3‏/10‏/2009

إيران وأميركا: الرقص مع الشيطان

معمر عطوي
لم تكن التحوّلات الأخيرة التي شهدتها العلاقات الإيرانية ـــــ الأميركية، هذا الأسبوع، مفاجئة لجهة كسر الجليد القائم بين البلدين منذ عام 1980. فقد سبقت هذه التحولات لقاءات سريّة وعلنيّة ومناورات إعلامية، مهّدت لجعل الرقص مع «الشيطان الأكبر» مُستساغاً.
وربما كانت دعوات الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الحوار مع طهران، خلال حملته الانتخابية وبعد فوزه بالرئاسة، ورسائل التهنئة المتبادلة بينه وبين نظيره الإيراني محمود أحمدي نجاد والمرشد الأعلى علي خامنئي، محطات هامّة في تقريب وجهات النظر.
غير أن الخطوات الأولى بدأت منذ عهد الرئيس الأسبق، البراغماتي المعتدل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي تمرّد على ثوابت الثورة من خلال فضيحة «إيران غيت». منذ تلك الحادثة، قيل الكثير عن براغماتية السياسة الإيرانية، التي تعلن المبدئية في تعاطيها مع إسرائيل «الغدة السرطانية» وأميركا «الشيطان الأكبر»، فيما تقوم بأي خطوات لازمة تجاه «العدو» إذا اقتضت مصالحها ذلك.
وبدأت تتجلّى هذه البراغماتية أكثر في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، الذي جرت خلاله أول زيارة لوزير خارجية إيراني (كمال خرازي) لواشنطن، حيث التقى نظيرته الأميركية مادلين أولبرايت في خريف عام 2000.
ثم جاء غزو أفغانستان والعراق، ليكون بمثابة القشة التي قسمت ظهر بعير المبادئ الثورية، ولا سيما أن التعاون الإيراني مع الأميركيين والبريطانيين في مهاجمة هذين البلدين لم يعد خافياً على أحد، وجرى تناوله في العديد من المحافل، على اعتبار أن عدوين لدودين مثل حركة طالبان وصدام حسين أخطر من انتشار جحافل الغزو في الخليج والمنطقة. والمفارقة هنا أن هذه التحولات في الموقف الإيراني طرأت رغم أن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش كان قد صنّف إيران في عام 2002، من ضمن «محور الشر»، فيما كانت طهران بعد أشهر قليلة توافق على محادثات بين برلمانيين من البلدين اقترحتها واشنطن.
تبعت هذه الخطوات تصريحات للمرشد الأعلى، قال فيها إن «قطع العلاقات مع أميركا ليس دائماً». تصريحات سبقتها رسالة للرئيس نجاد إلى بوش في عام 2006، يقترح فيها «وسائل جديدة» لتخفيف الاحتقان في العالم. لكن واشنطن أبدت استعدادها للمشاركة في محادثات متعددة الأطراف مع طهران إذا تخلت هذه الأخيرة عن برنامجها النووي.
هذه السياسة من الجانبين، التي كانت دائماً تُغطى بتهديدات متبادلة ومناورات عسكرية بهدف تحسين شروط التفاوض، توصلت في عام 2007 إلى عقد 3 جولات من المفاوضات بين وفدي البلدين بشأن الوضع في العراق برعاية بغداد.
وفي عام 2006، شهدت أروقة أحد الفنادق في شرم الشيخ، على هامش مؤتمر عن العراق، لقاءً بين خبراء أميركيين وإيرانيين وتبادل حديث مقتضب بين وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ونظيرها الإيراني منوشهر متكي.

وبدا في ما بعد أن اللقاءات العلنيّة بين الأميركيين والإيرانيين، ما هي إلا نتيجة طبيعية للقاءات سريّة، كشفت عنها صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، في نيسان 2008. إذ ذكرت أن واشنطن وطهران منخرطتان في مناقشات سرية عبر قناة خلفية على مدى السنوات الخمس السابقة.
الأمر الهام هنا أن أحد المفاوضين أبلغ الصحيفة يومها باقتراح أميركي يقضي بإعطاء إيران فرصة لتخصيب اليورانيوم خارج أراضيها، عن طريق «كونسورتيوم» روسي. اقتراح يبدو أنها وافقت عليه طهران هذا الأسبوع.
وفي السياق عينه، كشف وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، الذي يُعَدّ من الصقور، أنه أجرى محادثات مع الإيرانيين في وقت لم يحدده، مشيراً إلى أن «المفاوضات تعتمد على التوازن بين الحوافز والعقوبات».
وفي نهاية عام 2007، ظهر واضحاً التباين في المواقف الأميركية، وخصوصاً بين المؤسسة السياسية والمؤسستين العسكرية والأمنية، حين صدر تقرير عن 16 جهازاً استخبارياً أميركياً يعلن أن طهران أوقفت العمل ببرنامج نووي تسلّحي في عام 2003. واللافت في الأمر أن رئيس مجلس خبراء القيادة الإيرانية، رفسنجاني، كان على علم بالتقويم الاستخباري قبل صدوره، حسبما كشف مسؤول إماراتي يومها.
أمّا حصيلة هذه المسيرة الطويلة من علاقات المد والجزر بين البلدين، فقد تُوّجت بسماح أميركا لوزير الخارجية الإيراني بزيارة نادرة لواشنطن الأسبوع الحالي. خطوة سبقها سماح السلطات الإيرانية لسفارة سويسرا التي تدير المصالح الأميركية لدى طهران، بلقاء ثلاثة معتقلين أميركيين دخلوا البلاد عن طريق كردستان العراق بطريقة غير مشروعة.
وعلى ما بدا في اجتماع جنيف، الذي أفسح المجال للقاء بين مندوب إيران سعيد جليلي ونائب وزير الخارجية الأميركية وليم بيرنز، أن طهران قد أسهمت في تسهيل عملية التفاوض بتطبيقها لمطالب الجانب الأميركي، مثل إدراج البرنامج النووي على جدول المحادثات، رغم رفضها لذلك سابقاً، والسماح للمفتشين الدوليين بالوصول إلى مفاعل نووي في قم، والتزامهم بجدول زمني للقاءات جديدة.
حجر الرحى هنا موافقة طهران على تخصيب اليورانيوم في روسيا، الموقف الذي أعفى الحليف في موسكو من إحراج الموافقة على عقوبات مشددة، وطمأن العدو في واشنطن إلى أن التخصيب أصبح في منتهى الشفافية.



