20‏/4‏/2010

طيف الجيش الأحمر يحوم فوق ألمانيا

لُعاب فيرينا يكشف خيوطاً جديدة في قضيّة اغتيال النائب العام


رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على الأحداث التي عصفت بألمانيا في سبعينيات القرن الماضي، لا يزال طيف «الجيش الأحمر» يحوم في فضاء الملفّات القضائية العالقة

معمر عطوي
بعد مرور 33 عاماً على مقتل النائب العام الفدرالي الألماني، زيغفريد بوباك، ورفيقيه على أيدي مجموعة من منظمة الجيش الأحمر الثوري الألماني (RAF)، اقتنع الادعاء العام الفدرالي بتورط عضوة المنظمة اليسارية السابقة، فيرينا بيكر، بعملية الاغتيال هذه. ووجهت إليها تهمة المشاركة في إطلاق النار على بوباك، بدلاً من التهمة السابقة التي اقتصرت على دورها بتقديم مساعدة للقتلة. وأصدر الادعاء العام في المحكمة العليا في شتوتغارت (غرب)، في 8 نيسان الحالي، حكمه هذا، مستنداً إلى فحص الـDNA الذي أثبت وجود لُعاب يعود لبيكر على مغلّفات رسائل تضمنها ملف القضية.
وفي ما يتعلق بتهمة مشاركة ابنة السابعة والخمسين عاماً في قتل بوباك بتاريخ 7 نيسان 1977، تساءلت صحيفة «فرانكفورتر ألغيماينه»: لماذا أصبحت عضوة الـ«RAF» مشاركة في عملية الاغتيال، بينما لم تكن أولاً كذلك؟ وقالت الصحيفة إنه «يمكن معرفة التفاصيل بعد تسليم مذكرة الاتهام»، حسبما يقول متحدث باسم المحكمة. وتعقّب أن ذلك قد ينكشف هذا الأسبوع.
لكن هيئة الاتهام أصبحت لديها أخيراً ملفات سرية أعادتها إلى المحامي العام الاتحادي، راينر غريزباوم، الذي اقتنع بوجود أدلة ضد بيكر، و«ناضل» لدى وزير الداخلية السابق، فولفغانغ شويبله، لتحرير الملفات المحمية دستورياً. واستطاع بالتعاون مع وزير الداخلية، إعادتها للدرس.
صحيفة «شبيغل أون لاين» الإلكترونية، أوضحت أن التحقيقات في قضية بيكر، تحركت في عام 2008، على خلفية ظهور آثار لعاب يخص بيكر على مغلّفات رسائل كان قد تلقّاها أعضاء في المنظمة الثورية. لذلك، بعد التحقيقات، صدرت مذكرة اعتقال في 26 آب 2009 بحق الناشطة اليسارية السابقة، إلى أن أطلق سراحها خلال أعياد الميلاد الأخيرة بشروط، إذ رأت المحكمة الاتحادية أنه لا خوف من هروبها. وأشارت إلى أن بيكر لم تقم إلا بمساعدة مشتبه بهم في القضية، بخلاف ما ذكرته المحكمة العليا في شتوتغارت.
أمّا صحيفة «دي تسايت» (الوقت)، فتحدثت عن تسوية بين الوزير السابق شويبله وخلفه الحالي توماس دي ميتسيري، تقضي بإبقاء الملفات سريّة، بينما لفتت صحيفة «فرانكفورتر الغيماينة» إلى أن كلاً من الوزيرين ينتمي إلى الاتحاد المسيحي الديموقراطي، الذي ينظر بعدائية تاريخياً إلى المنظمة السابقة.
وكانت بيكر محل اشتباه في هذه القضية منذ عام 1977، بعد أشهر قليلة من اغتيال بوباك. وفي عام 1989 حصلت على عفو وخرجت من السجن. ثم أُعفيت من تنفيذ بقية العقوبة. ومن نيسان 2008 حقق الادعاء العام الاتحادي مرة ثانية في احتمال مشاركة المرأة في قتل بوباك، بعد قضية التحقيق في «لعاب الرسائل»، لذلك أعيدت في آب 2009 إلى السجن وفتح ملف التحقيق من جديد.

الرؤساء الألمان استجابوا لنحو ثماني طلبات استرحام من معتقلي المنظمةوفي الواقع، فإن قضية اغتيال بوباك، قد أعيدت إلى الأضواء عام 2007، حين تحدثت صحيفة «شتوتغارتر ناخريشتن»، عن أن «ما يُناقَش هو: من الذي أطلق الرصاص على النائب العام؟ ومن الذي شارك في التخطيط للجريمة؟ ومن الذي ساعد في الهرب؟». وأضافت أن الأدلة الجديدة «لن تغير من حجم عقوبات المعتقلين، حيث إنهم جميعاً قد ارتكبوا جرائم قتل».
وسط هذه المناخات، أشارت صحيفة «برلينر مورغن بوست»، إلى إطلاق سراح عضو المنظمة اليسارية السابقة، كريستيان كلار، المتهم في قضية قتل بوباك أيضاً، والمدان أيضاً بتسع جرائم احترافية و11 محاولة قتل، ما استدعى معاقبته بالسجن مدى الحياة أمضى منها 26 عاماً في الاعتقال.
ومن بين التهم التي وجهت إلى كلار، الذي يبلغ عمره اليوم 58 عاماً، «اختطاف رئيس اتحاد أرباب العمل الألماني آنذاك، في السبعينيات، هانز مارتن شلاير وقتله، بالإضافة إلى قتل بوباك ورئيس مصرف «دريسدنر» يورغن بونتو. تهم صدرت في عام 1985.
في أي حال، عادت إلى الأضواء في السنوات الثلاث الأخيرة قضية الجيش الأحمر اليساري الثوري، الذي كان يؤمن بالعنف طريقاً للتحرر وإرساء مبدأ العدالة الاجتماعية، وذلك في إطار الحديث عن إفراج مبكر بحق قيادية سابقة في المنظمة، تدعى بريجيتا مونهاوبت، كانت قد أُدينت بارتكاب أعمال إرهابية واختطاف وقتل في سبعينيات القرن الماضي. وقضت نحو 24 سنة من فترة العقوبة قبل أن يتقدّم الادّعاء العام الألماني في مطلع العام 2007، بطلب إلى المحكمة العليا في شتوتغارت بإطلاق سراحها وتحويل بقية فترة العقوبة من حكم تنفيذي إلى حكم مع وقف التنفيذ.
كذلك، قضت محكمة فرانكفورت المحلية في آب 2007، بإطلاق عضوة الجيش الأحمر السابقة، إيفا هويله، البالغة من العمر اليوم 56 عاماً، بعدما قضت 21 عاماً في السجن. وأعلنت مصادر المحكمة آنذاك أنها حوّلت فترة العقوبة الباقية من الحكم الصادر على هويله من حكم واجب النفاذ إلى حكم بالسجن مع إيقاف التنفيذ، وذلك بعدما حُكمت عام 1994 بالسجن مدى الحياة، لإدانتها بالضلوع في قتل ثلاثة أشخاص في الهجوم الذي استهدف القاعدة العسكرية الأميركية الجوية في فرانكفورت في الثامن من آب 1985.
والجدير بالذكر، أن الرؤساء الألمان، استجابوا لنحو ثماني طلبات استرحام تقدّم بها أعضاء سابقون في المنظمة، وجرى بموجبها إطلاقهم.
وقد تفيد الإشارة هنا، إلى أن منظمة «RAF» أو ما عُرف بمنظمة «بادر ـــــ ماينهوف» تأسست على أيدي مجموعة من الطلبة اليساريين وسط تظاهرات ضد الحرب في فيتنام. وتزعم المنظمة الصحافية أولريكه ماينهوف وأندرياس بادر، الذي أُطلق من الاعتقال بعملية مسلّحة في عام 1970.



الأخبار: 20 نيسان 2010

21‏/3‏/2010

عقم التربيّة الدينيّة: العقيدةُ تُصادر الأخلاق


معمر عطوي
يستدعي الحديث عن الاجتهاد في الدين، الاهتمام بالتعليم الديني في المدارس والحلقات التربوية والمساجد، لجعله وسيلة ناجعة تؤهّل الناشئة ليكونوا مواطنين صالحين ومنتجين. والحديث عن الدروس الدينية في هذا الإطار، ليس دعوة تبليغية إيمانية، بقدر ما هو دعوة إلى الاستفادة من المحاور الإيجابية الأخلاقية في الدين. لعلّها محاولة للتنبّه إلى خطورة التركيز على البعد المذهبي أو العقائدي أو التاريخي الخلافي بين المذاهب والطوائف، من خلال إثارة الحساسيات وتبخيس ما عند الآخر من رموز و«مقدّسات».بل هي محاولة للخروج من نطاق الحقل الديني اللاهوتي، ولفت انتباه المعنيين في هذا الحقل، إلى أن شروط إمكان إيجاد مواطنة حقيقية، قد تجد نفسها في أي منظومة اجتماعية بما فيه الحقل الديني، فيما لو اجتهد رجال الدين حول موضوع تحويل «رسالتهم» إلى رسالة أخلاقيّة بحتة. على الأرجح، لن تكون هذه الدعوة عمليّة، في ظل الواقع السائد، حيث باتت العقيدة وعلم الكلام هما الأساس في تبليغ الرسالة المذهبية (لا الإسلامية أو المسيحية). لكن ما تشهده دول العالم المتقدم من تحوّلات، تترك أثرها المباشر على بيئتنا ومجتمعاتنا ـــــ وهذه الأخيرة تتأثر ولا تؤثر ـــــ يقودنا إلى البحث عن رسائل عملية، لا تقليدية كما هو سائد، في كتب الفقه والتفسير وعلم أصول الدين، تختص بفقه الحياة والمجتمعات وأولويات البشر؛ مع أهمية عنصر تهديد المناخ للبشرية جمعاء في هذا السياق.يقود الحديث عن هذه الدعوة، إلى مشروع قانون، طُرح على استفتاء شعبي أجري في 27 نيسان الماضي، في العاصمة الألمانية برلين، يخيّر التلميذ بين دراسة الأخلاق من منظور علماني أو مادة الدين في المدارس الثانوية. بيد أن نتيجة هذا الاستفتاء أفضت إلى العكس تماماً. إذ صوّت معظم المستفتَين ضد المقترحات التي طرحت. ما يعني أن المدارس الثانوية، ستبقى على النظام الحالي، تدرّس الأخلاق من منظور علماني كدروس إلزامية، بينما يمكن الحصول على دروس دينية إضافية إذا رغب الطالب فيها، قبل اليوم الدراسي العادي أو بعده.طبعاً، لن يكون مجتمعنا مطابقاً لأي مجتمع أوروبي، في نظرته إلى التعليم الديني. إذ لدينا نسبة كبيرة تطلب التعليم الديني، ومنهم من يطلب الأخلاق من منظور ديني لا علماني، على اعتبار أن الدين في مجتمعاتنا هو أحد أهم عناصر هويتنا الحضارية. لكن أبناء هذه الحضارة يعيشون الانفصام بين تمثّل القيم الغربية الاستهلاكية وبعض تمظهراتها في الحرية واستخدام تقنيات العصر، وبين التمسك بالتعاليم الدينية، ضمن موجة جارفة تعمل تحت عنوان حفظ الهوية من الاندثار. مقولة قادت إلى ترسيخ قناعة صلبة لا يمكن إخضاعها للمساءلة بسهولة، حول سبل حفظ المذهب والعلماء وصولاً إلى الدفاع عن الرسول والقرآن وأخيراً المآذن. وهنا، لا يمكن نكران حقيقة أن من حق أي إنسان يشعر بأهمية انتمائه إلى جماعة من البشر أو كيان معين أن يحافظ على منظومته من الاندثار والذوبان في كيانات ومنظومات أقوى وأشد فتكاً، لكن ما هو غير مشروع هو أن يكون الدفاع عن هذه الكيانية أو الجماعة، منطلقاً من ذهنية قبائلية تعصبيّة، لا علاقة لها بجوهر الجماعة من قيم وأخلاق، ولا بالبعد الرسالي، بقدر ما تهدف إلى استغلال النواحي «المقدّسة» لخلق مشكلة مع الآخر.وقد يكون الآخر بريئاً تماماً من اتهامات الذات. لكنّ جنوح الذات نحو التعصّب بطريقة جنونيّة، يجعل من ردّ الفعل تجاه الآخر، أكثر بشاعةً وإساءةً من الفعل نفسه. هذا ما حصل في ردّ الفعل على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي محمد. وهذا ما حصل في النزاعات السنيّة الشيعية في لبنان والعراق وباكستان وغيرها.

لعلّ أبرز الأسباب التي كوّنت هذه المناخات الصدامية، وصولاً إلى بروز جماعات إرهابية عالمية، هو التعليم الديني نفسه، الذي أنتج «نخبة» سلفية تكفيريّة في السعوديّة، نمت نموّاً أكبر في أفغانستان وظهرت الطفيليات حولها على مدى العالم الإسلامي. ونفس الشيء حدث على الجانب الآخر الشيعي. إذ أخذت العزة بعض الشيعة المبهورين بقدرات إيران والمنتشين بنصر حزب الله في أهم المعارك مع العدو الصهيوني، بإثم التعالي على الآخر. ومنهم من رأى أنّ هذا النصر منحة إلهية لهم وحدهم على اعتبار أنهم شيعة. وفي هذا القول امتداد واضح لشعار «النصر الإلهي». وذهب البعض الآخر إلى تفسيرات أكثر غيبية باستشراف ظهور الإمام المهدي قريباً، بعد وصول الأمور إلى نهايتها في الصراع مع «الكفر والشرك والضلال». في أيّ حال، تؤدّي الدروس الدينية، سواء في المدارس أو في الحلقات الخاصة وفي المساجد، دوراً في بلورة ذهنية مبنية على مقولة الحتميّة التاريخيّة للنصر الإلهي، وحفظ العقيدة من الاندثار.والحديث عن قدسيّة العقيدة هنا، هو الذي قاد إلى ظهور الانتحاريين «الجهاديين» ضد الشيعة في العراق، على اعتبار أن كل من يخالف عقيدة أهل السنة ينبغي قتله. فكيف إذا توصّل الاجتهاد عند هؤلاء إلى أن الشيعة مشركون؟!. فهنا تكون الطامّة أكبر وأشد بشاعة. هذا ما عاشته بعض الدول الإسلامية للأسف، وخصوصاً بعد ظهور التنظيمات السلفية والجهادية، التي ما هي سوى نتاج هذا التعليم الديني العقيم، والكتاب المليء بتهويمات الآيديولوجيا المذهبية. هذا النوع من التعليم، لا يتعاطى مع المجتمع برؤية استيعابية، بل بذهنية مشحونة بردّ الفعل والحمق.من الخطأ، تحويل ما يسمّى العقيدة إلى أُسّ الدين وجوهره، فيما يحمل الدين كنوزاً من القيم السلوكية، ما يمكن أن يقرّب كل المؤمنين به بعضهم من بعض ومن الآخر، بذهنية تسامحية لا إقصائية ولا تبخيسية ولا تكفيرية.من هنا، ينبغي وضع شروط لتحديد كيفية تأليف الكادر التعليمي الدعوي في الحقل الديني، بما يتلاءم مع روح النص، لا متونه العقائدية والأصولية. فنشر التاريخ الإسلامي بين طلاب المدارس بالصورة المذهبية السائدة اليوم، وخصوصاً لدى السنّة والشيعة، يبتعد بالجيل الجديد عن أهداف الرسالات. أهداف قد لا تتعدى قيم العفّة والفضيلة والصدق والأخلاق والالتزام بالعهد وتنفيذ الوعد، وكل ما من شأنه أن يعزّز مناخات التفاهم والمحبة والتسامح والتعاون وحفظ الكرامة الوطنية. كما يمكن الدين أن يؤدي دوراً في رفد القيم السياسية مثل الديموقراطية والحريات الشخصية والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن الأمن الاقتصادي الغذائي، من خلال التركيز على أهمية الجانب الاقتصادي غير الربوي، ونبذ المشاريع الريعية والاستثمارات الوهمية، في مقابل دعم المشاريع الإنتاجية وتأهيل الشخص ليكون فاعلاً على المستوى الاقتصادي، لا أن يلجأ إلى منطق المضاربة والركون للكسل في تحصيل لقمة عيشه. لذا، لا بد أن يكون في مقدمة الأهداف المرجوّة من التعليم الديني على اختلاف مشاربه ومذاهبه، وخصوصاً في لبنان حيث يوجد أكثر من 18 طائفة، البحث عن آليات جديدة، تُبعد مفهوم التديّن ـــــ بالمعنى الأخلاقي ـــــ عن مقاربة القبائلية والعشائرية، في التعاطي مع الآخر. لعلّ هذه الحال السائدة، تنطبق على العديد من ذهنيات «النخبة» الدينية ـــــ السياسية، التي تنعكس بدورها على المريدين والأتباع، أو ممن أخذتهم العزة بالإثم، فصاروا يؤمنون أن المذهب هو نهاية التاريخ، وأن الأخلاق والقيم هي تحت سقف حفظ العقيدة المذهبية. سلوك بات يتمرأى في الحي والشارع وعلى رسائل الإنترنت والهواتف الخلوية وفي قاعات المدارس والجامعات. هذه الطريقة في التعليم تذهب بالناس إلى اختيار طريقين إمّا التطرف الذي يصنع الجنوح والإجرام، أو اختيار فلسفة العلمنة وصولاً إلى الإلحاد.* من اسرة الأخبار
الأخبار:١٩ آذار ٢٠١٠

