27‏/2‏/2012

هاجس القنبلة الذريّة الايرانيّة في عالم القطب الواحد

 

  • معمر عطوي
يكرّرالتقرير "السري" الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول النشاط النووي الإيراني نفس الهواجس التي حملتها تقارير سابقة في هذا الموضوع، لجهة الخوف من عسكرة البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية. لكنه يطرح أسئلة حول قضايا تقنية بحتة تجعل موضوع هذا الخوف مشروعاً من وجهة نظرها.

24‏/2‏/2012

الأحواز: الهويّة الضائعة بين الفرس والعرب

معمر عطوي
لا يختلف إثنان على أن إقليم «خوزستان» الواقع في جنوب غرب إيران، هو محل صراع تاريخي بين العرب والفرس، بحيث لا يمكن البت بمصيره أو تحديد هويته في مقالة صحافية. هو صراع يعكس وقائع ديموغرافية، وثقافية، صبغت المنطقة بملامح عربية، فيما غلب عليها الإسم الفارسي «خوزستان»، رغم أن كلمة أهواز الفارسية لا تختلف عن “أحواز” العربية، بل مجرد لفظ بحكم عدم وجود حرف الحاء بالفارسية.

21‏/2‏/2012

صحيفة ألمانيّة: الخليجيّون مستنفرون لمناقشة تسليح حزب اللّه

معمر عطوي

نشرت صحيفة «Welt online» الألمانية في عددها الصادر الأربعاء الماضي (15 شباط) تقريراً تحدثت فيه عن اجتماع سري عقدته أجهزة الأمن في دول مجلس التعاون الخليجي ــ باستثناء قطر ــ في الرياض الشهر الماضي، لبحث موضوع تهريب أسلحة إيرانية الى حزب الله عبر البحر وتهديدات مسؤولين ايرانيين بإقفال مضيق هرمز. وأفاد التقرير الذي نشر في الصحيفة الواسعة الانتشار بأن «ترنح سوريا وسعي ايران للبحث عن طرق أخرى لتمرير السلاح إلى حزب الله، دفع السعوديين المضطربين الى عقد اجتماع سري لدول مجلس التعاون الخليجي في العاصمة السعودية في 18 كانون الثاني الماضي». ويسلط التقرير الضوء على تداعيات التهديدات الايرانية الأخيرة بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية الدولية واسواق استهلاك النفط، معتبراً أن «مضيق هرمز لا يزال الممر المائي الأكثر إثارة للنزاع في العالم». لكنه يضيف أنه الى جانب التهديدات الإيرانية التي تثير قلق السعوديين، هناك تصاعد وتيرة نقل السلاح الى حزب الله في لبنان عبر طرق بحرية.

20‏/2‏/2012

مؤامرة ولكن...




معمر عطوي
لا يكفي الرد السوري على منتقدي جرائم نظام دمشق بحق شعبه، بأن هناك مؤامرة على سوريا لدعمها المقاومة في فلسطين ولبنان، ولمواقفها «الممانعة» تجاه املاءات الدول العظمى، فحجم المجازر التي ارتكبت منذ 15 آذار العام الماضي حتى الآن، يفوق كل ما يُحكى عن مؤامرات وخطط عدوانية غربية على عاصمة الأمويين ومن خلفها طهران، لا سيما أن ظلم ذوي القربى أشد إيلاماً. طبعاً لن نفتح في هذه العجالة ملفات المعتقلين والمفقودين والمظلومين منذ تسلم حزب البعث السلطة في العام 1963 حتى الآن.
فالحديث عن مؤامرة ليس جديداً في هذا الصدد، خصوصاً أن أنظمة الأحزاب الشمولية العربية في العصر الحديث، ومنها نظام البعثين في سوريا والعراق، استخدمت ذريعة المؤامرة كفزاعة في وجه أي محاولات للتحديث أو للتنمية أو الدعوات للانتقال من نموذج الحزب الواحد «القائد» الى التعددية الحزبية والديموقراطية. وفي الوقت نفسه كانت هذه الأنظمة تحيك المؤامرات في الدول الصغيرة المجاورة بالاشتراك مع الدول الغربية.
ولكي نبقى في سورياـ الأسد، لم تتوانَ دمشق أبداً عن حياكة مؤامرات بالاشتراك مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، في ما يتعلق بالعديد من الملفات، أبرزها لبنان، الذي دخلته القوات العسكرية السورية واستخباراتها وعاثت فيه فساداً ومؤامرات وصفقات مالية وأمنية لدرجة يندى لها الجبين.
المفارقة أن سوريا التي تتحدث عن مؤامرة تستهدفها منذ تسلم حزب البعث للسلطة، هي نفسها من حاك مؤامرة السيطرة على لبنان وتدجين تنظيماته واللعب على تناقضاته الطائفية، بالاشتراك مع الولايات المتحدة التي كانت تفضّل لاعباً اقليمياً قوياً يضبط الأوضاع على حدود فلسطين المحتلة لحماية أمن الكيان العبري.
وليس خافياً على أحد تآمر دمشق مع الغرب ضد الحركة الوطنية اللبنانية التي كانت رأس الحربة في وجه المؤامرات الدولية الكبرى، والاستيعاض عنها كحركة يسارية غير طائفية تجمع كافة أطياف الشعب اللبناني بحركات طائفية ومذهبية تعزز الشرخ في الداخل لمصلحة سيطرة الاستخبارات السورية على مفاصل الحكم والأمن والاقتصاد في البلاد.
والمتابع لحركة السياسة السورية في لبنان فترة الثمانينات يعرف كيف كانت تتم تصفية شخصيات وإبادة تيارات أو شق أحزاب الى ملل ونحل وتلاعب بقيادات حزبية من هنا وهناك، من اقصى اليمين الى أقصى اليسار بمن فيهم التنظيمات والفصائل الفلسطينية التي تواجدت على الساحة اللبنانية منذ السبعينيات.
لقد كان دعم سورياـ حافظ الأسد واضحاً للتنظيمات اليمينية المسيحية المتطرفة على حساب الحركة الوطنية، بحجة حفظ التوازن الطائفي. سياسة اثبتت عقمها حين ارتمت هذه التنظيمات في حضن اسرائيل وتآمرت على لبنان وفلسطين وسوريا معاً.
من هنا كان دعم سوريا الواضح لحركة أمل كحركة مذهبية بإزاء أحزاب مذهبية وطائفية أخرى، على حساب الأحزاب العلمانية والقومية. والمفارقة أن دمشق التي تتغزّل اليوم بحزب الله ومقاومته غير المسبوقة على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي، هي أول من ارتكب مجزرة بحق عناصر هذا الحزب في ثكنة فتح الله في غرب بيروت عام 1987، يومها قال السيد حسن نصرالله (لم يكن اميناً عاماً للحزب بعد)، «سنبقى هنا، سنبقى في بيروت الغربية، سنبقى في الضاحية ولن يستطيع أحد أن يقتلعنا». ثم جاءت حرب الإخوة بين حركة أمل وحزب الله لتبين عمق التباينات بين طهران وسوريا وانعكاس هذه المؤامرة على المقاومة الاسلامية في لبنان بحكم تفوقها ووصولها إلى مراكز متقدمة على صعيد تحقيق مكاسب ميدانية غير مسبوقة ضد الاحتلال وعملائه. وكانت حواجز الجيش السوري واستخباراته تضايق عناصر حزب الله اثناء تنقلاتهم بين المناطق لا سيما بالقرب من منطقة الشريط الحدودي الذي كان محتلاً انذاك. ولم تتخذ سوريا قرار دعم المقاومة إلاّ بعدما شعرت أن حركة أمل حليف لا يمكن الاعتماد عليه، فجنحت الى السلم مع حزب الله بناءاً على تفاهمات مع طهران، وكانت تلك الاستراتيجية الجديدة في دعم المقاومة والتي أدت الى تحرير الجزء الأكبر من الجنوب اللبناني المحتل.
إلا أن هذه السياسة التي وإن كانت في الظاهر سياسة «ممانعة» فهذا لا يعني ان سوريا لم تكن هي المستفيد الأول من جراء التقاطها لورقة أساسية ومهمة هي ورقة حزب الله والتي دعمتها لاحقاً بورقة المقاومة الاسلامية الفلسطينية التي كانت بدورها تسطّر أروع الملاحم البطولية ضد الصهاينة في فلسطين المحتلة.
نعم قد يكون هناك مؤامرة دولية ضد سوريا لتحالفها مع ايران ولدعمها لقوى المقاومة (ولا استسيغ بتاتاً مصطلح الممانعة في هذا الاطار كونه يؤشر على ان الممانعة نهايتها الموافقة بعد اطراء واغراء). لكن ما هو حجم المؤامرة الدولية أمام المؤامرات التي حاكتها سوريا ضد الدول المجاورة بحجة حماية خاصرتها وجنبها وما الى ذلك؟ وما هو مدى استفادة المقاومة من سوريا امام ما حققته دمشق من مكاسب مادية ومعنوية على الصعيد الاستراتيجي الدولي؟
لقد ورطت دمشق المقاومة في لبنان بعلاقة مريبة مع نظام النيوليبرالية الحريرية تحت شعار «المقاومة والإعمار يداً بيد»، فكانت هي المستفيد من الطرفين الأول على الصعيد المعنوي من خلال ورقة القوة التي اضحت بيد الأسد، والآخر على الصعيد المادي الذي فتح مزاريب أموال الشعب اللبناني أمام ضباطه ومسؤوليه. وأوصلت هذه السياسة ـ المؤامرة لبنان الى حرب مذهبية دفع وما زال اللبنانيون يدفعون ثمنها.
كذلك دعم النظام السوري بكله (وليس فقط غازي كنعان او عبد الحليم خدام كما يزعم المدعون العفة من بقايا النظام)، كل زعماء لبنان من سارقي أموال الفقراء الى اقطاعيين قدامى وجدد ومجرمي حرب وفاسدين ومنتفعين على أبواب عنجر(مقر الاستخبارات السورية في لبنان) وقصر المهاجرين الرئاسي في دمشق، فكان وجوده في لبنان شرعياً من حيث الشكل الا ان ممارساته كانت تمثل الاحتلال بكل صوره.
ألم يسأل «الممانعون» أنفسهم، لماذا تحولت علاقات دمشق مع أنقرة نهاية التسعينيات من علاقة عداء وتنافر إلى علاقة صداقة وتعاون؟ ألم يذكر هؤلاء قائد حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان الذي باعته سوريا بثلاثين من الفضة. ومن قبله المناضل الأممي كارلوس، الذي طردته الى السودان حيث كانت الاستخبارات الفرنسية بانتظاره. وما سر خروج سوريا من عزلتها في العام 2008 بعد ثلاثة أعوام من المواجهة مع الغرب على خلفية اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري؟ ألم يكن القائد المناضل عماد مغنية ثمناً لهذا الانفتاح المفاجئ؟ لماذا لا يسأل المقاومون ومن خلفهم «الممانعون» أنفسهم حول الثمن المقبل لمؤامرات تحيكها دمشق مع عواصم العالم منذ تسلم «البعث» مقادير الأمور.
أهم من ذلك، كيف يمكن لنظام الأسد أن يتحدث عن مؤامرات خارجية وهو بسياسته الأمنية الإجرامية يشرّع الأبواب أمام تدخلات الفاسق والفاجر، ويعطي المسوّغات تلو الأخرى لتبلور مؤامرات على غرار مؤامرات حكمه السالفة.
هل الرد على المؤامرات الخارجية يكون بمصادرة أهم أهداف المقاومة، وأسمى غاياتها وهي حرية الانسان وكرامته وحقوقه؟ ألم يكن الأجدى الرد على المؤامرات وتهديد المسلحين والسلفيين وغيرها من «الفزّاعات» التي لا تمثل حقيقة مطالب الشعب السوري، بمزيد من الديموقراطية والانفتاح على الناس؟
بالفعل ظلم ذوي القربى أشد إيلاماً، وهو ما يدفع بعض السوريين للمطالبة بتدخل دولي لانقاذ الشعب من مجازر تحصل كل يوم بإسم صد المؤامرة وحماية «قلعة المقاومة». فتاريخ هذا النظام القمعي ضد خصومه لا يعطيه أبداً صك براءة مهما كانت درجة استخدامه لورقة المقاومة ومهما بلغ حجم ذريعته في التصدي لمؤامرات الخارج. لقد حفرت دمشق حفرة لأبنائها وبدأت هي نفسها بالانزلاق اليها.