الأخبار ٣ تشرين الأول ٢٠٠٩

30‏/9‏/2009

سياسيّو لبنان: من يعيد العقل إلى حقله؟

معمر عطوي
يفرض عليك الواقع السياسي الراهن، الدخول في انتقائية سيئة بين اصطفافاته القائمة على اعتبارات يمتزج فيها العامل الطائفي والعائلي بالمصلحي والطبقي. اصطفافات ينتج منها خطان متوازيان في تخلّفهما وسوء إدارتهما للأمور، وإن كان المرء يجنح إلى أحدهما، أحياناً، من منطلق تقدير الفداء بالدم لا أكثر.
على مستوى لبنان، يمثّل هذين الخطين تياران يتصارعان أحياناً لدرجة محاولة الإلغاء، بذريعة التخوين أو التكفير أو الاتهام بجر البلد نحو الفتنة. ويتسلّح كل من التيارين بتسمية تلاصقه مهما جرى من تحولات أو تغيرات. فحركة «8 آذار» تصر على تسمية «المعارضة»، للتعريف عنها كمجموعة تضم أحزاباً وتيارات وشراذم وشللاً، رغم أنها جزء من الحكومة. بل تطالب دائماً بأن تكون في «حكومة وحدة وطنية» ولو بالقوة، وتحتفظ في الوقت نفسه بعنوان «المعارضة». وتفرض ما تفرضه من شروط على الطرف الآخر تحت شعار كاذب «الحفاظ على التعايش». شعار وهمي بدرجة الوهمية التي يتمتع بها شعار «لبنان أولاً».
والمفارقة أن كل فريق يتسلّح باجتهاداته الخاصة عن «الديموقراطية التوافقية»، التي ما أنزل أي قانون وضعي أو دستور مدني بها من سلطان. بل ذهب البعض بطريقة مثيرة للسخرية إلى التمييز بين أكثر نيابية وأكثرية عددية. فحين تكون مصلحة أحد الأفرقاء «الطوائف» في «تيار 14 شباط»، في عدم تغلّب طائفة معينة عددياً على الأخرى، في الوظائف العامة والمناصب الكبرى العسكرية والمدنية، يصبح اعتماد التوافق مسلّمة لا بد منها. وحين يناقض هذا النوع من الديموقراطية البدعة، التي تشبه «مجالس القبائل» في بعض الدول العربية، أو «لويا جيرغا» في باكستان وأفغانستان، يصبح اللجوء إلى الشعب «الغوغاء» مظهراً من مظاهر التمدن، حتى لو كان السبيل إليهم، استغلالاً لضائقتهم الاقتصادية والمعيشية، أو عزفاً على أوتارهم المذهبية. وهنا يكمن عقم كلتا