12‏/3‏/2010

طهران وبغداد: العلاقة الملتبسة



معمّر عطوي

لا يمكن وصف نتيجة الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، بأنها خسارة لإيران، رغم مجيء الحلفاء الأساسيين للنظام الإسلامي في المرتبة الثالثة؛ فعلى ما يبدو أن طهران استطاعت من خلال فتح علاقات مع جميع التيارات السياسية في بلاد الرافدين، أن تحافظ على نفوذها ودورها كلاعب أساسي في المعادلة.ويبدو أن المشهد السياسي الجديد أظهر أن الامتعاض العراقي من تدخل إيراني، لا يقتصر على السنّة فقط، ومنهم معظم الأكراد طبعاً، بل هناك حال من التململ الموازي في صفوف الطائفة الشيعية، التي تربطها بالدولة الفارسية علاقة ملتبسة منذ قرون. علاقة لا يمكن اختصارها فقط بالتنافس (الذي لا شك
يُضخَّم إعلامياً في ترجمته السياسية) بين مرجعية إيرانية وأخرى عراقية (مع العلم بأن علي السيستاني، هو إيراني الجنسية)، بل يتعدّاها الى حساسية عراقية قومية، من مسألة سيطرة النظام الثيوقراطي الفارسي على مقدّرات العراقيين وثرواتهم.ففي نظر الكاتب البريطاني روبرت فيسك، في صحيفة «الأندبندنت»، فإن «الانتخابات العراقية لا تهدف الى إحلال الديموقراطية بتاتاً، لكنها تدور حول من يسيطر على النفط في المناطق الكردية ـــــ العربية». لذلك يرى فيسك أن «إيران هي التي ربحت الانتخابات العراقية».ويشير فيسك الى أن الأحزاب الكبرى الرابحة لها جذور في إيران، مستخلصاً أن الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد «يعرف كيف يدير الانتخابات «الديموقراطية». هو الرابح بالطبع». وعن مقولة التدخل الإيراني العسكري والسياسي، يرى فيسك أن «معظم الأحزاب الحاكمة قد نشأت في إيران. إيران لا حاجة لها للتدخل» مباشرةً.لكن الأحزاب التي نشأت وتطوّرت في كنف النظام الإسلامي في طهران، باتت تحاول تمييز نفسها عن الإيرانيين، لأهداف انتخابية؛ فوفقاً لموقع صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»، «حتى المجلس الأعلى الذي دعمته إيران، بدأ يميّز نفسه بوضع مسافة بينه وبين النظام الإسلامي ليتغلغل وسط الشيعة العراقيين».في المقابل، رأى تقرير لوكالة «أسوشيتد برس» في 4 شباط الماضي، أن الشيعة بدوا أثناء الغزو عام 2003 «الرابحين الأوائل بزوال حكم صدام حسين، لكن انتخابات السبت الماضي دلّت على أن الشعور القومي أكبر من العواطف الدينية، وعلى أن قدرة إيران على التأثير في العراق أصبحت محدودة».ويشير التقرير إلى أن المالكي وسياسيين شيعة آخرين عارضوا خطة حكم ذاتي (للشيعة)، خوفاً من أن يضعف العراق ويفتح الباب أمام التأثير الايراني، فيما أظهرت لافتات حزب الفضيلة الانتخابية، تميّزها عن غيرها من الأحزاب الشيعية، بتضمّنها عبارات مثل: «الفضيلة حزب عراقي مئة في المئة.. وُلد في العراق وتمويله عراقي».ووفقاً لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»، فإن المرجعية الدينية التقليدية العراقية ممثلة بعلي السيستاني، قد نمت على حساب المرجعية الإيرانية ممثلة بعلي خامنئي في موضوع التقليد الشرعي.وتنقل الصحيفة عن أستاذ التاريخ في جامعة ميتشيغن، جوان كول، المتخصص في الشؤون الشيعية، أن «هناك احتمالاً كبيراً بتحوّل أعداد من الإيرانيين عن تقليد مراجعهم (في إيران) إلى السيستاني».ويمكن تفسير انفتاح طهران على جميع التيارات بما فيها السنة والأكراد، كانعكاس لتوافقها مع أنقرة ودمشق، وكامتداد لتفاهم الأخيرة مع الرياض.وتبدو طهران مرتاحة لوضعها في العراق، رغم ما قيل عن خسارتها، فهي تتحكّم بالمشهد السياسي، من خلال حلفائها ومن خلال الواقع الجيوستراتيجي الذي خلقه الاحتلال؛ وأصبح أكبر حليف لطهران، الائتلاف الوطني العراقي، الذي أتى في المرتبة الثالثة، بمثابة بيضة القبان في تأليف أي حكومة مقبلة.لعل موقف وزارة الخارجية الإيرانية، التي وصفت الانتخابات البرلمانية العراقية بأنها ناجحة، يؤكد رضى طهران عن النتيجة. البيان لم يغفل الربط بين الانتخابات والموقف من الاحتلال الإميركي للعراق، قائلاً إن «الموقف الشجاع للشعب العراقي في الحضور عند صناديق الاقتراع... يعدّ منعطفاً آخر في نضالات هذا الشعب في طريق مقارعة الاحتلال والظلم والدكتاتورية».أمّا رئيس مجلس الشورى الإسلامي، علي لاريجاني، فقد رأى أن «كيد أميركا للتدخل في الانتخابات واجه رداً قوياً من الشعب العراقي، كما لو أصابتها صعقة شديدة».ولقيت هذه الانتخابات أيضاً، ترحيباً على المستوى الإعلامي الايراني، حيث تحدثت غالبية الصحف عن نجاحها وأهميتها و«انتصارها» على الإرهاب. ووصف رئيس تحرير جريدة «الوفاق»، مصيب النعيمي، ما جرى في بلاد الرافدين، بـ«العرس الانتخابي وتحدي الإرهاب..!!».في النتيجة ثمة اقتناع لدى الإيرانيين بأن عراقاً خالياً من الصراع الإثني والمذهبي، يخدم مصالح إيران أكثر من تفكك هذا البلد، وأن الاحتلال الأميركي قد حقق الغاية المرجوّة منه، إيرانياً. أما تغيّر الخريطة السياسية داخل العراق، فيبقى تفاصيل في عيون من امتهن حياكة السجاد وتجار البازار، حيث طول الباع يُفقد الوقت معناه.
الأخبار: ١٢ آذار ٢٠١٠

22‏/2‏/2010

لكي يصبح النص الديني فضاءً مفتوحاً أمام العقل





ثمة جدل واسع يدور اليوم حول الاجتهاد في النص الديني وموقع العقل من هذا الاجتهاد. جدل حاد قد يصل إلى حد التكفير أو التجهيل أو تبخيس مقولات مشروعة حول دور العقل في اختيار ما يناسب من مصادر التشريع في الاسلام. وكل الهدف من ذلك هو جعل النص الديني فضاءً مفتوحاً لكل من يمكنه البحث والتمحيص وصولاً إلى التفسير والتأويل والاستبصار.



في هذا السياق، جاء مقال كاتب هذه السطور، في جريدة "الأخبار" العدد الصادر في 8 تشرين الأول الماضي، تحت عنوان "فتاوى جلب المفاسد والفريضة الغائبة"، ليؤكد من منطلق عقلي بحت، أن لا علاقة له بتهويمات الآيديولوجيا الدينية، ولا بأدوات اللاهوت. وبأن فتاوى رجال الدين باتت عقيمة ولا تصل إلى درجة الاجتهاد العقلي، طالما أنها لا تتعدى استخدام القياس كمصدر تشريع.

معمر عطوي


أجليت في هذا المقال الغبار عن حقيقة، أن الشيعة يستخدمون العقل بينما يستخدم السنة القياس، ما يعني أن الاجتهاد عند الشيعة متقدّم، بالاشارة إلى ما استطاع الشيعة أن يتقدّموا فيه اجتهاداً. مع العلم أن هؤلاء مثل أولئك، أسرى النص وأحاديث النبي وأهل بيته، ولا علاقة لاجتهاد معظم (حتى لا أًُتّهم بالتعميم) علمائهم، بتطوير المجتمع ولا بآليات تحديد العلاقة مع الآخر في المجتمع المتنوع.



ما يعني أن "جلب المصالح ودرء المفاسد" كقاعدة شرعية يقوم عليها أساس الدين، قد انعكست إلى "جلب المفاسد ودرء المصالح". عنيت بتلك الفتاوى سواء التي تصدر عن علماء من أهل السنة أو أقرانهم من الشيعة، والتي لا تصب إلاّ في رفد وتعزيز الفتنة المذهبية. وثمة فتاوى واجتهادات "جديدة" لا تلبّي سوى غرائز بعض رجال الدين وشهواتهم، فيما تقوم تلك الفتاوى الخشبية التي لا تزال تعجّ بها "الرسائل العملية" للمكلفين والفتاوى المتنوعة عن علماء المسلمين، بتوسيع الهوة بين أبناء المجتمع الواحد، من خلال أساليب تربوية بغيضة، ينهل منها الأطفال والشبان في المساجد والمدارس الدينية. لعلّ أخطرها تلك التي تربّي الناشئة على مقولات تمييزية فوقية مثل تأكيد "سلامة العقيدة" و"نقاوة المذهب" على طريقة نقاوة العرق في العقيدة النازية.





لقد حفّز مقالي في جريدة الأخبار عدداً من الموافقين والمعارضين للرد من خلال الجريدة نفسها أو موقعها على الانترنت. فكان أن انبرى إليّ أحد الأساتذة "الإكليروس"، ليتهمني بأني جاهل في تاريخ الفقه الشيعي، واضعاً حدوداً لمن يريد أن يستفيد من النص الديني في تطوير المجتمع، بقوله إن ما سقته من أفكار حول الاجتهاد المطلوب، هو "نقد للاجتهاد الفقهي من غير أهله". واستشهد الأستاذ الفاضل بالمنهج الظاهراتي مع العلم أن هذه المناهج لا تستخدم في الحوزات الدينية والمدارس الأزهرية إلاّ من منطلق التعريف بمناهج الآخرين أو من منطلق ترف فكري. خصوصاً أن أرباب المذهب الظاهري هم من الوجوديين والملحدين في معظمهم.





وإذ يعترف الأستاذ االفاضل بأن "الإفتاء يشهد تفلتاً في بعض الساحات الإسلامية ويترك تأثيرات سلبية على الشأن الديني والاجتماعي والسياسي"، يشير ألى أني عممت في مقالتي. بيد أني في الحقيقة، لم أعمّم،على الغالب. بل أشرت إلى فتاوى للسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد باقر الصدر، كنماذج ينبغي تمثلها للتقريب بين المذاهب الإسلامية أو الأديان أو حتى البشر في ظل البنى العلائقية الإنسانية.



ويبدو أن الاجتهاد الديني بات مسألة غيبية ما ورائية، بامتياز، ولا علاقة للعقل بها. هذا ما تؤكده الفتاوى السخيفة التي تزكّي الصلاة والصيام والفرائض كل من جهته، على طريقة مقبول أو غير مقبول. وبات كل فقيه هو الذي يحدّد ما يقبله الله ولا يقبله الله من الفرائض والسلوكيات وكأنه الوكيل المعتمد للملكوت على الأرض.


الدين في خدمة المجتمع وليس العكس



أمّا عن مسايرة الأمزجة، فالموضوع لا علاقة له بالمسايرة، إنما هو دعوة من خارج الحقل الديني، لاعتماد مصادر التشريع على اختلافها، بغية فهم المجتمع فهماً صحيحاً والتعاطي معه من منطلق السير به نحو الأفضل. وهنا أؤكد أن الدين هو في خدمة المجتمع وليس المجتمع في خدمة الدين.



إذن هي دعوة لجعل النص الديني فضاءً مفتوحاً أمام العقل، الذي لا يزال مُصادراً في الحوزات الدينية والمدارس الفقهية السنيّة. مع العلم أن ما سيق في التراث الإسلامي من مصادر تشريع عديدة، مثل العُرف والمصالح المرسلة والاستحسان وشرع من قبلنا الخ.. يجعل قضية الاجتهاد متحرّكة بشكل يخدم المجتمع ويترك هامشاً من أجل إعادة إنتاج التراث الديني، وفق رؤية جديدة، وعلى ضوء التحولات الهائلة التي شهدها ويشهدها العالم كل ساعة.



وهمُ احتكار النص وتفسيره





لقد استفزّت مقولاتي حول الاجتهاد - وأنا أتحدث من خارج هذه المنظومة الدينية كلياً- العديد ممن شحذوا سيوف الدفاع عن المذهب والعقيدة، على أساس أنها حكر عليهم وحدهم. إذ أن هناك مشكلة تقليدية لا تزال لدى المؤسسة الدينية، سواء أكانت شيعية أم سنية أو حتى لدى الطوائف غير الاسلامية. عنيت احتكار النص من قبل مجموعة معينة تدّعي العلم والتبصّر بينما هي أسيرة العقيدة الدوغمائية. في الواقع هي غير مبصرة لما يجري حولها. فالنص الديني هو تراث بشري لا يجوز احتكاره أو تعيين من ينبغي أن "يكون من أهله"، وهو ملك للأمة تستفيد منه حيث ينبغي أن يكون ذلك سبباً للتقدم والتطور وتعزيز فكرة الوئام والتعاطي بعيداً عن لغة التكاذب والمجاملات الدبلوماسية المعتمدة بين رجال الدين من الطوائف المتعددة (نموذج لبنان لا يزال حاضراً بقوة).



لقد طرح المرجع الديني الإسلامي، السيد محمد حسين فضل الله، في حديث لـ "الأخبار" بداية شهر رمضان الماضي، العديد من المسائل غير المسبوقة، مثل جواز إفطار الصائمين عند مغيب الشمس، حسبما يرى أهل السنّة، بدلاً من الانتظار نحو ربع ساعة من الوقت كما يفعل الشيعة، وقد تكون أهمّها رؤيته لهلال رمضان وموعد بدء الصيام من خلال حسابات فلكية تثبت الوقت الدقيق لميلاد القمر في أول الشهر الهجري وآخره.





فما الذي يمنع غيره من العلماء والمجتهدين من البحث عن فتاوى تقرّب ولا تبعّد، طالما أن الأصل في الأشياء الإباحة، وطالما أن جلب المصالح هو أساس وجود الدين في الواقع. وطالما أن هذا الخلاف الساذج يسيء إلى صورة المسلمين ولا يخدم رسالتهم. لكن ما يجري هو أن الاجتهاد الديني بات محكوماً بخلفيات سياسية وأخرى ما ورائية، أسهمت إلى حدّ كبير في تكوين العقل الجمعي، بما يتلاءم مع مرحلة تديّن جارفة، أصبح فيها معيار القول للفقيه والقوانين الإلهية، أكثر منه للقوانين الوضعية المدنية.





الفتاوى الخليجية





ويأتي من يعلّق على نقدي لبعض فتاوى علماء الخليج في تشريع زواج المسيار الذي أسميته "محطة جغرافية لإفراغ الشهوة"، "أمّا فتاوى الخليج، فهي لا تُمتّ إلى الإسلام بأي صلة". وهذا نموذج عن التربية الدينية المذهبية والمناطقية بل العنصرية التي يبثها رجال الدين في عقول مريديهم، فيتم تعميم الأحكام حول أمة بحالها وتبخيس ما لديها، فقط لخصومة سياسية أو اختلاف مذهبي معها. وفي ذلك ذهنية فوقية عنصرية لا علاقة لها بالأخلاق ولا بالقيم التي يدّعي المتدينون حملها.





وهناك من يدّعي أن حديثي عن أنواع الزواج في مقالتي الآنفة الذكر في "الاخبار"، غير صحيح بالصيغة التي ذكرت، لأنّه هناك حيثيّات وظروف لتلك الزيجات لا يمكن للكاتب الموضوعيّ أن يتجاهلها، مع أني كنت واضحاً في نقدي لهذه الزيجات والسبب الذي يقف خلف النقد. وفي هذا الموضوع ركزت على عدم تحويل الانسان ذكراً كان أم أنثى الى كائن غرائزي لا يهدف إلا الى المتعة الجسدية بعيداً عن المشاعر والأحاسيس التي يُفترض ان تحكم العلاقة بين الجنسين في هذا السياق. وهنا أؤكد أن شرعية الزواج هي الحب المتبادل والاحترام المتبادل لا الزواج المنقطع ولا المسيار ولا الزواج بنية الطلاق. ناهيك بزواج الإكراه، الذي لا يزال لدى مجتمعات عدة في الأوساط الدينية، وهو زواج باطل رغم العقد الشرعي أو الكنسي.





