الموالي للغرب، فيقوده «الحزب الديموقراطي» بزعامة رئيس البلاد بوريس تاديتش، ويتألّف من ائتلاف أحزاب تحت اسم «نحو صربيا أوروبية»، والذي حصد العدد الأكبر من المقاعد في الانتخابات الأخيرة (103 نواب).وبحكم قرب الحزب الاشتراكي الصربي من المعسكر الأول، كانت المفاوضات تسير على أساس أن هذا الحزب هو من سيحسم المعادلة لمصلحة التيار المناهض للغرب. وذلك بحكم العلاقة الجيدة التي تربط الاشتراكيين بالقوميين، التي أكدها نيكوليتش بقوله «إننا سنجري محادثات مع الأحزاب القريبة إيديولوجياً من حزبنا».لكن إعلان الزعيم الاشتراكي، إيفيكا داتسيتش، أول من أمس، «تأليف حكومة مع التحالف المؤيّد لأوروبا»، وضع حداً للتكهّنات، رغم التفاؤل الجلي في تصريحات مسؤولي المعسكر الأول. فقد أعلن «الحزب الراديكالي الصربي»، منذ قرابة أسبوع، أن التوقيع على اتفاق لتأليف حكومة ائتلافية بات قريباً، ولا سيما بعد تلقيه الضوء الأخضر لتأليف الحكومة مع الحزبين الديموقراطي الصربي والاشتراكي، من رئيسه، فيوسلاف سيسلج، الذي يحاكم في لاهاي لاتهامه بارتكاب جرائم حرب بحق مسلمي البوسنة في تسعينيات القرن الماضي.عزّز هذه التكهنات الاتفاق الذي وقّع عليه في 16 أيار، كلّ من الحزب الاشتراكي والحزب الراديكالي، والذي ينصّ على أن تترّكز أولويات الحكومة الجديدة على الحفاظ على وحدة أراضي صربيا، بما فيها كوسوفو، وتحسين الاقتصاد الوطني ومواصلة الجهود للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.في النتيجة، كان لا بد للإغراءات والضغوط التي مورست على الاشتراكيين أن تؤتي أكلها، فما لم ينجح مع كوستونيتشا نجح مع الاشتراكيين، رغم وحدة الحال التي جمعت هؤلاء مع القوميين والراديكاليين لسنوات طويلة.وسائل الإعلام المحليّة تحدثت عن تنازلات كبيرة قدّمها الرئيس تاديتش، الذي تولىّ المفاوضات مع الحزب الاشتراكي في سبيل إنجاح المفاوضات معه لتأليف حكومة ائتلاف تحرم الأحزاب المعارضة لسياسته الوصول إلى السلطة.وأوضحت المصادر نفسها أن الحزب الديموقراطي قدّم للحزب الاشتراكي عرضاً يصعب رفضه، من خلال منحه مناصب وحقائب وزارية مهمّة، منها وزارة الأمن والطاقّة إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء ورئيس البرلمان.وعلى ما بدا من خلال التطورات التي رافقت المفاوضات، فإن الحزب الاشتراكي كان ميّالاً أكثر إلى المعسكر الثاني. توضّح ذلك حين أعلن أنه يتفاوض مع الطرفين، لكنه «سيأخذ في الاعتبار أيضاً حقيقة أن اللائحة (نحو صربيا أوروبية) حصلت على عدد كبير من الأصوات».وفي ما يتعلق بحزب رئيس الوزراء السابق، كوستونيتشا، فقد كان أهم أسباب انقلابه على تاديتش: العلاقة مع الاتحاد الأوروبي ومسألة استقلال كوسوفو. قضيّة دفعته في 13 آذار إلى حل البرلمان وإعلان إجراء انتخابات مبكرة في 11 أيار الماضي. طبعاً كانت هناك أمور أخرى أسهمت في انقلاب كوستونيتشا، الذي صدّق الغرب في البداية، في أنه سينقل صربيا إلى مرحلة من النمو الاقتصادي والرفاه، فيما كانت النتيجة خلال الثماني سنوات الأخيرة، أن سياسة الحكومة الموالية للغرب وإصلاحات السوق الصعبة لم تجلب للصرب سوى المهانة والفقر (50 مليار دولار ما بين ديون مسجلّة وأخرى مستترة، فضلاً عن الفساد والصفقات المشبوهة التي تجرى تحت عنوان الخصخصة).أمّا في الطرف الآخر، فقد بدا الانزعاج واضحاً لدى مؤيّدي الغرب. انزعاج يمكن إدراكه من خلال تصريح للحزب الديموقراطي اتهم فيه كوستونيتشا بأنه «خدع ناخبيه» و«خان» أعضاء حزبه لأنه لم يشر قبل الانتخابات إلى أنه سيؤلّف حكومة مع الراديكاليين.بيت القصيد هنا، أن ما واجه تأليف الحكومة من عقبات كان من المتوقّع أن يستغرق حلّها وقتاً أطول، كان أمراً طبيعياً، بحكم عدم حصول أي من المعسكرين على غالبية تؤهّله لتأليف الحكومة منفرداً: لم يتمكن الائتلاف الموالي للغرب من ذلك رغم حصوله على دعم الأحزاب الصغيرة الأخرى مثل الحزب الليبرالي الديموقراطي وتجمعات الأقليات المسلمة والهنغارية والألبانية (حوالى 7 مقاعد جميعاً).لذلك، كان الحزب الاشتراكي بما يملكه من مقاعد هو بيضة القبّان بالنسبة إلى كلا الطرفين.مما لا شك فيه، أن النزاع سيستمر قائماً بين المعسكرين رغم حسم مسألة تأليف الحكومة. إذ إن المعركة المقبلة لن تتوقّف عند مسألة كوسوفو، بل ستكون في المستقبل القريب على مقاطعة فيفودينا المرشّّحة للانفصال أيضاً. فالتيار القومي ــــ الراديكالي المتنامي، الذي صعد نجمه في السنوات الأخيرة كردّة فعل طبيعية على ممارسات الغرب التي فكّكت يوغوسلافيا وستؤدي إلى تفكيك صربيا. ردة فعل برزت بعدما شعر الرأي العام بـ«دَوس كرامته» القوميّة.
الاخبار:٢٥ حزيران ٢٠٠٨

هوسرل يجادل كانط وديكارت


الفينومينولوجيا أو الحلّ الفلسفي لنظريّة المعرفة
معمر عطوي
فكرة صائبة، تلك التي اعتمدتها المنظمة العربية للترجمة، بإناطة تعريب «فكرة الفينومينولوجيا» (Die Idee der phaenomenologie) بالدكتور فتحي إنقزو، أستاذ الفلسفة التونسي، الذي يعدّ من المتخصصين بأعمال الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل (1859-1938). تخصُّص برز من خلال ثلاثة كتب: «هوسرل واستئناف الميتافيزيقا» و«هوسرل ومعاصروه: من فينومينولوجيا اللغة الى تأويلية الفهم» و«مدخل إلى مسألة العلامة في فينومينولوجيا هوسرل».

23‏/6‏/2008

ناغورني كاراباخ نزاع تحت الرماد



«استقلال» بدعم أرمني ورفض أذري... وصراع خفيّ أميركي ــ روسي

لا يبدو أن اللقاء التاريخي بين الرئيس الأذري، إلهام علييف، ونظيره الأرميني، سيرج سركسيان، في 6 حزيران الجاري، قد حمل أي تباشير أمل بحلّ مرتقب لمشكلة إقليم ناغورني كاراباخ، المتأزمة بين باكو ويريفان منذ عام 1988، والتي يبدو أنها لا تزال مرشّحة لمواجهة العديد من الاحتمالات
معمر عطوي