"أخبار بووم" 20 شباط 2012

17‏/2‏/2012

ليبيا على فوهة بركان السلاح

 



عناصر من القوات المسلّحة الليبية خلال عرض عسكري في طرابلس (إسماعيل زيتوني ــ رويترز)
فيما تحتفل ليبيا اليوم بالذكرى السنوية الأولى لانطلاقة انتفاضة 17 شباط ضد حكم العقيد الراحل معمر القذافي، الذي دام 42 عاماً، يعيش الشعب الليبي القلق من سيطرة المسلحين على أهم مفاصل البلاد، رغم مرور نحو 4 شهور على تولّي المجلس الانتقالي الليبي زمام الأمور. فوضى تدفع ليبيا إلى فوهة بركان من السلاح على وشك الانفجار

13‏/2‏/2012

يواخيم غاوك رئيساً لألمانيا: القسيس «اليساري»




معمر عطوي
لم يكن انتخاب القس السابق الناشط الحقوقي الألماني يواخيم غاوك، رئيساً لجمهورية ألمانيا الاتحادية، بالأمر الغريب أو الطارئ، فحظوظ الرجل كانت مرجّحة للفوز منذ استقالة سلفه كريستيان فولف في شباط/ فبراير الماضي على خلفية اتهامات بالفساد.
أما سبب هذا الترجيح فسنده شبه الإجماع الذي حظي به الرجل منذ استقالة فولف، حيث اعلنت الأحزاب الفاعلة على الساحة الألمانية عن تأييدها لهذا الترشيح، باستثناء حزب اليسار الذي رشّح الناشطة السابقة ضد النازية بيئاتي كلارسفيلد (73 عاماً) الى هذا المنصب الشرفي، والذي لا يُعتبر فاعلاً على مستوى الحكم في البلاد.
المراقبون وصفوا انتخاب غاوك (72 عاماً) الأحد الماضي (18 آذار/ مارس) من قبل المجلس، الذي يضم نواب البرلمان ومندوبين من عالم السياسة والمجتمع المدني، بأنه «أمر شكلي»، بعدما لقي القس السابق دعم الاتحاد المسيحي الديموقراطي الذي تقوده المستشارة أنجيلا ميركل وحليفها الحزب الديموقراطي الحر (الليبرالي) بزعامة وزير الخارجية غيدو فيسترفيله والمعارضة التي يقودها الحزب الاشتراكي الديموقراطي الى جانب حزب الخضر، فيما بقي حزب اليسار بقيادة غريغور غيزي خارج مجال التأييد للناشط الحقوقي السابق المتحدّر من شرق البلاد.
وكانت النتيجة متوقّعة حيث حصل غاوك على 991 صوتاً من إجمالي 1228 صوتاً داخل الجمعية الاتحادية في مقر البرلمان الألماني في العاصمة برلين، ليصبح بذلك الرئيس الحادي عشر للبلاد، فيما حصلت منافسته اليسارية كلارسفيلد على 126 صوتاً فقط.
الدلالة الأهم في هذا الاختيار هو أن غاوك، الذي يدخل مع صديقته الصحافية دانييلا شادت اليوم (الاثنين 19 اذار 2012) قصر Bellevue الرئاسي، متحدّر مثل المستشارة ميركل من شرق البلاد، حيث عاش الاثنان في زمن الانقسام.
ربما لهذا السبب دعمت ميركل ترشيح غاوك الذي كان مرشح خصومها في الحزب الاشتراكي عام 2010 في وجه مرشحها كريستيان فولف، الذي سبّب إحراجاً للحزب المسيحي وللمستشارة بعد أن شغل هذا المنصب عشرين شهراً من الولاية الرئاسية المحددة بخمس سنوات، بسبب اتهامه باستغلال منصبه للحصول على قروض مصرفية وقضايا اخرى وُصفت بالفساد.
ولعل الأمر الآخر الذي يشكّل قاسماً مشتركاً بين المستشارة والرئيس الجديد، هو أن غاوك ووالد ميركل أيضا كانا رجلي دين في الشطر الشرقي الذي سيطر عليه لسنوات طويلة الشيوعيون الذين لم تكن تربطهم بالمؤسسات الدينية أي علاقة ود.
المفارقة أن الرئيس الجديد ظلت مواقفه ملتبسة، فهو وإن كان قريباً من الحزب الاشتراكي الديموقراطي الذي يتبنى طروحات أكثر ايجابية تجاه المهاجرين الأجانب، نجده يدافع عن تيلو سارازين، الكاتب الذي اثار موجة من الانتقادات ضد كتاب نشره في العام 2010 اساء الى صورة المهاجرين في ألمانيا، في حين وصفه غاوك بأنه “شجاع”.
بيد أن غاوك، وكما نقلت عنه «دويتشه فيله»، قد نأى بنفسه عن أطروحات سارازين، وأكد بأنه أرد فقط امتداح ما يتعلق بخرق العادة الدبلوماسية المألوفة في الدوائر السياسية الألمانية، وهو ما قام به السياسي سارازين عبر كتابه. وبهذا الشأن أكد غاوك أنه يرفض أي نوع من الحظر الفكري.
في الوقت نفسه، وصف غاوك نفسه ذات مرة بأنه “محافظ ليبرالي ويساري”. وانتقد حركة “احتلوا وول ستريت” في الولايات المتحدة، ووصفها بأنها “غبية”. وعلى خط موازٍ للرجل مبادرات داعمة للديموقراطية ومناهضة للعنصرية .
فيسارية القس البروتستانتي السابق التي يتغنى بها، لم تمنعه من أن ينشط حقوقياً في ألمانيا الشرقية اليسارية النظام، حيث كان مناهضاً للنظام الشيوعي وناطقاً باسم المعارضة في مدينة روستوك (شرق)، مسقط رأسه قبل انهيارجدار برلين .
وفي سيرته الذاتية “الشتاء في الصيف والربيع في الخريف”، التي صدرت في العام 2009 تحدث عن عمليات الاعتقال والاحتجاز التعسفي للكثيرين من قبل الشرطة السياسية الألمانية الشرقية (شتازي) سابقاً، بمن فيهم والده الذي تعرّض أيضاً للاعتقال، اذ حكمت عليه محكمة عسكرية سوفياتية بالسجن 25عاماً عندما كان غاوك طفلا. وقد أمضى الأب سنوات عديدة في أحد المعتقلات في سيبيريا.
لكن غاوك الذي حلم بأن يصبح صحافياً قبل أن يصبح رجل دين، كان تحت مراقبة جهاز أمن الدولة، من دون ان يُصار الى اعتقاله.
الا أن وثيقة لجهاز «شتازي» وصفته بأنه «شخص مناهض للشيوعيين بتزمُّت ويرى الاشتراكية والشيوعية على أنها ظاهرة مؤقتة».
مسيرة غاوك النضالية هذه جعلته مرشّحاً وحيداً ليكون أول مسؤول في ألمانيا الاتحادية عن أرشيف الشرطة السرية «شتازي»، إذ عمِل مديراً لقسم توثيق سجلات “شتازي”، منذ عام 1990 وبقي في هذه الوظيفة 9 سنوات، كان خلالها مسؤولاً عن أكثر من 2700 موظف، قاموا بأرشفة وحفظ معلومات جهاز أمن الدولة الشيوعية، والمتعلقة بالملفات الشخصية لمئات الآلاف من المواطنين والمرشحين للمناصب العامة.
وقد أوردت «دويتشه فيله» أن الرجل منفصل من دون طلاق عن زوجته غيرهيلد، منذ عام 1991، ويعيش منذ اثني عشر عاماً مع صديقته الصحافية، التي أعلن استعداده للزواج منها إذا ما انتخب رئيساً لألمانيا، قبيل انتخابات الرئيس في العام 2010.

10‏/2‏/2012

حظر النفط الإيراني: أوروبا تعاقب نفسها


 يبدو أن القرار الذي اتخذته دول الاتحاد الأوروبي في الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني الماضي، بفرض حظر على استيراد النفط الإيراني، والذي أتى بعد قرار أميركي مشابه، لن يكون مضراً باقتصاد الدولة الفارسية فقط، بل سيُلحق الضرر أيضاً بدول عديدة، بينها دول فاعلة في المنظومة الأوروبية، بسبب اعتمادها بنحو كبير على هذا النفط

1‏/1‏/2012

القراصنة يُبحِرون نحو السياسة

تعد كلمة القراصنة في القاموس السياسي تحمل المعنى نفسه الذي ينطبق على رجال البحر الباحثين عن طرائد بين السفن المُسافرة، فهذه الصورة النمطية لشكل القرصان الذي يربط منديلاً على رأسه ويغطي إحدى عينيه بقماشة سوداء،
قد تغيرت مع ظهور مجموعة جديدة من جيل الشبكة العنكبوتية الذين ينظرون إلى السياسة كمدىً رحب يشبه البحر في شفافيته

22‏/12‏/2011

كوريا الشماليّة: الزعيم والعائلة والجيش

 



صورة وزعتها وكالة الأنباء الكورية الشمالية لكيم تعود للعام 2007 خلال زيارته لقاعدة عسكرية (رويترز)
لا يبدو أن وفاة الزعيم الكوري الشمالي، كيم يونغ إيل، قد أربكت السلطة في بيونغ يانغ، بل على العكس، فقد بدت متماسكة ومستعدة لحدث من هذا النوع، وخصوصاً أن الزعيم الراحل كان قد أرسى بعض عوامل استقرار النظام حين جهّز نجله الأصغر كيم يونغ أون، العام الماضي، لقيادة البلاد عبر ترقيته عسكرياً وحزبياً وجعله الخليفة الأوحد. لكن اللافت في هيكلية السلطة المبنية على الجمع ما بين الحكم الوراثي والإيديولوجية الشيوعية، التي اختصرها مؤسس البلاد كيم إيل تسونغ بالستالينية المتشددة، هو عدم وجود فعالية لحزب العمال الحاكم، فيما يقتصر مركز القوة على العائلة والجيش ودعم الصين


20‏/12‏/2011

كوريا الشمالية: قطار «القائد العزيز» يتولّاه «الجنرال الشاب»

لن تكون وفاة زعيم كوريا الشمالية، كيم يونغ إيل، لحظة عابرة في منطقة تقع منذ عام 1950 في عين العاصفة. فالنظام النووي الستاليني الذي خاض بين عامي 1950 و1953 حرباً دموية مع أشقائه في الشطر الجنوبي، الذي تدعمه الولايات المتحدة ودول الغرب الرأسمالي، لا يزال هدفاً عصيّاً بالنسبة إلى واشنطن، رغم كل ما يُقال عن ضعف الخليفة كيم يونغ أون


معمر عطوي

طوت كوريا الشمالية، أمس، صفحة «الزعيم العزيز»، كيم يونغ إيل، لتكمل السير في قطار نجله كيم يونغ أون، الذي بويع زعيماً جديداً للنظام الشيوعي. السلطات الكورية أعلنت أمس نبأ وفاة «الزعيم» بأزمة قلبية داخل قطاره، خلال أحد تنقلاته الميدانية، مشيرة إلى أنه «توفي نتيجة إرهاق فكري وجسدي كبير» صباح السبت الماضي، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الكورية الشمالية. لكن معاناة الزعيم الكوري الراحل مع الأمراض بدأت عملياً منذ سنوات، وكان أخطرها في عام 2008 حين تعرّض لجلطة دماغية ألزمته سرير المستشفى لأسابيع طويلة. وهذا ما دفعه إلى تأهيل نجله الأصغر كيم يونغ أون من أجل تسلّم مقاليد الحكم، فتمت ترقيته العام الماضي الى رتبة عسكرية عالية وتسليمه بعض المسؤوليات في السلطة والحزب الشيوعي الحاكم، وبدأ التعامل مع النجل الأصغر كخليفة حقيقي.



«القائد العزيز»، كما يحب مواطنوه أن يصفوه، عمل خلال السنوات الأخيرة بجهد كبير، وسط حصار دولي ومفاوضات شاقة حول ملف بلاده النووي. ورغم أن حكم كوريا الشمالية وراثي يقوم على تأليه الشخص وإحكام القبضة الحديدية على مواطنيه، يصرّ قادة البلاد على هوية النظام الشيوعي أو كما يسمّونها «الزوتشية»، وهي العقيدة الرسمية للنظام الستاليني، تجمع بين الشيوعية والاكتفاء الذاتي، وضعها مؤسس الجمهورية الشعبية لكوريا الديموقراطية (الشمالية) كيم إيل تسونغ، والد الزعيم الراحل.

لقد تعامل الكوريون الشماليون بطريقة شبه دينية أو وثنية في تأليه تسونغ، وجعلوه «الزعيم المقدس»، وتعاملوا بنفس الذهنية مع الراحل يونغ، وهو ما سهلته الدعاية القوية في الداخل والانقطاع التام مع الخارج ودعم الجيش. ما يؤكد هذه الذهنية هو تحديد 28 كانون الأول الجاري موعداً لتشييعه في بيونغ يانغ، أي بعد نحو 10 أيام من وفاته، فيما أعلنت السلطات الحداد من 17 إلى 29 كانون الأول في البلاد وتأسست أمس لجنة وطنية للجنازة بقيادة ابنه أون، وسيوضع جثمان الزعيم في قصر كومسوسان التذكاري. الأنكى من ذلك أن شائعات يتداولها الكوريون تفيد بأنه حين ولد في كوخ خشبي، ظهر قوس قزح وطلعت نجمة ساطعة في السماء. كما يُعدّ الاحتفال بعيد ميلاده من أهم الأعياد الوطنية في كوريا الشمالية.