أمّا أكثر ما يثير العجب هو ما ساقه أحد الردود، من أن مقالتي "التي قد أردتَها بنّاءةً للتآخي والتعايش بين المسلمين وغيرهم، تتضمّن زرعاً للأحقاد والفتن بينهم،لا سيّما بين المسلمين من جهة والمسيحيّين والدروز من جهة أخرى، إذ إنّك، وكما ذكرت في موضوع الزواج، أخذت الأمور من المنظور الأضيق على الإطلاق". فمن أي منظور ضيق يتحدث هذا "الناقد" المنتقد، طالما أني أدعو الى اجتهاد للتقريب بين الملل ونبذ الأحقاد التي لا يعززها سوى رجال الدين والسياسة ومن ورائهم شياطين الفتنة الموسوسة؟


مجلة "تحولات" بيروت في 20 شباط 2010





19‏/2‏/2010

حكاية عشق ألمانيّة ـ إسرائيليّة: المظلوميّة والابتزاز


وصلت العلاقات الألمانيّة الإسرائيليّة في الأسابيع الأخيرة إلى ذروتها من الغزل المتبادل، مع وجود نصف حكومة الدولة العبرية ورئيسها ورئيس وزرائها في برلين للاحتفال بمرور 65 عاماً على ذكرى المحرقة النازية. لكن ألمانيا تأبى أن تخرج من تحت يوتوبيا «عقدة الذنب» لتتحرر من مسؤولية تاريخية باتت أثقل من أن يتحمّلها دافعو الضرائب من الشعب الألماني

معمر عطوي


أكثر ما كان لافتاً في ذكرى المحرقة النازية هذا العام، إلقاء الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، كلمة أمام البرلمان الاتحادي «البوندستاغ» في عاصمة الرايخ الثالث، برلين، في خطوة غير مسبوقة. لكن ما هو مسبوق ومكرّر في هذا الحدث، هو استئناف عزف سمفونية الاستغلال والابتزاز للحكومة الألمانية، عبر تجديد طرح مظلومية اليهود (الذين لم يكونوا وحدهم ضحايا للحكم النازي).وببكائيّة ممزوجة بدعوة ثأرية تستحضر أدبيات إسرائيل والحركة الصهيونية عبر التاريخ، طالب بيريز بمعاقبة مجرمي الحرب النازيين الذين لا يزالون على قيد الحياة.من جهتها، الصحف ووسائل الإعلام الألمانية نقلت هذه «الاحتفالية» التي جمعت ممثلي الضحية والجلاد، على أنه حدث تاريخي من شأنه تأكيد أهمية «العلاقة الخاصة» بين ألمانيا وإسرائيل وحميميّتها.وذكرت صحيفة «مورغن بوست» أن كلمة بيريز أمام البرلمان الاتحادي، هي الأولى لرئيس إسرائيلي يحضر الذكرى السنوية للمحرقة النازية في «بوندستاغ» منذ إرساء العلاقة بين الدولتين في عام 1952. وسلّطت الصحيفة ـــــ كزميلاتها ـــــ الضوء على جولة سياحية قام بها بيريز (86 عاماً) برفقة عمدة برلين، كلاوس فوفيرايت (من الحزب الاشتراكي الديموقراطي ـــــ SPD)، زارا خلالها بوابة براندنبورغ الشهيرة، التي كانت تفصل بين شطري العاصمة أيام انقسام ألمانيا إلى شرقية وغربية (1949-1989).ولم يكن حضور بيريز في هذه المناسبة مجرد حدث بروتوكولي، بل كان محاولة إسرائيلية لتثبيت عرى المظلومية اليهودية في الثقافة الألمانية الحديثة، التي لا تعرف عن تاريخ الرايخ الثالث سوى بعض القصص التراجيدية، لذلك تضمنت كلمته هذه العبارة «لا نضع نصب أعيننا الانتقام، بل التربية». وفي هذا القول، استحضار لبروباغندا الظلم الذي لحق ببني جلدته، حتى تبقى الأجيال الصاعدة في ألمانيا وأوروبا تعيش كآبائها وأجدادها عقدة الذنب تجاه إسرائيل، وفي ذلك ابتزاز من شأنه أن يدرّ على الدولة العبرية مساعدات إضافية، وامتيازات تحلم بها باقي الدول المجاورة لها.


حضور بيريز كان محاولة لتثبيت عرى المظلوميّة اليهوديّة في الثقافة الألمانيّة
وللتذكير هنا، فقد وقّعت الحكومة الألمانية وإسرائيل في عام 1952 اتفاقية دفع التعويضات، التي اعترفت فيها الدولة الألمانية بالمسؤولية عن قتل اليهود الأوروبيين على أيدي النازيين. كما التزمت ألمانيا بدفع تعويضات مالية لليهود الناجين من المحرقة وللدولة العبرية. وتعهّدت بون آنذاك في أجَل أقصاه عام 1965، بدفع ثلاثة مليارات مارك ألماني (عملة البلاد آنذاك) أي ما يعادل نحو مليار ونصف مليار يورو. كذلك دفع 450 مليون مارك ألماني للجنة المطالبات، التي مثّلت المصالح الفردية لليهود الذين تعرّضوا للملاحقة من النازيين.اللافت أن مشاركة بيريز في هذه المناسبة هذا العام، كانت محاطة برعاية واهتمام رسميين بالغين، من رأس الدولة الاتحادية، هورست كولر، مروراً برئيس البرلمان، نوربرت لاميرت (الحزب المسيحي الديموقراطي ـــــ CDU)، ورئيس كتلة الحزب الاشتراكي الديموقراطي (SPD)، ينز بورنسن، ورئيس المحكمة الدستورية الاتحادية، هانز يورغن بابيير، وصولاً إلى المستشارة أنجيلا ميركل. وبذلك، تؤكد الدولة الألمانية برؤوسها وأحزابها الفاعلة، أنها لا تزال على سياسة تبنّي أمن إسرائيل وحقها كدولة في الحياة إلى جانب دولة فلسطينية مستقلة.لكن ما يؤكد اللغة الصنمية والرتابة في هذا المضمار، هو عبارات يصحّ وصفها بالخشبية، لكثرة ما تتكرر، مثل قول رئيس البرلمان، في هذه الدورة الاستثنائية، إن برلين تتحمل مسؤولية تاريخية تجاه الدولة العبرية. وكان كولر، في أول خطاب يلقيه رئيس ألماني أمام الكنيست الإسرائيلي عام 2005، قد أكد أن «مسؤولية ألمانيا عن المحرقة تمثّل جزءاً لا يتجزّأ من هويتها».لم تكن هذه الاحتفالية سوى توطيد لمسيرة طويلة بين الجانبين، وصلت إلى ذروتها عام 2008، حين اتفقت برلين وتل أبيب على إعطاء علاقاتهما الخاصة «انطلاقة جديدة ذات أبعاد استراتيجية»، وإجراء اجتماعات سنوية تشاورية، عُقد أولها في آذار من العام نفسه.هذا ما عادت وأكدته ميركل، أمام البوندستاغ، من أن «أمن إسرائيل لا يمكن التفاوض حوله»، وأنه «جزء لا يتجزأ من المصالح الأمنية القومية لألمانيا»، مشيرة إلى التزام بلادها التاريخي بالحفاظ على وجود إسرائيل وعلى أمنها أيضاً، بما في ذلك التعاون في مجال التسليح.لذلك، أيدت برلين عملية «الرصاص المصهور» التي قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضدّ قطاع غزة، وراح ضحيتها أكثر من 1400 شهيد فلسطيني، فيما قاطعت ألمانيا مؤتمر «ديربان 2» المناهض للعنصرية في جنيف.وبدا أن أسرائيل استغلّت حدث ذكرى المحرقة، لتعيد تسويق أدواتها التحريضية ضد إيران والعرب، في محاولة لانتزاع قرارات ألمانية تصبّ في غير مصلحة البرنامج النووي الإيراني أو حقوق الفلسطينيين. من هنا كان خطاب بيريز في البوندستاغ متضمناً وصف طهران بأنها «نظام متعصب، يتجاهل ميثاق الأمم المتحدة. نظام يملك مفاعلات ذرية وصواريخ نووية، يرهب فيها بلده والبلدان الأخرى، هو خطر على العالم».هذا الخطاب قابله خطاب متعاطف يستخدم تردّدات الموجة الإسرائيلية نفسها، كقول لاميرت «نحن الألمان نتحمل المسؤولية تجاه دولة إسرائيل، التي يتعرض حقها في الوجود وأمنها للتهديد»، مؤكداً «نحن لا نقف على الحياد، في ما يتعلق بإيران، دولة مسلّحة نووياً في جوار إسرائيل، يقودها نظام معاد للسامية عداءً منهجياً، لن يكون غير محتمل فقط لإسرائيل، بل على المجتمع الدولي ألّا يتسامح مع هذا التهديد».هذا الخطاب تجلّى أكثر في حركة الواقع الاقتصادي، إذ نجح المسؤولون الإسرائيليون في إقناع برلين بإلغاء صفقات تجارية مع إيران. ووفقاً لتقارير إسرائيلية، فقد ألغيت صفقة لترميم وتزويد معدات من جانب شركة ألمانية لميناء بندر عباس الإيراني، فيما تواصلت الضغوط لإلغاء صفقة تزوّد بموجبها إيران ألمانيا بالغاز. وادّعت إسرائيل بأن تنفيذ صفقة ترميم ميناء بندر عباس يعني مساعدة إيران على تزويدها الأسلحة «للمنظّمات الإرهابيّة»، وخصوصاً حزب الله وحماس وخرق قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي.


اجتماع الحكومتين في برلين يتعلّق بإعطاء علاقاتهما الخاصة انطلاقة جديدة ذات أبعاد استراتيجية
الصحف الألمانية تحدثت عمّا طرحه بيريز مع المسؤولين الألمان بخصوص التبادل التجاري بين ألمانيا وإيران، فيما ضرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عصفورين بحجر واحد، حين شبّه إيران بـ«الحكم النازي»، مذكّراً بالمأساة التاريخية وبالخطر الإيراني الداهم في جملة واحدة، عميقة الدلالات ومشحونة بلغة التحريض.أمام هذه المعطيات، يصبح وصف الرئيس الألماني لعلاقات بلاده بإسرائيل بأنها «فريدة من نوعها»، تحصيل حاصل، لاستمرار رضوخ ألمانيا ليوتوبيا «عقدة الذنب» و«المسؤولية التاريخية». لذلك جاء في نص الكلمة التي ألقاها خلال مأدبة عشاء أقامها على شرف نظيره الإسرائيلي «أن المسؤولية عن معسكرات الاعتقال ستظلّ جزءاً من الهوية الألمانية»، مشدداً على ما أحرزته العلاقات الثنائية من «تقدم عظيم خلال العقود الماضية».أما على المستوى التقني، فقد عقدت الحكومتان الألمانية والإسرائيلية في 18 كانون الثاني الماضي، اجتماعاً تشاورياً، وُصف من قبل الجانبين بـ«التاريخي»، وكان برئاسة كل من المستشارة ميركل ونتنياهو، ومشاركة عدد من أعضاء حكومتي الدولتين، ومن ضمنهم وزراء الخارجية والدفاع والتجارة والبيئة والبحث العلمي.وما هذه الخطوة سوى تجسيد واضح لما اتفقت عليه برلين وتل أبيب العام الماضي، في ما يتعلّق بإعطاء علاقاتهما الخاصة انطلاقة جديدة ذات أبعاد استراتيجية.لكن الأمر الأكثر أهمية، وإثارة للجدل في هذه العلاقات المتنامية بين الجانبين، هو التقدّم الحاصل على صعيد المفاوضات الثنائية المتعلقة بشراء أحدث الغواصات من طراز «دولفين»، التي تصنعها شركة «اتش دي دبليو» الألمانية، والتي تملك إسرائيل ثلاث غواصات منها (تبلغ قيمة الغواصة 700 مليون دولار، لكن وزارة الدفاع الإسرائيلية حصلت على سعر مخفوض).الخطورة في الأمر هي أن هذه الغواصات قادرة على حمل صواريخ نووية. وذلك في وقت ترى فيه إسرائيل أن تعزيز ترسانتها العسكرية في الوقت الراهن أمر «ضروري في مواجهة التحدي الإيراني».
«دولفين» لتغطية جميع التهديدات
من المقرر أن تسلّم شركة السفن الألمانيّة «هوالدفيرك دويتش فيرفت»، التي تتخذ من مدينة كايل مقرّاً لها، غواصتين من طراز «دولفين» إلى إسرائيل في عام 2012. وصرّح مصدر إسرائيلي «إن خمس غواصات كافية، لكن يمكننا بالطبع استخدام المزيد، فإن رقمنا المثالي سيكون تسعة وهو ما يكفي لضمان أن تكون لدينا مقدرات كافية في البحر لتغطية جميع التهديدات والأهداف».ويعتقد الكثير من المحللين أن غواصات «دولفين» هي الأسلحة التي تحتفظ بها إسرائيل «للضربة الثانية»، وهو مصطلح يشير إلى نظرية قامت خلال الحرب الباردة على أن أي دولة يمكنها أن تردع أعداءها عن شنّ هجمات نووية بالاحتفاظ بقدرتها على الرد حتى لو دمرت أراضيها. ويمكن للغواصة حمل صواريخ نووية تقدر على إصابة أهداف على بعد 1500 كيلومتر.
الأخبار: ١٩ شباط ٢٠١٠

5‏/2‏/2010

عبد المالك ريغي


بعد مطاردة استمرت سنوات، أعلنت إيران، أمس، اعتقال زعيم جماعة «جند الله»، عبد المالك ريغي، الذي تتهمه بتدبيرعدد كبير من الهجمات الدامية في البلاد


معمر عطوي

بعد مسيرة تجاوزت ست سنوات من محاربة النظام الإيراني، خرج وزير الاستخبارات الإيراني محمد مصلحي ليعلن، في مؤتمر صحافي، أن عبد المالك ريغي، الرجل الأول الذي تطارده إيران منذ سنوات، اعتقل بعد اعتراض طائرة كانت تقلّه من دبي إلى قرغيزستان، مؤكداً أن توقيفه جاء نتيجة «عملية استخبارات استمرت خمسة أشهر، من دون أي مساعدة من دول أخرى».وكان الفتى الذي نشأ في منطقة جبلية وعرة بين إيران وباكستان وأفغانستان تُعرف بإقليم سيستان بلوشستان، قد أصبح لغزاً أمنياً، تتهمه طهران بتلقّي الدعم من الولايات المتحدة وباكستان والسعودية. اتهامات ردّت عليها واشنطن أمس، واصفة إياها بأنها «كاذبة تماماً».ومع ذلك، أكد مصلحي أن ريغي كان مسافراً بجواز سفر أفغاني «منحته إياه الولايات المتحدة»، وأنه كان «في قاعدة أميركية قبل اعتقاله»، موضحاً أن زعيم جند الله التقى «مسؤولين عسكريين في الحلف الأطلسي في نيسان 2008».اللافت أن السلطات الباكستانية نقضت الرواية الإيرانية للاعتقال، مؤكدة أنها هي من سلّمت ريغي إلى طهران قبل أسبوع، حسبما ذكرت قناة «الجزيرة» الفضائية.قصة هذا الشاب العشريني، الذي لم يحتمل قتل شقيقه أمام عينيه على أيدي عناصر الأمن الإيراني، بدأت قبل 6 سنوات حين تجاوز مشورة العقلاء من مشايخ الجماعة البلوشية، الذين رفضوا الاستجابة لطلبه قبل 5 سنوات بتأليف منظمة تعمل ضد النظام الإسلامي في البلاد. فاحتضنه تجار المخدرات، الذين وظّفوا معركتهم مع النظام الإيراني في إطار مذهبي تارة وفي إطار عرقي تارة أخرى.لكنّ ريغي دفعته حماسته إلى السير في لعبة الأمم، فقام بتلبية مصالح بعض دول الجوار ومن لهم علاقة عداء مع إيران، تحت عنوان الدفاع عن حقوق السنّة في وجه السلطة الشيعية وتحقيق الحكم الذاتي لبني قومه من البلوش، عن مواطنيهم الفرس.عبد المالك، الذي ينتمي إلى إحدى أكبر القبائل البلوشية (ريغي)، بدأ نشاطه المسلّح منذ ست سنوات تقريباً، وما لبثت مجموعته الصغيرة أن تحولت إلى منظمة باسم «جند الله»، مطلقة شرارة المواجهة مع الحرس الثوري في عام 2005.
إسلام آباد تنفي رواية الاعتقال الإيرانية وتؤكد تسليمه قبل أسبوع لطهران
هذه الشرارة انطلقت بعد فترة وجيزة على إطلاقه من سجن مدينة زاهدان (عاصمة الإقليم) «بسبب خلافات قبلية»، حسبما أعلنت طهران، ووصلت إلى ذروتها مع صدور حكم بالإعدام على شقيقه عبد الحميد، في محكمة إيرانية الصيف الماضي.لم يُعرف عن الرجل مآثر علميّة أو إنجازات سياسية. كل ما كُتب عن حياته المتواضعة تلقّيه التعليم الديني في مدارس الإقليم، وحمله للسلاح في سن التاسعة عشرة.لكنه أصبح من أهم الشخصيات المطلوبة على لائحة الإرهاب في إيران وبعض الدول الأخرى.وتطوّر نشاطه بدعم مالي (يقول إنه عبارة عن تبرّعات من مؤيّديه)، ما أفسح في المجال أمام منظمته، التي غيّرت اسمها إلى «حركة المقاومة الوطنية الإيرانية»، لتطوير عملياتها المسلحة، من أجل تحقيق الحكم الذاتي في الإقليم المضطرب، ووسّعت نشاطها هذا العام بالتحالف مع «مجاهدي خلق»، المسلّحة أيضاً.
الأخبار: ٢٤ شباط ٢٠١٠