لم تفلح الوساطات العديدة خلال السنوات الماضية في إرساء حلّ سلمي نهائي للنزاع بين أرمينيا وأذربيجان حيال إقليم ناغورني كاراباخ. النزاع، الذي أودى بحياة أكثر من 30 ألف شخص من الجانبين بين عامي 1988 و1994، لا يزال مخيماً في سماء هذا الإقليم الذي يجثم في غرفة العناية الفائقة، حيث تتنازع مصالح الدول الكبرى على ثروات بحر قزوين وجواره.ورغم قرار وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه مجموعة «مينسك»، المنبثقة عن لجنة الأمن والتعاون الأوروبي (أصبحت اليوم منظمة الأمن...) في عام 1994، والتي يتولى رئاستها مندوبون عن روسيا وفرنسا وإسبانيا، استمّر النزاع المُسلّح بمراحل متفاوتة ليؤدّي إلى سقوط أكثر من 100 قتيل.لقد اندلعت الحرب بين الدولتين القوقازيتين في شباط 1988 على خلفية ادعّاء كل من يريفان وباكو السيادة على إقليم ناغورني كاراباخ الذي كان تحت سيطرة أذربيجان يومها. وخرجت ناغورني كاراباخ، ما عدا محافظتي شوشا وخوجالي، عن السيطرة الآذرية في كانون الأول سنة 1991. وتبعتها في فترة ما بين 1992 و1993، 7 محافظات أخرى مجاورة للإقليم.ودفع ارتفاع وتيرة العنف بلجنة الأمن والتعاون في أوروبا في صيف عام 1992 إلى إنشاء مجموعة مينسك المؤلفة من 11 دولة من أجل التوسّط في حلّ النزاع. وفي مبادرة دبلوماسية أميركية فاشلة، عُقدت قمة تاريخية في نيسان 2001 في مدينة كي ويست بولاية فلوريدا الأميركية، تحت رعاية المنظمة الأوروبيّة، جمعت الرئيسين السابقين الأرميني روبرت كوتشاريان والأذري حيدر علييف، من دون أن يسفر هذا اللقاء عن نتائج مهمة.وتكرّر المشهد في 6 حزيران الجاري بين رئيسي البلدين الحاليين، سيرج ساركسيان وإلهام علييف، على هامش اجتماع لوزراء الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي في مدينة ستراسبورغ، بيد أن هذا اللقاء اقتصر على التعارف.وكان الوسيط الأميركي، ستيفن مان، قد أعلن في 13 شباط 2006، عدم توصّل رئيسي جمهوريتي أرمينيا وأذربيجان إلى اتّفاق بشأن مصير ناغورني كاراباخ، وذلك بعد يومين من المفاوضات في قلعة رامبولييه جنوب العاصمة الفرنسية باريس. اجتماع نُظّم بوساطة من فرنسا والولايات المتحدة وروسيا التي شاركت جميعها في المحادثات. وناقش هذا الاجتماع الذي يعدّ الأهم خلال خمسة أعوام قضايا عديدة، أهمها «خروج القوات الأرمينية من الإقليم الأذري» حول كاراباخ وإجراء استفتاء لسكان المنطقة في إطار حق تقرير المصير.وفي العاشر من كانون الأول عام 2006، جرى الاستفتاء على دستور هذه الجمهورية، التي أعلنت تأسيسها بمعزل عن المجتمع الدولي. وعدّت السلطات في باكو هذا التصويت «مساً بالقانون الدولي». وهدّدت بالحرب لاستعادة السيطرة على الإقليم.ولم تتمكّن مجموعة مينسك من تحقيق أي إنجاز يذكر على صعيد بلورة حل للأزمة، ولا سيما أن مصالح الدول الاقتصادية وأهمية هذه المنطقة مثّلت عقبة إضافيّة في طريق الحلّ، وخصوصاً بعدما استُبعدت أرمينيا عن خط أنابيب باكو ــــ تبليسي ــــ سيهان، الذي يربط بين أذربيجان وجورجيا وتركيا.فكما هو معروف أن المنطقة تحوي ثروات طبيعية غنية وإمكانات اقتصادية وصناعية وزراعية كبيرة. هذا الواقع خلق تخوفّاً روسيّاً من سياسة أذربيجان، التي تتحالف مع واشنطن وتسعى إلى دمج اقتصادها في الاقتصاد العالمي.لقد ساهمت سياسة باكو في بلورة هواجس موسكو من خلال اتفاقات مع دول غربيّة في مجال استغلال حقول النفط والغاز الأذرية. ووقّعت معاهدات ضخمة بشأن الاستغلال المشترك مع «كونسورتيوم» الشركات الدولية، ما يسمى بمعاهدة القرن. فحسب التقديرات الأولية، يتوقع استخراج ٣٥٠ مليون برميل من النفط من تلك الحقول.الى جانب ذلك، تعدّ أذربيجان دولة مهمة من حيث موقعها الجيوسياسي عالمياً. إذ إنها تقع في ملتقى أوروبا مع آسيا. وتهدف في المستقبل إلى أن تنضم لمنظومة الاتحاد الأوروبي. ومن الطبيعي أن تكون لإيران أيضاً مصالح في تلك المنطقة، ولا سيما أن إيران وأذربيجان تتشاركان ثروات بحر قزوين. ناهيك أن البعد الديموغرافي يجعل المصالح متداخلة بين باكو وطهران، حيث يعيش في إيران قرابة 30 مليون مواطن من القوميّة الأذرية.بيد أن الاهتمام الإيراني بأرمينيا خلق حالاً من الفتور لدى باكو، وخصوصاً أن الجمهورية الإسلاميّة استطاعت استغلال حاجة يريفان لمصادر الطاقة مثل النفط والغاز. هذه الحاجة دفعت أرمينيا إلى تنفيذ مشاريع طاقة ضخمة مع إيران، مثل خط أنابيب لنقل الغاز وخط ثالث للكهرباء ومحطة كهرومائية ضخمة لتوليد الطاقة الكهربائية على نهر آراكس وغيرها من مشاريع، تعزّزت في ظل وقوف إيران إلى جانب أرمينيا في نزاعها مع أذربيجان.ثمة عقبة أخرى حالت دون تسوية النزاع، تمثّلت في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي صدر في 14 آذار الماضي، والذي يدعم حق أذربيجان في هذا اللإاقليم، مطالباً الجانب الأرميني بالانسحاب منه.بناءً على ذلك، تؤكد تطورات الأزمة وتشعباتها، وجود البعد الإقليمي ــــ الدولي للنزاع، الذي تمثله الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق (في ما بعد دولة روسيا الاتحاديّة). ويرى الرئيس الأذري الراحل حيدر علييف «أن الموقف الجائر الذي كانت القيادة السوفياتية تتّخذه تجاه أذربيجان بلا شك، أثار موجة عدم الرضى الكبيرة جداً بين سكان جمهوريتنا ضد النظام الشيوعي السوفياتي. عندما ازداد هذا السخط الشعبي في نهاية سنة ١٩٨٩ ضد جور القيادة الشيوعية للاتحاد السوفياتي تجاه الشعب الأذري، قرّرت الرئاسة السوفياتية (التي كانت تدعم النظام الأرميني آنذاك) كسر إرادة شعبنا من خلال إدخال أعداد كبيرة من الجيوش السوفياتية إلى آذربيجان في ٢٠ كانون الثاني سنة 1990».في المقابل، تستعرض أرمينيا وجهة نظر أخرى بشأن هذا النزاع، حسب تصريح للرئيس السابق، روبرت كوتشاريان، الذي يقول إن «نقطة النزاع هي بين أذربيجان وناغورني كاراباخ، ثم أقحمت فيها أرمينيا. هذا هو التعريف الأدّق الذي يعطي الصورة الحقيقية للأشياء». ويضيف أن الذي حدث بعد انهيار الامبراطورية السوفياتية أنه «ظهرت في المنطقة دولتان مستقلتان بحسب كل المعايير المتبعة في ذلك الوقت: جمهورية أذربيجان وجمهورية ناغورني كاراباخ، ونحن نعتقد أن قانونية وجود ناغورني كاراباخ كدولة مستقلة غير قابل للتشكيك. كانت هناك محاولة إخضاع هذه الجمهورية لأذربيجان، وبالنتيجة كانت الحرب. هذا هو سبب النزاع الذي يحاول كل طرف تقديمه بأشكال مختلفة».وبرأي كوتشاريان، أن ناغورني كاراباخ دولة مستقلة، وأنها لم تكن في يوم من الأيام ضمن جمهورية أذربيجان المستقلة، «أنا نفسي ولدت في ناغورني كاراباخ وفي وقت من الأوقات تزعّمت حركة الاستقلال. نحن لن نكون أبداً ضمن أذربيجان المستقلة».
الاخبار:٢٣ حزيران ٢٠٠٨

21‏/6‏/2008

الكفاح المسلّح: من أغوار الأردن إلى أنفاق غزة




كان الكفاح المسلّح رمز القضية الفلسطينية. أبقاها على طاولة التداول العالمي، وإن بصفة «إرهاب» أقنع العالم بضرورة البحث عن صيغة حلّ للشعب الفلسطيني. من أغوار الأردن إلى جنوب لبنان وصولاً إلى غزّة والضفة الغربية، مسار مقاومة لم توقفه طاولة المفاوضات
معمر عطوي
الكفاح المسلح كان صلب القضية الفلسطينية، وطريقاً وحيداً للتحرير، بحسب ما نص عليه الميثاق الوطني الفلسطيني قبل تعديله بعد اتفاقيّة أوسلو، إذ ورد في المادة التاسعة منه أن «الكفاح المسلح طريق وحيد لتحرير فلسطين». واعتبر في المادة 10 «أن العمل الفدائي يشكل نواة حرب التحرير الشعبية الفلسطينية وهذا يقتضي تصعيده وشموله وحمايته وتعبئة كافة الطاقات».لم يكن موعد الطلقة الأولى للثورة الفلسطينية في عام 1965 كما هو رائج. بل سبقتها، وعلى مدى عقود، سلسلة من النشاطات الحربية ضد عصابات اليهود الاستيطانية ومن ورائها الاحتلال البريطاني. واستمرت إلى ما بعد النكبة عام 1948. لكن عام 1964، كان الموعد الرسمي لانطلاقة العمل الفدائي لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وبدعم من أنظمة عربية.وعى الشعب الفلسطيني خطورة ما تحوكه القوى العظمى بقيادة بريطانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر، فهبَّ لمحاربة المشروع الغربي ــــ الصهيوني بكل الوسائل المُتاحة، على تواضعها. وتزامن ذلك مع بدء الهجرة اليهودية إلى فلسطين، مروراً بوعد بلفور وتداعياته المأساوية وصولاً إلى اتفاقات التسوية التي عقدت بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ أوسلو عام 1993.وقد مرّت المقاومة المسلّحة، بمراحل عديدة: بدأت منذ عام النكبة 15/ 5/ 1948، وشهدت في الخمسينيات عمليات فدائية جريئة انطلقت من قطاع غزة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكانت بدعم مصري، وأخرى على الحدود السورية ــــ الفلسطينية بدعم سوري. ثم دخلت مرحلة ثانية في 28/ 5/ 1965 مع إنشاء منظمة التحرير.غير أن المنعطف الخطير الذي واجهته القضية الفلسطينية، برز بعد فشل الوحدة السورية ــــ المصرية عام 1961، ووصل إلى ذروته مع هزيمة عام 1967. حينها أصبح نصف أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني تحت الاحتلال، حيث بات من المُلحّ أن تتحول منظمة التحرير إلى بنية للعمل الفدائي المُسلّح.لقد هيّأت الظروف التي رافقت انطلاقة الرصاصة الأولى في بداية عام 1965، بلا شك، لنشوء فصائل عديدة من المقاومة الوطنية والقومية واليسارية، المتولّدة بمعظمها من رحم حركة القوميين العرب؛ فكانت الجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية وغيرهما من فصائل المقاومة المُسلّحة التي بدأت من منطقة الأغوار في الأردن ومرّت في لبنان ولا تزال مستمرة في الضفة الغربية وغزة، حيث أصبحت الأنفاق على الحدود مع مصر إحدى أهم وسائل دعمها.ومرّت القضية الفلسطينية بمخاضات عسيرة، إذ تحوّل دعم النظام الرسمي العربي لمجموعات فدائية، من نعمة لهذه القضية إلى نقمة نخرت جسدها، حتى باتت أسيرة للتجاذبات العربية ــــ العربية، ووقوداً للحروب الباردة بين الشرق والغرب.ويرى الكاتب حميدي العبد أن «الأموال النفطية، أدّت دوراً كبيراً في إنشاء عدد كبير من الكوادر، ما ولّد شريحة داخل حركة التحرر الوطني الفلسطينية بدأت تساوم على خط الكفاح المسلّح، مدعومة بالتحوّلات التي شهدها الوطن العربي بعد وفاة عبد الناصر، وبعد تحوّل مصر إلى خيار الارتباط بالغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة».ولعلّ أكثر المشاهد مآساوية في تاريخ العمل الوطني الفلسطيني، كان حوادث أيلول الأسود عام1970، التي أسهمت في إنهاء الكفاح المسلّح من منطقة الأغوار شرقي نهر الأردن، لينتقل بعدها إلى لبنان في إطار ما عُرف يومها باتفاقية القاهرة 1969.في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي عقدت في القاهرة عام 1969، انتخب المجلس لجنة تنفيذية جديدة للمنظمة، انتخبت بدورها ياسر عرفات رئيساً لها في أول اجتماعاتها. وأنشأت قيادة «الكفاح المسلَّح»، لتكون نهاية المرحلة الثانية من تاريخ هذا الكفاح.وجاءت المرحلة الثالثة ما بين عامي 1970 و1982، وانتهت بخروج القوات الفلسطينية من لبنان. وتميّزت بابتكار أساليب جديدة لإيصال القضية الفلسطينية إلى العالم من خلال العمليات الأمنية الخارجية وخطف الطائرات، ولا سيما عمليات الذراع الخارجية للجبهة الشعبية بقيادة الدكتور وديع حداد (أبو هاني) وجهاز العمليات الخارجية في حركة «فتح» بقيادة أبو حسن سلامة، وتخلّل ذلك عمليات أمنية متبادلة بين إسرائيل والأجهزة الأمنية الفلسطينية كان من بينها اغتيال القادة الثلاثة في بيروت (أبو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان).بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، دخلت الفصائل المقاومة في مرحلة المنافي الجديدة، من الجزائر حتى تونس وليبيا والعراق واليمن. تخلّلت هذه الفترة تصفية قيادات في منظمة التحرير مثل خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد)، وفي ما بعد قائد حركة الجهاد الإسلامي، فتحي الشقاقي. وقد استمرت حال المنظمات الفلسطينية المسلّحة على هذه الصورة حتى اتفاقية أوسلو وما أفرزته من اتفاقات قضت بانتقال القيادة إلى فلسطين المحتلة ونشوء سلطة على الأراضي الفلسطينية بقيادة أبو عمار.لكن هذه التطورات سبقتها أساليب جديدة وناجعة في العمل المقاوم، تمثلَّت بانتفاضة شعبية انطلقت في شهر كانون الأول من عام 1987، وباتت هذه الانتفاضة المنعطف الهام في كفاح الشعب الفلسطيني. ثم تلتها انتفاضة ثانية في عام 2000.وبحسب رأي الباحث الفلسطيني، ماجد كيالي، فإن «التحوّل من الانتفاضة الشعبية المدنية إلى المقاومة المسلّحة، في الانتفاضة الثانية، إنما حدث بحكم عوامل عديدة، منها أن الفصائل التي كانت تعمل في الخارج نقلت تجربتها إلى الداخل، فهي الحامل الموضوعي لهذه التجربة. ثم إن التنافس بين الفصائل، وتحديداً بين فتح وحماس، عزّز الطابع العسكري للانتفاضة».ويقول المُحلّل العسكري في صحيفة «يديعوت آحرونوت» رون بن يشاي، استناداً إلى مصادر أمنية في تل أبيب، إن المقاومة الفلسطينية غيّرت من تكتيكها، وباتت الآن تحارب الجنود الإسرائيليين وجهاً لوجه، لأنها توصلت إلى قناعة بأن مواصلة إمطار جنوب الدولة العبرية بالصواريخ يعود عليها سلباً لدى الرأي العام العالمي، ويمنح إسرائيل الحقّ في الرد بعمليات عسكرية على قيام الفلسطينيين بقصف مناطق مأهولة بالسكان، مشيراً إلى أن المعارك تدور اليوم في منطقة لا تتعدّى الثلاثة كيلومترات، بمحاذاة الشريط الحدودي.ويمكن الحديث عن تحولات جذرية في البنية الفكرية ــــ العقائدية لحركة التحرر الفلسطينية، إذ شهدت هذه الحركة تيارات قومية ويسارية ووطنية في بدايتها. لكن في منتصف الثمانينيات، ومنذ الانتفاضة الأولى، بدأت تشهد هذه الحركة تيارات جذرية إسلامية على غرار حركة المقاومة الإسلامية «حماس» والجهاد الإسلامي.وقد تحدث الأمين العام الراحل للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الدكتور جورج حبش، عن أن «انطلاقة العمل الفلسطيني المسلّح، كانت بمثابة ولادة جديدة للفلسطينيين بعد عقدين على نكبة فلسطين في عام 1948». وتطرّق إلى الأسباب التي عطّلت مسار التحرير بقوله «لا بد لنا من أن نلاحظ شبكة العلاقات المعقّدة التي أحاطت ولا تزال بالقضية الفلسطينية على المستويات المحلّية والإقليمية والعربية والدولية، وهناك من دون شك أسباب موضوعية وأخرى ذاتية حالت دون وصولنا إلى هدف التحرير، ولا سيما مع تغيّر موازين القوى الإقليمية والدولية التي لم تصب في مصلحتنا كحركة تحرر وطني وقومي. فالتجارب الوحدوية فشلت، وبالتالي لم يتحقق شعارنا: الوحدة طريق تحرير فلسطين. بل أدى ذلك إلى انهيار الأنظمة العربية الوطنية وتراجعها.. كذلك كان انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية خسارة لحلفائنا على الصعيد العالمي، مما جعل الباب مفتوحاً أمام هيمنة القطب الواحد للولايات المتحدة».