ورغم المجاعة التي حصدت آلاف البشر بسبب سياسة الحصار الدولي والتضييق، ووقف دعم روسيا في أواخر التسعينيات، ظل يونغ «الزعيم الغالي» بنظر العديد من أفراد شعبه، وواصل برنامجه لصنع أسلحة نووية، مجرياً في هذا السياق تجربتين في تشرين الأول 2006 وأيار 2009. كان يونغ يجيد المناورة في المفاوضات الدولية التي بدأت في 2003 لإقناع بيونغ يانغ بالتخلي عن طموحاتها النووية، التي استؤنفت في آب الماضي بلا شروط، بعد أكثر من عامين من تجميدها. لقد أدرك كيم أن السلاح النووي وسيلة مهمة لمقايضة الغرب بمساعدات إنسانية وغذائية توالت على الدولة الشيوعية منذ سنوات، على أن تقوم الأخيرة بالتخلص من ترسانتها الباليستية. ويبدو أن ثمة تضارباً في المعلومات عن مكان ولادة كيم، الذي توفي عن 69 عاماً، ففيما تفيد بعض المعلومات بأنه ولد في خباروفسك في الاتحاد السوفياتي السابق، حيث أطلق والده من معسكر تدريب حركة المقاومة ضد الاحتلال الياباني في عام 1945، إلا أن وسائل الإعلام الرسمية تقول إنه ولد في جبل «بايكدو» الذي تحتله اليابان.

وفي ما يتعلق بمسيرته السياسية والحزبية، ارتقى الشاب بسرعة سلم القيادة في حزب العمال الحاكم. وكان يهتم أساساً بالدعاية، وذلك بعد نيله إجازة جامعية في الاقتصاد السياسي عام 1964 من الجامعة التي تحمل اسم والده. وعين في عام 1991، قائداً أعلى للجيش الكوري، وهي خطوة اعتبرها المحللون رداً على أي محاولة انقلاب قد تحدث بعد وفاة تسونغ. تولى رسمياً مقاليد الحكم بعد والده في 1994. وجمع الراحل عدة مسؤوليات، منها الأمين العام لحزب العمال الكوري ورئيس لجنة الدفاع الوطني والقائد الأعلى للقوات المسلحة الكورية، الى جانب الزعيم الأعلى لجمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية.

على الجانب الآخر من شبه الجزيرة الكورية، كان الزعيم الستاليني مادة للتهكم في الإعلام الكوري الجنوبي الذي طالما أظهره كرجل يهتم باللهو، فيما كان يركز على ملابسه وانتعاله الأحذية الرياضية «لتظهر قامته أطول». كما تحدثت وسائل الإعلام عن ولعه الشديد بالطعام والشراب وبذخه على ذلك.

وثمة تقارير أخرى تؤكد أنه كان«واسع الاطلاع» ومتابع جيد للأحداث الدولية، ومناور ذكي على استعداد للمخاطرة لدعم نظامه. ووصفته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت بأنه «شخص متمكن». وعُرف عنه حبه للفن، فقد قيل إنه ألّف 6 «أوبرات». وكان قد تولى مسؤولية شؤون الفن والثقافة في حزب العمال في عام 1980. ودفعه شغفه بالسينما الى إصدار أمر باختطاف المخرج الكوري الجنوبي شين سانغ أوك وزوجته الممثلة إيون في عام 1978، وبعد 5 سنوات أطلقهما واعتذر عن اختطافهما وطلب منهما صنع أفلام عنه، حيث قاما بالفعل بصناعة سبعة أفلام قبل هروبهما إلى الغرب عام 1986.

هذا الرجل الذي أوصله شغفه بالسينما إلى حد الهوس، ترك تراثاً يستحق أن يكون مادة دسمة للفن السابع، سواء كان الموضوع في معرض الثناء أو الذم.





--------------------------------------------------------------------------------



«السحابة الصالحة»



يحكم كوريا الشماليّة

يستعد الشاب كيم يونغ أون لقيادة كوريا الشمالية بعد وفاة والده كيم يونغ إيل، ليمتد حكم عائلة كيم للبلاد لجيل ثالث. لا يُعرف الكثير عن كيم الابن، على الرغم من أن والده ونظامه كانا يعدّان الترتيبات لانتقال السلطة الى الابن منذ سنوات. ويعتقد أن أون يبلغ من العمر 28 عاماً وتمت ترقيته الى رتبة جنرال وتولى منصباً سياسياً كبيراً، فيما أفادت تقارير عن قيامه بزيارة دبلوماسية مهمة للصين في أيار هذا العام. وربما كانت هذه الزيارة واحدة من أهم الخطوات الدبلوماسية التي قام بها على الإطلاق، فبحسب الباحث في جامعة الدراسات الكورية الشمالية في سيول، يانغ مو مين، فإن زيارة أون لبكين «ستضطر باقي دول العالم الى التطلع الى صبي مدعوم من الصين ليصبح زعيم كوريا الشمالية المقبل». وقد ولد أصغر أبناء الزعيم الراحل الثلاثة في عام 1984 على الأرجح. وترجمة اسمه بالصينية هي «السحابة الصالحة»، فيما تطلق عليه وسائل الإعلام «الجنرال الشاب». تلقى تعليمه في سويسرا ويعتقد أنه يتحدث الإنكليزية والألمانية، ويشبه جده مؤسس كوريا الشمالية، كيم إيل تسونغ، كثيراً في ملامحه.

(رويترز)


الأخبار: 20 كانون الأول 2011






24‏/10‏/2011

جثة بلا نياشين

معمر عطوي

دائماً كان محط أنظار مناهضيه ومعجبيه على حد سواء، حتى وهو مسجّى في غرفة تبريد أصبحت محجّاً لكل الشامتين والفضوليّين. آلاف الليبيين جاؤوا الى مصراتة لإلقاء النظرة الأخيرة على جثة بلا نياشين، ولا أزياء مزركشة اشتهر بها في ظهوره المتكرّر.

جثة الزعيم الليبي السابق معمر القذافي مصابة بطلق ناري في الرأس وآخر في البطن وعدد من الإصابات الأخرى. هكذا خرج تقرير الطبيب بعد تشريح الجثة أمس، بناءً على طلب السلطة الانتقالية في طرابلس.

الجثة، التي لا تزال في مصراتة بعد نقلها من سرت الخميس الماضي، ستسلَّم الى أقرباء القذافي، حسبما أعلن رئيس الوزراء المؤقت أحمد جبريل. المسؤول الليبي الذي توقع أن يكون القذافي قد قُتل برصاصة طائشة، تمنى لو أن الزعيم السابق ظل على قيد الحياة، ولم يُقتل. يقولها جبريل بصراحة: «تمنيت لو كنت المدعي العام لمعرفة أسباب تنكيله بالشعب الليبي. ولماذا حكم ليبيا 42 عاماً. وسأرحب بفتح تحقيق كامل بشأن أسباب مقتله» تحت إشراف دولي.

المشهد في غرفة التبريد غير مكتمل، فالإصابات مغطاة بالقماش حتى لا يظهر دليل على كيفية مقتله. رأسه منحنٍ إلى الناحية اليسرى ليبقى مكان العيار الناري مخفياً. والحراس بكماماتهم الخضراء التي تقيهم رائحة العفونة، يراقبون الجثة خوفاً منها وعليها.

العقيد وحيد مسجّى على خرقة بالية، لا أحد يبكيه. لا نساء تولول أو تندب بجوار جثته ولا من تشقّ ثيابها، فقط صوت صفيّة أرملته وصل عبر أثير قناة «الرأي» ليُطالب المنظمات الدولية بالضغط على المجلس الانتقالي لتسليم جثته مع جثة ابنه المعتصم، الذي قتل في نفس المدينة، ونفس اليوم، لكن المصادر الرسمية ترجّح أن «إمام المسلمين» سيُدفن حسب «الشريعة الإسلامية» في مكان سري تفادياًُ لزيارة أنصاره لقبره.

لحظة الاحتضار شابها الالتباس، لعل المقاتلين الذين حاربوه على مدى ثمانية أشهر من مدينة الى مدينة ومن دار الى دار، قد ضاقوا ذرعاً به في الزنقة الأخيرة «فأخذتهم الحماسة وأخذوا القانون بأيديهم عندما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الرجل الذي يكرهونه»، على حد تصريح قائد عسكري. القائد المصراتي يؤكد ما قاله رجل السياسة: «كنا نريد إبقاءه حياً لكن الشبان... الأمور خرجت عن السيطرة». الفوضى والعنف سادا الدقائق التي أدت إلى مقتله، كما أظهرت رسائل الهواتف المحمولة المصوّرة التي شاهدها العالم. كان القذافي سيد الشاشات، لكن هذه المرة نصف عارٍ من أحدث صرعة للأزياء الأفريقية، ومن دون نياشين حصل عليها بلا حروب. وفي تسجيل مصور آخر، حصلت عليه «رويترز»، ظهرت قافلة من الحافلات تسرع على طريق صحراوي والأبواق تدوي ويصيح الرجال قائلين «لقد أمسكنا بمعمر. إنه معمر».

يصيح رجل ملتحٍ وهو يمسك بيد شاب تحمل مسدساً: «هذا هو الشاب الذي قتل القذافي. باستخدام هذا. فهمتم. لقد فعلها أمامي. لقد رأيته أمامي». مع ذلك لا يبدي الليبيون انزعاجاً من الطريقة التي قُتل بها «ملك الملوك»، الذي قتل الآلاف منهم خلال الانتفاضة الشعبية.

الابن أيضاً مسجّى في مصراتة، وضع بجوار جثمان والده في غرفة التبريد. هو الآخر لا تزال ظروف مقتله غير واضحة. لقد شوهد المعتصم قبيل مقتله، معتقلاً في غرفة ويدخّن سيجارة ولم يبد أنه مصاب بإصابة بالغة. في غرفة التبريد غُطّي جثمان المعتصم بغطاء أول من أمس. وخيطت الجروح التي كانت موجودة في فكه وفي رقبته.

وزير الدفاع السابق أبو بكر يونس جابر، أبت جثته أيضاً أن تفارق «قائدها» فوُضعت على محفّة بين القذافي وولده. ظهرت فيها الجروح التي سببتها طلقات الرصاص في صدره وأعلى ذراعه اليسرى. هكذا أصبحت القيادة الليبية السابقة مجموعة جثث مسجّاة تنتظر المفاوضات حول طريقة دفنها ومكانه وتوقيته.

"الأخبار": 24 تشرين الأول 2011



23‏/10‏/2011

تضاربت الروايات والموت واحد

الالتباس لا يزال سيد الموقف في قضية مقتل العقيد معمر القذافي، والروايات حول المرحلة الفاصلة ما بين اعتقاله وإعلان موته عديدة ومتضاربة. لكن بالتأكيد كان الحدث مادة دسمة لتنافس ساخن بين قناتي «العربية» و«الجزيرة» الفضائيتين


21‏/10‏/2011

المعتصم: من لعوب إلى مقاتل

معمر عطوي

شخصية غريبة الأطوار جمعت بين المجون والعدوانيّة، فدخلت المشهد السياسي الليبي من باب البطش وأصبحت مادة خصبة للصحافة الصفراء بممارسات باذخة إلى حد الجنون. هو المعتصم بالله القذافي (مواليد 1977)، الابن الخامس للعقيد الراحل معمر القذافي، والذي اعتُقل أمس بعد سيطرة قوات المجلس الوطني الانتقالي على مدينة سرت، حيث مسقط رأس والده ومقتله.

لعل أفضل تعبير عن حياة المعتصم ما ذكرته صديقته عارضة الأزياء الإيطالية تاليثا فون زون، بأن حياته انتقلت «من لعوب محبوب إلى مقاتل لا يرحم». فالنجل المُدلّل للعقيد، كان يفتخر في لقاءاته الخاصة بإنفاقه نحو مليوني دولار في الشهر على حفلاته ونزواته، لدرجة أنه فقد السيطرة على العديد من مصالحه التجارية الشخصية بين عامي 2001 و2005 بسبب أسفاره المتواصله.

واللافت أن من وصفه السفير الصربي لدى ليبيا بأنه «لا يتمتع بذكاء حاد»، كان يشغل منصب «مستشار الأمن القومي». إلّا أن الشاب استغل منصبه وقربه من العقيد، ليمارس الضغوط على رئيس مؤسسة النفط شكري غانم في العام 2008، طالباً منه مبلغ 1.2 مليار دولار لإنشاء وحدة عسكرية أو أمنية شبيهة بتلك التي يقودها أخوه الأصغر خميس، حسبما كشفت البرقيات المسربة من السفارة الأميركية في ليبيا ونشرها موقع «ويكيليكيس».

وعُرف عن المعتصم بالله دمويته ‏ومزاجيته المتطرفة، لدرجة أن كبار المسؤولين كانوا يخشونه، حتى إنه تعرض بالضرب المبرح للعديد منهم.