❞ماذا فعل فريقا 8 و14 آذار غير ترسيخ فكرة «نقاء المذهب» وارتباط الخط السياسي بـ«المقدّس»؟❝الأكثريتين، سواء كانت برلمانية أو عددية. جماهير سرعان ما تنتفض لدى سماع خطبة رجل دين من هنا أو نكتة رجل سياسة من هنالك أو تحذير من إبادة مرتقبة ضد «الجماعة»، على طريقة فبركة الخوف. والحديث عن «8 آذار» يشبه الحديث عن «دول الممانعة»، التي أُطلقت بإزاء «دول الاعتدال». والممانعة هنا أثبتت عقمها، بدليل أن هذا التعبير لم يحقق لهذا المحور من مناعة ضد «الغزو الثقافي والفكري» أو حتى العسكري، سوى الارتداد على أهل البيت من المواطنين الذين صدّقوا كذبة التصدي، فزُجّوا في السجون أو أُرسلوا للمنافي والقبور، بذريعة منافية للأخلاق السياسية والطهرانية، التي يدّعونها في مواجهة خطر الصهيونية والرأسمالية والرجعية العربية. هو تمنّع على طريقة «الدلع أو الغنج»، أو الخوف من الشعب، الذي لا بد أن يكون له دور في ممارسة النقد والتغيير ولو بعد حين من القمع ومصادرة حرية الرأي وتعميم الجهل والتخلف والأمية، بذريعة التفرّغ لمقارعة من لم تتحرك أي من هذه الدول، لمقارعته حتى حين وصل إلى حدودها، أو لا يزال يجثم على بعض أرضها.
يمكن المراقب أن يبدأ في محاكمته لهاتين الظاهرتين، من الإنسان، كمرتكز لا بد منه ومعيار أساسي في برنامج هذا التيار أو ذاك، اللذين يزعمان معاً حملهما رسالة إنسانية رائدة، وخططاً مستقبلية واعدة ووعوداً حريرية مغرية. السؤال يبدأ من الشباب، الذي يعتبر المنطلق للتغيير. ماذا فعل فريق «8 آذار» أو «14 آذار» لشباب لبنان، غير ترسيخ فكرة «نقاء المذهب» وارتباط الخط السياسي بـ«المقدّس»، بصورة لا تبتعد أبداً عن فاشية بعض دول أوروبا في بداية القرن الماضي.
ماذا فعل القيّمون على الحياة السياسية في لبنان، غير ترسيخ فكرة الخضوع للبيك والأمير والشيخ والأفندي، وأخيراً السيّد. وهل هناك في لبنان فريق يتمتع بحس تمدني آكثر من الآخر، أو ذهنية نقدية تعيد للعقل تألقه. أم أن الكل لديه القابلية لخرق القانون باسم حماية الطائفة، بل حتى بعدم الرضوخ للقانون بدءاً من خرق قانون إشارات السير ورمي النفايات من نوافذ السيارات.
هنا، لا يمكن القول إن أبناء الضاحية هم أكثر بعداً عن القانون من أبناء عكار أو بعلبك أو صيدا أو الطريق الجديدة. كل من هؤلاء لديه القابلية لسرقة خطوط الكهرباء والاحتيال على الدولة بتقديم دفاتر محاسبة وهمية في شركاته، وممارسة الإزعاج العام بمهنية عالية. كل يسرق الدولة بطريقته. وكل يتجاوز معايير السلامة العامة وقواعد سلوك المواطن الصالح، أو عدم حفظ المال العام وحقوق الآخرين، وفقاً لأسلوبه الخاص في ممارسة ذلك.
من هنا يصبح مظهر شباب لبنان هو ذلك الشباب الذي يفرغ سموم نراجيله المنتشرة في تجمعاته المناطقية أو الطائفيلة، كوسيلة وحيدة للتسلية. شباب يتعمد «لغم» عوادم سياراته لتلوّث بقدر ما تستطيع بيئة لبنان الجميلة (سابقاًُ).
هذه هي التيارات السياسية، التي لم يُسجّّل في وسائل إعلامها، وخصوصاً البصرية، سوى تعميم ثقافة التسطيح والتسخيف عن طريق تعميم ثقافة الاستهلاك، وترويج مسلسلات «رخيصة» وبرامج فضائحية، تشبه الصحافة الصفراء. والأنكى من ذلك، أنه لم يسجل لدى أي من هؤلاء برنامج أطفال أو أغان خاصة بهذه المرحلة العمرية الجميلة، ترتقي إلى مستوى تربوي يماثل ما يطلقونه من شعارات ويدّعونه من «طهرانية» أخلاقية في ممارستهم للسياسة.
الأطفال والشباب في لبنان هم من يدفع فاتورة التنافس السياسي، سواء عبر تعميم البطالة بينهم، عن طريق دفع رواتب شهرية لقاء جلوسهم في أحيائهم «لحمايتها» من الآخر القادم من الحي المجاور أحياناً. هم من يدفعون فاتورة وصول الزعماء إلى كراسيهم، ولو على دمائهم المُسالة في الطرق، ورئاتهم الملوثة بنيكوتين التنبك المعسّل وغيره من سموم أصبحت جزءاً من المشهد الاجتماعي العام.