22‏/1‏/2010

إيـــران والغـــرب: الحـــرب الخفيّـــة

لم يكن اغتيال العالم النووي الإيراني مسعود علي محمدي، في قلب طهران، الأسبوع الماضي، سوى حلقة في مسلسل من الحروب الخفيّة، التي تدور بين إيران والغرب. هي حرب باردة على مستوى الرصد والاستطلاع، لكنها في الواقع، تشتد سخونة حين يتطلب الموقف السياسي ذلك. لعلّ ما شهدته إيران من تطورات أمنية خلال الأشهر الأخيرة، أحد تجليّات هذه الحرب


معمر عطوي

حملت الانتخابات الرئاسية الإيرانية، في حزيران الماضي، تطورات دراماتيكية إلى المشهد السياسي في البلاد، مع تصاعد وتيرة التجاذب الدولي بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي فشل الغرب حتى الآن في إيقاف عجلة سيره نحو الأمام.ولم يكن اغتيال أستاذ الفيزياء النووية في جامعة طهران مسعود علي محمدي، الأسبوع الماضي، سوى حلقة في سلسلة هذه الحرب الغامضة. بعد هذه العملية، التي حمّلت السلطات مسؤوليتها لمنظمة «مجاهدي خلق»، اغتيل هذا الأسبوع أيضاً المدعي العام لمدينة خوي (شمال غرب) على أيدي متمردين أكراد، بعد نحو ثلاثة أشهر من مقتل نائب قائد سلاح البر في الحرس الثوري الجنرال نور علي شوشتري، إلى جانب 35 شخصاً، في عملية انتحارية بمدينة زاهدان عاصمة إقليم سيستان بلوشستان (جنوب شرق)، أعلنت منظمة «جند الله» البلوشية مسؤوليتها عنها.انطلاقاً من هذه الوقائع، يبدو أن جانباً من هذه الحرب السريّة يُخاض بأيدٍ إيرانية، ما يعزز اتهامات السلطة للغرب بتوظيف النزاعات الإثنية والمذهبية في إيران، لمصلحة خطتها في زعزعة النظام الإسلامي من الداخل، بعدما عجزت عن إخضاعه بالعقوبات الدولية والحصار.




اختطاف شهرام أميري أعاد إلى الأذهان شريط تصفية علماء العراق قبيل الغزو
ثمة ثورة مخملية تقودها واشنطن ومن خلفها دول الغرب، وتباركها إسرائيل. ثورة يمكن أن تتمثّل في ما شهدته شوارع طهران، خلال الأشهر الأخيرة، على خلفية التشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية التي أعادت محمود أحمدي نجاد رئيساً لولاية ثانية.بيد أن القطبة المخفيّة في المواجهة تتعدّى الاغتيالات وعمليات التفجير والتخريب والمشاغبة، إلى عمليات اختطاف متبادلة لشخصيات في مواقع حساسة. يأتي ذلك في سياق مواجهة أمنية حامية، لا يُدرك خطورتها إلّا الراسخون في علم الاستخبارات وجهابذته. ولعلّ اختفاء العالم النووي الإيراني شهرام أميري، في السعوديّة صيف العام الماضي، يؤكد طبيعة تشابك المصالح الاستخبارية بين دول عربية وغربية، في محاصرة إيران والضغط على نظامها.فاختطاف أميري، الذي أعاد إلى الأذهان شريط تصفية علماء العراق قبيل الغزو الأميركي وبعده، يذكّر بحادثة اختفاء النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني والمتخصص في برنامج الصواريخ البالستية، محمد علي أصغري، في تركيا ربيع عام 2007، الذي لم تُكشف آثاره حتى اليوم. وفي العام نفسه، قُتل مسموماً العالم النووي أردشير حسين بور، الذي كان يعمل في منشأة أصفهان لتخصيب اليورانيوم.اللافت أن الغرب يروّج عبر تقاريره الإعلامية أن العلماء المختفين انشقّوا عن النظام وفرّوا إلى الغرب، حيث الحرية و«اللبن والعسل». إلّا أن عدم ظهور أيّ من هؤلاء في شريط تلفزيوني أو مؤتمر صحافي، يدحض ادّعاءات الغرب، ويؤكد في الوقت نفسه عمليات الاختطاف القسري.في المقابل، اختفى العميل السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (أف بي آي)، بوب ليفنسون، أثناء رحلة إلى جزيرة كيش الإيرانية، في 2007، ولا يزال مصيره مجهولاً، فيما أعلنت طهران احتجاز ثلاثة أميركيين دخلوا البلاد بصورة غير قانونية من العراق.أمّا في ما يتعلّق بالحرب السريّة على إيران، بعد غياب شروط إمكان شنّ حرب على مفاعلاتها النووية، فقد أعلن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، في عام 2007، توجهات جديدة لدى إدارته، تقضي بدعم ثورات ناعمة داخل إيران، ومجموعات تعمل على زعزعة النظام من داخله. هذا التصوّر أكده الصحافي الأميركي سيمور هيرش، في تقرير نشرته «نيويوركر» في تموز عام 2008. يقول التقرير إن الولايات المتحدة رصدت سرياً مبلغ 400 مليون دولار لتمويل عمليات ضد إيران. وتحدث هيرش عن قيام متمردين من حزب الحياة الحرة الكردي «بيجاك»، ومنظمة «مجاهدي خلق»، ومنظمة «جند الله» البلوشية، بتأليف مجموعات مسلّحة لتنفيذ هذه العمليات، التي «أضحت أكثر أهمية واتساعاً». في ذلك العام، كشفت تقارير إعلامية إيرانية عن لقاء سري جمع بين 10 ضباط استخبارات أميركيين و4 مسؤولين من «بيجاك»، في فندق بمدينة السليمانية العراقية.وفي نيسان من عام 2008 أيضاً، تحدثت صحيفة «لوس أنجلس تايمز» الأميركية عن التحولات التي تطرأ على المجموعات الانفصالية على طول الحدود الإيرانية، مشيرة إلى أن بعض التنظيمات الانفصالية «طلبت مساعدة أو رحّبت بتلقّي دعم وأسلحة من الولايات المتحدة لمحاربة الحكومة الإيرانية».ومن الإيرانيين من عمل لمصلحة إسرائيل، مثل علي أشتري، الذي أعدمته السلطات الإيرانية، فيما اعتُقل المفاوض النووي حسين موسويان، في قضية التجسس النووي الشهيرة، عام 2007.




الاستخبارات الإسرائيلية لا تعرف النوم بسبب فشلها في تأخير النووي الإيراني
وعن دور إسرائيل في هذه الحرب، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في 16 أيار الماضي، مقالاً لمراسل صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، رونين بيرغمان، تحت عنوان «الحرب السريّة الإسرائيلية مع إيران»، تحدّث فيه عن اختراق أمني إسرائيلي للنظام الإسلامي وسوريا وحزب الله وحركة حماس. ويقول بيرغمان في مقاله إنه «في الأعوام الأربعة الأخيرة، أُخّر البرنامج النووي الإيراني بسبب سلسلة أحداث واضحة؛ اختفاء عالم نووي إيراني، تحطّم طائرتين تحملان مواد على صلة بالبرنامج النووي وانفجار مختبرين، إضافة إلى كشف المعارضة الإيرانية في المنفى معلومات موثوقة جداً عن تفاصيل البرنامج النووي الإيراني، ما أدى إلى وضع عوائق أمام طهران، وسرّع وأسهم في بدء عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية» لمفاعلات نووية إيرانية.ويشير بيرغمان، وهو صاحب كتاب «الحرب السريّة مع إيران»، إلى تفجير «غامض في موقع عسكري لإنتاج صواريخ سكاد برؤوس نووية على الأراضي السورية، يديره إيرانيون وسوريون، في تموز عام 2007».ويضع الكاتب الإسرائيلي هذا الحادث إلى جانب اغتيال القائد العسكري في المقاومة الإسلامية اللبنانية الشهيد عماد مغنية في دمشق، في شباط 2008، ضمن سياق الحرب الخفيّة على إيران وسوريا.ولا شك في أن هذه الحرب لم يكن مداها إيران فقط، بل أينما أمكن ضرب مصالح لإيران في العالم، وخصوصاً تلك التي تتصل بالقضية الفلسطينية؛ اغتيال الجنرال السوري محمد سليمان في شهر آب من عام 2008، باعتباره أهم ضباط الارتباط مع حماس وحزب الله، لا بد أنه يأتي في هذا السياق. ولا ينفصل عن ذلك تدمير قافلة قيل إنها كانت تنقل أسلحة من إيران إلى قطاع غزة، على الأراضي السودانية، في كانون الثاني من العام الماضي. والمفاجأة هنا، أن من قام بعملية الهجوم هو سلاح الجو الإسرائيلي.ويعترف بيرغمان بأن قيادة الاستخبارات الإسرائيلية لا تعرف النوم هذه الأيام، بسبب فشل محاولات إسرائيل والغرب في تأخير المشروع النووي الإيراني.يضاف إلى ذلك طبعاً التقارير التي تفيد بأن «الموساد» طالما جنّد يهوداً إيرانيين خلال زياراتهم الدورية لعائلاتهم في إسرائيل، التي ينتقلون إليها عبر تركيا، حيث يستحصلون من السفارة الإسرائيلية على تصريح دخول منفصل عن جوازات سفرهم الإيرانية.وتتوالى الأحداث الأمنيّة، لتصل إلى ذروتها مع اضطرابات حزيران الماضي، التي بدأت على خلفية نتائج الانتخابات الرئاسية، ووُظّف جانب منها لمصلحة مشاريع الاستخبارات ضد إيران. أحداث حرّكت لدى الغرب الشعور بالحنين إلى الثورات المخملية والفتنة الداخلية.لذلك، كانت اتهامات الحكومة الإيرانية لواشنطن ولندن وبعض وسائل الإعلام الغربية، تشير بوضوح إلى ما تمخّضت عنه الحروب السريّة ضد نظام الملالي. فالسلطات الإيرانية عززت اتهاماتها هذه باعتقال عدد من الصحافيين والأكاديميين الإيرانيين والأجانب، الذين «اعترفوا» بأن لهم علاقات مع بعض الشبكات المعارضة والأجهزة الاستخبارية في الخارج.في المقابل، حكمت محكمة بريطانية على الضابط دانيال جيمس، الذي عمل مترجماً لدى قوات حلف شمالي الأطلسي في أفغانستان، بالسجن عشر سنوات بعد إدانته بتهمة التجسس لحساب إيران.وفي عام 2007 أيضاً، طردت السلطات الفرنسية الطالب الإيراني فرشاد مباشر فرد (28 عاماً)، الذي يتابع دروسه في مدرسة الألغام في باريس، بعد الاشتباه في نشاطه التجسسي.كذلك اعترف الطبيب النفسي الإسرائيلي ديفيد شامير، في عام 2008، بالتخابر لمصلحة إيران.إضافة إلى ذلك، اعتُقل عدد من الأكاديميين الأميركيين من أصل إيراني بتهم التجسس. لكنّ السلطات أفرجت عنهم بعد فترات معينة، بكفالات مالية. وربط بعض المحللين احتجاز هؤلاء باختطاف قوات الاحتلال الأميركية في العراق لخمسة إيرانيين بتهمة تقديم الدعم للمقاومة العراقية، في عام 2007.


الـ«سي آي إيه» والثورة
يكشف تقرير لمجلة «سرّي جداً»، الدوريّة الألمانية المتخصصة في الأمن، صدر في عام 2005 تحت عنوان «سي آي إيه» ضد إيران، أن الإدارة الأميركية بدأت تسعى، إثر نجاح ثورة عام 1979، إلى تعويض علاقاتها الأمنية التي فقدتها مع جهاز «السافاك»، من خلال إعادة هيكلة المجموعات وشبكات الاتصال والتجسس، التي ضمّت مسؤولين وضباطاً وعناصر سابقين في الجيش والاستخبارات الإيرانيين.ويشير التقرير إلى علاقة أول رئيس جمهورية في عهد الثورة، أبو الحسن بني صدر (الصورة)، مع الـ«سي آي إيه»، والتي اكتُشفت، ما دفعه إلى الفرار خارج البلاد. وينقل عن أحد الدبلوماسيين الأميركيين، وكان ضابطاً للأمن، عزم واشنطن آنذاك على تأليف قوة كردية مؤلفة من 30 ألف عنصر، للعمل على إضعاف الثورة.
الأخبار: ٢١ كانون الثاني ٢٠١٠

لعنة «صديق العرب» تُلاحق الليبراليّين



يورغن موليمان (أرشيف)رغم مرور 7 سنوات على مقتله، لا تزال لعنة السياسي الألماني، يورغن موليمان، تلاحق رفاقه، بمزيد من الغرامات المالية التي أرهقت ميزانيّة الحزب الليبرالي
معمر عطوي
في سياق مسلسل طويل من المحاكمات التي طاولت تصرفات الرئيس السابق للحزب الديموقراطي الحر (FDP)، الراحل يورغن موليمان، بسبب «فضائح مالية»، قضت محكمة برلين الإدارية أخيراً بتغريم الحزب (الليبرالي)، الذي يتزعمه وزير الخارجية غيدو فيستر فيله، بمبلغ 4.3 ملايين يورو.صحيفة «برلينر»، التي تناولت الموضوع على مدى أيام، أوضحت أن هذه الغرامة هي بمثابة عقاب للحزب بسبب «فضيحة التبرعات غير القانونية»، التي تقاضاها موليمان حين كان نائباً لرئيس الحزب، ورئيساً لفرع ولاية «شمالي الراين ـــــ فيستفاليا»، قبيل الانتخابات الاتحاديّة في عام 2002. وتتحدث «برلينر» عن «لعنة تسمى يورغن موليمان أصابت فيسترفيله، الذي تلقى من رئيس البرلمان الاتحادي (البوندستاغ)، نوربرت لاميرت، آثار موليمان الكارثية».وتقول إن موليمان، الذي شغل مناصب عديدة خلال حياته السياسية، منها نائب المستشار ووزير للاقتصاد، تلقى أواسط التسعينيات ما مجموعه مليونا يورو، من مناصري الـ«FDP»، على حسابات الحزب المصرفية. وخلال المعركة الانتخابية في عام 2002، تلقى مليون يورو من جهة غير معروفة، وبطرق غامضة، لتمويل منشورات وصفتها السلطات بأنها معادية للسامية.وفي الواقع، فإن هذه المنشورات التي أثارت حفيظة نائب رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، ميشال فريدمان، لم تكن سوى ذريعة، أراد من خلالها الأخير الانتقام من موليمان، الذي كان مناصراً للقضية الفلسطينية. أمّا القضية الأخرى، التي زادت من حدة نزاعه مع المجلس اليهودي، فكانت دعوته النائب الإقليمي عن حزب الخضر، جمال قارصلي، إلى ترك حزبه والانضمام إلى الـ«FDP»، وذلك بسبب مواقف قارصلي ذي الأصل السوري، الذي انتقد سياسة رئيس حكومة إسرائيل الأسبق، أرييل شارون، تجاه الشعب الفلسطيني، ووصفها بحرب إبادة.وفي مقابلة مع القناة الثانية للتلفزيون الألماني، رد موليمان، الذي كان يرأس جمعية الصداقة العربية ـــــ الألمانية، على الهجمات التي طاولته شخصياً، مركّزاً نقده على فريدمان، بالقول: «أخشى أن لا أحد يُسهم في نمو المعاداة للسامية، الموجودة في ألمانيا، التي يجب أن نكافحها، بقدر ما يُسهم بها السيد شارون وفي ألمانيا السيد فريدمان، بأسلوبه المتعجرف غير المتسامح والمثير للاشمئزاز. يجب أن يكون بالإمكان إثارة النقد تجاه سياسة شارون من دون أن يكون التصنيف في خانة معينة».ولعب معظم خصوم الحزب الحر، من الأحزاب الأخرى المنافسة، على وتر نغمة «المعاداة للسامية» حتى ينالوا من موليمان وحزبه. لكن الأخير وفيستر فيله والعديد من أعضاء الحزب الحر، رفضوا هذه الاتهامات بغضب.هذه الأحداث، التي مرّ عليها أكثر من سبع سنوات، ظلّت تلاحق بطيفها مسؤولي الـ«FDP»، ففي تشرين الثاني الماضي، قام وزير الخارجية بأول زيارة إلى إسرائيل والضفة الغربية منذ تعيينه في منصبه، وسط أحاديث عن امتعاض إسرائيلي عام من هذه الزيارة، حيث لا يزال الحزب الليبرالي مدموغاً بصبغة موليمان، رغم مصرع الأخير في ظروف غامضة عام 2003 أثناء ممارسته رياضته المفضلة، القفز بالمظلة، في منطقة كولونيا غرب البلاد.
الأخبار: ٢٢ كانون الثاني ٢٠١٠