المفارقة الأهم في حياة المعتصم السياسية، هي ما كشفته وثائق نشرها موقع «المؤتمر الوطني»، تشير إلى أن مؤسسات أميركية وبريطانية أمنية تقوم بالإشراف على إعداد المعتصم ليكون قائداً أمنياً لليبيا حسب المواصفات الأميركية.

وربما لذلك ترددت أنباء عن اختفاء المعتصم لفترة من الزمن، الأمر الذي فسره بعض المراقبين بأنه خلاف مع إخوته وبعض أركان النظام، بعد محاولته الانقلاب على والده وإطاحته عن الحكم. ولعل ما يعزز حظوته الخاصة لدى الأميركيين هو أن آخر ظهور علني له كان مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في واشنطن في نيسان 2009.

أما دوره في مرحلة ما بعد انطلاق الثورة في شباط الماضي فكان يقود وحداته العسكرية الخاصة في منطقة البريقة، ويقوم شخصياً بإعدام عدد من جنود وحدته لأنهم رفضوا قتل المدنيين الأبرياء، على ما يروي بعض الشهود. اللافت أن الشاب الذي كلّفته والدته صفية بأمن الأسرة الخاص، كان قد بدأ حياته الجامعية بدراسة الطب في كلية طرابلس، التي تخرج منها من دون أن يتابع اي محاضرة، حسبما يروي معارضو نظام القذافي.

واشتهر بسلوكه غير الأخلاقي بين الليبيين، وخصوصاً مع نشر صور تظهره في أوضاع حميمة جداً مع عشيقته عارضة الأزياء الإيطالية فانيسيا هاسلير. ونشرت مواقع الانترنت العديد من أشرطة تصوّر حياته الماجنه وطريقة إنفاقه لأموال الشعب الليبي على نزواته، الأمر الذي أثار استياءه فأمر بحجب موقع «يوتيوب» وبعض المواقع الأخرى. ولعل أبرز قصص المعتصم المثيرة للجدل هي دعوته إلى طرابلس صديقته الهولندية السابقة تاليثا ( 39 سنة)، التي تعرَّف إليها في 2004 داخل ملهى إيطالي، وسط المعارك بين قوات النظام والثوار في آب الماضي، حيث أمضت هناك أسبوعين، كان خلالها يراها ليلاً في معظم الأحيان، لانشغاله نهاراً بمقاتلة الثوار.

تاليثا روت لمراسل «صنداي تلغراف» البريطانية بعض من قصتها مع المعتصم الذي أخبرها أنه ينفق: «تقريباً مليوني دولار» في الشهر. ومما قالته أنها اعتادت رؤيته في الفيلا «يجلس على أريكة وفي إحدى يديه رشاش أوتوماتيكي وكأس وسكي في الثانية». وتشير إلى أنه أنفق في حفلة أقامها ليلة رأس سنة 2009 في جزيرة «سانت بارتس» الكاريبية 4 ملايين دولار.



الأخبار: 21 تشرين الأول 2011

5‏/10‏/2011

ليبيا: صراع مبكر على هيكل السلطة

لم تنته الأزمة في ليبيا بعد، ولن يكون اعتقال العقيد معمر القذافي أو تصفيته، نهاية المطاف لبلد انعكست طبيعته الصحراوية على بيئته السياسية، فعاش التصحّر الحزبي والسياسي على مدى 42 عاماً، في ظل كتاب أخضر لم يحمل من معنى لونه أي خصوبة في الحراك السياسي والتعددية الحزبية. انتهت المعركة وبدأت عملية تقاسم المغانم بين تكتلات سياسيّة متباينة



معمر عطوي

أكد التباين الواضح في وجهات النظر بشأن تأليف الحكومة الليبية المؤقتة والخلافات الصاخبة على كعكة السلطة في البلاد، أن المجلس الوطني الانتقالي بقيادة وزير العدل السابق مصطفى عبد الجليل، ما هو إلّا إطار لتيارات متباينة في نظراتها ومنطلقاتها، بيد أن ما يجمعها هو سعيها نحو السلطة بما تملكه من قوة بشرية وعتاد عسكري وأموال وطموحات سياسية. بالتأكيد ليبيا اليوم على صفيح ساخن.

ففي بلد لم تشهد حياته السياسية سوى لجان ثورية وشعبية طوال أربعة عقود ونيف من حكم الشخص الواحد، كانت المعارضة تتمثل في شراذم من الإسلاميين الذين استطاع نظام القذافي تصفية بعضهم واحتواء البعض الآخر منذ منتصف التسعينيات، فيما كانت معارضة الخارج تتمثل بـ «الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا» التي، بسبب، ما رشح عن علاقتها مع الاستخبارات الأميركية لم تكن موضع ثقة لدى الكثيرين من معارضي سياسة القذافي خلال سنوات حكمه.

بالطبع لن تعود ليبيا الى حكم الشخص، ولا الى صورة اللجان الشعبية التي كانت تنفّذ مشيئة صاحب الكتاب الأخضر، لكن الطريق نحو الحياة الديموقراطية القائمة على التعددية الحزبية، لن تكون مفروشة بالورود. إضافة إلى ذلك، هناك العامل القبلي الذي يمثّل حساسية خاصة بالنسبة إلى الكثير من التيارات السياسية الطارئة.

المسألة لا علاقة لها بهيمنة إسلامية متشددة هنا أو بإيعاز خارجي هناك، بقدر ما تتعلق بطبيعة التشكلات السياسية وعلاقتها بالواقع الديموغرافي، الذي وإن شهد اختلافاً لجهة حق تمثيل القبائل فإنه متوحّد حول رؤية إسلامية «معتدلة»، يبشّرنا بها العديد من القادة، وعلى رأسهم رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل.

صعوبة الموقف هنا نابعة من تنافس التكتلات السياسية التي بدأت نشاطها كمجموعات عسكريّة شاركت في قتال كتائب القذافي وصولاً إلى تحرير طرابلس، وتحوّلت الى العمل السياسي، مدعومة بما حازته من رجال وسلاح، وأموال متعددة المصادر، لتضمن حقّها في كعكة السلطة الدسمة.



ثوار طرابلس



لعل ظهور رئيس «مجلس ثوار طرابلس» عبد الله الزنتاني في حديث مع صحيفة «الشرق الأوسط» هذا الأسبوع، قد أحدث صدمة أخرى، بعد صدمة ظهور قائد المجلس العسكري لثوار طرابلس عبد الحكيم بلحاج إثر تحرير باب العزيزية.

فالمنافس الرئيس لبلحاج، ليس إسلامياً بالمعنى الحركي للإسلام السياسي، لكنه يمثل قطباً آخر من أقطاب المعادلة إذا ما صحّت تصريحاته عن حجم قدراته وعناصره. لقد طالب الزنتاني بنصف مقاعد الحكومة العتيدة للثوار، مشيراً إلى أن مجلسه «يضم نحو 25 ألف عضو يمثلون مختلف ألوان الطيف السياسي والقبائلي في ليبيا»، لكنه يوضح أن القوة الحقيقية للمجلس تكمن في جناحه العسكري، الذي يضم نحو سبعة آلاف مقاتل، مسلّحين على نحو جيد.

وبدت مجموعة الزنتاني نسخة عن قوى عديدة تقوم حالياً بدور الشرطة وحماية المدنيين في طرابلس وبنغازي والعديد من المدن الليبية، في غياب قوى أمن رسمية. لذلك ستطالب هذه القوى، على غرار الزنتاني، بحصة في المعادلة السياسية الجديدة، في دحض واضح لما أعلنه عبد الجليل على أن النضال ضد نظام القذافي لا يجوز أن يكون معياراً للدخول إلى الحكومة.

فحسب رأي الزنتاني أنه «ليس صحيحاً أن المقاتلين لا يفهمون في السياسة وأنهم رجال حرب فقط، هذه فكرة خاطئة تماماً، لدينا كوادر سياسية وحتى علمية وأكاديمية مخضرمة على أعلى مستوى، يجب أن نكون في الحكومة، ويجب أن نحصل على خمسين في المئة من مقاعدها الوزارية».

الزنتاني لا يمثل حزباً إسلامياً ولا يوحي شكله بجهادي آتٍ من أفغانستان، هو رجل حليق يرتدي البزة العسكرية كما صورته الصحيفة السعودية، لكنه لا يبتعد عن الطابع الإسلامي «المعتدل» للشعب الليبي، هو يؤمن بمبادئ أهمها «أولاً حماية ثورة 17شباط، وثانياً إعادة الأمن والاستقرار، وثالثاً أن ديننا وسط لا يعرف الفتاوى ولا الديانات المستوردة من الخارج، ورابعاً العمل على تحويل ليبيا إلى دولة غنية مستقرة كما هي الحال في دول منطقة الخليج العربي أو أوروبا».



كتيبة مصراتة



مجموعة أخرى دخلت المشهد السياسي بقوة أخيراً بعدما حققت انجازات عسكريّة هائلة بصمودها في وجه حصار قوات القذافي لأسابيع في مدينة مصراتة الساحلية (شرقي طرابلس). انجازات كلّلتها هذه الكتيبة بدورها الكبير في حسم معركة طرابلس، وبما تقوم به حتى الآن على جبهتي بني وليد وسرت. هذه الكتيبة التي عُرف عناصرها بشراستهم تحولت الآن الى رافد لـ «اتحاد ثوار مدينة مصراتة»، الذي أصدر بياناً دعا فيه إلى ترشيح عبد الرحمن السويحلي، المعارض السياسي السابق، لمنصب رئيس الحكومة.



إرث «المُقاتلة»



أما العنصر الأكثر إثارة للجدل في هذا المضمار، فهو العنصر الجهادي الإسلامي، ممثلاً برئيس المجلس العسكري لمدينة طرابلس عبد الحكيم بلحاج. الشاب الأربعيني الذي تزعم في السابق أكثر التنظيمات تأثيراً في الساحة الليبية (الجماعة الإسلامية المقاتلة) منذ عام 1988، أصبح من الشخصيات المثيرة للاهتمام في وسائل الإعلام منذ تحرير باب العزيزية. لقد كان انضمام الرجل الى الانتفاضة في شباط الماضي، وظهوره في أكثر من مناسبة الى جانب زعماء المجلس الانتقالي، مؤشّراً واضحاً على دور هام مرتقب لإسلاميّين من ذوي الجذور السلفية الجهادية في المشهد السياسي المقبل. وراجت الكثير من الأنباء والتقارير عن مفاوضات بين هذا الجناح الإسلامي وواشنطن على قاعدة اعتماد نموذج إسلامي «معتدل» يوفق بين الجذور الإخوانية (الشيخ حسن البنا) والممارسة التركية للإسلام السياسي، فيما كان بلحاج يصرّ في تصريحاته على تقديم أميركا وبريطانيا اعتذاراً شخصياًّ إليه لدور أجهزة أمن البلدين في تسليمه للسلطات الليبية عام 2004 أثناء قيامه بجولة في بعض دول شرق آسيا.

بلحاج اليوم في موقع من يطالب بمنح الإسلاميين الليبيين حصة في السلطة، وخصوصاً انه يقود نحو 3000 مقاتل، حسب تقارير المراقبين. لقد حذّر بلحاج هذا الأسبوع من أن الجماعات الإسلامية لن تسمح للساسة العلمانيين بتهميشها أو باستبعادها في مرحلة ما بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي.

وكتب بلحاج، في مقال نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية الأسبوع الماضي، «علينا أن نقاوم محاولات سياسيين ليبيين استبعاد بعض الذين شاركوا في الثورة، لأن قصر النظر السياسي هذا يجعلهم غير قادرين على رؤية المخاطر الضخمة من وراء هذا الاستبعاد، أو خطورة رد فعل الأطراف التي يجري استبعادها».

وفي تهديد غير مباشر، قال عبد الله الصادق (الاسم الحركي لبلحاج) في مقاله إن «الإسلاميين الليبيين أعلنوا التزامهم بالديموقراطية، وبالرغم من ذلك رفض البعض مشاركتهم في السلطة، ودعوا إلى تهميشهم، كأنهم أرادوا من وراء ذلك دفعهم نحو خيار غير ديموقراطي».



قطر والإخوان



البصمات القطرية باتت واضحة على سجل المتغيرات السياسية التي تشهدها الساحة الليبية. ثمة عمل دؤوب تقوم به الإمارة الخليجية من أجل احتواء قوى اسلامية ومعارضة في بعض الدول العربية التي تشهد ثورات ضد الأنظمة. سياسة لا تبتعد عنها أصابع الطبّاخ التركي، الذي خبر على مدى عقود كيف يمكن الحفاظ على الجذور الدينية وممارسة البراغماتية في آن واحد. بهذا تكون قطر التي تدعم في الوقت نفسه أطرافاً ليبيين ليبراليين وقوميين، قد قربّت المسافات بين واشنطن والقاعدة الجماهيرية التي تفضّل التيارات الإسلامية المحافظة غير المتشددة، بينما ترتاح الولايات المتحدة لتحديد الطرف الذي ستتعاطى معه في المستقبل وفق قواعد جديدة للاشتباك مع الإسلام السياسي في المنطقة.