هذا هو المشهد السائد في لبنان؛ تيارات سياسية تحمل مشاريع «تغييرية». لكن التغيير لا يتم إلا نحو التخلف والرجعية والتعصب والشوفينية والأمية. والأخطر من كل هذه الأنواع، تحدي البيئة بكل وسائل تلويثها. حتى وسائل التقنيات الحديثة باتت تستخدم لتخزين النكات الطائفية ورسائل الشحن المذهبي، أو السخرية من الآخر، الذي يُفترض أنّه (كما تقول أدبيات «القادة») شريك في الوطن.
لعل هذه الصورة السوداء، لهذا الوطن الوهمي، تؤكد عقم التهويمات بشأن «التغيير نحو الأفضل»، في ظل ترسيخ ذهنية الغلبة الطائفية، وتسويغ الاستغلال باسم الحفاظ على المقدّس. وغسل الأدمغة لتنسى تاريخ هؤلاء الحاكمين بأمرهم، بل تصوير كل شخصية «فذة» منهم على هيئة «يسوع المخلّص».
في خضم هذه الاصطفافات، من هو القادر على مخاطبة العقل؟ من هو الذي يستطيع أن يعيد العقل إلى حقله الطبيعي بدلاً من الاستمرار في مصادرته؟
«الأخبار»: عدد الاربعاء ٣٠ أيلول ٢٠٠٩

29‏/9‏/2009

انتكاسة للمسيحيين والاشتراكيين: الألمان يتمرّدون على الثنائية

معمر عطوي
لم تكن النتيجة النهائية للانتخابات الاتحادية الألمانية سوى جائزة ترضية للاتحاد المسيحي الديموقراطي (CDU)، بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل. جائزة أتت عن طريق الحزب الديموقراطي الحر (FDP)، الذي حقق أفضل نتيجة في تاريخه السياسي (14.6 في المئة)، فيما سجل الـ«CDU»، أسوأ نتيجة منذ عام 1949 (33.8 في المئة).
نتيجة بدا من خلالها أن أحزاب الصف الثاني بعد الـ«CDU» والحزب الاشتراكي الديموقراطي «SPD»، الذي مني بأسوأ نتيجة منذ 1953 (23 في المئة)، قد حققت تقدّماً نوعياً. لعلّها تسجّل رغبة الألمان الواضحة في التمرّد على هذه الثنائية الحزبية، التي لم يكن أيّ من طرفيها، خلال السنوات الأخيرة، بمستوى طموحات شعب يعيش في إحدى أهم الدول الصناعية في العالم.
ولولا تحالف الاتحاد المسيحي، بشقّيه الاتحادي والبافاري «CDU»، مع «FDP»، لما استطاع تأليف حكومة من دون الائتلاف مع الاشتراكيين، على غرار ما حصل في عام 2005، بسبب عدم نيله النسبة المطلوبة (50 في المئة) لتأليف الحكومة.
وبهذه النتيجة، تعود الحكومة الألمانية إلى زمن المستشار هلموت كول، الذي حكم البلاد بالتحالف مع الليبراليين طيلة الفترة الممتدة ما بين 1982 إلى 1998، فيما كانت حقيبة الخارجية دائماً بيد الليبراليين.
أمّا المواطن الألماني الذي عاقب الحزبين، الاشتراكي والمسيحي على السواء، فقد كان جلّ تركيزه على الشأن الاقتصادي، في ظل أزمة شملت العديد من قطاعات هذه الدولة الصناعية. لذلك انقسم ما بين مؤيّد للسياسة الليبرالية والحدّ من سلطة الدولة في القطاعات الاقتصادية، وما بين توجهات حزب اليسار، التي جذبت جمهوراً كبيراً من مؤيّدي الحزب الاشتراكي.
من المؤكد أن السياسة الداخلية هي قطب الرحى لدى الناخب الألماني، لا الموقف من الشرق الأوسط أو العلاقة مع الحلف الأطلسي. هذا ما عبّرت عنه المواطنة اللبنانية الألمانية نيرفانا غندور، التي ترى أن الألمان اقترعوا لسياسة التخفيف من حجم البطالة. وفي رأي سيكفريد ألكسندر، فإن ألمانيا ستواجه وضعاً اقتصادياً ومالياً صعباً.
من جهته، القائم بالأعمال الألماني في بيروت، ميخائيل أونماخت، يرى أن السياسة الخارجية لن تتغيّر، فيما اللبناني الألماني الدكتور عصام الجوهري يرى أن «بقاء ميركل على المسرح السياسي هو نتيجة منطقية لسياسة الحكومة الائتلافية التي تصدّت للأزمة الاقتصادية وقلّصت حجم البطالة». لكنّ الجوهري، الذي شارك في الانتخابات، كان يتمنّى فوز الاشتراكيين «الأقرب إلينا».
كذلك، راهنت المواطنة الألمانية كريس لانغه على تقدّم اليسار، الذي لم يخيّب أملها، لكنه لن يستطيع القيام بشيء في ظل تحالف «يجسّد سياسة النيو ـــــ ليبرالية، ويؤثر سلباً على الوضعين الاجتماعي والاقتصادي للألمان».