------


فصائل المقاومة والانشقاقات
بدأت حركة المقاومة الفلسطينية في عام 1957، بتأسيس النواة الأولى لجيش التحرير الوطني الفلسطيني في العراق، واتخذت من معسكر الرشيد في بغداد مقراً لتدريبه وتسليحه.وكانت هذه القوة هي الجناح العسكري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، التي أعلن عن تأسيسها في 31/12/1964 باسم قوات «العاصفة».لكن الحركة تعرّضت لانشقاقات عديدة، ولا سيما أن الأنظمة العربية كانت تلعب على التناقضات داخل الساحة الوطنية الفلسطينية. انشقاقات كان أبرزها في عام 1974، بقيادة مدير مكتب الحركة لدى بغداد، صبري البنا «أبو نضال»، الذي أسّس «حركة فتح ــــ المجلس الثوري».وحين اختارت «فتح»، بعد خروجها من لبنان في عام 1982، إعادة العلاقات مع كل من مصر والأردن، لقيت معارضة سورية وليبية شديدة دفعت أحد مسؤولي الحركة في البقاع والمقرّب من سوريا، سعيد مراغة «أبو موسى»، إلى قيادة انشقاق في عام 1983، تحت شعار «تصحيح مسار الثورة». أمّا الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، التي كانت أحد تجليّات حركة القوميين العرب، فقد تأسست مع تشكيلات نضالية أخرى، بقيادة الدكتور جورج حبش، في 11/12/1967. لكن مسيرة هذا التشكيل تعثّرت نتيجة خلافات سياسية في وجهات النظر، فانسحبت جبهة التحرير الفلسطينية في تشرين الأول عام 1968 وشكلت الجبهة «الشعبية لتحرير فلسطين ــــ القيادة العامة».وفي سنة 1969، قاد نايف حواتمة، انشقاقاً آخر عن الجبهة الشعبية، وقام بتأسيس «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين»، ثالث أكبر فصيل في منظمة التحرير الفلسطينية.ومن خارج إطار منظمة التحرير برزت قوة سياسية وعسكرية تحت مسمّى حركة المقاومة الفلسطينية «حماس». أعلن عن تأسيسها الشيخ الشهيد أحمد ياسين مع عدد من كوادر وكبار قادة جماعة الإخوان المسلمين العاملين في الساحة الفلسطينية. وذلك في العام 1987 إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993)، حملت طابعاً اسلامياً على نقيض ما عرفته الفصائل الفلسطينية التقليدية. وكان هذه القوة هي التي سيطرت بعد 20 عاماً على قطاع غزة.وكانت حركة «الجهاد الاسلامي» سبّاقة على صعيد الحركات الاسلامية في فلسطين، اذ انها رفضت سياسة «الاخوان» في استهلاك الوقت بالتثقيف السياسي والتأهيل التربوي، ودخلت غمار العمل المقاوم منذ العام 1980.وهناك أحزاب وفصائل أخرى مقاومة، شهدتها الساحة الفلسطينية منها:- حزب الشعب الفلسطيني: وهو حزب اشتراكي يشكل امتداداً للحزب الشيوعي الفلسطيني السابق. تأسس عام 1982.- جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، تنظيم يساري ينتمي إلى منظمة التحرير الفلسطينية، تأسس سنة 1967.- جبهة التحرير الفلسطينية، تنظيم فلسطيني أسس سنة 1977 اثر انشقاق أبو العباس وطلعت يعقوب عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة.- الجبهة العربية الفلسطينية: تنظيم فلسطيني قومي تأسس سنة 1993 إثر حدوث انشقاق في جبهة التحرير العربية.

11‏/6‏/2008

سمهون يحارب إمبرياليّة اليوم بمقالات الستّينات


كتابات مختارة تخدم الشخصانيّة أم بحث منهجي؟
معمر عطوي
من السهل أن نكتب عن الإمبريالية ونقذفها بأقذع الشتائم ونستشرف سقوطها السريع بناءً على ظروف موضوعيّة وذاتيّة. غير أن بحثاً كهذا يتطلّب شحذ العدة الكاملة من أجل صناعة أفكار ممنهجة وسياق واضح للمعالجة.هذا ما لا ينطبق على كتاب «أعلى مراحل الإمبريالية» للكاتب الصحافي رفيق سمهون، والصادر عن دار عشتروت للنشر في بيروت، إذ إنه اختار عنواناً فضفاضاً لكتاب هو عبارة عن تجميع مقالات مختارة كتبها سمهون خلال مراحل نضاله الطويل في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني.ممّا لا شكّ فيه، أنّ الكتاب الذي تضمّن 45 مقالاً وملحقات، كتاب غنيّ بمعلوماته، قويّ بسبك عبارته، متقدّم لجهة طرحه إشكاليات عربية في الفضاء الاشتراكي العالمي، من خلال ما كتبه على صفحات مجلات عالمية مثل «مجلة قضايا السلم والاشتراكية» التي كانت تصدر في براغ بـ43 لغة من لغات العالم وتضم 70 حزباً شيوعيّاً.«أعلى مراحل الإمبرياليّة» عنوان جميل وجذاّب لمن يلاحق تطورات حركة الإمبرياليّة وتمدّدها «الكوني». غير أن هذا العنوان لا يمكن اختزاله بمجموعة مقالات تعبّر عن مراحل معيّنة مضت وتقرأ في أحداث قد لا تتشابه مع ما هو سائد اليوم.الأحرى بالكاتب، وهو مفكّر سياسي شيوعي معروف في الوسط اللبناني ــ العربي وربما العالمي، أن يتخذ عنواناً أقرب الى طبيعة المضمون مثل «مقالات مختارة». لأن العنوان الذي استخدمه الكاتب، يستحق الاهتمام بما يؤدي الى إخراج بحث منهجيّ ــ علمي يطرح إشكاليات الإمبريالية وظروف انغراسها في المجتمعات السياسية، والدور الاقتصادي في ترويج وتحقيق هذه الرؤية المهيمنة. بمعنى أن الحديث عن الإمبرياليّة يتطلب أطروحة متكاملة سياسية اقتصادية فلسفية اجتماعية، لا مجموعة مقالات بعضها إن لم يكن أكثرها قد لا يصبُّ في خدمة العنوان. وربما كان أفضل للكاتب لو اختار مقتطفات من مقالاته لخدمة هذا البحث لا عرض المقالات كما هي.بأيّ حال، الكتاب الغني بعرض المراحل السياسية التي مرّ بها لبنان والعالم، والأهم من ذلك أن كاتبها هو أحد صانعي المشهد السياسي اللبناني: هو الصحافي الذي عمل في جريدة «الأخبار» حين كانت متحدّثة باسم الحزب الشيوعي في الخمسينات، وهو القيادي الشيوعي الذي عمل رئيساً لاتحاد الطلاب عام 1954، ثم أصبح عضواً في الهيئة القيادية لمنظّمة بيروت، حيث قاد العديد من الإضرابات والتظاهرات المطلبية والوطنية وسجن ستّ مرات بين أعوام 1953 ــ1960.يتناول سمهون في كتابه قضايا عديدة تتحدّث عن «لبنان بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الأميركي والعدوان الأطلسي عليه وعلى المنطقة. ويستغرق قليلاً في إشكالية الأيديولوجيا التي تحاول الإمبريالية فرضها على العالم لزرع فكرة معاداة الشيوعيّة.ويقول في هذا السياق إنّ الأفكار التي يدعو إليها أنصار «عودة الأيديولوجيا» الليبراليون لا تخرج عن إطار النظرة البورجوازية للعالم ولا تنفي الملكيّة الخاصّة، إنما تنمو في تربة الرأسمالية، مستشهداً هنا بمقولة للينين الذي يرى أن المحاولات المتنوعة التي يبذلها الليبراليون الجدد لخلق أيديولوجيات جديدة «ليست سوى أوهام ودخان أيديولوجي».ثمة عناوين عديدة تستحق التوقّف عندها في كتاب سمهون، وخصوصاً إذا ما استحضر القارئ المرحلة التي كُتبت فيها هذه العناوين، والظروف الموضوعيّة التي كانت تصنع الأحداث آنذاك، على غرار الحديث عن «الريغانية»، أو من خلال استخدامه أدبيّات السبعينيات والثمانينيات حين كانت الحركة الوطنيّة في أوج تألّقها.لعلّ الهفوة الأخرى التي وقع فيها الكاتب هي تخصيص القسم الثالث من الكتاب لعرض مقتطفات من كتابه السابق «في نقد التجربة الاقتصادية المعاصرة». وفي هذا الضمّ ما يشير إلى الاهتمام بالكمّ على حساب النوع، وعلى التصرّف بشخصانيّة على حساب الموضوع. وهذا يعيدنا إلى الرؤية المنهجيّة التي يفتقر إليها الكتاب، رغم ما قدّمه الكاتب من أفكار نقدية مهمّة.
العنوان الأصلي أعلى مراحل الإمبرياليّة
الكاتبرفيق سمهون
الناشرعشتروت
عدد الاربعاء ١١ حزيران ٢٠٠٨