لعل دور الكاتب والمفكر الإسلامي الليبي علي الصلابي، المقيم في قطر، الذي تربطه علاقة طيبة مع حكام الدوحة، كان بمثابة المحرّك لتوطيد هذه العلاقة بين إسلاميي ليبيا وقيادة قطر، وخصوصاً أن الرجل الثاني في «المقاتلة»، هو قائد ثوار بنغازي إسماعيل الصلابي، أي شقيق الشيخ علي الصلابي.

فالشيخ الصلابي، الذي تحدثت تقارير عن دوره سابقاً في مفاوضات مع سيف الإسلام القذافي نتج عنها إصدار عفو عن الإسلاميين الليبيين بعد المراجعات لفكر الجماعة الجهادي، التي قاموا بها أثناء وجودهم في سجون النظام السابق عام 2009، شن خلال الأيام الأخيرة هجوماً شديداً على المجلس الانتقالي، مطالباً إياه باحترام إرادة الشعب الليبي.

لقد رفض الصلابي أن تؤلَّف حكومة وزير النفط فيها عاش 40 سنة من حياته في الغرب، قاصداً بذلك، علي الترهوني، الذي تحوم حوله الشبهات بتعاونه مع الاستخبارات الأميركية «سي آي إيه». لعل الخلافات التي أفشلت تأليف الحكومة حتى الآن كانت بسبب هذا التباين بين رجال السلطة الانتقالية الحالية والساسة الجدد المُفترضين لحكم البلاد. لهذا نأى بنفسه رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الانتقالي عن تأليف الحكومة الجديدة او الانخراط فيها. لقد طالبه الصلابي سابقاً بالاستقالة «لأنه لا يحظى بإجماع وطني، ولأنه لا يصلح لمنصب رئيس الوزراء».

الشيخ الصلابي، الذي اضطلع بدور مهم في تمويل المقاتلين المعارضين للقذافي وتسليحهم، هاجم جبريل بشدة في تصريح لـ «فرانس برس»، قائلاً «بدأت ملامح دولة استبدادية قادمة تلوح في الأفق يقودها جبريل تعتمد اسلوب تكميم الأفواه بالمال والسلطة». وذهب الشيخ الصلابي الى حد اتهام جبريل بـ «سرقة الثورة».

لقد بدا الصلابي بمثابة المرشد الروحي للثورة الليبية، يدلي بآرائه وتعليماته للثوار بما يصب في خدمة مشروعه الإسلامي، فقد شدد على رئيس المجلس الانتقالي بأن يأخذ بتوصيات العلماء (رئيس مجلس الإفتاء الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني)، وقادة الثوار (عبد الحكيم بلحاج).

في تعليقه على هذه الحادثة، يرى رئيس المجلس المحلي لمنطقة غريان المقرب من الإسلاميين، وحيد برشان، في حديث لوكالة فرانس برس، أن «التيار الإسلامي استطاع بالفعل ان يبعد جبريل... وعلى المجلس الانتقالي ان يقود المرحلة المقبلة ويعيد تكوين نفسه ليمثل ليبيا بالكامل».

غير أن مسؤولاً رفيع المستوى في المجلس الانتقالي يرى أن «المشكلة ليست بين العلمانيين والإسلاميين، انما جبريل يريد أن يقدم الأمور على هذا النحو للعالم»، موضحاً أن «الليبيين مسلمون معتدلون، وليس لدينا متطرفون الا بعض الأفراد». لكن في نظر الكاتب الليبرالي بشير زعبية، أن الخلاف بين التيار الإسلامي وجبريل «لم يبلغ مرحلة الصراع بعد، لكن هناك مخاوف من أن يحدث هذا الأمر».

في مقابل ذلك يرى رئيس المؤتمر الليبي للأمازيغية ذو التوجه الليبرالي، ابراهيم قرادة، في حديثه لـ «فرانس برس»، أن «طريقة تواصل جبريل مع الجميع غير متوازنة وإقصائية، وخصوصاً مع الأطراف الفاعلين في الساحة الوطنية».



الحراثي والسلاح



شخصية أخرى مثيرة للجدل هي مهدي الحراثي أحد قادة الثوار «الإسلاميين» في طرابلس، المقرّب من بلحاج. وقد نشر موقع «الشفاف» الإلكتروني خبراً يفيد أن الحراثي كان في قطر لمدة أيام، ثم رجع إلى ليبيا محمّلاً بملايين الدولارات، حيث بدأ بشراء الدبابات والآليات الثقيلة من الناس.

يبقى السؤال المشروع هنا، لمن يشتري الحراثي الأسلحة وما مصلحة الدوحة في دفع أموال لتيارات إسلامية باتت قوية على الساحة الليبية بفضل أموال الإمارة النفطية؟ المفارقة أن قطر كما وفّقت بين التناقضات دائماً في علاقاتها الدولية ها هي تدعم الطرف ونقيضه في الهضبة الأفريقية.

ربما كان عبد الجليل محقّاً في تقويمه للوضع الليبي هذه الأيام، حين قال إن «الذي عطل الحكومة هو عقلية الليبيين التي تربوا عليها خلال أكثر من 40 عاماً، فالكل يريد نصيبه من الحكومة، جهات مكانية وقبائل، اضافة الى أن هناك مدناً ترى أنها من خلال نضالها الذي نقدره، لها أفضلية».

لكن على ما يبدو أن الجميع، بمن فيهم الليبراليون والقوميون، يتنافسون على ترويج عنوان «الإسلام المعتدل» ليضمنوا حصتهم من الكعكة، فالإسلاميون المتشددون، مثل الجماعة المقاتلة، يستخدمون هذا الشعار لتبييض صفحة قديمة، أما الإخوانيّون، فيتحركون بضمانة قطرية، بينما يسعى الآخرون الى مغازلة الشعب، الذي يتفاعل مع الشعارات الدينية من دون أي دافع آيديولوجي.





--------------------------------------------------------------------------------



تيارات متعددة



يشرح الخبير الفرنسي في شؤون الإرهاب الإسلامي ماتيو غيدار، لقناة «فرانس 24، أن في ليبيا تيارات إسلامية متعددة، وليست كتلة واحدة متجانسة، مشيراً إلى 3 فروع، الأول، التيار الإسلامي التقليدي، وريث الجماعة السنوسية المتصوفة، وهو تيار شعبي لديه نفوذ واسع، وخاصة في شرق البلاد، وكان هذا التيار قد شارك بنشاط في القتال ضد الاستعمار الإيطالي. الثاني هو الفرع الذي تأثر بمواقف حركة الإخوان المسلمين في مصر، لكن شعبيته تراجعت بعد قبوله المصالحة مع السلطة. أما الفرع الثالث، فيضم عدداً من الجهاديين الإسلاميين الذين يؤمنون بالعمل المسلح، وبالرغم من قلة عدد عناصر هذا التيار، غير أنهم أثبتوا فعاليتهم في الميدان في الشهرين الماضيين، يضم الفرع الثالث بين 500 وألف مقاتل، وهو غير مرتفع مقارنةً بأمراء حرب آخرين يقودون مجموعات تتجاوز 1000 رجل. الفروع الإسلامية الثلاثة هذه لا تتفق في ما بينها ولا تنتمي إلى جبهة مشتركة. واضطروا إلى التوافق على مواجهة عدوهم المشترك معمر القذافي.


الأخبار: 5 تشرين الأول 2011

15‏/9‏/2011

زيارات «إعلان النصر» وتقاسم المغانم

يكاد الاحتفال الذي شهدته العاصمة الليبية طرابلس، أمس، بمناسبة سقوط نظام العقيد معمر القذافي، يشبه احتفالات الذكرى السنوية لإنزال النورماندي في 6 حزيران 1944، الذي نفذته القوات الجوية للحلفاء ضد القوات الألمانية النازية على الشاطئ في شمال فرنسا، قبل أن تزحف على العاصمة الألمانية برلين وتقضي على فلول الجيش النازي عام 1945




معمر عطوي


لم يكتمل المشهد الاحتفالي أمس بالنصر على قوات العقيد معمر القذافي في العاصمة الليبية طرابلس، حيث اقتصر على حضور الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، بينما لوحظ غياب الرئيس الأميركي باراك أوباما، ورئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، إضافة الى أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني. زعماء يمثلون الدول التي تصدّرت عملية تنفيذ القرار الدولي بحظر جوي فوق ليبيا.






حفل الانتصار بدا مبتوراً إن لم يكن فاشلاً، حيث أعلن رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل أن الحديث عن النصر لا يزال مبكراً طالما أن هناك جيوباً أساسية لا تزال تخضع لكتائب العقيد القذافي. الرئيس الفرنسي، الذي حضر برفقة وزير خارجيته آلان جوبيه، يأتي الى طرابلس وعينه على الانتخابات الرئاسية في العام المقبل، لعله أدى قسطه للعلى بحق الناخب الفرنسي فصدق بوعده في انهاء العملية في ليبيا بسرعة (سبعة اشهر على بدء الانتفاضة)، وبدأ يستعد لتوقيع اتفاقات استثمارية وتجارية قد يكون له فيها حصة الأسد، التي سترتد ايجاباً على الاقتصاد الفرنسي، الذي يئن تحت ضغوط الأزمة. ساركوزي بذل جهداً غير طبيعي في محاولته لمحو خطيئة وزيرة خارجية بلاده السابقة ميشيل إليو ماري التي عقدت صفقة مع النظام المخلوع في تونس لمساعدته على قمع الثوار هناك، ولعله بالغ في دعمه للثوار حين خالف القرار 1973 وزوّد الثوار بالأسلحة.


أما كاميرون، الذي أصيب بالإحراج بعدما فاحت رائحة الفساد من حكومته بسبب محاولة سابقة لبيع نظام القذافي أسلحة، من بينها بنادق قناصة قبيل بدء الثورة، فقد أتى الى العاصمة الليبية مصحوباً بقرار حكومي صدر في لندن يقضي بصرف 600 مليون جنيه استرليني (942 مليون دولار أميركي) من الأموال الليبية المجمدة لصالح المجلس الوطني الانتقالي.


لعل «تاريخية» الزيارة كما وُصفت، نابعة من كونها الزيارة الأولى لمسؤولين أجانب رفيعي المستوى الى طرابلس منذ سقوط العاصمة بأيدي الثوار في 23 آب الماضي. إضافة الى أن هاتين الدولتين، الى جانب الولايات المتحدة، كانتا من بين الدول السباقة الى تنفيذ عمليات عسكريّة في ليبيا باسم «فجر الأوديسة» قبل تسليم المهمة لحلف شمال الأطلسي تحت اسم «الحامي الموحد».


في أي حال لقد قدم الزعيمان، الأنكلوسكسوني والفرنكفوني، على نحو احتفالي مدروس جداً لحضور حفلة تقاسم الكعكة النفطية الليبية، وقد صدقهما مضيفهما عبد الجليل القول حين خصّ «الحلفاء والأصدقاء» بأن لهم الأولوية في عقود النفط، وبأن «كل من ساعد ليبيا سيكون له الأولوية في جميع الميادين، لا في قطاع الطاقة والنفط فحسب».


الزعيمان الأوروبيان حرصا على تذكير الليبيين بأن الحاجة إلى حلف الأطلسي لم تنته بعد، ففيما حذّر سيد الإليزيه من خطر القذافي لما «يمتلكه من أموال وذهب»، كرّر سيد الداوننغ ستريت معزوفة التحذير من التشدد الإسلامي. مع ذلك حرص ساركوزي وكاميرون على إضفاء طابع انساني على زيارتهما «التاريخية» بزيارة مستشفى طرابلس ومعايدة بعض جرحى الحرب، وفي تأكيد على عمق العلاقة مع السلطة الانتقالية (المعارضة السابقة) توجها الى بنغازي أيضاً.


«ضربات الأطلسي ستستمر طالما هناك خطر على الليبيين»، هذا ما أكده ساركوزي بحضور كاميرون وعبد الجليل، والرجل الثاني في المجلس الانتقالي محمود جبريل، في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس، متظاهراً بأن تدخّل بلاده في الأزمة الليبية جرى من دون مطامع، حيث ليس هناك «عقود أو اتفاقيات قد وقعت مع ليبيا في ما يتعلق بثرواتها.. وكل ما فعلناه لإنقاذ الشعب الليبي، كان علينا فعله من باب تحقيق العدالة» .


أما كاميرون، فقد أدّى دور الشهم الذي يأخذ على عاتقه مساعدة الليبيين في القضاء على القذافي، بقوله «الأمر لم ينته... سنساعدكم على العثور على القذافي وتقديمه إلى العدالة». وأضاف الرجل، الذي شاركت قوات من بلاده في عمليات تجسس واستطلاع على الأراضي الليبية، وفق ما ذكرت تقارير استخبارية عديدة وصحف بريطانية، «نحن على استعداد لتقديم العون، لكن نريد أن نعرف ما هو أهم شيء تريدونه منا... هذه هي اللحظة التي يمكن ان يتحول فيها الربيع العربي إلى الصيف العربي، ونرى الديموقراطية تزحف إلى دول أخرى أيضاً».