14‏/1‏/2010

عصام حمد في " أول آكل للحم الحيوان": الجنس مستتراً خلف الرمز




معمر عطوي

جميل أن تكتب قصة، لكن الأجمل أن تستخدم لغة رمزية تمكنك من اخفاء معالم تعابيرك الاباحية، خلف مشهدية كوميدية وأحداث متقمصة في تعابير سائدة، لا يمكن لحظ مدلولاتها بسهولة.هذه اللغة الرمزية هي ما تميزت به المجموعة القصصية الثانية للكاتب عصام حمد "أول أكل للحم الحيوان"، الذي عودنا في مجموعته الأولى "المنعطف المضاء" وفي روايته "طموح مخطوطة"، على لغة جديدة يتغيّر فيها الشكل عن المضمون. لغة تخفي خلف تعابيرها الرمزية عالم آخر يتمّرد على التابوهات والمحرّمات، ويحمل رسالة غير أيديولوجية لمجتمع آخر وذهنية أخرى قد تكون سائدة في الواقع، لكنها كامنة في ما هو مسكوت عنه في أدبياتنا وأحاديثنا العامّة.في مجموعته الجديدة، يعود بنا حمد الى سيغموند فرويد، ليتحدث عن عقدة أوديب، بطريقة مبطّنة تختفي خلف أطباق الطعام واللحوم المحرّمة على البعض والمتاحة للبعض الآخر.لعلّ "قصة "أول آكل للحم الحيوان"، تلك التي تتحدث عن الولد الممنوع من أن ياكل اللحوم، فيما يجوز لوالده ذلك، هي القصة الابرز الذي يستحق الكتاب عنوانها. ذلك الولد الذي يتمرد على ما هو ممنوع وما هو مسموح ليجتاح "قن" دجاج الجيران، ممسكاً باحدى دجاجاته تمهيداً لاكلها. "أمّا فضيحة ياسر ودجاجة أم نعمة فقد كبرت بهمس الأفواه في الآذان: نتف ريشها، التهم فخذيها، ذبحها وأجرى دمها! وبدلاً من أن يستدرّ ذلك عطف أهل الحارة على الدجاجة المسكينة، باتوا يتجنبونها ويحبسون حيواناتهم عن الاختلاط بها..". صور رائعة يرسمها حمد لشاب ضاجع ابنة جيرانه في مجتمع يرفض الجنس خارج اطار الزواج.وفي المقابل، قد يكون تجسيد دور البنت في دجاجة، أمر مجحف بحق الفتاة ، واساءة الى انسانيتها. لكن الكاتب اراد ان ينقلنا الى عالم آخر، غير ملتفت الى تداعيات هذا التغيير في شكل شخوصه، مركّزاً على جوهر المشكلة التي أراد طرحها باسلوبه القصصي الجذّاب.ويبدو أن بعض التعابير كانت واضحة في دلالاتها. اذ يقول "عاد ياسر الى حجرته على أمشاط قدميه وهو يتحسس فكّه الأسفل في خوف شديد، إنّ لي نابين صغيرين.. طويل مستدّق. أيكون هو الآلة لتمزيق اللحم؟ نعم، إنه لكذلك ! فهل يخلع لي أبي نابي حقاً؟.في القصة نفسها تتجلّى عقدة أوديب حيث يقول:"فتح الصبي فمه ليسألها عن بقعة الدم الصغيرة التي رآها يوماً على شرشف هذا السرير. ولكنه عدل في اللحظة الأخيرة عندما أدرك فجأة أن أباه إنمّا يأكل لحماً في هذه الحجرة! هي حجرة منعزلة، مزدوج بابها بقفل ومفتاح. انه لا يريد أن يطعمني مما يأكله من لحم، ويحاذر أن أراه وهو يأكله! وما شأن أمي في الأمر؟ هي كل شيء! أليست التي تعد له اللحم في ألذ طبق؟ في حين ترمي الي انا بضمة الفجل!".يتعاطى عصام حمد مع الجسد بأريحية مغلّفة بالرموز خصوصاً في قصة "إجاصّة" التي يخيّل للقارىء أن أحداثها تدور في بستان في حين أنها دلالة رمزية لعضو المرأة التناسلي ونظرة المجتمع لهذا العضو وكيفية تعاطيه مع الجسد. يقول هنا "توقّف بلوطة، الحارس العجوز، في ساحة القرية أمام بوابّة صغيرة ينفرج عنها الى الجانبين جدران ممتدّان- متنبّهاً الى واجب حراسة البستان الذي تنفتح عليه".لقد حاول حمد في مجموعته المتواضعة، لا سيما أنه الكاتب المغمور الذي لم يأخذ حقه في المشهد الثقافي، لهروبه من الأضواء، أن يقدّم عملاً ابداعيّا يبوح فيه بهواجسه وهواجس الكثيرين من أبناء المجتمعات التقليدية. لعلّه وُفّق في هذا الطرح، وان كان قد وقع في بعض الأخطاء البسيطة والشذرات التي لا بد منها.ويتضمن كتابه الصادر عن مؤسسة الاكسبرس، 12 قصة: المتعريّة، أول آكل للحم الحيوان، الممثل الغاضب، ألم الكاحل، الوحش، السكّين، الطبّاخ والدجاجة، إجّاصة، شذوذ بدلة، الاختفاء، الأسفلت، للحجارة أكتب.
14كانون الثاني- مجلة "تحولات"

13‏/1‏/2010

إسلاميّو تركيا: من التصوّف إلى السلطة






لم يمنع النمط المتطرف من العلمانية في تركيا، من ظهور حالات الحنين نحو الخلافة الإسلامية لدى العديد من الأتراك، متحدّين الحظر المفروض على المظاهر الدينية. إذ إن علمانية الدولة، التي فرضها مصطفى كمال أتاتورك منذ عام 1923، وحماها العسكر عقوداً، لم تتمكن من التصدي لخروق عديدة تمكّن الإسلاميّون في نهايتها من الوصول إلى عرش السلطة









معمر عطوي



لم يكن وصول حزب الرفاه الإسلامي، بقيادة نجم الدين أربكان إلى رئاسة الحكومة التركية عام 1996، سوى محطة مفصليّة توجّت تاريخاً طويلاً من الصراع بين المتديّنين ومؤسسة الجيش، الحامية لمبادئ جمهورية تركيا الحديثة. مبادئ قضت بفصل الدين عن السياسة، في بلد كان يمثّل مركز الخلافة الإسلامية لأكثر من أربعة قرون. ربما كانت الفترة التي حكم فيها الجنرال مصطفى كمال أتاتورك، أي أب الأتراك، من 1923 إلى 1938هي فترة حكم الحزب الواحد «حزب الشعب الجمهوري»، ولا سيما بعد إنشاء حزبين لم تُكتب لهما الحياة: حزب الترقّي الجمهوري (1924) والحزب الحر الجمهوري (1930).رغم ذلك، نشطت أحزاب سياسية كانت تسعى إلى تبنّي الإسلام في منظومتها الفكرية، من خلال لغة التقيّة والمواربة، منها «الحزب الديموقراطي»، بقيادة جواد رفعت أتلخان، الذي أحيل على المحاكمة بسبب «استخدامه الدين في الأغراض السياسية». كذلك «حزب النهوض الوطني»، وجمعية «بيوك طوغو» العسكرية، و«حزب الدفاع عن الإسلام». وكان الهمّ الأساسي لهذه الأحزاب إعادة البلاد إلى هويتها الدينية المفقودة.في أي حال، كانت مرحلة حكم أتاتورك هي الأقسى في طريقة تعاطي السلطة مع مظاهر التديّن. لكن إثر وفاة «أبي الأتراك»، ازداد حجم الخروق في جدار المبادئ الأتاتوركية، رغم الانقلابات المتتالية والملاحقات الأمنية وحالات حظر أحزاب وجمعيات وصحف لها طابع ديني.وتميّز عهد أتاتورك بمنع رجال الدين من ارتداء العمائم، والنساء من وضع الحجاب على رؤوسهن، وإلغاء التأريخ بالهجرية من الدوائر الرسمية والصحف والمجلات، وتغيير الحرف العربي إلى حرف لاتيني، ما مثّل في نظر العديد من الأتراك تحديّاً للغة القرآنية.










نشطت أحزاب سياسية كانت تسعى إلى تبنّي الإسلام من خلال التقيّة والمواربة
غير أن عهد مصطفى كمال، شهد نشوء ميليشيات سرية، بقيادة الشيخ سعيد البالوي، الكردي النقشبندي. ميليشيات تعاطت معها الحكومة على أنها حركة دراويش حيناً، وكحركة انفصالية كردية حيناً آخر. بيد أن الالتفاف الشعبي السريع حول هذه الحركة، وخصوصاً في الأناضول، دفع الجيش للزحف نحو معاقل «المتمردين»، واعتُقل البالوي وأُعدم عام 1925. واستدعت هذه التطورات إضافة مادة إلى قانون الخيانة الوطنية، نصّت على حظر تكوين جمعيات تستند في تحقيق غاياتها السياسية إلى الدين، واعتبار كل من يشارك في جمعيات كهذه خائناً للوطن.ولم تنتشر التعاليم الكمالية، انتشاراً واسعاً في كل تركيا، بحكم ضعف وسائل الاتصال والمواصلات آنذاك، بل بقيت في بعض المدن الكبرى والعاصمة. وحاولت السلطات، بعد وفاة أتاتورك، اتّباع بعض الليونة بغية امتصاص نقمة الشعب، فأصبحت المدارس الدينية الخاصة تعمل بموجب قانون خاص بقرار من وزارة التعليم المحلي بدءاً من عام 1947. ووافقت الحكومة على تدريس الدين في المدارس الثانوية.بعد وفاة أتاتورك (1938)، شهدت تركيا عودة لظهور جمعيات دينية، وصل عددها، بين عامي 1955 و1978، إلى ما يزيد على الألف جمعية. كذلك انتعشت الطرق الصوفية الإسلامية، مثل التيجانية والبكتاشية والنقشبندية والقادرية والمولوية والرفاعية وغيرها. وكانت هذه الطرق بمثابة الرحم الذي خرج منه قادة إسلاميّون رفيعو المستوى مثل نجم الدين أربكان وفتح الله غولن في ما بعد.ولعل أهم هذه الجمعيات، جمعية «رسائل النور»، التي أطلقها بديع الزمان النورسي، والتي تدعو الى التوفيق بين العلم والإيمان. لكن الرجل لم ينجُ من الملاحقات الأمنية والسجون بتهمة «تأسيس جمعية سريّة هدفها تحطيم الأسس العلمانية للجمهوريّة»، إلى أن توفي عام 1960.أمّا طلاب «النور» فقد تعاطفوا، في ما بعد، مع حزب «السلامة الوطني»، الذي أسسه أحد إخوانهم، وهو نجم الدين أربكان، عام 1972. لكنهم انقلبوا عليه حين دخل الحكومة في ائتلاف مع حزب الشعب الجمهوري برئاسة بولنت أجاويد. واتهموه بأنه صاحب مشاريع خيالية أثارت الجيش ضده. وشهدت فترة الحكومة الائتلافية بين أجاويد وأربكان بروز بعض المظاهر الإسلامية، إذ باتت المدارس الدينية تشرف على تعليم 10 في المئة من طلاب المدارس الثانوية.وفي خمسينيات القرن الماضي، نشأت في تركيا جمعية «السليمانية». وانتشرت في المحافظات الجنوبية، ولا سيما في أضنة. وكان معظم أعضائها من التجار الكبار. رأت هذه الجماعة أن القوانين التي تطبّق في تركيا «قوانين الشيطان المستوردة». وتعرّض رئيسها سليمان تونهان وأعضاؤها للملاحقة والسجن، إلى أن توفي تونهان عام 1959 ورفضت السلطات دفنه في مسجد محمد الفاتح في إسطنبول.وتمكن القائد الجديد لهذه الحركة، وهو صهر تونهان، كمال كاجار، من دخول صفوف حزب العدالة (علماني)، عام 1973، والفوز بمقعد في البرلمان.أمّا النقشبندية، فهي جمعية صوفية، تعرّضت لحملة أمنية واسعة في منطقة ماردين ذات الغالبية الكردية، عام 1954. هذه الحركة كانت من مؤيدي حزب السلامة الوطني (أربكان)، ثم تحولت في ما بعد إلى تأييد حزب الوطن الأم (علماني قومي). لكنها عام 1986 عادت لتؤيد حزب الرفاه، ذا التوجّه الإسلامي.إلى جانب ذلك، ظهرت الطريقة التيجانية، التي قام زعيمها كمال بيلاو أوغلو، بثورة الدراويش عام 1952، فأعدمته السلطة إلى جانب العديد من رفاقه.وقد تكون مرحلة وصول عدنان مندريس إلى السلطة عام 1951، المرحلة التي مثّلت انعطافة مهمة في تاريخ البلاد. مندريس هذا، لم يكن إسلامياً، إلّا أنه قاد انشقاقاً عام 1945 على حزب الشعب الحاكم، وأسس الحزب الديموقراطي، الذي وصل إلى السلطة عن طريق الانتخابات، عام 1950، لنجاحه في دغدغة المشاعر الدينية للشعب التركي. بيد أن مندريس، الذي ترأس الحكومة، سقط في أول انقلاب عسكري عام 1960، وأُعدم بتهمة «محاولة قلب النظام العلماني وتأسيس دولة دينية».










كان لظهور موجة فكرية إسلامية في العالم العربي، انعكاساته على الشارع التركي
كذلك، كان لظهور موجة فكرية إسلامية في العالم العربي، انعكاساتها على الشارع التركي. ولعل أبرز تجليات هذا التأثر، حزب السلامة الوطني، الذي خرج من رحم «حزب النظام الوطني» بقيادة أربكان. لكن هذا الحزب حلّته السلطات عام 1971. وبعد سنوات نشأ «حزب الإبداع»، الذي حمل شعار «النضال الإسلامي في تركيا»، و«حزب الانبعاث»، الذي تأسس عام 1990. كما ظهرت «عصبة المسلمين الاشتراكيين» في أزمير. وبعدها الجماعة «القطبية»، التي تعمل بأراء المفكر الإسلامي، سيد قطب.أما «حزب الله»، فقد كان نتاجاً للثورة الإسلامية الإيرانية، وكان انتشار هذا الحزب وسط مجموعات الأكراد الشيعة. طبعاً كان ذلك إلى جانب «حزب الوحدة»، الذي يمثل الشيعة الاثني عشرية، والذي حصل في انتخابات عام 1996 على 8 مقاعد في البرلمان.على الضفة الأخرى، كانت هناك أحزاب علمانية وقومية تسلّلت إليها شخصيات إسلامية في محاولة للتغيير من الداخل. مثل حزب «العدالة» الذي تزعمه سليمان ديميرل، وانخرطت فيه بعض العناصر النورسية. وقدّم الحزب تنازلات لحزب السلامة (الإسلامي) لاعتبارات تتعلق باجتذاب الدعم العربي إلى البلاد.وعرف الحزب الديموقراطي، بميل بعض قواعده وقيادته الوسطية للإسلام. نتيجة ذلك، استُئنف الأذان باللغة العربية، وبثّ آيات من القرآن والصلاة في إذاعة أنقرة. في المقابل، لم يمنع كل هذا التحول مؤسسة العسكر من تضييق الحصار على المتدينين، واعتقال العديد منهم، وصولاً إلى القضاء على هذه الظاهرة عام 1960.لعلّ لعبة التحدّي للهوية العلمانية ولسياسة إلحاق تركيا بالغرب، تطورت منذ ظهور حزب الرفاه عام 1983، الذي وصل إلى السلطة عام 1996، في ما يشبه الانقلاب على القيم العلمانية. تسلّم رئيس الحزب، نجم الدين أربكان، رئاسة الحكومة، وبدأ بإحداث تغييرات، فتحت أعين المؤسسة العسكرية على نشاطاته «المريبة». ثم ما لبثت أن أزاحته عن السلطة بعد عام واحد، وحلّت حزبه.لكن تلاميذ أربكان عادوا إلى السلطة، في عام 2002 باسم «العدالة والتنمية»، برؤية جديدة، بعدما حققوا نجاحات في مجالس محلية، على صعيد التنمية ومحاربة الفساد، ولا سيما تميّز أداء رئيس الحكومة، رجب طيب أردوغان، خلال توليه منصب عمدة مدينة إسطنبول، حيث ترك أثراً إيجابياً في الأوساط الشعبية. ومن خلال هذه النجاحات التي قابلها فساد وخلل على الصُعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدى الإدارة العلمانية. تمكنت الحركة الإسلامية، من إيصال أحد أبنائها (الرئيس عبد الله غول) مع زوجته المحجّبة إلى قصر الرئاسة العلماني عام 2007، في حدث لم تشهده تركيا منذ سقوط الخلافة العثمانية.