10‏/6‏/2008

عقدة «الائتلاف الصربيّ» وطيف ميلوسوفيتش


معمر عطوي
لم يكن الرئيس الصربي، بوريس تاديتش، مخطئاً حين أعلن في الثالث عشر من أيار الماضي، غداة الانتخابات البرلمانية المبكرة، أن المفاوضات بشأن تأليف الحكومة المقبلة «ستكون شاقّة».لقد واجه تأليف الحكومة الوطنيّة العتيدة، ولا يزال، عقبات كثيرة، على غرار ما يجري في لبنان، على حد وصف عضو البرلمان الصربي المُنحَلّ، أمجد ميقاتي.فقد بلغت المشكلة ذروتها بين الطرفين المتنازعين في الأشهر الأولى من العام الجاري، حين انهار الائتلاف الحاكم الذي قاده الرئيس بوريس تاديتش والحزب الديموقراطي الصربي بزعامة رئيس الوزراء السابق، فويسلاف كوستونيتشا، ما دفع تاديتش في 13 آذار إلى حلّ البرلمان وإعلان إجراء انتخابات مبكرة في 11 أيار. أما سبب هذه المشكلة، فهو في جوهره، خلاف على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، بعدما اعترفت معظم دوله باستقلال كوسوفو.يصنّف ميقاتي، الذي يعمل مستشاراً لرئيس الحزب الراديكالي القومي، التيارات المتنازعة على المسرح السياسي بأنها ذات توجهين واضحين، الأول وطني ـــــ قومي يرفض التبعيّة للغرب، والآخر موالٍ للغرب ويعمل وفق التوجهّات الأميركية. ويقول «هناك التحالف الوطني ويضم الحزب الراديكالي (78 مقعداً) بقيادة تويسلاف نيكوليتش والحزب الديموقراطي الصربي (30 مقعداً). وفي المقابل، هناك القوى الديموقراطية المواليّة للغرب، التي تضم مجموعة من الأحزاب بقيادة الحزب الديموقراطي» الذي يقوده الرئيس تاديتش (103 مقاعد)، فيما يتعرّض الحزب الاشتراكي الصربي (الرئيس السابق سلوبودان ميلوسوفيتش) لضغوط من أجل ترك حلفائه التقليديين والانضمام إلى الحلف الموالي للغرب.وبحسب المسؤول الصربي ذي الجذور الفلسطينية، فإن «القوى الديموقراطية» لم تحقق النعيم المنشود والوعود المتعلقة بتحسين الشروط الاقتصادية والمعيشية، والذي صاحب مرحلة تقسيم يوغوسلافيا؛ فالبطالة وصلت إلى أعلى مراحلها، إذ بلغ عدد العاطلين عن العمل مليون شخص. كما أن الخصخصة التي جرت لم تخدم المصلحة العامة، و«عُدّت خصخصة لصوصية بيعت خلالها مؤسسات اقتصادية مهمة بأثمان بخسة في مقابل عمولات ذاتية».ويرى ميقاتي أن صربيا «لم تستطع أن تحافظ على كيانها المتّحد والمستقّل رغم وعود الغرب بأن كل القضايا السيادية ستُحل ديموقراطيّاً إذا ما تمّت إزالة ميلوسوفيتش». ما جرى هو أن الجبل الأسود فُصل عن يوغوسلافيا، وبدأت مرحلة تفتيت صربيا مع استقلال كوسوفو، وبالتالي انتهت يوغوسلافيا إلى الأبد.ويضيف ميقاتي إن إعلان استقلال كوسوفو، تمّ من خارج إطار مجلس الأمن والقانون الدولي، وجرى تصعيد الشعور الانفصالي لدى مقاطعة فيفودينا. كل ذلك بسبب ما تتمتع به هذه المنطقة من ثروات طبيعية وأراضٍ زراعية من أخصب الأراضي الأوروبية. ويقول «عوامل عديدة حملت كوستونيتشا، الذي صدّق وعود أميركا في البداية، على ترك تحالف القوى الموالية للغرب فانقلب على حلفائه الغربيين». ويتابع «لقد شعر الرأي العام بدوس كراماته القوميّة، فجرى تدمير مقوّماته الاقتصاديّة وأصبح عمليّاً تابعاً ذيلياً للقوى الغربيّة، حيث وصلت الديون الخارجيّة الى أكثر من 30 مليار دولار، إضافةً إلى عجز تجاري يُعدّ ديوناً مستترة، بلغ 20 مليار دولار».هذا الواقع المزري أدى أيضاً إلى أن يستعيد الحزب الراديكالي موقعه في الجسم الانتخابي الذي فقده عام 2000، حيث كان يشارك في حكومة وحدة وطنية بقيادة ميلوسوفيتش إبّان «العدوان الأطلسي على يوغوسلافيا».ومنذ عام 2004 حتى الآن استطاع الحزب أن يكون الأقوى في برلمان صربيا. لكن القوى الغربيّة منعت تأليفه ائتلافاً يقود به الحكومة بكل الوسائل. لذلك يشير المسؤول الصربي إلى أن الحزب الراديكالي، عرض على كوستونيتشا بعد الانتخابات الأولى تأليف حكومة مشتركة وبعدما وافق جرت ضغوط قويّة عليه لمنعه، بينما رفض الحزب الراديكالي إشراك الحزب الديموقراطي لأنه مسؤول عما جرى.الحزب الراديكالي الذي حصل في الانتخابات الأخيرة على أعلى نسبة من المقاعد (78 مقعداً من 250)، لا يزال غير قادر على تأليف حكومة منفرداً لأنه لم يستطع أن يُكوّن غالبية. لهذا هناك اتفاق مبدئي مع حزب كوستونيتشا (الديموقراطي الصربي) على إنشاء ائتلاف يضم إليه الحزب الاشتراكي الصربي. لكن ميقاتي يشير إلى «ضغوط رهيبة على الحزب الاشتراكي من الغرب من أجل أن ينضمّ إلى الائتلاف الذي يقوده الحزب الديموقراطي ويتخلّى عن حلفائه الطبيعيين (الحزب الديموقراطي الصربي والحزب الراديكالي)». لذا فإن الائتلاف المقبل ينتظر موقف الحزب الاشتراكي، الذي يعدّ «بيضة القبّان».وبشأن النقاط الخلافية، يقول المسؤول الراديكالي إنها تترّكز على 3 نقاط يؤمن بها حزبه:1- ربط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بتراجع الاتحاد عن الاعتراف باستقلال كوسوفو والاعتراف بأنها جزء لا يتجزأ من صربيا.2- ضرورة انفتاح صربيا في علاقاتها وتعاملاتها مع الشرق والغرب والشمال والجنوب، حيث إن الحكومات المتتالية بعد عام 2000 أعطت كل الأولويات الاقتصاديّة والعسكريّة والثقافيّة في العلاقة مع أميركا ودول الاتحاد الأوروبي وأهملت العلاقات الطيبة مع دول مهمّة مثل روسيا والصين والهند. وتحالفات إقليمية مع الدول العربية ودول أميركا اللاتينية.3- قضيّة مكافحة الفساد.
عدد الأخبار:١٠ حزيران ٢٠٠٨

6‏/6‏/2008

الخرطوم: لا مصلحة للجنوبيّين بعودة الحرب


«مؤسّسة الرئاسة صمّام أمان» يمنع انفجار الوضع في أبيي
معمر عطوي
طرحت الأحداث التي شهدتها منطقة أبيي السودانية في الأسابيع الأخيرة، مشكلة جديدة في خطة تطبيق اتّفاق السلام الموقّع بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 2005، وبات هذا الاتفاق على المحكّ بانتظار استفتاء يُحدّد تبعيّة منطقة العموديات الشمالية، التي تُعَدُّ أساس المشكلة.وفي الحقيقة، أن منطقة أبيي ليست هي موقع النزاع الفعلي، بل منطقة عموديات، وهي واقعة في الشمال وفق تقسيم عام 1905. هذا ما أوضحه لـ«الأخبار» أمس، مستشار الرئيس السوداني، عبد الله علي مسار، الذي يزور بيروت، والذي حدَّد أساس الخلاف بالنزاع على التبعيّة: «هل منطقة عموديات شمالية أم جنوبية تتبع لأبيي؟».سبب الخلاف برأي مسار هو «أطماع الدول العظمى في إنتاج البترول والاستفادة من هذه المنطقة لضمّها إلى جنوب السودان». لذلك يرى أن الوفد الأميركي الذي يجري مفاوضات مع الخرطوم من أجل تطبيع العلاقات الأميركية ـــــ السودانيّة، قد أوقف نشاطه «بناءً على تعليمات من واشنطن، على خلفية أحداث أبيي»، مشيراً إلى أن رفض الخرطوم لعرض الوفد الأميركي وساطته بين الشمال والجنوب، دفع الأميركيين لإيقاف المحادثات. محادثات كان قد اتُّفق عليها في روما قبل أسابيع، وترمي إلى تطبيع العلاقات بين السودان والولايات المتحدة، ورفع اسم السودان عن لائحة الدول الداعمة للإرهاب، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.أمّا رفض الخرطوم لهذه الوساطة، فيشير المستشار الرئاسي السوداني إلى ان الخرطوم تعتزم حلّ مشاكلها الداخلية ذاتيّاً من دون أي تدخل أجنبي. ولعلّ «أكثر النقاط حساسية في تناول قضية أبيي»، بحسب المسؤول السوداني، أن عدداً كبيراً من أبناء المنطقة، هم قادة في الحركة الشعبية الجنوبية التي خاضت معارك طويلة مع الجيش السوداني خلال سنوات الحرب بين الشمال والجنوب. وينتمي هؤلاء إلى قبيلة الدينكا قوك، ويتفاوضون باسمها، في مقابل حضور كبير لقبائل عربية (المسيرية والرزيقات)، التي تتحالف تاريخياً مع الحكومات السودانية المتعاقبة. فالحركة الشعبية ترى أن أبيي كانت تابعة لمديرية بحر الغزال في الجنوب، ولكن الحاكم العام البريطاني ضمّها إلى مديرية كردفان في الشمال، بقرار إداري في عام 1905.ويوضح مسار أن ما عزّز النزاع في الفترة الأخيرة، هو استئثار الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، بحل الخلاف على طريقته. إذ إن المفروض هو تأليف لجنة خبراء تضم 15 خبيراً: 5 منهم من قبيلة الدينكا و5 من قبيلة المسيرية و5 خبراء دوليين. لكن الخبراء الدوليين اتخذوا قراراً منفردين، من دون مشاركة ممثّلي القبيلتين، بتحديد تبعية العموديات إلى أبيي، وفق تقسيم عام 1956. ووصف مسار هذا القرار بأنه «تجاوزٌ للحدود».كيف يمكن حلّ هذه المشكلة، وهل من الممكن أن تعيد تفجير النزاع عسكرياً بين الشمال والجنوب؟ يجيب مسار بأن «المشكلة الآن أمام استحقاقين: الأول يتمثل بالاستفتاء المقرَّر إجراؤه في عام 2011، الذي تتحدَّد بموجبه تبعيّة المنطقة. والثاني هو مسألة التحكيم الدولّي المرتقبة.وما بين الاستحقاقين يكمن الحلّ كما هو مطروح، «تأليف إدارة مشتركة بين المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم والحركة الشعبية في الجنوب، من أجل إدارة المنطقة».وفي ما يتعلق بإمكان عودة شبح الحرب ليخيّم على المنطقة، يرى مسار أنه رغم إصرار الحركة الشعبية على إعادة رسم حدود منطقة أبيي، لكن «الجنوبيين ليس لهم مصلحة في أي نزاع مسلح».أمّا ضمانة هذه الفرضيّة فيحددها مسار بالعلاقة القويّة داخل مؤسسة الرئاسة؛ يقول إن الرئاسة المؤلفة من الرئيس عمر البشير ونائبيه الجنوبي والشمالي تمثّل «صمام أمان للنزاع».مسار، الذي يرأس «حزب الأمة ـــــ القيادة الجماعية ـــــ الأمانة العامة» والمنشق عن حزب الصادق المهدي، يرفد كلامه على هذه الضمانة بالإشارة إلى أهمية البعد القبائلي في ذلك، لانتماء نائب الرئيس الجنوبي، جون سلفا كير، إلى قبيلة الدينكا، القبيلة الأكبر في الجنوب، حيث يتمتع بشعبية كبيرة، إلى جانب نفوذه الواسع داخل الحركة الشعبية، وهو أحد أهم مؤسّسيها، وكان مسؤولاً عسكرياً واستخبارياً فيها. انطلاقاً من هذا المعطى، يستنتج المستشار السوداني «أن المؤسسة الحاكمة هي القابضة على الأمور».وفي ما يتعلّق بحركة العدالة والمساواة، التي شنّت الشهر الماضي هجوماً عسكرياً على أم درمان مستهدفة العاصمة الخرطوم، يوضح مسار أن هذه الحركة مدعومة من تشاد، وهناك علاقة نسب بين الرئيس التشادي إدريس ديبي وبعض أقطاب هذه الحركة. وجُلّ عناصرها من مخيمات اللاجئين الدارفوريين. كما أن معظم قادة العدل والمساواة، من تلاميذ زعيم المؤتمر الشعبي المعارض، حسن الترابي والمعجبين بأفكاره التغييرية. غير أن هذه الحركة التي بدأت نشاطها بغزارة «لم تعد قادرة على فعل شيء»،وذلك للأسباب التالية: «لقد فقدت الحركة كل عناصرها المقاتلة (بين قتيل وجريح وأسير)، وفقدت كل قوّتها العسكرية. كما فقدت كل المعلومات الاستخبارية التي كانت بحوزة كوادر أصبحوا في أيدي الاستخبارات السودانية. بمعنى أنها فقدت ركيزتها الفنية والعسكرية والأمنية».يوافق مستشار الرئيس السوداني على توصيف هذه الحركة بأنها «جناح مُسلَّح لحزب الترابي، لكن بشكل سرّي، لأنها تتبرأ من أي علاقة بالمفكر الإسلامي السوداني. رغم أن المؤتمر الشعبي هو الحزب السوداني الوحيد الذي لم يدن الهجوم على أم درمان».
عدد الأخبار: ٦ حزيران ٢٠٠٨