المفارقة أن التحذير من بقاء القذافي حراً، الذي بدت الدول الغربية قد اتخذته ذريعة لاستمرار تدخلها وعملياتها في الهضبة الأفريقية، قد دعمه تصريح للمتحدث باسم القذافي موسى ابراهيم، الذي أكد استمرار القذافي في القتال.


أما الحضور الأميركي، ورغم غياب أي مسؤول رفيع عن هذا الحفل «النورماندي»، فقد كان بمثابة المايسترو الذي يدير الأمور من خلف الكواليس. فالمساعد الأقوى لوزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان، الذي أصبح خبيراً في دس أنفه في كل قضية من قضايا الشرق الأوسط، بدأ الحفل على طريقته منذ أول من أمس، حين زار طرابلس واضعاً نقاط التحليل الأميركي على حروف التطورات الميدانية الليبية. فكما كان لفيلتمان ذلك الدور الخفي في مباشرة الهجوم على طرابلس عشية سقوط باب العزيزية، حين اجتمع بالمعارضة السابقة في معقلها ببنغازي، جاء الى طرابلس عشية الاحتفال بالنصر وتقاسم الكعكة الدسمة، ليعطي الإشارة بالتحرك نحو الخطوات التالية.


فيلتمان الذي جاء لينفي أي وجود عسكري لأميركا في ليبيا، دخل من باب حماية الأسلحة غير التقليدية التي لا تزال بحوزة الليبيين، فكما تذرع البريطانيون والفرنسيون بخطر استمرار وجود القذافي وبعض كتائبه طلقاء، وبخطر تنامي التيارات الدينية كمسوّغ لتدخل عسكري أرضي مفترض في أي لحظة على الأراضي الليبية، جاء مساعد وزير الخارجية الأميركية ليتحدث فقط عن «القوات الأميركية الموجودة الآن على الأراضي الليبية(هي) لتوفير الحماية لأفراد البعثة الدبلوماسية وتأمين السفارة الأميركية وحمايتها فقط»، لكن هذا لا يعني أن أي تدخل مستقبلي سيكون من باب «توفير الخبرات الفنية لليبيين والتعاون معهم لحماية مواقع الأسلحة غير التقليدية».


في نفس السياق، كان حديثه عن «صعوبة المهمة» التي أوكلت لقوات الأمن والشرطة، مكملاً للإيحاء بحاجة ليبيا الى خبرات بلاده العسكرية والأمنية، مجدداً التزام واشنطن بـ «مواصلة العمليات العسكرية مع حلف شمال الأطلسي، طالما الأمر يتطلب ذلك لحماية المدنيين الليبيين».


لقد بدا جلياً أن لدى أميركا جدولاً لمحاولة تطويق السلطة الليبية الواعدة بذريعة المساعدة في صد مخاطر القذافي الطليق ومحاربة الإسلاميين المتنامين في المنطقة. لعل ما ذكره مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأميركية من أن الجماعات «الإرهابية» تحاول تأسيس وجود طويل الأمد لها في ليبيا، يصب في هذا الإطار.


هذا التصريح الذي نقلته شبكة «سي إن إن» الأميركية عن المسؤول، يتضمن أن الجماعات «الإرهابية تعمل على نحو آمن على المدى القصير، لكنها تحاول إيجاد موطئ قدم لها وإنشاء شبكة داخلية على المدى البعيد».


لعل التحذيرات التي خففت من دوي الاحتفال بالنصر ترسم مستقبلاً باهتاً للثوار، الذين ربما يجدون أنفسهم أمام اتفاقيات أمنية سرية مع أجهزة الاستخبارات الغربية بحجة مقاتلة القاعدة في دول المغرب الإسلامي والصحراء الكبرى.


ولعله في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن قادة الثوار الإسلاميين الذين ساهموا في تحرير طرابلس، فرغم نأي هؤلاء بأنفسهم عن التطرف واعترافهم بإجراء مراجعات لأفكارهم التكفيرية السابقة، لا تزال واشنطن تعتقد بوجود عناصر من هذه الجماعات في المجلس الانتقالي الليبي «على الأرجح» كما قال المسؤول الذي رفض الكشف عن هويته.


يبقى الغائب الأبرز عن احتفال النصر رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، الذي فضل أن يكون مسك ختام الزيارات، حيث سيكون اليوم في طرابلس. وزيارة الزعيم التركي، الأطلسي المسلم العلماني، لها رمزية خاصة لدى الشعب الليبي، فمشاركة أنقرة في عملية «الحامي الموحد» كانت بمثابة الضمانة الإسلامية لعدم خروج العملية عن أهدافها المرسومة في حماية المدنيين، ومنع قصف مواقع مناهضي القذافي بالمدفعية، مع انها خرجت عن أهدافها مرات عديدة. فرغم تردد تركيا في البداية من المشاركة ومحاولتها اعطاء وقت للقذافي للحوار مع المعارضة، عادت لتشارك بقوة لدرجة أنها اصبحت من الدول الصديقة التي خصها عبد الجليل بحظوة في مجال الاستثمارات النفطية والعقود التجارية.


لقد كان رئيس السلطة الانتقالية في ليبيا واضحاً حين وصف أردوغان بأنه «شخصية مختلفة، فمقاربته تجاه المسلمين وردّ فعله على حصار غزة وموقفه من الحرب على لبنان والمجاعة في الصومال، أثارت اهتمام المسلمين الذين يقدّرون أردوغان فهو بتصرفاته، قد أضاف شيئا إلى شجاعة العثمانيين». وفي سياق حديثه عن مصالح تركيا في ليبيا، أكد عبد الجليل، الذي قال إن زيارة اردوغان اليوم الى طرابلس ستكون «تاريخية»، أن «عقود الشركات الليبية الموقعة خلال حكم القذافي ستكون صالحة في الحكم الجديد».


ربما كانت الدولة الاستعمارية السابقة لليبيا أيضاً من الرموز التي أدّت دوراً لافتاً في الأزمة الليبية، من دون أن تكون حاضرة في حفل تقاسم الكعكة. لقد اكتفت إيطاليا بأن يكون سفيرها الجديد الى طرابلس، جوزيبّي بوتشّينو، «أول سفير يحظى بموافقة سلطة المجلس الوطني الانتقالي».


لم تنته الاحتفالات بنصر لم يتم طالما أن السيطرة على جيوب سرت وبني وليد وسبها والقضاء على القذافي ورجاله لا تزال غير محققة، لذلك جاءت صورة احتفالات طرابلس نسخة غير كاملة عن احتفالات النورماندي، التي لا تزال محل مباهاة الحلفاء، رغم مرور اكثر من نصف قرن على حدوثها. مع الإشارة إلى أن ليبيا ليست ألمانيا.






14‏/9‏/2011

النفط الليبي: الرهان الباقي للجمهوريّة الجديدة

تبذل السلطة الانتقالية الليبيّة جهوداً مضنية من أجل تسريع وتيرة الإنتاج النفطي بغية تأمين إيرادات للحكومة الجديدة. مرحلة صعبة تحتاج إلى أموال كثيرة لتغطية نفقات الحرب وتعويضات الإصابات واللاجئين، فضلاً عن إعادة إعمار ما تهدّم من بيوت ومنشآت، أبرزها النفطية، الأمر الذي يتطلّب أكثر من 200 مليار دولار، في بلد لا يملك سوى مصادر الطاقة






معمر عطوي


إذا كانت الحرب الليبية، التي اندلعت بعد انتفاضة 17 شباط، قد كلّفت الاقتصاد 50 مليار دولار في خمسة أشهر، فإن الأموال المجمّدة للحكومة الليبية في الخارج، التي بدأ الإفراج عنها بالقطّارة، لن تكفي لدفع رواتب الثوار والموظفين وتغطية مصاريف إعادة الإعمار وإعادة عجلة الاقتصاد والخدمات الأساسية إلى المواطن. فضلاً عن فواتير حلف شمال الأطلسي الباهظة، التي تشمل تكاليف طلعات الطائرات وتحريك السفن وأجور الجنود، وأثمان القنابل الذكية والغبية إلخ.






فواتير هائلة من إرث الحرب تجثم على ظهور المسؤولين في السلطة الانتقالية، كان لا بد من تسريع الخطى لإصلاح ما تضرّر من منشآت ومصاف ومعدّات خاصة بإنتاج وضخ النفط والغاز. وإذ يحاول المجلس الوطني الانتقالي الليبي جاهداً بالتعاون مع دول صديقة بدء الإنتاج، حتى لا يبقى طويلاً تحت رحمة الديون الخارجية، أعلن رئيس الوزراء الليبي المؤقت محمود جبريل الأحد الماضي (12 ايلول2011) أن ليبيا استأنفت إنتاج النفط في الشرق، متعهداً استئناف تشغيل مزيد من الحقول في الغرب «في المستقبل القريب».


وبقدر ما سيخدم تسريع وتيرة العمل على الإنتاج النفطي الشعب الليبي، فإنه أيضاً حاجة ملّحة لدول الغرب، وخصوصاً أنها على أبواب الشتاء وتحتاج الى كميات من الغاز للتدفئة.


الأهم من ذلك ثمة مشكلة حقيقية ناجمة عمّا يسببه استمرار انقطاع النفط الليبي عن الأسواق من خلل في ميزان الأسعار والعرض والطلب، فيما لو أوقفت دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تعويض النقص الناتج عن توقف النفط الليبي. فليبيا التي تملك أكبر احتياطيات من النفط الخام في أفريقيا، كانت تبيع نحو 85 في المئة من صادراتها إلى أوروبا قبل انتفاضة شباط التي أطاحت حكم العقيد القذافي.


لذلك تتأهب الشركات النفطيّة الأجنبية لاستئناف عملها في الحقول الليبية، فيما تتأهب شركات أخرى تابعة للدول التي شاركت في عملية «الحامي الموحد» لحلف شمال الأطلسي في الهضبة الأفريقية، للتمتع بامتيازات جديدة كعربون «وفاء» لوقفة دولها مع الثوار في عملية إطاحة نظام القذافي.


لهذا حصل، على خلفية هذا الموقف، لغط بخصوص اتفاق، نفته كل الجهات المعنية، عن تسهيلات سيقدّمها المجلس الانتقالي الليبي إلى شركات فرنسية مقابل وقوف باريس مع الثوار ضد النظام. ورغم أن المجلس الوطني أعلن البقاء على الاتفاقات القديمة مع الشركات الأجنبية حتى انتهاء المرحلة الانتقالية، فإن الواضح في هذا المجال هو خسارة الشركات الروسية والصينية امتيازات كبيرة بسبب مواقفها السلبية تجاه الثوار الليبيين، لكن على المستوى الإيطالي، والبريطاني والفرنسي والتركي، وربما القطري والأميركي، سيكون الوضع مختلفاً في ظل العهد الجديد، إذ إن مشاركة هذه الدول باتت حتمية وبقوة. ولعل الدولة الاستعماريّة السابقة للهضبة الأفريقية، إيطاليا، هي السباقة اليوم للبدء بمشاريع الانتاج. فقد أعلن الرئيس التنفيذي لمجموعة النفط الايطالية إيني، باولو سكاروني، لوكالة «رويترز»، خلال زيارته لطرابس الأسبوع الماضي، أن الشركة تسعى إلى استئناف تصدير الغاز من ليبيا إلى إيطاليا عبر خط أنابيب غرين ستريم بحلول تشرين الأول أو تشرين الثاني المقبلين.


وبحكم العلاقة المتينة والحميمة التي جمعت بين العقيد المخلوع معمر القذافي ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني، فقد حظيت إيطاليا برلوسكوني بحصة الأسد من الانتاج الليبي في النفط والغاز، الذي يصل من مليتة في ليبيا إلى جزيرة صقلية في جنوب إيطاليا بأنابيب بطول 520 كيلومتراً؛ هذه الأنابيب توفر نحو 12 في المئة من احتياجات إيطاليا من الغاز. أما النفط، فتستورد روما نحو 32 في المئة من انتاج ليبيا، بما يوازي 25 في المئة من واردات ليبيا.


الحظوة الإيطالية كانت واضحة، فقبل اندلاع الانتفاضة كانت شركة ايني، المملوكة للدولة الإيطالية، هي أكبر شركة نفط أجنبية في ليبيا. ويبدو أنها لا تزال تراهن على الاستمرار في ذلك، فقد أكد وزير الخارجية الإيطالي، فرانكو فراتيني، مطلع الشهر الحالي أن إيطاليا «ستحتفظ بموقعها كأول منتج للمحروقات» في ليبيا.