الأخبار:٢٩ أيلول ٢٠٠٩

26‏/9‏/2009

أنجيلا ميركل VS فرانك فالتر شتاينماير

منافسة حامية بين «فتاة كول» وابن النجّار على منصب «المستشار»


في مكتب في الطابق السابع من مقرّ المستشارية، لوحة للأميرة الألمانية «كاثرين العظمى»، التي أصبحت إمبراطورة روسيا. تلك هي غرفة أنجيلا ميركل التي تناضل لمنع الاشتراكي فرانك فالتر شتاينماير من احتلالها

معمر عطوي
اعتاد الإعلام مخاطبتها بـ«أقوى امرأة في العام»، بعدما أطلقت عليها مجلة «فوربس» هذا اللقب لثلاث سنوات متتالية، تلك هي أنجيلا دوروثيا ميركل (1954)، ابنة القس البروتستانتي، التي عاشت في كنف الشيوعية، لتصبح بعد ذلك أول بروتستانتية تتزعم حزباً كاثوليكياً متشدّداً هو الحزب المسيحي الديموقراطي (CDU). لقد نشطت ميركل كعضوة في منظمة الشبيبة التابعة لجمهوريّة ألمانيا الديموقراطية (الشرقية). لكنها بعد سقوط جدار برلين، أصبحت «فتاة كول» المفضّلة، حيث لازمت المستشار السابق هيلموت كول (CDU).
ورغم أن الألمان يحبون فيها تلك البساطة المعهودة والعفوية في التعاطي مع الآخرين، فإنهم مؤمنون بأن براغماتيتها الزائدة، تخفي قناعاتها الحقيقية. وقد واجهت منذ وصولها إلى منصب المستشارة عام 2005، انتقادات بسبب عدم اهتمامها بأناقتها.
درست ميركل، التي ربحت معركة المستشارة ضد منافسها الحالي، نائبها ووزير خارجيتها، فرانك فالتر شتاينماير، الفيزياء، في جامعة لايبزغ (جامعة كارل ماركس سابقاً) ونالت الدكتوراه في هذا الاختصاص.
عملت ميركل، التي تزوجت مرتين، وولدت طفلة واحدة، نادلة في حانة أثناء دراستها. وفي المرحلة التي سبقت سقوط الجدار بين الألمانيّتين، بدأت ميركل تنشط سياسياً باتّجاه التغيير، لتتحوّل إلى عنصر فاعل يدعو إلى الحرية السياسية لمواطنيها الشرقيين.
لهذا، انضمت إلى حزب «نهضة الديموقراطية» عام 1989، ثم تسلّمت بعدما أجريت أول انتخابات حرة في الشطر الشرقي، منصب المتحدثة باسم الحكومة المنتخبة، التي كانت برئاسة لوثار دي مايزيير. حكومة سبقت إعلان الوحدة الألمانية بأشهر، وشهدت سقوط الجدار.
لكنها بعد الوحدة عام 1990، انضمت إلى الاتحاد الديموقراطي المسيحي. بموجب الانتخابات الأولى التي أُجريت على مستوى ألمانيا الاتحادية «الموحّدة»، تولّت ميركل حقيبتين وزاريتين في عهد كول (1990- 1998).
استقال كول بعد هزيمته في انتخابات عام 1998 أمام زعيم الحزب الاشتراكي الديموقراطي غيرهارد شرودر، وصعدت ميركل لتصبح أمينة عامة لـ «CDU». ثم انتُخبت في سابقة تاريخية عام 2000 رئيسة للحزب، وكانت أول امرأة وأول بروتستانتية تتولى هذا المنصب في حزب له جذور مسيحية محافظة.
منذ وصلت ميركل، في 22 تشرين الثاني 2005، كأول امرأة وأول مواطن من ألمانيا الشرقية يتولى هذا المنصب، كان في طليعة اهتماماتها الخارجية، تعزيز محور برلين ـــــ باريس. كما عملت جاهدة لإعادة العلاقات الطبيعية مع واشنطن بعدما توتّرت في عهد شرودر بسبب غزو العراق. وأسهمت في تعزيز سياسة التدخل العسكري في أفغانستان، فيما رفضت انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، الذي شهد اعتماد معاهدة لشبونة، البديلة لمشروع دستوره عام 2007، فترة رئاسة ألمانيا للاتحاد.
كما سعت ميركل، التي تتحدث الروسية والإنكليزية إضافة إلى لغتها الأم، إلى ترسيخ فكرة الالتزام الألماني بأمن إسرائيل وتبني «المسؤولية الأخلاقية» تجاه اليهود في العالم. الأمر الذي دفع الجالية اليهودية في ألمانيا إلى منحها عام 2007 جائزة «ليو بيك»، التي تمنحها الجالية سنوياً. كما منحتها الجامعة العبرية في القدس المحتلة الدكتوراه الفخرية في الفلسفة.
في أي حال، ورغم نتائج الاستطلاعات التي تشير إلى تقدّمها على منافسها شتاينماير، يبقى وضع ميركل الانتخابي، غامضاً بانتظار ما ستؤول إليه أصوات الضبابيّين من المقترعين، الذين يراهنون على تحسّن مفقود في خطابها السياسي، ولا سيّما أن المناظر التلفزيونية مع شتاينماير أفقدتها بعض رصيدها الشعبي.
في المقابل، بدأ شتاينماير (1956) نشاطه السياسي منذ شبابه، حين كان عضواً في شبيبة الحزب الاشتراكي. ثم اقتفى أثر المستشار شرودر، الذي عيّنه رئيساً لمكتبه ومن ثم مستشاراً له أثناء توليه الحكم (1999- 2005).
ابن مدينة «دتمولد» في ولاية شمال الراين ـــــ فستفاليا (غرب ألمانيا)، أدى شتاينماير الخدمة العسكرية الإلزامية قبل أن يتابع دراسته في القانون والسياسة ليحصل على الدكتوراه.
وشارك شتاينماير، الذي شغل منصب رئيس مجلس شورى الاتحاد الأوروبي للنصف الأول من عام 2007، في إعداد الإصلاحات الاقتصادية في عهد شرودر. لكنه لم يستطع أن يملأ موقع الأخير لذلك خرج من تحت عباءته ليتبنّى نهجاً يمينياً وسط الاشتراكيين. راهن ابن النجار في المؤتمر العام لحزبه في برلين في حزيران الماضي، على الفوز قائلاً «إننا نريد الفوز وسنحقّقه». ودخل حلبة السباق إلى أهم منصب إجرائي في البلاد، الذي يملك صلاحيات كبيرة، على عكس رئيس الجمهورية، معتبراً أنه «سيصبح مستشاراً لكل الألمان». بيد أن صاحب الابتسامة العريضة يجهد بقوة لتحقيق تقدّم على «فتاة كول»، فيما يقف الألمان متأهّبين لحسم المعركة غداً، لعلّهم ينجحون في إيصال أحد الحزبين إلى الحكومة من دون الاضطرار إلى عقد ائتلاف صعب.