4‏/6‏/2008

منعطفات إشكاليّة لم تسلم من التكرار والاجترار


إهرنبرغ يتنقّل بين ذهنيّة العرض وروحيّة المقاربة
معمر عطوي

يعكس كتاب «المجتمع المدني ــ التاريخ النقدي للفكرة» (ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم ــ المنظمة العربية للترجمة)، اهتمامات كاتبه جون إهرنبرغ، كناشط في الحقوق المدنية ومناهضة الحروب. الرجل يعطي رؤية نقدية شاملة لفكرة المجتمع المدني منذ الفلسفة اليونانية مع أفلاطون وأرسطو إلى مراحل سيطرة الرأسمالية على اقتصاد السوق الذي أسهم في «تسليع الميدان العام».لقد أراد إهنبرغ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة لونغ آيلند الأميركية، أن يعالج مفهوم المجتمع المدني، معالجة شاملة، فوقع في التكرار أحياناً وفي اجترار العبارات، واسترسل أحياناً أخرى في الاستطراد لدرجة تضييع الفكرة الأساسية. استطراد بدا واضحاً في مناقشاته لفلاسفة كبار مثل عمانوئيل كانْت، وفريدريش هيغل عن مفهوم المجتمع المدني، باذلاً في هذا المضمار جهداً مضاعفاً من أجل التوصُّل إلى عصارة أفكار تصبُّ في تحقيق هدفه من وضع هذا الكتاب ــ الأطروحة. إذ إن فكرة المجتمع المدني بحدّ ذاتها كانت مطروحة منذ العصور القديمة، وفق معايير مختلفة عن السائد اليوم. وربما كانت ممارسة أكثر منها رؤية فلسفية، لكنها قد تكون تبلورت مع تقسيم أنظمة الحكم وطبقات المجتمع في فلسفتي أفلاطون وأرسطو وما جاء بعدهما.ممّا لا شك فيه أن الدراسة مستفيضة جداً وتستدعي الوقوف عند الكثير من منعطفاتها الإشكالية التي أراد من خلالها الكاتب الانتقال من ذهنية العرض إلى روحية المقاربة بين الرؤى، والمقارنة بين المتناقضات. لذلك استطاع في كتاب يتألف من 470 صفحة من القطع الوسط أن يعطي الموضوع حقّه.لكن كاتبنا المتخصّص في الماركسية والفكر الديموقراطي، وقع في إشكالية منهجية ــ إذا صحّ التعبير ــ من خلال إقحامه الفكرة المسيحية عن المجتمع المدني كرؤية دينية، وإن كان توما الاكويني وأوغسطين أقرب إلى الفلاسفة من الإكليروس.في كتابه «مدينة الله»، يستنتج القديس أوغسطين أن «الخطيئة تمخّضت عن تراتبية في التاريخ الإنساني، وخلقت، في الوقت نفسه، إمكان أن يكون لمؤسسات المجتمع المدني تأثير إصلاحي». انطلاقاً من هذا المفهوم، رأى إهرنبرغ أن أوغسطين «حوّل المجتمع المدني الكلاسيكي ــ الذي قام لدى الإغريق والرومان مقام حلبة للنقاش العام والفعل الأخلاقي ــ إلى آلية قسرية تحقّق غايات الله عن طريق إنزال العقاب بالفئة الضالّة والتخفيف من وطأة الخطيئة».لم يجانب الكاتب الصواب حين تطرّق إلى مسائل تتعلّق بالجماعة المسيحية من خلال حديثه عن الإيمان والدولة والانشقاقات التي حصلت في الكنيسة، والتي «فرّخت» نظريات عديدة ومتباينة عن المجتمع المدني. لكنه وقع في إشكاليّة منهجية لجهة معالجة موضوع فلسفي ــ سياسي من منظور لاهوتي في سياق فلسفي ــ اجتماعي.بمعنى أنّ التصنيف المنهجي للبحث ينبغي أن يعطي الحق لمناقشة نظريات دينية أخرى كالإسلام واليهودية والهندوسية والبوذية ــ على سبيل المثال ــ عندها يمكن الباحث أن يتجنّب إشكالية الدمج بين الفلسفة واللاهوت فيعطي قسماً من كتابه للرؤى التيولوجية، ويترك الأقسام الأخرى للحديث عن المجتمع المدني في ضوء المدارس الفكرية ــ الفلسفية. ثم ينتقل بعد ذلك إلى مناقشة المجتمع المدني في ضوء أنظمة حديثة مثل الشيوعية والرأسمالية وغيرها من أشكال الحكم السائدة.يتألف الكتاب التي تولّى «مركز دراسات الوحدة العربية» توزيعه، من ثلاثة أقسام وتسعة فصول. في القسم الأول تحت عنوان «أصول المجتمع المدني»، يناقش إهرنبرغ «المجتمع المدني والموروث الكلاسيكي» انطلاقاً من رؤية أفلاطون، في محاورة كتابه الشهير «الجمهورية»، الذي يرى فيه أن الناس يعيشون في ميادين مترابطة، وأن لكل ميدان منطقه التنظيمي الجوهري الخاص.وهنا يرى الكاتب أن أفلاطون أراد بلوغ فهم شامل للكل؛ «يتألف المجتمع المدني مثل جسم الإنسان أو طاقم السفينة، من عناصر مختلفة لها مهارات مختلفة وتؤدّي مهمّات مختلفة. فهو يستند إلى الحاجة الماديّة للكائن البشري إلى الطعام، والمسكن والملبس». ويستنتج الكاتب هنا أن «تقسيم العمل القائم على الاستعدادات الطبيعية يقع في قلب نظريّة أفلاطون عن العدالة، والسياسة، والمجتمع المدني».لكن أرسطو الذي يشاطر أفلاطون فهمه أن الصلات الإنسانية تتجذّر في الحاجة المادية، وأن تقسيم العمل يقع في صميم المجتمع المدني، يذهب أبعد من معلمه باعتباره «أن المنهج الغائي لدى أرسطو أدّى به الى اعتبار أن المدينة هي الرابطة أو الاجتماع الأكثر شمولاً وسيادة على الروابط الإنسانيّة كلّها، لأنها تهدف إلى أن تشمل الغايات الإنسانية كلها وتسودها».في الفصل الثاني المتعلق بـ «المجتمع المدني والجماعة المسيحية»، يقول الكاتب إن «المسيحية في بواكيرها لا تبالي نسبياً بقضايا الدولة، معتبرة إياها شؤوناً عابرة سرعان ما ستزول». ولكن عندما بات واضحاً أن المسيحيين يجب عليهم أن ينتظروا مجيء مملكة الله، اضطرّت السلطات الكنسية إلى التصالح مع العالم. والعملية الطويلة التي توصّلت بها الكنيسة إلى التفاهم مع الإمبراطورية أسفرت عن وضع تبرير للسلطة السياسية القسرية ومجموعة من الموجّهات النافعة لأجل وضع الكنيسة في صميم المجتمع المدني».ويرى إهنبرغ هنا أنّ مذهب «الخطيئة الأصليّة» سيؤّدي بالعديد من آباء الكنيسة إلى أن يستنتجوا أن الدولة كانت عاقبة إلهية بسبب طبيعة السقوط البشري، ولكن بهدي من الكنيسة، يمكن للدولة أن تؤدي دوراً مهماً في التاريخ الكلّي بتصحيح الخطأ البشري.في الفصل الثالث، يتناول الكاتب المجتمع المدني في ضوء الانتقال إلى الحداثة، متحدثاً عن الفضيلة والسلطة والضمير المتحرّر والسيادة والمصلحة. ويُخصّص القسم الثاني من كتابه عن المجتمع المدني والحداثة ليتحدث عن «نشوء الإنسان الاقتصادي» و«المجتمع المدني والدولة» و«المجتمع المدني والتنظيمات الوسيطة».أمّا القسم الثالث، ففيه دراسة مستفيضة عن المجتمع المدني والشيوعية، متحدثاً فيه عن النزعة الشمولية والثورة المحدودة ذاتياً. وينتقل في الفصل الثامن إلى المقلب الآخر ليتحدّث عن المجتمع المدني والرأسماليّة، متناولاً موضوع أسس التعدّدية وتسليع الميدان العام وأحلام التجديد. ويختم بالحديث عن المجتمع المدني والسياسة الديموقراطية.