أما فرنسا، التي تستورد 15 في المئة من حاجياتها النفطية من ليبيا، فقد تصبح هي صاحبة الحصة الأكبر من الكعكة في مرحلة ما بعد القذافي، نظراً «إلى نخوتها» الزائدة في «الدفاع عن الشعب الليبي» من خلال تشديدها على صدور القرار 1973 في آذار الماضي، الذي يقضي بفرض حظر جوي فوق ليبيا؛ جهزت فرنسا 75 طائرة من نوع «ميراج 3» «ورافال» و«ميراج 4» لتدمير الثكن العسكرية التابعة للعقيد القذافي، وضرب شبكات الاتصال والقواعد الجوية والقوات البرية خاصة.


ففرنسا، التي تريد السيطرة اقتصادياً على شمال أفريقيا، من ليبيا الى المغرب الى الجزائر وتونس، لتأمين مصادر الطاقة على مدى عقود طويلة، قد تزاحم الولايات المتحدة على المصالح في الهضبة الأفريقية، لكن الخاسر الأكبر سيكون حلفاء ليبيا القدامى، الصين وروسيا، اللذين رغم اعترافهما تدريجياً بالمجلس الوطني الانتقالي وتعاونهما معه بعد فترة من تأييد النظام، لن يعود لهما العز الاقتصادي الاستثماري الذي تمتعا به في مرحلة سلطة الكتاب الأخضر.


بيت القصيد يكمن في وضع الدول التي عوّضت نقص النفط الليبي في الأسواق الغربية خلال توقفه عن الضخ نحو ثمانية أشهر، والمقصود من ذلك السعودية بالدرجة الأولى. فقد أشارت صحيفة «الحياة» السعودية إلى أن «غياب النفط الليبي في الأشهر الماضية أدى إلى ارتفاع الأسعار العالمية للمادة، بحيث وصل سعر «برنت» إلى نحو 127 دولاراً للبرميل، وانخفض السعر تدريجياً إلى نحو 110 دولارات للبرميل، لسببين رئيسين: قرار السعودية ودول خليجية أخرى (الإمارات والكويت) زيادة الإنتاج وتزويد الأسواق بما يُمكن من النفط المشابه في النوعية للنفط الليبي الخفيف. وانخفضت الأسعار أيضاً بسبب الحسم العسكري السريع في طرابلس الغرب. ويمكن إضافة أسباب أخرى مؤثرة في الأسواق مثل أزمة الديون الأوروبية، ووهن الاقتصاد الأميركي بسبب معدلات البطالة العالية، ما أدى إلى انخفاض الطلب على النفط في الدول الصناعية الغربية حالياً».


ويبدو أن السعودية هي المتأثر الأكبر سلباً بعودة النفط الليبي الى الأسواق، فقد بينت الأرقام أن المملكة الخليجية ضخت في أسواق النفط العالمية 1.68 مليار برميل في الثمانية أشهر الأولى من 2011 بقيمة 678 مليار ريال، بينما أكد خبراء اقتصاديون لصحيفة «الرياض» السعودية أن معاودة ليبيا لإنتاجها ستقلّص من إجمالي إنتاج الأوبك الحالي. وهذا بدوره سينعكس نسبياً على إنتاج السعودية، إذا ما كان الهدف المحافظة على استقرار سعر «نايمكس» في نطاق 90 دولاراً.


وينقل فهد الثنيان، في تقرير نشره في «الرياض»، عن مؤسسة «oil movements» الاستشارية البريطانية، أن منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) فشلت في الاتفاق على زيادة الإنتاج في حزيران الماضي، لكن السعودية، أكبر مُصدّر في المنظمة، قالت إنها ستوفر كل احتياجات المستوردين وزادت إنتاجها، لكن رغم هذا التعويض بقي إنتاج «أوبك» أقل من مستواه قبل عام بسبب انقطاع الإمدادات الليبية. وتنقل الصحيفة السعودية عن عضو جمعية اقتصادات الطاقة الدولية، فهد بن جمعة، قوله إن هذا التطور إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الفائدة التي جنتها السعودية من جراء الأزمة الليبية، مصداقاً للحديث القائل «مصائب قوم عند قوم فوائد».


بن جمعة يرى أن معاودة ليبيا لإنتاجها ستقلص من إجمالي إنتاج الأوبك الحالي، الذي تجاوز 30 مليون برميل يومياً، وبزيادة قدرها 5.2 ملايين برميل يومياً عن سقف إنتاج الأوبك البالغ 24.845 مليون برميل، تنتجها 11 دولة أعضاء في المنظمة، ليحل محله إنتاج ليبيا. على أي حال، ستعمد السلطة الليبية بعد ترسيخ أقدامها إلى توطيد مصالحها مع كل دولة من الدول التي ساهمت في القضاء على نظام القذافي، لكنها في الوقت نفسه لن تدير ظهرها للدول الأخرى التي لم تطل الأمد في مسيرة انعطافتها نحو الثوار، مثل تركيا، أو تلك التي استلحقت نفسها في الأيام الأخيرة مثل روسيا والصين.


لقد عبّر المسؤول في لجنة إعادة الاستقرار التابعة للمجلس الانتقالي، عارف علي النايض، في حديث أدلى به في باريس مطلع الشهر الحالي، عن رغبة ليبية في تنويع الشركات التي ستعمل في حقول بلاده لانتاج الطاقة. وقال «أعتقد أن خمس شركات على الأقل عادت. تلك التي لها بنية تحتية قائمة منذ ما قبل الثورة». وقد أرسلت هذه الشركات طواقم وفرقاً متقدمة لإعادة تشغيل المصفاة في رأس لانوف في الشرق، أو البنية التحتية للغاز التابعة لإيني (الايطالية) في مليتة.


وفي محاولة لطمأنة الشارع الليبي، بدا المجلس الانتقالي كأنه يلعب لعبة الوقت الضائع في موضوع النفط واستثماراته، لذلك كانت معظم تصريحات المسؤولين في السلطة الانتقالية الحالية، تركّز على بقاء العقود السابقة كما هي، ريثما تؤلّف حكومة جديدة أصيلة بعد 8 أشهر من السيطرة التامة على جيوب كتائب القذافي، وإنهاء موضوع العقيد الهارب.


ولعل نفي رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل وجود «اتفاقات او عقود أو وعود» تتعلق باستغلال النفط الليبي من قبل شركات فرنسية يصب في هذا السياق، وخصوصاً بعدما تزايد الحديث عن استغلال وابتزاز قد تلجأ إليه الدول الكبرى للحصول على حصص كبيرة مقابل ما دفعته من أموال للعملية العسكرية والمساعدات الإنسانية وغيرها من دعم لوجستي للثوار والسلطة الانتقالية الليبية الحالية.


لقد كان عبد الجليل صارماً في ردّه على ما ذكرته صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية عن اتفاق بين فرنسا والمجلس الانتقالي تمنح بمقتضاه الشركات الفرنسية حصة 35 في المئة من النفط الليبي، فبعد نفي شركة توتال المعنية المباشرة، ونفي الحكومة الفرنسية، قال عبد الجليل «لو كان لدى أي وسيلة إعلام ما يفيد بذلك فعليها إطلاعنا، إذ إن ذلك يقع تحت طائلة اتهامات الفساد الواجب إطلاعنا عليها». بل ذهب أبعد من ذلك حين قال «ثمة حديث عن فساد في مؤسسات وطنية، وهي أفعال مرفوضة رفضاً باتاً إذ تأتي بينما نخوض حرباً». وأضاف «سنحقق فيها، وإذا ثبتت فسنعلن على الملأ أسماء الأشخاص وأفعالهم وسيعاقبون أمام محكمة جنائية». لقد وعدت السلطات الليبية الجديدة في السادس من أيلول الحالي وفداً من الاتحاد الأوروبي باحترام الالتزامات، وبـ «استمرار» العمل في العقود الموقعة في عهد القذافي. وخلال زيارة وفد من الاتحاد الأوروبي الى طرابلس «كانت الرسالة هي استمرارية الأعمال»، حسبما ذكر دبلوماسي أوروبي تابع الاجتماعات بين الجانبين. كذلك أكد محاورو الوفد الأوروبي أنهم سيحترمون تعهداتهم وأن «العقود الموقعة في عهد القذافي ستجدد وستستمر ولن تنقض أو تلغى».


إلا أن تصريح المدير العام لاتحاد أرباب العمل الفرنسي، تييري كورتيني، الذي يمثل مصالح كبرى الشركات الفرنسية في الخارج عن تكلفة إعادة بناء ليبيا، التي تقدر بنحو 200 مليار دولار على الأقل على مدى عشر سنوات، يتخوف من عدم نيل فرنسا ما «تستحقه» من صفقات في ليبيا، لقاء مشاركتها القوية في عملية «الحامي الموحد»، ومن قبلها «فجر الأوديسيه».


مجمل القول إن التحديات التي تواجهها السلطة الليبية الواعدة لن تكون سهلة، والمخاطر من هيمنة سياسية استعمارية على القرار أيضاً واردة، وخصوصاً حين نجد أن فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، قد استرسلت وأمعنت في التدخل بخطط الثوار العسكرية والسياسية، وجندت عناصر تجسس وعناصر من القوات الخاصة لمساعدة الثوار على ملاحقة فلول النظام السابق.


على الأقل لا بد من النظر الى الدور الفرنسي، الذي حلّق عالياً في سماء الهضبة الأفريقية حتى بات يتصرّف مع القضية الليبية على غرار «أم الصبي». لقد أصبحت قضية إعادة إعمار ليبيا في أيد «أمينة»، بعدما أعطى المجلس الانتقالي ثقته بشخصيات أميركية وفرنسية، بدءاً من مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان، الذي أشرف ميدانياً على معركة تحرير طرابلس، مروراً بالسيناتور الصقر الجمهوري جو بايدن، وصولاً الى الفيلسوف المتصهين هنري برنار ـــــ ليفي، الذي كان يزور مواقع الثوار الاستراتيجية ويطّلع على خططهم العسكرية. ثمة تحديات كبيرة أمام الليبيين مالياً، رغم بدء الإفراج عن الأموال المجمّدة في الخارج، التي تتجاوز الـ 165 مليار دولار، فما تحتاج إليه جمهورية الثوار الجديدة لا يقل عن 200 مليار دولار، في وقت تبقى فيه المراهنة الأساسية على إنتاج النفط وبيعه في بلد لا يملك سوى مصادر الطاقة.










--------------------------------------------------------------------------------






1,6 مليون برميل يومياً






كانت «الجماهيرية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى» تنتج نحو 1.6 مليون برميل يومياً من النفط الخام الخفيف، مقارنة بإنتاج دول منظمة «أوبك البالغ» نحو 30 مليون برميل يومياً، ومجمل الإنتاج العالمي، الذي يبلغ نحو 89 مليون برميل يومياً. وكانت تستهلك نحو 300 ألف برميل يومياً، ما يعني أن صادراتها إلى الأسواق الدولية تبلغ نحو 1.3 مليون برميل يومياً. ومع أن إنتاج ليبيا لا يمثّل نسبة مهمة من الإنتاج العالمي، إلا أن المراقبين ينظرون الى خطورة المسألة من منظار الأسواق، فبحسب مقال للمستشار النفطي وليد خدوري في جريدة «الحياة» بتاريخ 4 ايلول الحالي، يتّضح أن الأسواق لا تتعامل مع حجم إنتاج دولة نفطية فقط، «بل هي تتأثر أيضاً باستمرارية تدفق النفط الخام، مهما كان حجمه، وعدم تعرضه لهزات قد تؤدي إلى توقف تصديره، أو إلى نقص في الكميات الممكن تصديرها، وما هي فترة الانقطاع أو الانخفاض، وكم هي الفترة التي تحتاج إليها الدولة لإعادة مستوى تصديرها إلى المعدلات السابقة. وتتأثر أيضاً بوجهة تصدير نفط الدولة المعنية، ومدى إمكان تعويض النقص بإمدادات مشابهة لنوعية النفط المفقود. وفي حالة ليبيا فإن نفطها من النوع الخفيف».






“حب خارج البرد” لكامل صالح… حين تحوّل الشاعر إلى شريحة الكترونية




حين بدأ كامل صالح في كتابة روايته، “حب خارج البرد”، كان قد وصل لتوه الى مدينة جدة، حيث عمل محرراً في صفحة ثقافية بجريدة يومية. يومها حاول يائساً أن يألف “العيش خارج الحياة”، كما كان يحكي عن العيش في بلد محافظ لا يشبه لبنان.



ويبدو أن اختبار صالح للحياة هناك لمدة زادت عن عشر سنوات، جعله يغيّر من بنية روايته التي كان يرجّح تسميته “خارج الحياة”، لتصبح










صورة الغلاف و...الشريحة الكترونية


عالماً افتراضيّاً نسجه خياله لطريقة في العيش قد تكون واقعاً بعد عقود من الزمن.






فالزلزال الذي ضرب بيروت في ذلك الزمن الافتراضي، أثناء عودة بطل الرواية، “كاف” أو “ابن الماء”، كما يسميّه صالح، من السعودية الى لبنان عبر القطار، قد غيّر مسار الأحداث في انعطافة جذرية، من زمن الإنسان المحب الشاعرالى زمن الإنسان الشريحة الالكترونية الآلة.