الأخبار: ٢٦ أيلول ٢٠٠٩

25‏/9‏/2009

عبء التاريخ لا يزال يثقل ألمانيا

«عقدة الذنب» تجاه إسرائيل تتحكّم في البرامج الانتخابية

لا تختلف الأحزاب الألمانية في رؤيتها لمسألة الحفاظ على أمن إسرائيل، وطناً قومياً لليهود، ذلك أن عقدة الذنب تجاه هؤلاء، والمتولّدة من ممارسات النازية التي حكمت البلاد بين عامَي 1933 و1945، لا تزال تتحكّم في طريقة التعاطي السياسي في مراكز القرار. وإذا كان البعض يتعاطى مع هذه القضية من منطلق الخضوع لوسائل الضغط اليهودية الموجودة على أرض «الرايخ الثالث»، إلّا أن بعض الأحزاب، أو الأجنحة اليسارية فيها، باتت تؤمن أن المسؤولية الأخلاقية تجاه «مظلومية اليهود» هي محض وهم، وأن الإسرائيلي الذي يبتزّ الحكومة الألمانية ومثلها الحكومات الغربية، ما هو سوى نازيّ جديد يشرّد الفلسطينيين بأموال دافعي الضرائب الألمان

معمر عطوي
على أعتاب استحقاق الانتخابات التشريعيّة في ألمانيا، التي تُجرى بعد غد الأحد، تتنافس الأحزاب على العديد من القضايا. لكن رغم أن حجر الرحى بالنسبة إلى الناخب الألماني هو القضايا الداخلية، يمثّل الشرق الأوسط، مادة حيّة في البرامج الانتخابية التي تدعو معظمها إلى استضافة «مؤتمر للسلام» بين الفلسطينيين والإسرائيليين على الأراضي الألمانية.
إلى جانب الحزبين الحاكمين، الحزب الاشتراكي الديموقراطي «SPD» والاتحاد المسيحي الديموقراطي المحافظ «CDU» برئاسة أنجيلا ميركل، هناك ثلاثة أحزاب فاعلة على الخريطة السياسية، وهي الحزب الديموقراطي الحر (الليبرالي) «FDP» والحزب اليساري وحزب الخضر.
يمكن القول إن الحزب المحافظ هو الأكثر تطرفاً في علاقته بإسرائيل، وممالئته للولايات المتحدة في مشاريعها العسكرتارية. علاقة بدأت منذ تسلّم «الاتحاد المسيحي» السلطة بعد وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، وتوّجت بلقاء «تاريخي» هو الأول من نوعه بين أول مستشار لألمانيا، كونراد أديناور (محافظ)، وأول رئيس وزراء لإسرائيل دايفد بن غوريون، عام 1952.
أمّا الحزب الاشتراكي، فرغم ميوله اليسارية وتعاطفه مع الفلسطينيين، ودعمه لمشاريع التسوية في المنطقة، لم يستطع الخروج من العقدة التاريخية. لذلك كان من الداعمين والمباركين لنشوء إسرائيل عام 1948، ثم سار في سياسة دعم هذا الكيان والدفاع عن «حقه في الوجود» ويهوديته. غير أنه في الوقت نفسه، دعم «حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنشاء دولة فلسطينية قادرة على الحياة».
رغم ذلك، تميّزت الحكومات الاشتراكية، بعلاقة جيدة مع الفلسطينيين والعرب، وأسهمت في تقديم الدعم إليهم والتعاطف مع قضاياهم. وبرز في هذا الحزب جناح يساري مثّله في الفترة الأخيرة المستشار السابق غيرهارد شرودر، الذي كان يطلق عليه الألمان لقب «غيرهارد العرب» لتعاطفه مع الشعوب العربية ومساندته لقضاياهم ورفضه المشاركة في غزو العراق عام 2003. لكن شرودر عاد وخضع للضغوط اليهودية، ووافق على بيع غوّاصتين نوويتين من طراز «دولفين» المتطورة، لإسرائيل، وبتسهيلات مالية كبيرة. وكان الحزب الاشتراكي من المؤيدين لاستخدام الشعب الفلسطيني السلاح من أجل تحرير أرضه «حسب تعريف القانون الدولي»، غير أنه في عهد نائب المستشار، المرشّح الثاني لمنصب المستشار في الانتخابات المقبلة، فرانك فالتر شتاينماير، أصبح الحزب أقرب في توجهاته إلى المحافظين.
في المقابل، يقف الحزب اليساري بقيادة أوسكار لافونتين، الذي ارتدّ عن الـ «SPD» ليؤسس مع رئيس الحزب الشيوعي السابق غريغور غيزي الحزب اليساري الجديد عام 2007، على ضفة أخرى.
لقد ورث الحزب اليساري، الاشتراكيين في بعض طروحاتهم. بل ذهب أبعد منهم في تأييده للقضية الفلسطينية، ورفضه كل مشاريع العسكرة الأميركية. وأخذ اليساريون على الحكومة الألمانية، تبعيتها للولايات المتحدة، على قاعدة أنها لا تمارس الضغط اللازم على إسرائيل لوقفها عن تعنّتها في رفض مؤتمر للسلام، وفي دعمها بناء المستوطنات والجدار العازل وإقفال المعابر وحصار غزة. ويتضمّن برنامجه مطالبة إسرائيل بالاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
في السياق نفسه، يؤمن الحزب الليبرالي «FDP» بدعم «حق إسرائيل في الوجود، وحق الفلسطينيين في الحياة الحرة الكريمة ضمن دولة مستقلة قابلة للحياة». كما وقف الحزب ضد حرب الولايات المتحدة على العراق.
وتميّز الحزب الليبرالي بشخصيات عُرفت بعلاقتها الطيّبة مع العرب، ودعمها للقضية الفلسطينية، مثل العضو البرلماني الاتحادي، القيادي الراحل يورغن موليمان، الذي كان يرأس جمعية الصداقة العربية ـــــ الألمانية.
وتعرّض موليمان لهجوم عنيف من جانب إسرائيل والمجلس المركزي لليهود في ألمانيا، بسبب ما قيل عن تورّطه في صفقات أسلحة مع العالم العربي. ثم لدعمه منظمة التحرير الفلسطينية، وقيامه بزيارة الرئيس الراحل ياسر عرفات في مقرّه في رام الله، وتفهّمه للعمل الفدائي، إلى أن اتُّهم بالعداء للسامية وبتلقّي تبرعات من دول عربية. كان يرد على هذا الاتهام بالقول إن «العرب أيضاً ساميّون فكيف أكون معادياً للسامية؟». وقد قُتل موليمان عام 2003 بحادث سقوط أثناء ممارسته للقفز بالمظلة، حيث كانت هوايته المفضلة.
يبقى على الخريطة حزب الخضر، الذي تأسس على أيدي بعض اليساريين السابقين والمدافعين عن البيئة. هذا الحزب تميّز بمواقفه الرافضة للحروب، والداعمة للديموقراطية وحقوق الإنسان. عرف الخضر قادة يساريين أمثال وزير الخارجية السابق يوشكا فيشر. لكن هؤلاء القادة، الذين كانوا مؤيدين لحركات التحرر، شهدوا تحوّلات جذرية في مواقفهم تجاه القضية الفلسطينية؛ ففيشر، الذي كان من المتحمسين في شبابه للثورة الفلسطينية، أصبح خلال توليه منصب وزير الخارجية يرى أن «إقامة علاقات جيدة مع إسرائيل ستظل من أولويات الدبلوماسية الألمانية في المستقبل».
في أي حال، تُجمع الأحزاب الألمانية، رغم تفاوت نظرتها للقضية الفلسطينية، على ضرورة التخلص من عبء التاريخ، وتحمّل وزر الأجداد. وهذا ما لا يمكن القيام به في ظل موقف ألمانيا المتماهي مع موقف الاتحاد الأوروبي، وبالتالي الولايات المتحدة، طالما أن إسرائيل بنظرهم هي ذلك الطفل المُدلّل.

15‏/9‏/2009

أكراد إيران ونضال الهويّة



نزاع بدأ قوميّاً وانتهى مذهبياً


سلّطت عملية اغتيال أحد رجال الدين الأكراد في إيران السبت الماضي (12 أيلول)، الضوء على القضية الكردية في الجمهورية الإسلامية، حيث تخوض هذه القومية، كما في تركيا وسوريا والعراق (سابقاً)، نضالاً من أجل إثبات الهوية. المفارقة أن إمام الجمعة في أحد مساجد مدينة سنندج، التابعة لمحافظة كردستان الإيرانية، ماموستا برهان عالي، كان مؤيداً للسلطة، بل هو أحد مسؤولي الحملة الانتخابية للرئيس محمود أحمدي نجاد في المحافظة الواقعة غرب البلاد. لكن ولاء الشيخ عالي لنجاد لا ينفي مشكلة قائمة منذ قرون بين الكرد والفرس، وصلت إلى أوجها مع تحول النزاع إلى سُنّي شيعي، في ظل النظام الإسلامي