3‏/6‏/2008

رفسنجاني في السعوديّة: هل ينزع فتائل التفجير؟

معمر عطوي
تحمل زيارة رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، إلى السعودية، دلالات عديدة في هذا الوقت الذي تُفرّخ فيه حدّة التوترات بين البلدين معارك مذهبية في أكثر من بلد. وإذا كان عنوان المؤتمر الدولي الذي دُعي إليه رئيس مجلس خبراء القيادة الإيرانية البراغماتي، يصب في هدف الحفاظ على «الوحدة الإسلامية»، إلاّ أن توقيته يأتي في ظرف شديد الحساسية غداة صدور بيان «علمائي» سعودي يُهاجم الشيعة ويُحذِّر من «الانخداع بمزاعم الرافضة»، حسبما أورد البيان الذي وقّعه 22 رجل دين سعودياً أول من أمس.وتبدو محاولات التقارب بين البلدين كأنها عملية التفاف على أطراف متشددة في هذا الجانب أو ذاك، تعمل على تفجير الأزمة. لذلك يأتي حضور رفسنجاني، تلبية لدعوة رسمية وجهها إليه الملك عبد الله، كأنه يبرهن على وجود مساع تحاول لملمة الجراح «المذهبية» التي أنتجتها الأزمة بين الرياض وطهران.وبات واضحاً، من خلال الزيارة تلك وغيرها من الجهود المشتركة، بينها ما حصل في لبنان، أن تضارب المصالح بين العاصمتين، لن يكون سبباً لتفجيرات مذهبية كبيرة قد تنقلب نتائجها على البلدين؛ فرغم أن السعودية وإيران ليستا على قدر كبير من المودّة، إلّا أن خطورة خلافاتهما على الشارع الإسلامي، تترك انعكاسات أكبر من أن يتحملها أي منهما، لذلك يلجأ المسؤولون هنا وهناك إلى محاولة تطويق الأصوات التكفيرية السنيّة التي تصف الشيعة بـ«الرافضة»، (الذين يرفضون خلافة أبو بكر وعمر وعثمان) والأخرى الشيعيّة التي تنتقد المدرسة الوهابية وتصف بعض أهل السنة بـ «النواصب» (لمناصبتهم العداء لأهل بيت النبي).محاولات بدت كأنها إدارة للأزمة وليست لوضع الحلول الناجعة لها. وزيارة رفسنجاني قد تصلح للبحث عن مثل هذه الحلول، ولا سيما أن الرجل اشتهر بمنهجيته المعتدلة وخطابه الوسطي في الوقوف على تماسّ واحد من جميع الأفرقاء على مستوى السياسة الداخلية الإيرانية، كما كان له موقف جريء الشهر الماضي يَصبُّ في إدانة مروجّي الفتن المذهبية وجرائم القتل الجماعي في العراق، معتبراً أن العمليات الانتحارية تمثّل «انحرافاً فكرياً».من المُبكر القول إن زيارة رئيس مجلس الخبراء هذه، ستفتح صفحة جديدة بين إيران والسعودية، بيد أن مثل هذه الزيارات قد تؤجّل أو تنزع فتائل التفجير المذهبية وتحدّ من توسعها. وربما كانت زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى قطر وحضوره أعمال قمة دول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة في الثالث من كانون الأول الماضي، محطة هامة على صعيد تحسين العلاقات السعودية ـــــ الإيرانية، ولا سيما حين دخل نجاد إلى قاعة المؤتمر ممسكاً بيد الملك السعودي عبد الله.لكنّ هذا الحضور التاريخي والزيارتين المتتاليتين السابقتين لنجاد إلى السعودية، لم تفلح في الحد من التوترات، التي تفجّرت أخيراً في لبنان، ما يؤكد فرضية عقم الزيارات والمجاملات الدبلوماسية في حل إشكالية تاريخية عميقة.هذه المشكلة ذات الأساس المذهبي كانت قد تبلورت في النصف الثاني من الثمانينات، بسبب الاشتباكات بين الشرطة السعودية والحجاج الإيرانيين الذين تظاهروا احتجاجاً على الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى مقتل أكثر من أربعمئة شخص، وتسبب بقطع العلاقات بين البلدين عام 1988.لكن العلاقات عادت عام 1991، ووصلت إلى ذروتها عام 1997 بعد انتخاب الرئيس الإيراني محمد خاتمي، الذي قام بزيارة إلى السعودية في عام 1999. وكان من نتائج هذه الزيارة توقيع البلدين عام 2000 اتفاقية أمنية للتعاون في مجالات مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب وتهريب المخدرات في طهران، التي استقبلت في هذا العام، للمرة الأولى منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وزير داخلية سعودي هو الأمير نايف.ولا شك أن الاتفاقات الأمنية قد تقلّص من حدة التوتر السياسي بين ايران والسعودية، كذلك مضاعفة التبادل التجاري وتعميق العلاقات الاستثمارية، غير أن كل هذه الخطوات لا تخدم فكرة التقريب بين المذاهب. وقد يكون المزيد من التنسيق الأمني الذي جرى بين مسؤولين سعوديين وايرانيين في الأشهر الماضية، إحدى المحطات المهمّة في تعزيز التقارب ونزع فتائل التفجير.لكن الأهم من ذلك هو عدم وقوع أي من الدولتين في فخّ تحقيق «مجد» السيطرة على المنطقة بدعم دولي. كذلك معالجة الخلاقات العقائدية بطريقة منهجيّة وإبعاد الأجنحة التكفيرية والمتطرفة من الطرفين عن الحلبة.
الاخبار: ٣ حزيران ٢٠٠٨

27‏/5‏/2008

هل تنجح آليّات الحكومة الإيرانيّة في حلّ المعضلة «النفطيّة»؟


ما الذي يجعل إيران تستورد 40 في المئة من حاجاتها النفطية المكرّرة، رغم أنها تأتي في المرتبة الثانية من حيث إنتاج البترول، في منظمة «أوبك»؟ وما هي الآليات التي يحاول النظام الإسلامي اتّباعها من أجل التغلّب على مشكلات الحصار الغربي والاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة؟
معمر عطوي
من الواضح أن الحكومة الإيرانية، بقيادة الرئيس محمود أحمدي نجاد، باتت في وضع صعب على أعتاب الانتخابات الرئاسية التي تجرى العام المقبل، ولا سيما لجهة استفحال أزمة تأمين النفط المُكرّر وخصوصاً البنزين، لجميع أبناء الشعب الإيراني.لذا، دأبت هذه الحكومة منذ العام الماضي، مع صدور قرارين لمجلس الأمن يقضيان بالعقوبات ضدها، على استحداث آليات جديدة تحاول من خلالها الحدّ من انعكاسات العقوبات الغربية، التي طالت بالدرجة الأولى، الصناعات النفطية والغازيّة. انعكاسات تمثّلت في تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية، بعدما رفضت معظم الشركات الغربية الاستثمار في إيران، خوفاً من العقوبات الأميركية.وتوصّلت الجمهوريّة الإسلاميّة إلى قناعة راسخة بأن الاعتماد على الشركات الأجنبيّة لن يحلّ هذه المعضلة النفطيّة، التي تضطر بموجبها الى استيراد 40 في المئة من البنزين، في بلد يصل فيه معدل الاستهلاك اليومي إلى 65 مليون ليتر، في مقابل 42 مليوناً هو الإنتاج المحلّي. وأدى إقرار التقنين في مادة البنزين بين حزيران وكانون الأول 2007، إلى حدوث اضطرابات وحرق محطات للوقود في طهران والعديد من المدن الإيرانية.لقد أعلنت طهران، السبت الماضي، أنها ستحقّق الاكتفاء الذاتي في إنتاج البنزين من خلال إنشاء مصافٍ جديدة وتحسين أداء المصافي الموجودة، في السنوات الثلاث المقبلة. ولهذا الغرض، تم البدء بتنفيذ مشاريع تنمية كل المصافي الموجودة في البلاد باعتماد قدره 7 مليارات دولار أميركي. خطوة تهدف إلى زيادة الطاقة الإنتاجية للبنزين حوالى 34 مليون ليتر يومياً حتى نهاية عشرين آذار 2012.ومن شأن هذه الخطوة، رفع طاقة تكرير النفط الخام من 1.6 مليون برميل يومياً في عام 2007 إلى 3.3 ملايين برميل يومياً في عام 2012، لتصبح الدولة الثانية في الشرق الأوسط في هذا المجال.فرضيّة أكدها أحد مسؤولي الشركة الإيرانية الوطنية لتكرير وتوزيع المشتقات النفطية، أمين الله أسكندري، بقوله إن تنمية المصافي الموجودة وتدشين المصافي الجديدة سيجعل البلاد في غنى عن استيراد البنزين من الخارج.الخطوة الأهم في سياسة الحكومة، التي يرى المراقبون أنها قد تؤتي ثمارها، هي السير في طريق الخصخصة، حيث ستتم كل الاستثمارات المعتمدة لإنشاء المصافي الجديدة بمشاركة القطاع الخاص.هذا ما كان قد أعلن عنه في التاسع من أيار الجاري، مسؤول تنفيذي في شركة النفط الوطنية الإيرانية، إذ أوضح أن بلاده تنوي خصخصة 47 شركة عاملة في قطاع الطاقة قيمتها 90 مليار دولار وتأسيس شركة قابضة لهذه الأصول التي ستدرجها للتداول في أربع بورصات عالمية.والخصخصة هنا لا تتوقف على الشركات المحليّة، بل تتوسّع لتشمل شركات أجنبية من الدول التي لا تزال تتعامل مع إيران بهامش معيّن؛ الشركات الآسيوية التي تتفاوض مع إيران من أجل الاستثمار في هذا القطاع. تشير إلى ذلك، نشرة «ميدل ايست ايكونوميك دايجست» (مييد)، التي تحدّثت عن خطة تشمل وضع شركات النفط والغاز تحت مظلّة مجموعة قابضة لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية.وقد يكون تصريح العضو المنتدب لشركة النفط الحكومية الإيرانية، سيف الله جاشنساز، الأحد الماضي، عن أن إيران ستسعى لزيادة إنتاجها من النفط إلى 4.3 ملايين برميل يومياً بحلول آذار المقبل، خطوة أخرى على طريق تحسين آليات الحلّ. لكن ثمة ما يعكس تخبطاً في اتخاذ القرار داخل الحكومة، بدا واضحاً من خلال تصريح للرئيس نجاد قبل 3 أسابيع، يتحدّث فيه عن دراسة اقتراح يقضي بتقليص إنتاج النفط الخام، بما يناقض ما أعلنه جاشنساز.وبحسب وزير النفط الإيراني، غلام حسين نوذري، فإن إنتاج إيران من النفط بلغ 4.184 ملايين برميل يومياً في الخامس من شباط الجاري ليسجل أعلى مستوى منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.وفي بلد تبلغ فيه الاحتياطات النفطية 136 مليار برميل، يسعى المسؤولون العالقون بين سندان العقوبات التي تقلّص حجم الاستثمارات الأجنبية في تطوير صناعة النفط، ومطرقة السياسة العقيمة للحكومة، كان لا بد من وضع خطة في وزارة النفط لتطوير حقول نفطية صغيرة ورفع مستوى العائدات، ولا سيما أن ما جنته الجمهورية الإسلامية من دخل بسبب الطفرة النفطيّة بلغ حوالى 60 مليار دولار في العام الإيراني المنتهي في 20 آذار 2007.ثمة معضلة أخرى، قد تحول دون استكمال هذه الخطوة، تتمثل في البدء بأعمال تطوير حقل كبير للنفط والغاز بين إيران والكويت، بسبب خلاف على الحدود البحرية بينهما.من الطبيعي أن هذه الآليات التي تحاول إيران السير وفقها، لا تخلو من عقبات وعوائق قد تؤخّر إنجاز ما هو مرسوم، لذلك كان رأي وزير النفط، غلام حسين نوذري، أن هذه العقبات قد تضمحّل مع تنفيذ نوعين من المشاريع في صناعه النفط، تشمل مشاريع تنموية ومشاريع قيد التنفيذ وقيد الإنتاج في الحقول.وما يساعد على تخطّي هذه العقبة برأي الوزير نفسه أن وزارته «لا تواجه مشكلات في توفير الموارد المالية للمشاريع قيد الإنتاج».ويصبّ في هذا الاقتراح، العمل على سحب أكثر من 10 مليارات دولار من احتياطي العملات الأجنبية لمشاريع صناعة النفط.مما لا شك فيه أن خطوات تحسينية كهذه يمكن أن تعيد إلى حكومة نجاد بعض ماء الوجه الذي فقدته من جرّاء سياستها الفاشلة اقتصادياً. بيد أن حصاد البيدر هو الذي يؤكد ما الذي ستزرعه في هذا الحقل.
عدد الاخبار: ٢٧ أيار ٢٠٠٨