ربما حاول صالح أن يستشرف مستقبل تحوّل الألينة الى أداة تدمير تعيد تشكيل الحياة وفق رؤية جديدة وصورة جغرافية مختلفة، بفعل عوامل زلزال يضرب بيروت فيعيد تشكيل تضاريسها وفق صورة أخرى، وأنماط معيشية وأنساق علائقية غريبة.






في بحثه الدؤوب عن حبيبته القديمة هند، واستعراض ذكرياته الطويلة ومواقفه اللطيفة مع شريكة العمر، يحاول الدكتور صالح أن يؤكد نظرته الى المستقبل وفق رؤية إنسانية مليئة بالحب، رافضاً استلاب الأنسنة من خلال عوامل الألينة، رافعاً الخطاب الإنساني الى أوج قوّته وحيويته. لعله في تركيزه على مسألة “ابن الماء” قد ربط بين العالم الافتراضي/ الاستشرافي، الذي يتخيّله بهاجس من القلق والتوتر، وبين التاريخ بما يحمله من تراث إنساني عريق، فاستحضر القرآن في مسألة حيوية المياه “وجعلنا من الماء كل شيء حي”. وتكررت أهمية الماء كعامل خلق وتوليد ونهضة واحياء.






من هنا يسترشد الى عالم مصري يقوم بخلق هند من خلال شريحة هند الأصلية. لكن هذا العالم، الذي يعيش الانفصام بين الايمان بخالق للبشر وبين قيامه بمهمة الخلق، يعيد هند الى الحياة طفلة، وليست إمرأة. هنا تبدأ مرحلة التوتر أو العقدة الروائية، حيث تصبح هند بمثابة ابنة لكاف وليست حبيبة وزوجة كما كان يتذكّرها، ما يجبره على التصالح مع هذا التحول في البناء العلائقي بينه وبين هند الطفلة، التي يربيّها ويزوجها الى شاب يحبها في نهاية المطاف.






أمّا بيروت في هذا العالم الافتراضي، فهي المركز الذي يعتبره كاتب رواية “جنون الحكاية” أجمل المدن، الدرة التي فقدت بريقها ورونقها التي تعدّ آيات في فن العمارة تداعت وسقطت ولم يبق فيها جدار واقف.






لعل صالح، وهو صاحب ديوان “كناس الكلام”، استفاد من أدواته الشعرية في صياغة روايته الصادرة حديثا عن دار الحداثة، بأسلوب شعري جميل دمج من خلاله قوة التعبير بجمالية السرد. الأمر الآخر هو محاولته ترسيخ الانفعالات الإنسانية من حب وخوف وأمل. لذلك يأتي فعل التذكر بمثابة غصّة أو حرقة على عالم متلاشِ بفعل انحسار القيم الانسانية وسيطرة التقنية، لذلك تكون حياة ابن الوزير الذي مات بنوبة قلبية، كمصير ابن الماء الذي يبكي على ضفة النهر.




أخبار بووم: 14 ايلول 2011

الدب الذي قتل صاحبة - أخبار بووم

 


 
معمر عطوي






تشبه قصة النظام السوري مع المجموعات المسلّحة قصة ذلك الرجل الذي كان لديه دب يهتم به ويدلله ويلعب معه حتى جاء ذلك الوقت الذي تحولت فيه اللعبة الى مأتم، فقد بالغ الرجل في المزاح مع دبّه حتى قام الأخير بالجلوس عليه وقتله.


هذا ما فعله النظام السوري مع المتسللين إلى العراق لمقاومة الاحتلال الأميركي أو حتى لقتل الشيعة، فقد كانت مصلحة دمشق الهاء الاحتلال الأميركي في بلاد الرافدين وجعله في حال من اللاتوازن حتى لا يتفرغ لاستكمال خططه الجيوستراتيجة للمنطقة وينقضّ على سوريا.


اللعبة نفسها مرّت بها مصر والسعوديّة والأردن والكويت وباكستان وكل من ساهم من قبل في رفد المجاهدين الأفغان بالمقاتلين لوقف زحف الشيوعية الآتية مع الغزو السوفياتي لجنوب شرق آىسيا.


انقلب السحر على الساحر وجلس الدب على قلب صاحبه فقتله وهذا ما يحدث في الكثير من الدول التي نمّت الإرهاب وحضنته فارتد على قياداتها.


المفارقة أن النظام السوري وحتى وقت ليس ببعيد لم يكن لديه ما يتباهى به من انجازات على الصُعد الوطنية والقومية سوى الأمن والاستقرار. فبذريعة الحفاظ على الأمن واصل النظام العمل بقانون الطوارئ فحرم مواطنيه من نعمة الديموقراطية وممارسة الشؤون السياسية بحريّة بعيداً عن «قيادة» حزب البعث، وبذريعة الحفاظ على الاستقرار منع الصحافة الحرة والأحزاب وأقفل جبهة الجولان بوجه صاحب كل نخوة أراد ممارسة حقه في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لهذه المنطقة السوريّة، وتنازل عن لواء الاسكندرون وكليكيا وجزء كبير من الأراضي التي احتلتها تركيا منذ الثلاثينات.


وبذريعة حفظ الأمن والاستقرار كرّس ما تبقى من عائدات نفطية لصالح العسكر ومن خارج موازنة الدولة. وتبين في النهاية أن الانجاز الوحيد الذي قدّمه نظام آل الأسد للشعب السوري مجموعات «إرهابيّة» يدّعي أنها تقتل على الهويّة وتعيث في الأرض فساداً، لكنه نسي أن يقول أنه هو من نظّم وكرّس ودعم هذه الجماعات حتى صارت دباً لا يمكن التحكم به. الأنكى من ذلك أن هذا الدب بات يتكلم بما هو حق شرعي للمواطنين السوريين.






 
 
 
 
أخبار بووم: 14 ايلول 2011

12‏/9‏/2011

"يرقص كفراً" لنعيم تلحوق: شغف بالأنثى… يبدأ بها وينتهي معها



 معمر عطوي







جميلة هي اللعبة التي يتقنها الشاعر نعيم تلحوق في مسلسل أعماله الذي بدأ العام 1986 مع “قيامة العدم” من دون ان ينتهي مع “يرقص كفراً”، اذ يلفت انتباه القارئ إلى هذا السياق الفريد في اختيار عناوين دواوينه.






يبدأ الكاتب باكورة أعماله بتأنيث العنوان، “قيامة العدم” ويواصل على المنوال نفسه، هي القصيدة الاخيرة متحولاً الى صيغة التذكير، “لكن… ليس الان” و”وطن الرماد” و”هو الاخير”، مطلقاً على هذه اللعبة “المخاطرة النصية الاولى”.






أما “المخاطرة النصية الثانية”، فتبدأ بصيغة التذكير مع ديوان “أظنه وحدي” ثم يغني بوحاً لـ “يرقص كفراً”، على ان يختم هذه “المخاطرة” بعنوانين آخرين بصيغة الانثى، حسبما يقول في حديث خاص.






اللافت هنا أن مخاطرات تلحوق تبدأ مع الانثى وتنتهي معها، وهو الشغوف بالأنثى ان كانت أماّ او زوجة او حبيبة او ربما ابنة. لذلك كان إهداء ديوانه الاخير الى والدته “التي صرخت جرحها، قبل أن تأخذ الرحمة أنفاسها: قتلوك يا ولدي”.






المتابع لقصائد تلحوق في ديوانه الأخير، يلاحظ تشابه اسلوبه الشعري على مدى ما يقارب ربع قرن، لجهة السياق والصور المستخدمة والمؤثرات التاريخية والمنحى الصوفي.






من “قيامة العدم” حتى “يرقص كفراً”، لم يتغير نعيم تلحوق، الا في ما يمكن ان يشحذه من صور جديدة حملتها تطورات العصر وتحولات السياسة وتغيرات المجتمع. امّا الاسلوب فلا يزال على حاله، والرسالة السياسية والفكرية التي يستهدف ايصالها هي هي.






يدمج نعيم في ديوانه بين الرؤية الفكرية والموقف السياسي ونظرة جمالية تحمل احساس ذلك الكاتب الصلب، الذي يرّق قلبه امام حنان امه وترهف مشاعره أمام انثاه، ليصبح ذلك العاشق الذي يرقص كفراً أمام عظمة الجمال، ويتمرد على تابوهات المجتمع والدين معطياً لتعابيره جرأة الكاتب ورهافة الشاعر وموقف السياسي.






تتجلى صور الشاعر الحنون الابن البار في قصيدة “حبر البياض” يرثي والدته:






صمتت وفي قلبها طرقٌ.. يبعد الشبهة عن غرة الايام.. تيّبسها الظرف، وفي قلبها حسرة العشق، انتبه يا بني لا توقع يديك في الظلم أنت بيدري المسروق.. وأنا اهوى ديدنك يغرد كعصفور ابيك، فلا تضحك من يقيني .. انا متهمة بالقهر والعناد، اخاف ان يقتلوك.. وقلبي لا يحتمل جراح الشك والرماد”.






حين يرقص تلحوق “كفراً” يحب ويخلص ويتمرد ويرثي ، يتنقل بين صور متناقضة يرقص فرحا ويرقص حزنا ويرقص احتفاءً ويرقص حنيناً ويرقص لوماً.. هي أشبه بلغة الجسد التي تعبر عن صور متعددة في مشهدية متناسقة.






يتجلى قول الشاعر في مقدمة القصائد، حيث يرى تلحوق ان الشعر “لا يصير وعياً إلا اذا تغذىّ بمفاهيمه الخاصة”، وانطلاقاً من هذه المقولة يحافظ تلحوق في “يرقص كفراً” على هذا المفهوم النمطي الذي يجلل قصائده منذ ديوانه الاول، مستفيداً من ثقافة تاريخية وسياسية تحكمت باسلوبه، لتتجلى اشعاره على صورة واحدة، رغم اختلاف مواضيعها ودلالاتها الجمالية.








 أخبار بووم: 12 ايلول 2011

ليبيا: تحديات ما بعد القذافي

 
معمر عطوي






لا يبدو أن مسألة اختفاء الزعيم الليبي المخلوع معمر القذافي، هي القضية المركزية للشعب الليبي اليوم بعد سيطرة الثوار على غالبية البلد. فلن يكون اعتقال العقيد، المتواري عن الأنظار منذ 28 آب الماضي بعد دخول القوات الموالية للمجلس الوطني الانتقالي إلى طرابلس، أولوية في وقت يواجه فيه الطقم السياسي الواعد تحديات جمة ومخاطر شتى. تحديات تبدأ من موضوع أمن الناس وتأمين حاجاتهم الأساسية من غذاء ودواء ونفط وتعليم، ولا تنتهي باعادة تأهيل المصافي والمصانع المتعلقة بانتاج البترول والغاز، كمصدري طاقة لا يمكن الاستغناء عنهما، في ظل حاجات الناس وتفاقم الديون للدول الكبرى التي نفذت عملية “الحامي الموحد” من أجل مساعدة الثوار في السيطرة على المناطق التي كانت بإمرة القذافي.






التحديات كبيرة أمام المجلس الانتقالي وغيره من المُركبات السياسية الموعودة بحكم ليبيا ما بعد القذافي، والمخاطر كثيرة بفعل تدخل المجتمع الدولي في البلاد بما يتجاوز بكثير مسألة تطبيق قرار دولي لمنع تسرب السلاح الى داخل ليبيا او فرض حظر جوي يمنع كتائب القذافي من قصف معارضي النظام.






لقد تدخّل الحلف الأطلسي في الجماهيرية بما يتجاوز مسألة تطبيق فرض حظر جوي (كما ينص القرار 1973 الصادر عن مجلس الأمن الدولي) إلى المشاركة الفعلية في القتال على الأرض وعمليات تجسس ومراقبة وعمليات تدريب واشراف مباشرعلى سير التدريب والقتال، حسبما كشفت عدة صحف غربية.






كما تجاوز الأطلسي دوره في تنفيذ فرض حظر على السلاح (القرار 1970) ليسلّح الثوار في أكثر من مكان و”بالقطّارة” ،أي بما لا يتعدى جعل الثوار يصلون الى مرحلة من الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن خدماته، تمهيداً لخلق ـ مشاكل وقلاقل قد تكون قبلية أو جهوية في المستقبل ـ من أجل النزول على الأرض بعنوان “قوات سلام” وهو ما عبّرت عنه لندن بصراحة الأسبوع الماضي.






في أي حال فاتورة الأطلسي على الشعب الليبي أصبحت كبيرة جداً والحاجات الأساسية التي يعاني الشعب من غيابها أيضاً كثيرة. انطلاقاً من هذه التحديات والمخاطر المحتملة التي تمر بها ليبيا يصبح موضوع القبض على القذافي وأبنائه أمراً ثانوياً من شأنه تضييع الوقت بما لا طائل منه.






 
 
 
أخبار بووم: 12 أيلول 2011