معمر عطوي



تمثّل القضية الكردية في الجمهورية الإسلامية، امتداداً واضحاً لما تشهده في المنطقة الواقعة بين العراق وتركيا وسوريا وإيران. لكنها في هذه الأخيرة تأخذ منحىً ثانياً، إذ بدأ النزاع قومياً (كرد وفرس) لينتهي مذهبياً (سُنة وشيعة). ووفق إحصائيات عام 2006، فإن الأكراد يمثّّلون نحو 7 في المئة من سكان إيران البالغ عددهم نحو 70 مليون نسمة. ويعيش أكثر من ستة ملايين كردي في شمال غرب البلاد، وهم موزّعون على محافظات آذربيجان الغربية وكردستان وكرمانشاه وإيلام وهمدان ولورستان وخراسان الشمالية.في أي حال، لا يمكن الاستناد إلى الإحصائيات الرسمية، حيث تعد أعداد الأقليات سلاحاً سياسياً للسلطات والأقليات على حد سواء. سلاح تستخدمه هذه الأقليات بمضاعفة العدد من أجل تبرير المطالبة بالانفصال والاستقلال، بينما تستخدمه السلطة للتقليل من شأن هذه المجموعة البشرية، وشرعنة مصادرة حقوقها.ويبرر أكراد إيران نشاطاتهم العسكرية واحتجاجاتهم ضد السلطة، بتعرضهم «لاضطهاد منظم» من السلطات الحاكمة؛ ففي إيران، كما في تركيا، يُحظر عليهم تعلم اللغة الكردية في المدارس الرسمية، ولا يمكنهم نشر الأدب الكردي إلاّ بإشراف جهاز الاستخبارات. وذلك برغم أن البند الـ15 من الفصل الثاني من الدستور الإيراني ينص على حق الأقليات في استعمال لغاتها في المجالات التعليمية والثقافية.كذلك، هناك المادة 19 من الفصل الثالث، التي تنص على عدم التمييز بين الإيرانيين على أساس عرقي، فيما يعاني الأكراد من التمييز ضدهم في فرص العمل والقبول في الجامعات والمناصب العليا في مناطقهم.وفي محاولة تاريخية فاشلة لتحقيق وطنهم المستقل عام 1946، استغل بعض الأكراد اجتياح الاتحاد السوفياتي للأراضي الايرانية، وهروب الشاه رضا بهلوي، بسبب تعاطفه مع ألمانيا النازية، فقام أحد زعمائهم، ويدعى قاضي محمد، بإعلان «جمهورية مهيباد» الكردية.لكن الشاه، الذي خلفه ابنه محمد رضا في الحكم آنذاك، طلب من حليفته الولايات المتحدة الضغط على موسكو، ما أدى إلى انسحاب القوات السوفياتية من الأراضي الايرانية. انسحاب لم يكن في مصلحة الأكراد، الذين يدفعون دائماً فواتير النزاعات السياسية بين الدول، حيث قامت الحكومة الايرانية بإسقاط «جمهورية مهيباد» بعد 11 شهراً من إعلانها وأعدم قاضي محمد في 30 آذار 1947.في ذلك الوقت، برز الحزب الديموقراطي الكردستاني، بقيادة عبد الرحمن قاسملو، ليخوض في ستينيات القرن الماضي حرب عصابات ضد نظام الشاه في جبال كردستان الوعرة. لكن الجيش الشاهنشاهي تمكن من قتل بعض قياداتهم وتقليص نشاطاتهم.أمّا في عام 1978، فقد شاركت مجموعات كردية، في أعمال الثورة الاسلامية، بيد أن المرحلة التي تلت انتصار الثورة ودخول تشكيل الدولة، خلقت مشكلة بين الأكراد والسلطة الاسلامية، التي جعلت الفقه الشيعي مصدراً للتشريع في البلاد. مشكلة تجلّت صورتها حين رفضت السلطة الإسلامية السماح لممثلين عن الأكراد بالمشاركة في كتابة الدستور الإيراني الجديد.وتطورت فصول النزاع في ظل نظام الخميني، إذ اندلعت بين عامي 1979-1982 اشتباكات مسلحة بين القوات الحكومية والأكراد ممثلين بالحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني والحزب اليساري الكردي «كومه له».وفي العام 1983، تمكنت الحكومة من بسط سيطرتها على معاقل الحزبين. وقامت قوات الحرس الثوري الإيراني «الباسدران»، باعتقال وإعدام الكثيرين من الأكراد في إيران. وتقول المصادر الكردية إن هذا النزاع أدى الى تدمير ما يقارب 271 قرية كردية، فيما اتخذ الحزبان من العراق مقراً لهما بدعم من حكم الرئيس الراحل صدام حسين.وبعدما وضعت الحرب العراقية ــــ الإيرانية أوزارها عام 1988، تفاوض الحزب الديموقراطي الكردستاني مع حكومة طهران، لكن اغتيال قائد الحزب الدكتور قاسملو، عام 1989، قتل المفاوضات في مهدها.مع ذلك، شهد عهد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني بعض الانفتاح تجاه الأكراد. وتطورت هذه السياسة في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، حين منحت بعض الحقوق الإدارية لكردستان، وحصل اهتمام بالثقافة واللغة الكردية. وذهبت الحكومة أبعد من ذلك بتعيين أول محافظ كردي لمحافظة كردستان. وأنشئ حزب الإصلاح الكردي ومنظمة الدفاع عن حقوق الأكراد. لكن في المقابل، شهدت الأشهر الأخيرة من حكم خاتمي استقالة ستة نواب أكراد من البرلمان، بدعوى عدم اهتمام الحكومة بالمطالب القانونية والحقوق المتكافئة للأكراد.كذلك تأسس عام 2004، حزب الحياة الحرة «بيجاك»، الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني التركي. وأنشأ مواقع حصينة في جبال القنديل النائية شمال شرق العراق، وكانت أولى عملياته اختطاف 4 من عناصر الشرطة الإيرانية في آب عام 2005.في عهد الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد، تعززت المواجهات الدامية بين القوات الحكومية والفصائل الكردية. وخصوصاً أن الرئيس المحافظ متهم بالضلوع في تصفية قاسملو.ويبدو أن التغيير الذي حصل في العراق بعد احتلاله عام 2003، وما تبعه من وضع مميز حظي به أكراد العراق في إقليم كردستان، شجّع أكراد إيران على زيادة نشاطهم للمطالبة بحقوقهم. وكان نتيجة هذه التحولات ظهور «الجبهة الكردية الموحدة»، التي هدفت لتحصيل حقوق الأكراد والدفاع عن قضاياهم بالوسائل السياسية والسلمية.
جذور تاريخيّة للصراع
تشير مخطوطة قديمة من كتاب «أعمال أردشير بن باباك» الفارسية، الى أن صراعاً نشأ بين مؤسس الدولة الساسانية (الفارسية قديماً) أردشير الأول، وملك كردي كان يدعى ماديغ، وذلك كان قبل القرن الرابع عشر. في ذلك القرن، وصلت إمارة أردلان (الكردية)، إلى أوج قوتها، إلى أن أنهى الملك القاجاري (الفارسي) ناصر الدين شاه، نفوذ الأردلانيين عام 1867. وفي عهد الصفويين، تعرض الأكراد لمحاولات إخضاع. وأدّت هذه المحاولات إلى صراعات دموية انتهت بهزيمة الأكراد أثناء حكم طهمسب الأول (1514-1576)، الذي دمّر معظم القرى الكردية وتهجير ساكنيها إلى منطقة جبال البرز وخراسان.رغم هذا التباين بين القوميتين، يؤكد المؤرخون أن اللغة الكردية تنتمي إلى فرع اللغات الفارسية، التي تنتمي بدورها إلى مجموعة اللغات الهندو-أوروبية.ويتشارك الأكراد والفرس في مناسبات اجتماعية، وباعتماد تقويم السنة الايرانية، حيث يحتفلون كل عام بعيد «النوروز» الموافق لـ21 آذار.
عدد الثلاثاء ١٥ أيلول ٢٠٠٩