24‏/5‏/2008

إيران تقتحم القارّة السمراء

حين يعلن وزير الخارجية الإيراني، منوشهر متكي، أن عام 2008 هو «عام تعزيز التعاون بين إيران والدول الأفريقية»، فإنه يقصد بذلك التوجّه الإيراني نحو القارة السمراء لإيجاد بدائل اقتصادية عن خيارات أوروبية وغربية فقدتها الجمهورية الإسلامية بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها
معمر عطوي
ربما كان التقارب الإيراني ـــ الأفريقي، أحد تجليّات فلسفة وزير الخارجية الإيرانية، منوشهر متكي، التي تسير باتجاه «تعزيز العلاقات مع دول قارتي أفريقيا وأميركا اللاتينية، وتشجيع الاستثمارات الإيرانية في أفريقيا، والحوار بين الجنوب والجنوب».لكن هذا التركيز الإيراني على منطقة مشحونة بالنزاعات القبلية وبالتجاذبات الأميركية ـــ الفرنسية، هو، بالدرجة الأولى، محاولة لتخطّي المشكلات الاقتصادية والاستثمارية التي تعانيها إيران بسبب العقوبات والضغوطات الدولية عليها، على خلفية برنامجها النووي.لعلّ إرهاصات هذه العلاقات التي تسير مع أفريقيا نحو الأفضل، بدأت بزيارات مكثّفة ومتبادلة في السنتين الأخيرتين، بين القادة الأفارقة والمسؤولين الإيرانيين. زيارات أنتجت رؤىً جديدة كانت حاضرة على هامش اجتماع قادة الدول الأفريقية في أديس أبابا، في شباط الماضي، من خلال مداولات وزير الخارجية الإيراني مع رؤساء كل من الجزائر وموريتانيا ومالاوي وزيمبابوي وناميبيا ورئيس وزراء ليسوتو ورئيس المجلس الاتحادي الإثيوبي. كان سبقها ملتقى الفرص التجارية الإيرانية ـــ الأفريقية، في طهران في تشرين الثاني الماضي.أول الغيث كان انتزاع مواقف عديدة تؤيد المشروع النووي الإيراني السلمي. وتالياً وُقّع العديد من الاتفاقيات التجارية، وأخرى للتعاون الصناعي والاستثمارات مع دول عديدة مثل غانا وكينيا والكونغو وأريتريا والسنغال وغيرها.في التفاصيل العملية التي تؤكد تقدم الروابط بين إيران والقارة السمراء: عزم كل من طهران وغانا على توظيف متبادل للاستثمارات، وتوقيع مرتقب لمذكرة تتعلق بمجالات التعاون في المحافل الدولية وبناء منشآت البنى التحتية والتجارة والزراعة وصناعة السيارات والطاقة. هذا ما أُعلن عنه خلال زيارة وزير خارجية غانا، أكواسي أوسي أدجي، إلى طهران الثلاثاء الماضي.زيارة تمخّضت عنها رغبة أفريقية بعلاقات جديدة تأتي من خارج جدلية المستعمِر والمستعمَر، التي سادت القارة السمراء لقرون عديدة، عبّر عنها أدجي بقوله «إن أفريقيا بدأت عهداً جديداً من العلاقات.. نحن لا نريد أن تكون ثرواتنا موضعاً للنهب.. نريد أصدقاء يأخذون بأيدينا نحو التقدم والازدهار للطرفين».ومن الواضح أن العلاقات الاقتصادية هذه، تحاول طهران توظيفها في معركتها السياسية مع الغرب، من خلال توسيع مروحة الدول التي تؤيد البرنامج النووي السلمي لإيران، وتدافع عنها في المحافل الدولية، لا سيما أن بعض الدول، مثل جنوب أفريقيا وليبيا، أدت هذا الدور لمصلحة طهران من خلال عضويتها في مجلس الأمن الدولي. من هنا كان تشديد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، علي خامنئي، خلال استقباله رئيس جمهورية أريتريا أسياس أفورقي، الشهر الحالي، على أن دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بإمكانها تغيير العلاقات الدولية الراهنة من خلال تطوير التعاون في ما بينها.في السياق نفسه، تأتي زيارة رئيس مجلس الشيوخ السنغالي، باب ديوب، إلى إيران، الثلاثاء الماضي أيضاً، لتؤكد أهمية علاقات طهران مع داكار، حيث أنشأت الأولى مصنعاً ضخماً للسيارات. ودخل البلدان أيضاً في علاقات عسكريّة من شأنها «توفير الاحتياجات الدفاعية للسنغال في مختلف المجالات»، خلال زيارتين قام بهما وزير الدفاع السنغالي، بكاي جيوب، إلى طهران في غضون العامين الأخيرين.المغزى السياسي لهذه العلاقات عبّر عنها الرئيس محمود أحمدي نجاد نفسه، أثناء استقباله وزيري الطاقة والنفط والإسكان في جمهورية الكونغو، حين شدّد على أن علاقة طهران مع برازافيل، تتجاوز المصالح الاقتصادية، وأن «كلا البلدين يواجهان الأعداء أنفسهم»، وأن التعاون بينهما «لا يعود بالفائدة على الشعبين فحسب، بل سيعود بالفائدة على السلام والأمن العالميين أيضاً».ولعلاقة طهران بالسودان قصة أخرى، بدأت منذ وصول الإسلاميين إلى السلطة في الخرطوم أواسط الثمانينيات. وكانت إحدى ثمار هذه العلاقات توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الدفاعي بين البلدين في 7 آذار الماضي.طبعاً، الشمال الأفريقي أيضاً، له علاقات جيدة مع إيران، وخصوصاً أن دول هذه المنطقة ذات غالبية إسلامية. وهناك اتفاقات مهمة على صعيد التعاون في مجال الطاقة بين الجزائر وإيران، لا سيما أن البلدين من الدول المنتجة للغاز.وعلى الجانب الليبي، قام النائب الأول للرئيس الإيراني، برويز داودي في 27 كانون الأول 2007، بزيارة إلى طرابلس الغرب، وأشرف، إلى جانب رئيس الوزراء الليبي بغدادي المحمودي، على التوقيع على 10 اتفاقيات ومذكرات تفاهم، على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية.وبالعودة إلى مرحلة حكم الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، فإن التوجّه الإيراني أفريقياً، دخل مخاضه مع زيارات قام بها الرئيس الإصلاحي إلى سبع دول أفريقية في كانون الثاني 2005. وكانت مبادرة مثّلت بالفعل منعطفاً مهماً في مسيرة تحسين العلاقات بين الطرفين. وخصوصاً أن أفريقيا تمثّل للجمهورية الإسلامية بوابة نحو العالم عبر المياه الدوليّة، وتوفّر لها أسواقاً تجارية على المحيطين الهندي والأطلسي. فيما تؤمّن لها أيضاً المواد الخام الطبيعية.أما في ما يتعلق بمستوى التبادل التجاري، فإن التقديرات تشير إلى أن حجمه بين إيران والدول الأفريقية يصل إلى حوالى 300 مليون دولار سنويًّا وهو مرشَّح للارتفاع خلال السنوات المقبلة، كما تسعى إيران لإقامة بعض التكتلات مثل التكتل الأفريقي ـــ الآسيوي.في الأفق القريب، قد يكون الاجتماع المرتقب لمساعدي وزراء خارجية إيران والدول الأفريقية، الذي يعقد في طهران قريباً، إحدى الخطوات المهمة لتعزيز فكرة متكي بشأن اقتحام الدولة الفارسية للقارة السمراء، بحثاً عن متنفس بديل يخفف من تداعيات العقوبات على النظام الإسلامي.
الأخبار:٢٤ أيار ٢٠٠٨

21‏/5‏/2008

ناصيف نصّار في ميزان نقد قرم والبرقاوي

«باب الحريّة» لم يجعل منه مناضلاً سياسيّاً
معمر عطوي

«إذا كانت الفلسفة ــ في أحد تعريفاتها الشهيرة ــ فنّ صياغة المفاهيم، فإنّ ناصيف نصّار فيلسوف بامتياز. وليس قولي هذا نوعاً من التقويم، بل تأكيدٌ لأولئك الذين ما انفكّوا يصرخون في عالم العرب: أين هم الفلاسفة العرب؟». بهذا القول استهل المُفكّر السوري أحمد برقاوي، مناقشته للفيلسوف ناصيف نصّار، في مطارحة عميقة تحت عنوان «فلسفة السلطة عند ناصيف نصّار والسلطة العربية».المناسبة، تكريمٌ أرادته الجامعة الأنطونية، على طريقتها، في نشر سلسلة كتب تحت عنوان «اسم علم»، فكان الكتاب الأول مناقشة لمقولات نصّار في الفلسفة والفكر السياسي تحت عنوان «ناصيف نصّار ــ علم الاستقلال الفلسفي».ولأنّ العقل عند نصّار هو المنطلق، فقد أخذ البحث نصيبه الكافي في مناقشة رؤيته للعقل والتفكير. مناقشة بدأت مع أستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس في الرباط، د. محمد المصباحي بعنوان «جدليّة العقل والمدينة في فلسفة ناصيف نصّار». يوضح فيها عناية الأخير بالعقل العملي بدل العقل النظري «ما أضفى على نظرته الفلسفية سمات الواقعيّة والجدليّة والعمليّة».ومن المعروف تأثر نصّار، أستاذ الفلسفة العربية في الجامعة اللبنانية بعالم الاجتماع العربي ابن خلدون، الذي كان موضوع أطروحته للدكتوراه في فرنسا، حيث صدرت الطبعة الأولى باللغة الفرنسية تحت عنوان «الفكر الواقعي عند ابن خلدون». هنا تحتدم المناقشة عند المصباحي لنصّار حين يرى أنّ ابن خلدون منقذه من «الفشل الفكري»، مضفياً على كتابته بعداً أصيلاً من خلال «طرافة موضوع الفكر الخلدوني، الفساد العمراني والفشل الحضاري».هذه الإشكالية النظرية في رأي المصباحي «أحاطت بنصّار أثناء تكوينه الفلسفي الأساسي وخروجه من القوّة إلى الفعل فيلسوفاً له رؤية تكاد تكون متبلورة للعالم».لعلّ في هذا التوصيف وإن خلص إلى الاعتراف بمكانة نصّار كفيلسوف، بيد أنّ فيه بعض الإجحاف بحقّ صاحب «منطق السلطة»، إذ إنّ اتساع مطالعات نصّار الفلسفية والفكرية العربسلامية والغربية، تجعله في موقع أقوى من أن يكون مرتهناً لمنبع فكري واحد في تسلّقه عرش الفلسفة.المناقشة الثانية كانت للمفكّر السياسي ــ الاقتصادي، جورج قرم، بعنوان «ناصيف نصّار والحداثة العربية». أهمية هذه المناقشة تشابه الاهتمامات بين نصّار وقرم، اللذين تجمعهما الرؤية العلمانية، وتفرّقهما المشارب الإيديولوجية، فيما تصحّ المقاربة بين رؤيتي الرجلين تجاه النهضة العربية والفكر السياسي الإسلامي وتموضعه في الحقل الاجتماعي العربي.من هنا، «يرى قرم أن هدف نصّار في كل كتاباته هو مساعدة المجتمع العربي على التكيّف مع الحداثة التي هجرها منذ زمن».وبالعودة إلى الفكر الذي يمثّل المحور الرئيسي في فلسفة نصّار إلى جانب الحريّة، يقفز قرم نحو «تصنيفات المثقّف» لدى الكاتب الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، ليجري مقارنة بين إدوارد سعيد ونصّار، على ضوء اهتمام المفكر بالسياسة وعلاقته بالشأن العام.ويستحضر قرم «صور المثقّف» للمفكّر الفلسطيني الذي يستقي رؤية غرامشي في سياق حديثه عن المثقّف التقليدي والمثقّف العضوي. ويخلص قرم الى أنّ الفارق بين نصّار وسعيد هو أن صاحب «باب الحرية»، هو «مفكّر ليس همّه إلّا الفكر... وليس مناضلاً سياسياًً»، بينما يقف سعيد في صفوف المناضلين كونه فلسطينياً منفيّاً.غير أنّ مقاربة برقاوي لفلسفة السلطة عند نصّار والسلطة العربية، كان من شأنها توريط صاحب «طريق الاستقلال الفلسفي» في الشأن السياسي من خلال إضاءة جوانب من تحليله لعلاقة السلطة السياسية بالتسلّط الإيديولوجي للنظر إلى تلك العلاقة المتعيّنة في الوطن العربي.