نجم الدين أربكان
ولد نجم الدين أربكان، عام 1926. حصل على الدكتوراه في هندسة المحركات، من جامعة أخن الألمانية، عام 1956. وعمل أثناء دراسته في ألمانيا رئيساً لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات «كلوفز ـــــ هومبولدت ـــــ دويتز» في مدينة كولونيا. وتوصل أثناء عمله إلى ابتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود. بدأ نشاطه السياسي منذ الخمسينات، من خلال حزب العدالة، بقيادة سليمان ديميريل.ونجح، أربكان، الذي اشتهر بانتقاداته لإسرائيل، في إنشاء تجمع من النواب المتديّنين من مستقلين وأعضاء في حزب العدالة، ليكوّنوا جميعاً حزباً إسلامياً هو حزب النظام، في عام 1970 بدعم من الحركة النورسية.تولى رئاسة حزب الرفاه ورئاسة وزراء تركيا من الفترة بين 1996 و1997.
الأخبار: ١٣ كانون الثاني ٢٠١٠

12‏/1‏/2010

عقدة أنقرة تُضعِف التحالف الحاكم في برلين


الليبراليّون يتباينون مع ميركل: نقبل تركيا في النادي الأوروبي


لم يتمكّن الليبراليّون والمحافظون في ألمانيا من حلّ عقدة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، رغم توافقهم على برنامج سياسي، يتمتع بالحدّ الأدنى من الانسجام




معمر عطوي
رغم الجهود التي يبذلها طرفا الائتلاف الحاكم في ألمانيا، الاتّحاد المسيحي الديموقراطي (CDU) والحزب الديموقراطي الحر (FDP)، من أجل تفعيل تحالفهما، بعد بروز عقدة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، يبقى الاتحاد المسيحي الاجتماعي (CSU)، (ومركزه ولاية بافاريا الجنوبية)، ينفخ في رماد الخلافات الحكومية، انطلاقاً من معارضته الشرسة لأي مفاوضات حول انضمام البلد الإسلامي إلى المنظومة الأوروبية ذات الجذور المسيحية.هذه الأزمة، استفحلت نهاية الأسبوع الماضي، بعد تصريحات وزير الخارجية الليبرالي (FDP)، غيدو فيسترفيله، في أنقرة الخميس (7 -1-2010)، بشأن ضرورة إيفاء أنقرة بالتزاماتها تجاه شروط الانضمام إلى الاتحاد. موقف يشير بوضوح إلى تباين بينه وبين موقف الحليف الأكبر في الائتلاف الحكومي، الـ«CDU»، بقيادة أنجيلا ميركل، وخصوصاً أن المستشارة المسيحية المحافظة لا تنظر إلى أكثر من «شراكة مميزة» مع تركيا. وهو ما لا يرقى إلى العضوية الكاملة، الأمر الذي ترفضه أنقرة بشدّة.غير أن تصريحات وزير الخارجية الألماني، أثارت ردود فعل على المسرح السياسي الداخلي. فقد عبّر أحد قياديي الحزب الاجتماعي ( وهو الحزب الشقيق للحزب الحاكم)، هانز بيتر فريدريش، عن رفض حزبه القاطع لأي عضوية لتركيا في الاتحاد الأوروبي. وأشار في المقابل إلى موافقة على«شراكة مميزة» مع البلد الإسلامي، قائلاً لصحيفة «برلينر» إن «هذا هو رأينا، المُتاح لدينا. وحين يكون لدى السيد فيسترفيله (رأي) آخر، فهذا من حقّه».وفي اجتماع سرّي للحزب الاجتماعي في بلدة «فيلدباد كرويت» في ولاية بافاريا، تقرّرت المطالبة بـ«وقف فوري لتمديد مفاوضات الانضمام». وأشار الحزب في الاجتماع إلى أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية لدى تركيا تفصلها عن عضوية الاتحاد مسافة شاسعة.لكن صحيفة «فرانكفورتر ألغيماينه» تحدثت عن اتفاق بين حزبي التحالف، الأسود (يمثله المحافظون) والأصفر (يمثله الليبراليون). هذا الاتفاق يؤكد ضرورة إعادة تفعيل التحالف تحت عنوان «نحتاج إلى بداية جديدة حقيقية»، ولا سيما أن الخلاف بين الحزبين يطال أيضاً قضية رفع الضرائب.مع ذلك، جدد الأمين العام للاتحاد المسيحي، ألكسندر دوبرنت، تأكيد موقف حزبه في حديث إلى محطة «إي آر دي» التلفزيونية، بأن «عضوية كاملة لتركيا في الاتحاد الأوروبي غير ممكنة». أمّا وزير الخارجية، الذي أثار هذه الزوبعة، فقد أكد أن ألمانيا لن تعوق طلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مشدداً في الوقت عينه على أن عليها، أي أنقرة، أن تفي بكل المعايير اللازمة للعضوية.وقال فيسترفيله، في مؤتمر صحافي في العاصمة التركية، «دعوني أقل بوضوح إن ما تمّ الاتفاق عليه بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لا يزال سارياً. ستحترم الحكومة الألمانية هذه التعهدات. وأنا أعد بذلك»، مشيراً إلى أن «مباحثات العضوية عملية مفتوحة. وهي لا تنطوي على أي شيء تلقائياً. النتيجة لا يمكن أن تكون مضمونة منذ البداية».مما لا شك فيه أن كلام فيسترفيله كان مشروطاً بضرورة التزام تركيا «الصارم بمعايير كوبنهاغن»، التي تشمل مجالات عديدة، مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان والحرية الدينية وحرية الصحافة وسيادة القانون. إضافة طبعاً، إلى الشرط الذي تشدّد عليه ميركل وهو دعم تركيا لحل مسألة جزيرة قبرص المقسّمة بين القبارصة الأتراك واليونانيين.وهذا الأمر أكده وزير الخارجية بتشديده على أن تطبق تركيا «بروتوكول أنقرة» على قبرص. إذ إن هذا البلد العلماني، ذا الجذور الإسلامية، لا يزال يرفض فتح موانئه ومطاراته أمام السفن والطائرات الآتية من قبرص اليونانية، بحجة عدم اعتراف الاتحاد الأوروبي بالجزء الشمالي (التركي)للجزيرة.ومن المفيد الإشارة الى أن المستشار الألماني السابق (الحزب الاشتراكي الديموقراطي)، غيرهارد شرودر (1998 ــ 2005)، كان في مقدّمة المسؤولين الألمان، الذين تبنّوا قضية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.وكان يؤكد دوماً في أحاديثه وتصريحاته ضرورة احتضان الاتحاد لتركيا ومساعدتها «لتصبح جزءاً من منظومة الحزام الأمني والاقتصادي الأوروبي» في ما يمكن وصفه بسياسة الاحتواء.الأمر الهام هنا، هو أنه رغم تعنّت برلين وبعض العواصم الأوروبية الأخرى، تجاه هذه القضية، لا يمكن اتخاذ قرار بتعليق طلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، من دون إجماع بين الدول السبع والعشرين الأعضاء، التي وافقت بالإجماع في عام 2005 على بدء مباحثات الانضمام.
الأخبار:١٢ كانون الثاني ٢٠١٠

23‏/12‏/2009

جميلة بوحيرد: استغاثة مناضلة




من يصدّق أن أول مُجاهدة ضد الاستعمار في التاريخ العربي الحديث، تعاني الأمرّين من أجل كسب قوتها اليومي؟ رمز الثورة الجزائرية، جميلة بوحيرد، التي لم تستسلم لكل أساليب التعذيب الفرنسية في شبابها، تصرخ اليوم عاجزة عن دفع تكاليف علاجها وحاجاتها الأساسية. صرخة ثائرة في منتصف السبعينيات من عمرها، تخلّت عنها السلطة والمجتمع



22‏/12‏/2009

إيران ماضية في التحدي: عقوبات تُجهضها المصالح



يبدو أن عقدة اقتراح تخصيب اليورانيوم، قد تتحوّل إلى أزمة حقيقيّة بين طهران والغرب، ما لم يجرِ التوصّل إلى حل. فقد تصاعد بقوة الحديث عن عقوبات مشدّدة في أروقة الدبلوماسية الغربية. ولم يعد هناك سوى هذا الخيار بعدما أُسقِط خيار الحرب. لكن السؤال الجوهري إلى أيّ مدى قد تنجح هذه العقوبات في ظل سياسات تغليب المصالح وعمليات الالتفاف؟

الصورة: داخل مفاعل "بوشهر"في إيران
معمر عطوي

في بداية تشرين الأول الماضي، تنفّس العالم الصعداء لدى موافقة طهران على مقترح قدّمته الوكالة الدولية للطاقة الذرية يقضي بأن تسلّم طهران 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5 في المئة، على أن تزيدها موسكو إلى 19.75 في المئة قبل أن تحيلها على فرنسا لتحويلها إلى قضبان وقود نووي قادرة على إنتاج نظائر مشعّة لتُستخدم في مفاعل طهران للأبحاث الطبية.هذه الموافقة كانت مبدئية، أرادت منها طهران على ما يبدو اكتساب بعض الوقت، لتجتهد في تفاصيل الاتفاق بما يتناسب مع مصلحتها. والسبب أنها لا تريد تسليم كمية كبيرة من اليورانيوم (نحو 75 في المئة مما لديها) فتصبح أمام الغرب من دون ورقة ضغط في هذا المجال.وبعد صدور ثلاثة قرارات عن الأمم المتحدة ضد إيران، باتت الدول الغربية تطرح سؤالاً ممزوجاً بالحيرة عن جدوى هذه العقوبات، التي استطاعت طهران الالتفاف عليها، والسير قدماً في برامجها العسكرية والتكنولوجية وصولاً إلى تحقيق إنجازات.فالدول الست المعنية بوضع مسوّدة قرار عقوبات مشدّدة على إيران عاجزة عن التوصل إلى اتفاق على طبيعة هذه العقوبات حتى الآن. وبهذا الصدد، تشهد المشاورات، التي تضم كلاً من روسيا والصين وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، تباينات كبيرة بين دول مصرّة على إقرار أشدّ العقوبات، وأخرى مترددة. إلّا أن موقف روسيا، لا يزال ملتبساً أو أقرب إلى معارضة القرار، على غرار الصين.ومن الواضح، أن هذا الالتباس ظهر بعدما توصّلت موسكو وواشنطن إلى تفاهمات بخصوص عدد من الملفات الخلافية بينهما، مثل العمل على تجديد معاهدة «ستارت ـــــ 1» وإلغاء فكرة إقامة درع صاروخية في أوروبا، ونزع فتائل التفجير في القوقاز. لذلك تبدو موسكو حائرة بين ما يمكن أن تقدّمه إليها واشنطن، وإغراءات إسرائيل وبعض الدول الخليجية (من خلال شراء أسلحة روسية بمليارات الدولارات) من جهة، وبين جارتها، التي تقيم معها علاقات تجارية وعسكرية واسعة، من جهة أخرى. فحجم التبادل التجاري بين طهران وموسكو وصل هذا العام إلى 3 مليارات و500 مليون دولار. وتعمل الآن نحو 300 مؤسسة، وأكثر من ألفي خبير من روسيا، في منطقة بوشهر الإيرانية الجنوبية. أمّا الأسلحة الروسية للجمهورية الإسلامية، فقد تجاوزت مبيعاتها الـ 6 مليارات دولار. ومع ذلك، لا يمكن وصف العلاقة بين موسكو وطهران سوى بـ«زواج مصلحة»، إذ إن روسيا، الحريصة على بقاء هذه العلاقة المُربحة اقتصادياً، لم تألُ جهداً في تحويل الملف النووي الإيراني إلى ورقة من شأنها تحسين شروط الكرملين في منافسته مع الغرب.لعلّ الصين حتى الآن، هي قطب الرحى في معادلة تغليب الدبلوماسية والحوار على العقوبات.
صاروخ "سجيل-2" لحظة اطلاقه

على ما يبدو، فإن بكين تصرّفت انطلاقاً من عاملين أساسيين، الأول، يرتبط بسياستها في عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، والثاني يرجع إلى الفائدة التي حصلت عليها من إيران نتيجة العقوبات، إذ أصبح التنين الآسيوي، ومن خلفه مجموعة من الدول، محطة هامة للالتفاف على العقوبات. وحسبما تقول صحيفة «فايننشال تايمز»، فإن الصين تسدّ ثلث حاجات إيران من الوقود المكرّر.وعلى الصعيد التجاري، بلغت عقود استثمارات شركات صينية تعمل لتطوير واستثمار حقل غاز في جنوب إيران، نحو 6‚3 مليارات دولار. وتحصل الصين على 12 في المئة تقريباً، من إجمالي وارداتها النفطية من إيران. ويُتوقع أن تستورد 10 ملايين برميل يومياً من النفط، و30 في المئة من الغاز الإيراني، بحلول عام 2030، لتصبح إيران ثاني أكبر مزوّد للصين بالنفط.ومن المعروف أن للصين حدائق خلفية تتمتع بحريّة اقتصادية لافتة، وقدرات إنتاجية فائقة، فقد تجاوز حجم التبادل الاقتصادي بين إيران وشنغهاي ومحافظات آنخويي وجه جيانغ وجيانغسو في شرق الصين، ثلاثة مليارات ومئتي مليون دولار، العام الماضي.
على الضفة الأوروبية، ربما فتحت السياسة الأخيرة لطهران بتحويل عائدات النفط من الدولار الأميركي إلى اليورو الأوروبي والين الياباني، شهيّة المؤسسات المالية الأوروبية على استغلال هذا الوضع لمصلحتها اقتصادياً. فالشركات الفرنسية، التي بلغت استثماراتها في إيران مئات ملايين اليوروات، بدأت تشعر بخطورة الموقف.وهناك العديد من دول الاتحاد الأوروبي، لا ترغب في حرمان شركاتها ومصانعها الاستفادة من الطلب الإيراني. فبيانات المفوضية الأوروبية للعام الماضي، تشير إلى أن الاتحاد أصبح أكبر شريك تجاري لإيران، ولا سيّما أن الشعب الإيراني (70 مليوناً) يُحفّز الشركات والمؤسسات الكبرى في أوروبا على مواصلة التصدير إلى هذا البلد.لعلّ ما ذكرته الصحيفة الاقتصادية الألمانية «هاندلسبلات»، الثلاثاء الماضي، دليل إضافي على مدى حاجة أوروبا إلى إيران. فقد ذكرت الصحيفة أن المصارف والشركات الألمانية تشعر بالقلق من مقترحات مجموعة العمل المالي (تضم 33 دولة)، التي تهدف إلى إجبارها على تعزيز مراقبتها للصادرات إلى إيران.
ونقلت عن عضو مجلس إدارة الاتحاد الألماني للمصارف الخاصة، بيرند برابيندر، قوله «إذا كان الثمن كبيراً جداً فإننا نجازف بانسحاب المصارف من التجارة مع بعض الدول، أو بشأن بعض المنتجات». أما مسؤول التجارة الخارجية في اتحاد الصناعة الألمانية، اوليفييه فيك، فقال «هناك أصلاً نظام فاعل لمراقبة الصادرات في ألمانيا وسيجري الالتفاف عليه».ويمكن القول إنّ ما يؤلم أوروبا أكثر هو الغاز الإيراني، الذي لا تزال طهران ترفض تصديره إلى القارة القديمة من خلال «خط نابوكو». لعلها تنتظر ثمناً أوروبياً لقاء اشتراكها في هذا المشروع. ثمن لن ترضى طهران أن يكون أقل من إلغاء أو تخفيف العقوبات الاقتصادية عليها.فالحاجة الأوروبية إلى الغاز الإيراني، ملحّة أيضاً في ظل احتكار روسيا لهذه الطاقة الثمينة، واستخدامها ورقة ضغط، في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. ومن المعروف في هذا الصدد، أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطيات من الغاز بعد روسيا، إذ تبلغ نسبة ما لديها 16 في المئة من إجمالي احتياطيات العالم.هذه العقوبات، تفوّت أيضاً على الشركات الأميركية، فرصاً كبيرة في الاستثمارات النفطية في الجمهورية الإسلامية. وقد يكون من الصعب على الدول المجاورة لإيران، مثل تركيا والعراق وباكستان وأفغانستان، أن تنخرط كلياً في نظام العقوبات. ويمكن الإشارة إلى نموذج إمارة دبي، التي تُعدّ الشريك التجاري الأول للجمهورية الإسلامية، حيث تستضيف نحو 350 ألف إيراني، يعمل معظمهم في التجارة. وربما كانت مساعدة أبو ظبي للإمارة الصغيرة من أجل تجاوز أزمتها المالية، قد ارتبطت بشروط، أحدها تخفيف التعامل مع إيران، ولا سيما أن الإمارات لا تنظر بعين الود إلى جارتها الفارسية بسبب أزمة الجزر الثلاث بينهما (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى).