16‏/5‏/2008

إدارة نجاد للشؤون الداخليّة: إقالات وتخبُّط

ما المغزى من السياسة التي يسير بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، منذ توليه رئاسة البلاد في عام 2005، لجهة عدد الإقالات على مستوى وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى، والتخبُّط الاقتصادي والمعيشي الذي يشهده أداء الحكومة؟
معمر عطوي
سؤال ربما أجابت عنه صحيفة «واشنطن بوست» جزئياً في 11 شباط الماضي، حين تحدّثت عن أداء جديد يعتمده المُرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله علي خامنئي، بتعزيز دور الشباب في الإدارات العامة في مقابل إقصاء «الملالي» و «الحرس القديم».لكن الجزء الآخر من الجواب يكمن في الإقالات نفسها والظروف الموضوعية المُسبِّبة لها، حيث كان آخر ضحاياها، وزير الداخلية، مصطفى بور محمدي.اللافت أن محمدي، رجل الدين الذي يحمل صفة «حجة الإسلام»، يختلف مع رئيسه على ملفات عديدة، من بينها تشجيع «زواج المتعة». اقتراح رفضته الحكومة العام الماضي.في المقابل، يتميّز الوزير الجديد (بالوكالة) مهدي هاشمي، بإلمامه بعلم الإدارة، الذي تخصَّص به أكاديمياً، وبكونه ليس من مجتمع الملالي. وفي ذلك خطوة إيرانية غير مسبوقة، لجهة التقليد الذي ساد منذ انتصار الثورة في عام 1979، باختيار رجل دين لحقيبة الداخلية وكذلك حقيبة الاستخبارات.ولعلّ ما يزيد حظوظ هاشمي (55 عاماً) هو تاريخه الشبيه بتاريخ نجاد، إذ كان نائباً لقائد قوات الباسيج «التعبئة» للشؤون الهندسية، المنظمة التابعة للحرس الثوري، الذي حضن نجاد في شبابه. ورافق هاشمي نجاد في مسيرته السياسية، منذ كان نائباً له أثناء توليه رئاسة بلدية طهران، وكان خياره الأول لشغل منصب وزير الشؤون الاجتماعية في التشكيل الحكومي في آب 2005. إلا أن هاشمي لم يتمكن من الحصول على ثقة البرلمان.يبدو واضحاً أن الرئيس الإيراني المحافظ، الذي يواجه انتقادات لاذعة من الإصلاحيين والمبدئيين على السواء بسبب سياسته الاقتصادية الفاشلة، يتخبّط في موضوع اختيار الأشخاص المناسبين للمناصب الحساسة، ولا سيما في الشأن الاقتصادي. تخبُّط ليس طارئاً على الحكومة الإيرانية التي شهدت تسعة إقالات في مناصب وزارية كانت آخرها، في نيسان الماضي، حين أقيل وزير الاقتصاد والمالية، داود دانيش جعفري، الذي عارض نجاد علناًَ بسبب سياساته الاقتصادية.وخلال الأشهر الماضية خرج من حكومة نجاد وزراء الشؤون الاجتماعية، والجمعيات التعاونية، والنفط، والصناعة، والاقتصاد، والتعليم، إضافة إلى استقالة أو إقالة رؤساء عدد من أجهزة التخطيط ومحافظ المصرف المركزي.أمّا قضية السياسة المصرفية، فتحتاج إلى معالجة أخرى، وخصوصاً أن استقالة المحافظ السابق إبراهيم شيباني في شهر آب من العام الماضي، لم تحلّ مشكلة الفائدة المصرفية، التي حددها نجاد بما بين 10 و12 في المئة في مقابل 14 و17 في المئة سابقاً.المشكلة بدت جليّة، حين كشف المحافظ الحالي، طهمسب مظاهري، عن خلافه علناً مع نجاد بسبب قرار الأخير الجديد بشأن تحديد قيمة الفائدة. فقد أعلن مظاهري صراحةً لصحيفة «سرماية» الاقتصادية، أن «هذا القرار لا يمكن إبلاغه للمصارف». فالعديد منها يرفض إقراض أموال لأن نسبة التضخم بلغت في نيسان 24.2 في المئة خلال سنة. وذلك بسبب سوء سياسة الرئيس في توزيع عائدات «الطفرة» النفطية على المواطنين والمشاريع في المناطق.لذلك طلب مظاهري الشهر الماضي ربط نسب فوائد القروض بنسبة التضخم، مشيراً إلى أن الحكومة رفضت هذا المُقترح.يفسِّر هذا الخلاف بين مظاهري ونجاد، سبب إقالة وزير الاقتصاد والمالية الذي كان قد دعا إلى جانب محافظ المصرف المركزي في كانون الثاني الماضي، إلى تحرير نسبة الفائدة المصرفية، في معارضة واضحة لسياسة نجاد.ويبدو أن مظاهري (54 عاماً )، الذي تبوأ منصب محافظ المصرف المركزي أيضاً من 1991 إلى 1994، وتولّى حقيبة المالية والاقتصاد في حكومة الرئيس السابق محمد خاتمي، حريص على إتقان الأداء المالي للحكومة رغم «حرتقات» نجاد غير الملمّ أصلاً بالشأن الاقتصادي، فهو من الداعين إلى أن تكون سياسة النظام المصرفي في البلاد مستقلّة عن الحكومة. ومن الداعين أيضاً إلى تطبيق سياسة اقتصادية تخفض التضخم في البلاد إلى الصفر أو إلى نسبة قريبة منه، وإلى حذف الأرباح من القروض المصرفية.بيت القصيد هنا أن سياسة التبديل في بعض المناصب لا تتلاءم فقط مع رؤية المرشد لضخ الدم الجديد في شرايين المشهد السياسي، بل تسهم أيضاً في تعديل بعض الرؤى الاقتصادية في محاولة لإنقاذ نجاد قبل بلوغ الاستحقاق الرئاسي في العام المقبل.
الاخبار: 16-5-2008

6‏/5‏/2008

«الباسدران» الإيراني: حارس الثورة... وعصب الدولة


معمر عطوي
لم يكن تأسيس منظمة الحرس الثوري الإيراني «الباسدران» في أيار عام 1979 مُجرَّد محاولة وقائية لحماية منجزات الثورة الإسلامية من «أعداء الداخل والخارج»، لكن بيّنت الأحداث في ما بعد أن هذه المنظمة ما هي إلا هيكلية كاملة للنظام الإسلامي، تتجذَّر في فكر مؤسس الجمهورية الإمام الخميني وتمتد أغصانها إلى جميع مفاصل الدولة، الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية والعسكرية والثقافية. بينما تُلقي بظلالها على المجتمع الإيراني من خلال قوات التعبئة «الباسيج» التي تتولّى مسألة فرض الشريعة الإسلامية على الأفراد والمجتمع.وكان «الحرس» في بداية الأمر مجرَّد مجموعات صغيرة تمارس حرب العصابات لم يتجاوز حجمها عشرة أفواج وبعض الخلايا الفدائية، حتى عام 1981، حينها بدأت عملية تكوين قوات المشاة ليبلغ حجمها عام 1985 مئة وخمسين فرقة عسكرية مدربّة، تخوض الحرب مع العراق. وتوسعت مسؤوليات الحرس الثوري في التسعينيات لتشمل الإشراف على تطوير البرنامج النووي والصناعات العسكرية المتطورة إلى جانب إدارته لمشاريع إنتاجية واقتصادية.والحرس الثوري هو بمثابة الجيش العقائدي، والحرس الوفيّ لقائده الذي يعطيه الأوامر، المرشد الأعلى للثورة، آية الله علي خامنئي، وهو مؤسسة مستقلّة عن الجيش.أما في ما يختص بعدد هذه القوات، فإن هناك تناقضاً بين المصادر. إذ يرى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن أن عدد عناصر الحرس يُقدّر بنحو 350 ألفاً، بينما يرى معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن عدد أفراده لا يتجاوز 120 ألفاً.لعلَّ المفارقة الأهم التي أرساها الحرس الثوري في إيران، هو العمل على إظهار مجموعة من الشُبَّان المتدينين المؤيدين لـ«خط الإمام»، لكنهم من خارج المؤسسة الدينية «الحوزة». لذلك، أنتج الحرس نخبة سياسية غير «مُعمَّمة»، على غرار رئيس الجمهورية محمود أحمدي نجاد وعمدة طهران، قائد الشرطة السابق محمد باقر قاليباف، والأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني وغيرهم، بعدما سيطر لفترة طويلة حضور رجال الدين، ما أعطى إيران صفة «جمهورية الملالي».وخلال ثلاثة عقود، تغلغل الحرس الثوري في المؤسسات السياسية للدولة، ليتمكن في عام 2005 من إيصال نجاد، وهو أحد ضباطه، إلى سدة الرئاسة، فيما عيَّن الأخير لدى اعتلائه منصبه خمسة وزراء في حكومته من الحرس الثوري، الذي وصل عشرات من أفراده إلى البرلمان.على الصعيد العسكري، تمكَّن «الباسدران» من تحقيق نقلة نوعية في الصناعات الدفاعية، وامتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ بعيدة المدى، مثل بطاريات الصواريخ «شهاب»، وأنظمة صواريخ بإمكانها حمل رؤوس عنقودية، يمكنها رمي 1400 قنبلة صغيرة على الهدف. وباتت القُدرة الصاروخية لدى هذه المنظمة تُهدّد السفن الحربية التي تجوب الخليج وخليج عُمان وإسرائيل.وفي تشرين الأول من العام الماضي، حذَّر قائد المدفعية وشبكات الصواريخ في القوات البرية التابعة للحرس الثوري، الجنرال محمد شهرباقي، من أن بلاده ستطلق في الدقيقة الأولى لأي غزو تتعرَّض له 11 ألف صاروخ وقذيفة مدفعية على قواعد العدو.ومما لا شك فيه، أن هذه المنظمة أسهمت في تأسيس «الباسيج»، وهي منظمة شبه عسكرية غالبيتها من الشباب وطلاب الجامعات ويُقدَّر عدد عناصرها بعشرة ملايين شخص.لقد أسهم الحرس الثوري إلى حد كبير في دعم منظمات عسكرية في لبنان وفلسطين وأفغانستان والعراق. وأنشأ «فيلق القدس» لهذه الغاية تحت عنوان «تصدير الثورة»، ما دفع الإدارة الأميركية في أيلول الماضي، إلى وضعه على لائحة الإرهاب.كما تضمنت قرارات مجلس الأمن الدولي (1737 و1747و1803) تجميد أصول ضباط الحرس الرفيعي المستوى، وذلك بسبب «روابطهم بالبرامج النووية والصاروخية الحسّاسة».ويرى المتخصص في قسم الأبحاث التابع للكونغرس الأميركي، كينث كاتزمان، أن الحرس الثوري، منذ نهاية النزاع العراقي ـــــ الإيراني عام 1988، اختار لنفسه دوراً عسكرياً دفاعياً مع قيامه ببعض المهام المدنية في مجال إعادة الإعمار. وكان في عام 1985 قد أسَّس وحدات جويّة وبحريّة خاصة به، ثم طوَّر هيكلية رسمية لتجنيد وتدريب جنود الجبهة الأمامية وعملاء الثورة الإسلامية الذين حاولوا نشر الثورة في العالم العربي بجميع الوسائل.أمّا الدور الاقتصادي للحرس، فيقول كاتزمان إنه يرتكز على درجة النفوذ التي كان بوسعه أن يمارسها على مؤسسة ثورية أخرى هي جهاد البناء، التي كانت الأداة لتطبيق السياسة الاقتصادية للحكومة في المناطق الريفية على وجه الخصوص.وشقَّ «الباسدران» عدداً كبيراً من الطرق السريعة، كما بنوا سدوداً، مثل سد كركيه (غرب) وحصل على وكالات شركات دولية مثل «مرسيدس بنز». وفاز العام الماضي بعقد بقيمة 1.3 مليار دولار لمد أنبوب غاز بطول 900 كيلومتر بين حقل فارس ـــــ جنوب ومحافظة سيستان ـــــ بالوشستان (جنوب شرق).من هنا، أصبح دور الحرس الثوري في الكثير من المناطق الساخنة في المنطقة، ملتبساً، إذ إن امتداداته الخارجية، وضعته في موقع الاتهام، للاشتباه بتورطه في دعم أعمال عنف ذات طابع طائفي ومذهبي، فيما يرى آخرون أنه أسهم إلى حد كبير في دعم حركات تحرّرية على غرار حزب الله و«حماس» والمقاومة العراقية.

الأخبار: ٦ أيار ٢٠٠٨