شبكات السوق السوداء نشطت حول العالم من أجل تفادي آثار العقوبات على إيران
في مواجهة العقوبات، أرادت إيران عدم وضع البيض في سلة واحدة، فعملت على نقل تجارتها من الغرب إلى الشرق بانتظام. لكن البدائل الإيرانية لهذه «الفجوة» الاقتصادية قد تكون في العالم العربي ـــــ الإسلامي وآسيا، حيث من المُرجَّح أن تحلّ المصارف الصغيرة ومؤسسات التمويل الإسلامية محل المصارف الأوروبية.ولن يكون لقرار حظر إمدادات البنزين المُكرّر إلى إيران، تأثير في النظام بقدر ما سيصيب الشعب الإيراني والفئات الفقيرة منه. وإذا صدقت تصريحات المسؤولين الإيرانيين، فإن الحكومة تعمل بسرعة على تنفيذ مصاف ـــــ قد تكون في دول أفريقية أو آسيوية ـــــ لتقوم بالتكرير. وهذا من شأنه توفير حاجات إيران من هذه المادة، وخصوصاً أن طهران تستورد الآن 40 في المئة من احتياجاتها من البنزين المكرّر. وتحدث وزير النفط مسعود مير كاظمي عن أن «احتمال إنتاج 100 في المئة من احتياجات البلاد من البنزين قائم في الوقت الراهن».صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية بيّنت جدوى العقوبات، حين ذكرت أن شبكات السوق السوداء نشطت حول العالم من أجل تفادي آثار العقوبات على إيران. ولفتت إلى اعتراف إحدى الشركات الهولندية بتزويد طهران طائرات أميركية وأجزاءها الإلكترونية منذ عام 2005 حتى عام 2007. من هنا، لا يمكن العقوبات أن تؤتي ثمارها في ظل سياسات تغليب المصالح لدى الدول التي تتحكم في معظمها شركات كبرى، من دون أن نغفل طبعاً، أن إيران دولة أيديولوجية، تجعل من مراكمة إيران لعناصر القوة، فرضاً دينياً لا مهرب منه.

إجراءات الأمم المتحدة
فرض مجلس الأمن الدولي ثلاث مجموعات من العقوبات على إيران. تناولت المجموعة الأولى (عام 2006) الموادّ النووية الحساسة. وجمّدت أصول الإيرانيين ذوي الصلة بالبرنامج النووي من أفراد وشركات.أمّا المجموعة الثانية (2007)، فشملت عقوبات جديدة تتعلق بالأسلحة والتعاملات المالية. ووسّعت تجميد الأصول ليشمل 28 مجموعة وشركة وفرداً آخرين يدعمون الأنشطة النووية الحساسة أو تطوير الصواريخ.المجموعة الثالثة من العقوبات (2008)، شدّدت قيود السفر والقيود المالية على الأفراد والشركات وجعلت بعضها ملزماً. ووسعت حظراً جزئياً للتجارة في السلع ذات الاستخدامات المدنية والعسكرية، ليشمل بيع أي تقنيات متعلقة بها لإيران. وأضافت 13 فرداً و12 شركة إلى قائمة الأفراد والشركات المُشتبه بتورطهم في البرنامج النوويّ.
الأخبار: ١٧ كانون الأول ٢٠٠٩

21‏/12‏/2009

حسين علي منتظري

عن عمر يناهز 87 عاماً، توفي المرجع الإيراني المعارض، آية الله حسين علي منتظري، الذي بلغت الاتهامات له إلى حدّ «الخيانة» مذ دعا إلى تقليص صلاحيات الولي الفقيه
معمر عطوي
منذ بدايات الثورة الإسلامية، كانت صور آية الله حسين علي منتظري تُعلّق إلى جانب صور مؤسس الجمهورية الإسلامية، الإمام روح الله الموسوي الخميني، على الجدران وفي المساجد والحسينيات، على أنه أحد أهم رجالات الثورة. لكن الرجل، الذي عُرف بأسلوبه النقدي للسياسات المتّبعة، وخصوصاً انتقاداته لولاية الفقيه، توفي أمس معارضاً للسلطة، التي أسهم في تأسيسها ودعمها.في مدينة نجف آباد القريبة من أصفهان، وُلد منتظري في عام 1922، في بيت صغير، لوالدين يعملان بالزراعة. وكان في بداية حياته متابعاً لدروسه إلى جانب عمله في المزرعة. غير أنه ترك المدرسة، بعدما تعرّض للجلد على أيدي أحد المعلمين، فأرسله والده إلى أصفهان حيث حضر دروساً في الأدب.بعد بلوغه سن الـ13 عاماً، غادر إلى مدينة قُم، حيث انضم إلى الحوزة الدينية. وهناك عاش في البداية ظروفاً مادية صعبة، إذ أمضى أكثر من عشرة أشهر، من دون أن يقبض منحته الشهرية من مراجع الحوزة. كان والده يعطيه مبلغاً يكفي فقط لشراء الغذاء. عن هذه الأيام يقول منتظري في مذكراته: «كنت أشتمّ رائحة الحلويات لأشهر من دون أن أكون قادراً على شراء قطعة منها».
واجه منتظري سلطة الشاه، مع غيره من علماء الدين، وتعرّض للاعتقال والملاحقات. كذلك ناصر القضية الفلسطينية في عام 1948، متطوعاً للجهاد ضد الغزاة الإسرائيليين.ولأنه كان أحد أهم رجالات الثورة الإسلامية الفكريين والمجاهدين، أطلق عليه الإمام الخميني لقب «الفقيه الأعلى» بعد أشهر قليلة من انتصار الثورة في عام 1979. لقب بقي متداولاً إلى أن عُزل في عام 1988.ويبدو أن الإمام الخميني تخلّى عنه خليفةً له، بسبب انتقاده لولاية الفقيه، التي طالب بقصرها على الأمور الدينية فقط لا السياسية، وأفكاره النقدية تجاه أساليب النظام. يومها وجّه منتظري رسالتين إلى قائد الثورة، من ضمن ثلاث رسائل تضمنت انتقادات لـ«أساليب النظام القمعية»، التي استخدمت مع المعارضين. رسائل أدت إلى عزله من منصب نائب القائد، وفرض الإقامة الجبرية المؤقتة عليه في منزله في مدينة قُم، على أن يتفرّغ للتعليم الديني، ويترك شؤون السياسة.
طالب بتقليص صلاحيات الولي الفقيه... ورفض مبايعة خامنئي
بعد وفاة الخميني في عام 1989، رفض منتظري مبايعة المرشد الأعلى الجديد، آية الله علي خامنئي. ثم قلّل، في مقالات كانت تنشرها صحف مقرّبة منه، من كفاءة المرشد وأهليته للحكم، ما عُدَّ خيانة أدت إلى فرض الإقامة الجبرية عليه في عام 1997. ومع أن الرئيس السابق محمد خاتمي كان من المقربين إليه وأحد تلامذته، بيد أنه لم يستطع خلال فترة رئاسته (1997ـــــ 2005) أن يرفع عنه الإقامة الجبرية، إلا عام 2003، لأسباب صحية. بل إن عدداً من المسؤولين تعرّضوا للمحاكمة والسجن بسبب دفاعهم عن منتظري وولائهم له. ولم تسلم عائلته ومعاونوه من ملاحقة السلطات.لقد أصبح منتظري، الذي كان محكوماً بالإعدام في عهد الشاه سنة 1975، متهماًً بـ«الخيانة» في عهد الثورة. عُرف صاحب فكرة «أسبوع الوحدة الإسلامية»، الذي تحتفي به إيران كل عام، بانفتاحه على الجميع، وبمواقفه المستقلة، التي جذبت اليه الأتباع والمُريدين. وبلغت شعبيته ذروتها في الأشهر الأخيرة بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مع اشتداد المواجهات بين المعارضة الإصلاحية والنظام. فقد وجد منتظري في هذه الحركة متنفساً له بعد سنوات طويلة من الجلوس في الظل. لذلك أصبح بمثابة المرشد الروحي لهذه المعارضة، من خلال دعمه لرئيس الحكومة السابق، مير حسين موسوي.وانتقد منتظري في العديد من المناسبات الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، بسبب سياسته الداخلية والخارجية، وموقفه من الأزمة بين إيران والغرب بسبب البرنامج النووي. ووصف إعادة انتخابه في حزيران الماضي، بأنه «أمر لا يمكن أن يقبله أي عقل سليم».وأثار منتظري جدلاً واسعاً في إيران، حين دعا إلى محادثات مباشرة بين طهران وواشنطن، لتجنّب حدوث نزاع بشأن عمليات تخصيب اليورانيوم، التي تقوم بها طهران. بل تمتع بحس نقدي ذاتي، دفعه إلى وصف حصار السفارة الأميركية في طهران في عام 1979 بأنه «خطأ»، رغم أنه اعترف بدعمه لتلك الخطوة في ذلك الوقت.وعلى خلفية الاضطرابات الأخيرة، أفتى منتظري بوجوب التصدي لـ«الحكومة الظالمة»، مؤكداً أنه إذا فقد الحاكم وبقية المسؤولين العدالة والأمانة، وقمع الأكثرية من الشعب، فإن ذلك يعني عزل الحاكم أو المسؤول تلقائياً.
الأخبار:٢١ كانون الأول ٢٠٠٩

15‏/12‏/2009

«عقدة شتازي» تلاحق نوّاباً في اليسار الألماني


مع فتح أرشيف جهاز الاستخبارات الألمانية الشرقية «شتازي»، برزت أزمة جديدة في المشهد السياسي الألماني، لعلّها شبيهة بملاحقة عملاء النازية
معمر عطوي
منذ أسابيع اهتمت الصحافة الألمانية بما عرُف بـ«عقدة شتازي»، في ظل الكشف عما بقي من أرشيف الاستخبارات التابعة لجمهورية ألمانيا الديموقراطية (DDR)، وخصوصاً بعد اكتشاف أن أحد أعضاء البرلمان المحلي في ولاية براندنبورغ (الشرقية سابقاً) كان عميلاً لجهاز «فوج الحراس ـــــ فيلكس دزيرزينسكي»، الذي سمّي بهذا الاسم تيمّناً بمؤسس الشرطة السرية السوفياتية.ولم يكن النائب ميخائيل إيغيديوس لوثهاردت، ممثل حزب اليسار في البرلمان، الشخصية الأولى ولا الأخيرة التي عملت مع شتازي، ولا سيما في حزب اليسار المتحالف مع الحزب الاشتراكي الديموقراطي في حكومة ائتلافية محلية في ولاية براندنبورغ، المحاذية للعاصمة برلين. فقد كشفت التحقيقات والاعترافات وجود أربعة نواب ـــــ على الأقل ـــــ في الحزب، كانوا على علاقة بجهاز الاستخبارات، ولا سيما أن الحزب اليساري هو وريث الحزب الحاكم «SED» في ألمانيا الشرقية (1949-1989).المفارقة أن رئيسة كتلة اليسار في برلمان براندنبورغ، كريستين قيصر، عملت متعاونةً (موظفة غير رسمية) مع «شتازي». لكن النائبة اليسارية بدت غير راضية عن تصرف لوثهاردت، في ما يتعلق بإخفاء هويته السابقة، فاعترفت بأن هذا الأمر خلق جواً من انعدام الثقة تجاه كتلتها، حسبما نقلت صحيفة «برلينر مورغن بوست» في 4 كانون الأول الجاري. لكن قيصر انتقدت أيضاً «حملة الكشف عن شتازي» الدائرة في الإعلام، معتبرة أنها تلوّث سمعة الديموقراطية.في أي حال، خلقت «عقدة شتازي» بلبلة واسعة على الساحة السياسية الألمانية. بلبلة شاركت في نسج خيوطها كل الأحزاب الفاعلة. إذ أعلن رئيس حكومة الولاية (الاشتراكي)، ماثياز بلاتسيك، أن هذه القضية أشعرته بـ«الغش والخداع»، حسبما نقلت عنه صحيفة «برلينر مورغن بوست». وسمّى بلاتسيك صراحة عضوي اليسار، غيرد ريديغر هوفمان وريناتي أدولف، على أنهما أخفيا قضية انتماء لوثهاردت إلى شتازي، معتبراً أن هذا الأمر ألحق ضرراً بالتحالف الحكومي (الأحمر ـــــ الأحمر).وقال بلاتسيك «ينبغي علينا أن نعترف. وأنا أيضاً شخصياً ينبغي أن أعترف بأننا أخطأنا»، لجهة المساءلة عن مرشحي الانتخابات، مثيراً مسألة «مشاعر ضحايا ممارسات الحزب الشيوعي».أمّا صحيفة «شبيغل أون لاين» فذكرت في عددها الصادر في الثاني من الشهر الجاري أن إزاحة الغطاء عن لوثهاردت، هي امتداد لاكتشاف عملاء سابقين آخرين من حزب اليسار، الذي يشهد «تنامياً يوماً بعد يوم». وأشارت إلى أن قضية لوثهاردت هي «السقوط السابع في كتلة اليسار»، ولا سيما بعد اكتشاف ستة عملاء من قبل.الأزمة تولّدت من أن لوثهاردت لم يكن معروفاً بأنه عضو في شتازي، حسبما يوضح مسؤول حزب اليسار في الولاية، توماس نورد. بيد أن اللافت هو أن العميل السابق، ترشّح إلى انتخابات الولاية هذا العام، وحصل على نسبة 31.4 في المئة من الأصوات (11847 صوتاً). وهو متحدث رسمي باسم حزب اليسار للشؤون الزراعية. ففي سيرته الشخصية، ذكر لوثهاردت أنه حين كان في 18 من عمره، انتسب الى الحزب الشيوعي «انطلاقاً من قناعة تامة بالاشتراكية الإنسانية»، وتحدّث عن انضمامه إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، من دون أن يتطرق إلى عمله مع الاستخبارات.لقد انتمى المهندس الزراعي إلى «فوج الحراس» بين تشرين الأول عام 1977 وتشرين الأول عام1980، حسبما أوضح ملفه في «دائرة بيرثلر»، في إشارة الى مديرة «هيئة وثائق شتازي»، ميريان بيرثلر. وسط هذه المعمعة، وجد الاتحاد المسيحي الديموقراطي، ضالّته للانقضاض على خصومه، فطالب بلاتسيك بإنهاء التحالف مع اليسار، فيما طالب الحزب الديموقراطي الحر (FDP) بانتخابات جديدة من أجل إخراج كل عناصر شتازي من البرلمان. ودفع الاتحاد المسيحي نحو 30 فتىً من شبيبته في بوتسدام (عاصمة الولاية)، للتظاهر ضد «عقدة ـــــ شتازي» و«التحالف الأحمر ـــــ الأحمر»، متّهمين الحزب الاشتراكي بالخيانة. وحملت إحدى اللافتات عبارة: «شتازي اخرج».وأبلغت رئيسة التكتل المسيحي، صحيفة «برلينر مورغن بوست»، أن «وجود عناصر سابقة من «شتازي» في التحالف الحكومي يضرّ البلد كثيراً».تجدر الإشارة إلى أنه خلال الأسبوعين الأخيرين، تم الكشف عن أربعة عناصر سابقة في كتلة اليسار، عملت مع «شتازي»، فيما كان ثلاثة من الكتلة، جاهروا بعملهم مع الاستخبارات «الشرقية».
عدد الثلاثاء ١٥ كانون الأول ٢٠٠٩

9‏/12‏/2009

المفاعلات النوويّة الإيرانيّة تتحدّى العقوبات الدوليّة



كان إعلان طهران قبل شهرين عن منشأة نووية جديدة بالقرب من مدينة قم، سبباً لأزمة أخرى مع الغرب، الذي ردّ بتقرير صدر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية انتقد إيران بسبب «نشاطها النووي السري». لكن الأخيرة، التي اعتمدت دائماً منطق التحدّي في وجه مطالب الدول الكبرى، ردّت بإعلان عزمها بناء عشر محطات جديدة لتخصيب اليورانيوم










معمر عطوي
لن تكون المحطات النووية الجديدة، التي أعلنت طهران نيّتها البدء بإنشائها وتشكك الغرب بقدرتها على تنفيذها، سوى امتداد لمشروع نووي متكامل لديه العديد من المحطات والمفاعلات، السريّة والعلنية، المنتشرة على أراضي الجمهورية الشاسعة (أكثر من مليون وستمئة ألف كيلومتر مربع). فالبرنامج النووي الإيراني بدأ بالفعل منذ خمسينيات القرن الماضي، في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وكانت آنذاك الولايات المتحدة، حليفة للنظام الملكي، فدعمت المشروع وساهمت إلى جانب حكومات أوروبا الغربية في تنفيذه.لكن الثورة الإسلامية، التي انتصرت على النظام الشاهنشاهي في عام 1979، أحدثت قطيعة مع الغرب، ما أدى إلى إيقاف البرنامج بعد الثورة مؤقتاً، ليعود متجليّاً من خلال العديد من المواقع والمحطات والمناجم والمفاعلات.وفي الوقت الذي يتهم فيه الغرب طهران بالعمل على صناعة قنبلة ذرية وفرض عقوبات دولية عليها، تبرّر إيران عمليات تخصيب اليورانيوم بسعيها إلى تطوير القدرة على إنتاج الطاقة النووية، لتوليد الكهرباء والحصول على 6000 ميغاواط من هذه الطاقة الحيوية بدءاً من سنة 2010. لذلك، تسعى الجمهورية الإسلاميّة إلى إنتاج ما بين 250 و300 طن من الوقود النووي كل عام.
تسعى إيران إلى إنتاج ما بين 250 و300 طن من الوقود النووي كل عام
لعل أهم المفاعلات النووية العاملة اليوم على الأراضي الإيرانية، والتي تتعرض لتهديد إسرائيلي متواصل بقصفها، هو مفاعل «ناتنز» وسط البلاد. هذه المنشأة تُعدّ الرئيسية لتخصيب اليورانيوم، والنقطة المحورية في النزاع النووي مع الغرب. بدأ التخصيب في المصنع منذ عام 2006. ووفق تقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تموز الماضي، فإن هذا المفاعل يحتوي على ما يقارب 4600 جهاز طرد مركزي، تغذّى باليورانيوم، فيما 3700 أخرى جرى تثبيتها، لكنها لم توضع موضع التشغيل حتى الآن. ومن ناحية قانونية دولية، فإن الموقع خاضع لمراقبة وكالة الطاقة، التي ترصده على مدار الساعة من خلال آلات تصوير خاصة بذلك.في المرتبة الثانية، يأتي مفاعل «بوشهر» الكهروذري، جنوب غرب إيران، على الساحل المقابل لدول الخليج العربية. و«بوشهر» هو أول مفاعل نووي إيراني في عهد الثورة الإسلامية، يُبنى بمساعدة روسيا منذ عام 1995. غير أنه محطة قديمة، بدأت شركة «سيمنس» الألمانية العمل بها مع بداية سبعينيات القرن الماضي، في عهد الشاه. وتبلغ قوة هذا المفاعل 1000 ميغاوات، وهو يعمل بالماء الخفيف. وسيستخدم المفاعل اليورانيوم المخصب المستورد من روسيا (وصلت الدفعات الثماني التي كان متفقاً عليها مع موسكو)، كوقود لتوليد الكهرباء، ولا سيما أن كل ما تملكه إيران من «الكعكة الصفراء»، أي اليورانيوم النقي، لا يزيد على 825 طناً. هذه الكمية لا تكفي لسد حاجة «بوشهر»، إلا لمدة 7 سنوات.ويبدو أن هذا المفاعل، أصبح رهينة للعبة الكر والفر بين موسكو وطهران، وخصوصاً أن الأولى تتعرّض لضغوط كبيرة من واشنطن وتل أبيب، لوقف العمل بهذا المفاعل. فبينما كان موعد تسليمه مرجّحاً هذا العام، لا تزال الشركة الروسية المتعهدة للمشروع «آتوم ستروي اكسبورت»، تماطل في إنهاء العمل به، تارة بحجة عدم دفع طهران للمبالغ اللازمة في الوقت المحدد، الأمر الذي ينفيه الإيرانيون دائماً. وتارة بحجة عدم جهوزيته وعدم توافر الشروط المطلوبة لتشغيله. لكن على ما يبدو، وبعد مشاركة روسيا في تقرير إدانة طهران الذي صدر عن وكالة الطاقة أخيراً، يحاول الروس ترطيب الأجواء مع شريكتهم الاقتصادية الكبرى طهران. هذا ما عبّر عنه وزير الطاقة الروسي، سيرغي شماتكو، أثناء زيارته الأخيرة إلى العاصمة الإيرانية، أواخر الشهر الماضي، بقوله إن محطة بوشهر ستكتمل قريباً، وإعلان مسؤولين روس أن موسكو تعتزم تشغيل هذا المفاعل في آذار المقبل.ويعمل مفاعل بوشهر، تحت إشراف وكالة الطاقة في كل أطواره، وهو يلبي بصورة تامة التشريعات والقواعد الدولية السارية ونظام منع الانتشار.في المستوى الثالث، يأتي مفاعل «آراك» وسط إيران. ويقع في منطقة خونداب على بعد 190 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة طهران. وقد أعلن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، في عام 2006، أن هذا المفاعل أصبح جاهزاً لإنتاج الماء الثقيل. في آب الماضي، وافقت إيران للمرة الأولى على السماح لمفتشي وكالة الطاقة بدخول المفاعل الذي تبلغ طاقته 40 ميغاوات. وتقول طهران إن التخصيب في المفاعل سيستخدم لإنتاج مواد مشعة للاستخدامات الطبية والصناعية السلمية. لكن مراقبين دوليين يرون أنه يتناسب مع إنتاج البلوتونيوم المنضّب الذي يدخل في صنع الأسلحة النووية.ومن المحطات النووية المهمة جداً أيضاً، مصنع «أصفهان» (وسط). ويقع على بعد 325 كيلومتراً جنوب شرق طهران. أعلنه الرئيس محمود أحمدي نجاد منذ أشهر، أول مصنع لإنتاج الوقود النووي. وفيه ينقّى خام اليورانيوم (الكعكة الصفراء) من الشوائب، من أجل تحويله كيميائياً إلى غاز «سداسي فلورايد اليورانيوم»؛ المادة التي تضخّ في أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم. وعلى غرار منشأة «ناتنز»، يتألف المركز من منشآت متنوعة محصّنة معظمها تحت الأرض. وذكر مدير المصنع الجديد، فجيح الله أسدي، أن المصنع هو إنتاج إيراني مئة في المئة، وأنه سينتج ماءً ثقيلاً لمفاعل آراك.



تتحدث المعارضة في الخارج عن مواقع ومفاعلات سرية يصل عددها إلى أكثر من سبعين



أمّا مفاعل «طهران» البحثي الذي يُستخدم لأغراض طبية، فقد أصبح محور الأزمة بين طهران والغرب في ما يتعلق بتأمين وقوده النووي (اليورانيوم المخصّب بدرجة 19.75 في المئة لإنتاج نظائر مشعّة تُستخدم للأغراض الطبية). يضمّ هذا الموقع أجهزة تم تفكيكها من مفاعل التخصيب السابق في شركة «كالاي» الكهربائية. ونقل تقرير عن مسؤول إيراني الشهر الماضي قوله إن إيران تحتاج ما يصل إلى 300 كيلوغرام من الوقود النووي لتلبية متطلبات مفاعل طهران لمدة عام ونصف عام.لعلّ المحور الأهم على خريطة المواقع النووية الإيرانية، مفاعل «فرود» (قرب قم) جنوبي طهران في منطقة جبلية محصّنة. خضع أخيراً لتفتيش وكالة الطاقة، بعدما أبلغت طهران الوكالة بالمشروع في أيلول الماضي، قائلة إنها أخفته بسبب تهديدات إسرائيل بقصف مفاعلاتها النووية. وأعلنت أنه يتّسع لنحو 3000 جهاز طرد مركزي، وأن أمامها نحو 18 شهراً لبدء تشغيله.وهناك مصنع «أردكان»، حيث ينقّى اليورانيوم الخام كي يصبح مُركّزاً. ويمكن أن ينتج المصنع من 60-70 طناً من اليورانيوم سنوياً. يقع هذا المصنع على بعد نحو 500 كيلومتر جنوبي غربي طهران، بالقرب من مدينة بندر عباس. وتقول تقارير استخبارية إن هذا المصنع الصغير ينتج الكعكة الصفراء سراً منذ عام 2006.إلى جانب هذه المواقع، التي أصبحت معروفة للقاصي والداني، هناك مواقع ومفاعلات أخرى سرية، قد يصل عددها إلى أكثر من سبعين موقعاً، حسبما تتحدّث المعارضة الإيرانية في الخارج.أما المناجم، فلعلّ أهمها منجم «ساغند»، الذي يحوي من اليورانيوم الخام نحو 1.5 مليون طن، بنقاوة تبلغ 553 غراماً من اليورانيوم في الطن الواحد. تم الكشف عن وجود خام اليورانيوم في هذا المنجم في عام 1985. وكان من المُزمع أن يبدأ العمل فيه مع بداية عام 2006، باستخدام 120 طناً من اليورانيوم الخام لإنتاج من 50 إلى 60 طن يورانيوم سنوياً.كذلك، تملك إيران منجم «جيهان»، الذي تعتزم من خلاله إنتاج 24 طناً من الكعكة الصفراء، سنوياً.يبقى هناك موقع «أناراك»، المُخصّص لتخزين المخلّفات النووية، إضافة إلى مجموعة من المواقع ومفاعلات البحوث الصغيرة الحجم في شمال شرق إيران، مثل «بوناب» و«رمسار». وتعمل هذه المفاعل في مجال البحوث الزراعية.وإذ تعرب طهران عن نيتها بناء عشرة مفاعلات جديدة، تبدأ العمل بها خلال شهرين حسبما أعلن الرئيس نجاد الأسبوع الماضي، يجرى العمل على إنشاء أول منشأة محلية للطاقة للنووية في دارخوواين. مشروع أعلنت طهران في عام 2007 نيتها إنشاءه في إقليم خوزستان (جنوب غرب). وقالت إنه سيكون تحت إشراف هيئة الطاقة النووية الإيرانية وبيد خبراء إيرانيين فقط، وأن طاقته ستبلغ 360 ميغاوات.ويبدو أن خريطة توزيع هذه المواقع والمفاعلات قد درست بدقّة، كي لا تتعرّض للقصف الجوي الإسرائيلي، أو الاستهداف البحري عبر السفن الغربية المرابطة في الخليج. فتمت حمايتها ببطاريات صواريخ، وتحصينها جيداً، وغالباً في مناطق جبلية تعصى على الاستهداف.
تخصيب اليورانيوم
تستخدم أجهزة الطرد المركزي لزيادة نسبة نظائر اليورانيوم 235 الصلب النقي. وتستخدم مفاعلات الماء الخفيف لإنتاج الكهرباء. وتتطلب هذه العملية أن يصل تركيز اليورانيوم 235 إلى ما بين 2.5 في المئة و3.5 في المئة.وخلال عملية التخصيب، يتمّ ضخ خام اليورانيوم في الآلاف من أجهزة الطرد المركزي بسرعة تفوق سرعة الصوت لتنقيتها. ويتم تشغيل أجهزة الطرد المركزي في مجموعات تضم كل منها 164 جهازاً. وقد طوّرت إيران أجهزة طرد مركزي من طراز «إي آر - 2». وهو أسرع ما بين مرتين إلى ثلاث مرات من النماذج السابقة. وتقول طهران إنه بات لديها أكثر من 7000 جهاز طرد مركزي. والتخصيب هو عملية ترمي إلى زيادة نسبة اليورانيوم 235، النظير القابل للانشطار في خام اليورانيوم، ليصبح صالحاً للاستخدام كوقود، أو في صنع الأسلحة النووية.
الأخبار: ٩ كانون الأول ٢٠٠٩

12‏/11‏/2009

هكذا انقلب السعوديّون على الزيديّين

القيادي الناصري محمد الصبري يحذّر من صوملة سياسيّة وجغرافيّة وزلزال يضرب المنطقة
لا يمكن اختصار أزمة اليمن «الحزين»، بحرب مذهبيّة بين سلطة ومتمرّدين، ما دامت الأصابع الخارجية تلعب بنيران هذا البلد منذ عقود، فيما تسيطر السعودية على أربع مناطق تابعة لجارتها الفقيرة
معمر عطوي
يبدو أن صورة الحرب الأهلية اليمنية، التي دارت في شمال البلاد بين عامي 1962 و1970، باتت تتكرر اليوم؛ عاد الصراع بين أطراف خارجيين بأسماء أخرى، على الساحة اليمنية، فيما كان في السابق بين الموالين للمملكة ‏المتوكّلية الزيدية المدعومة من السعودية، والفصائل الموالية للجمهوريّة العربية اليمنية، المدعومة من مصر ـــــ عبد الناصر، ومن خلفه الاتحاد السوفياتي السابق.الأمر الأكثر أهميّة في الحرب المستعرة حالياً، هو التدخّل السعودي، الذي بلغ درجة كبيرة من السفور، بعدما كانت الرياض تقف خلف السلطة اليمنية من وراء الكواليس، لمحاربة الزيديين، القاطنين على الحدود الجنوبية للمملكة الوهابية؛ فالسعودية كانت دائماً لاعباً أساسياً في المعادلة اليمنية، بما يخدم مصالحها وأهدافها الجيو استراتيجة. ولعلها في نظر شريحة كبيرة من اليمنيين، دولة محتلة لأربع محافظات كبيرة وخصبة، هي عسير ونجران وجازان و“ظهران الجنوب”.أمّا ذريعة التهريب من اليمن إلى المملكة، فهو سبب غير مبرّر لتدخّل الرياض في شؤون جارتها، على أساس مذهبي أحياناً، وآيديولوجي أحياناً أخرى.ففي هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي، المفتوح على المحيط الهندي والبحر الأحمر، الذي يمثّل صلة الوصل بين العالم العربي والقرن الأفريقي، نسيج متنوّع من المذاهب والتوجّهات السياسية، التي تسمح باستغلالها من قوى خارجية طامعة بثروات دفينة هناك، أو مدافعة عن مصالح لا حد لها.في البداية، استفاد نظام الرئيس علي عبد الله صالح، في حربه مع فصائل الجنوب الاشتراكية، عام 1994، من دعم سعودي غير منظور، وخصوصاً بعناصر “الجهاديين” والأفغان العرب، الذين جنّدتهم الاستخبارات السعودية لقتال “النظام الشيوعي المُلحد” في جنوب اليمن.
وسط الجلبة الخارجية، النظام في صنعاء مهموم بتوريث السلطة
من هنا كان دور السعودية في اليمن “خطيراً ومدمّراً”، حسبما يرى القيادي في التنظيم الناصري الوحدوي اليمني، محمد يحيى الصبري، الذي يلقي على الرياض بالمسؤولية عن الكثير مما حدث لبلاده من مشاكل.ويحدّد القيادي اليمني عام 1996 عاماً للتحول الاستراتيجي في اليمن، “إذ إن التحالف المدعوم سعودياً، بين حزب المؤتمر بزعامة الرئيس صالح مع الإسلاميين (التجمّع اليمني للإصلاح)، انفرط عقده. وبرز اللقاء المشترك للمعارضة، الذي ضم الإسلاميين والقوميين (ناصريين وبعثيين) واليساريين (الحزب الاشتراكي)”.ويبدو أن صالح “شغوف باللعب على التناقضات المذهبية”، بحسب رأي الصبري، الذي يوضح أن الرئيس اليمني، بعد خلافه مع الإسلاميين السُنّة، “حاربهم بالزيدية، فأفسح المجال لأقطاب هذا المذهب لبناء المزيد من المدارس الدينية والمساجد، وغضّ النظر عن دعم جهات خارجية لهم”.بيد أن دخول الأميركيّين على خط الأزمة اليمنية تحت شعار محاربة الإرهاب، دفع بالزيديين، ممثَّلين بتنظيم حسين الحوثي، إلى الخروج عن التحالف مع السلطة. ففي عام 2003، تظاهر الحوثيون أمام السفارة الأميركية في صنعاء، فواجهتهم الشرطة، وقتلت منهم 15 شخصاً. وهنا كانت بداية الأزمة بين الطرفين، التي رفدتها عوامل عديدة، منها الصراع السعودي ـــــ الإيراني، ومنها الوضع الاقتصادي والتنموي لمناطق صعدة، معقل الحوثيين. تطورٌ أفضى إلى عودة العلاقة الحميمة بين صالح والرياض، فكان ذلك مكسباً للحركات السلفية، التي نشطت بقوة في اليمن.من هنا، كان العامل الخارجي دائماً متأهباً لاستغلال ما يحدث في الداخل، “فخلال 8 سنوات ماضية، كان هناك حديث يدور في 3 عواصم: واشنطن والرياض والقاهرة، عن تحديد الشكل المطلوب لليمن. مصر يهمّها كثيراً ما يجري هناك استراتيجياً وأمنياً واقتصادياً. والرياض تعدّ اليمن حديقة خلفية لأمن المملكة. أما أميركا، فتعدّه أهم موقع استراتيجي في الشرق الأوسط قد يتحوّل إلى مشكلة لأمن الخليج”.وسط هذه الجلبة الخارجية، كان النظام في صنعاء “مهموماً بتوريث السلطة”، بحسب تعبير الصبري، الذي رأى أن “النظام تسلّح بذريعة أن أي تغيير سياسي في البلاد قد يؤدي إلى خراب اليمن”. لهذا، رفعت المعارضة مطلب التغيير، ورفض التوريث، وبدا تحالفها مخيفاً للسلطة.وفي ما يتعلق بوثيقة الإنقاذ الوطني، يوضح الصبري، وهو المتحدث باسم الأمانة العامة لهيئة الحوار الوطني في اليمن، أن هناك عوائق تقف أمام تحقيق مضمون هذه الوثيقة، منها “رفض السلطة العمل السلمي والتدخلات الخارجية”، محذّراً في نهاية الحديث من “الصوملة السياسية والجغرافية” لليمن، الذي إن انفرط عقده “فسيؤدي إلى زلزال سيضرب الجزيرة العربية والبحر الأحمر والمنطقة”.ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه في خضم هذه المعمعة، إلى أي مدى تستطيع الرياض أن تتحمل نتائج تدخّلها في اليمن فيما لو تمادت لعبة الأمم لجعل هذا البلد منطلقاً لتغيير خريطة المنطقة؟
عدد الخميس ١٢ تشرين الثاني ٢٠٠٩