2‏/9‏/2009

شبح ماركس يخيّم على قلب أوروبا

اليسار الألماني يُعيد خلط الأوراق قبل الانتخابات العامّة
رغم عدم مرور عامين على ولادته، اقتحم حزب اليسار الألماني الحياة السياسية بقوة، محققاً نتائج غير مسبوقة على مستوى الانتخابات المحلية. لعل آخرها في ولايات سكسونيا وتورنغن وسارلاند. المفارقة أن هذا التقدم اليساري أتى على حساب الحزب الاشتراكي الديموقراطي (يسار الوسط) في الولاية الاولى، فيما تراجع الاتحاد المسيحي في تورنغن وسارلاند، حيث كان يحكم منفرداً كلاً من الولايتين منذ سنوات طويلة. وقبل نحو أربعة أسابيع من الانتخابات الاتحادية، التي ستفرز الحزب الأكثر شعبية لتسلّم السلطة، يجرى الحديث عن إمكان تحالف الحزب الاشتراكي مع اليسار في ما يسمى «تحالف الحمر مع الحمر»، رغم معارضة بعض الاشتراكيين لهذا التحالف
معمر عطوي
من خلال نتائج انتخابات ولايات سكسونيا وتورنغن وسارلاند (30 آب)، يمكن القول إن الحزب اليساري الألماني نجح في اقتحام الحياة السياسية، واحتل مكاناً لائقاً في المشهد العام، قد يؤهله في ما بعد لتأليف حكومة ائتلافية مع أحد الحزبين الرئيسيين في البلاد: الحزب الاشتراكي الديموقراطي «SPD»، الذي يعتبر الأقرب الى طروحات اليسار رغم اعتماده، منذ سقوط الرايخ الثالث (1945)، رؤية «واقعية» تولّف بين اقتصاد السوق ورقابة الدولة.وبدا الحزب اليساري، الذي يحظى وفق استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات العامة التي تجرى في 27 أيلول الحالي بنسبة 9 في المئة، متقدماً في ولاية تورنغن حيث حقق 27.4 في المئة، في مقابل 24 في المئة في الانتخابات السابقة عام 2004. وفي ولاية سارلاند، قفز من 15 في المئة إلى 21.3 في المئة، بينما تراجع قليلاً في سكسونيا، فنال نسبة 20.6 في المئة مقابل 21 في المئة عام 2004. أمّا الاتحاد المسيحي الديموقراطي «CDU»، فقد بقي في هذه الولاية في الطليعة (40.2 في المئة) على عكس الولايتين الأخريين.لم يكن هذا النجاح لليسار جديداً على المراقبين، إذ استبشر القيادي في حزب اليسار، ديتمار بارتش، منذ أسابيع، خيراً من هذا الاستحقاق، حين ذكر لـ«صحيفة برلينر»، أن الحزب الاشتراكي لن يتجاوز حزب اليسار خلال الانتخابات المحلية في ولايات سكسونيا وتورنغن وسارلاند. وسبق ذلك نجاح الحزب في ولايات هيسن وسكسونيا السفلى وهامبورغ، العام الماضي، حيث تجاوز اليسار نسبة الحد الأدنى من الأصوات التي تمكّنه من الدخول إلى البرلمان.هذا الواقع أدى إلى إعادة التموضع على الخريطة الحزبية لألمانيا، ولا سيما أن الحزبين الكبيرين «CDU» و«SPD»، لم تعد لأيٍّ منهما الغالبية التي قد تخوّل أحدهما لأن يؤلف الحكومة منفرداً. كذلك فإن حظوظ إعادة تحالف ما يسمى «الأحمر والأسود» القائم حالياً بين الاشتراكيين والمحافظين، برئاسة المحافظة أنجيلا ميركل، تراجعت كثيراً في ظل التباين الذي ظهر خلال الحكومة الائتلافية منذ عام 2005، والذي سُمّي تحالف الضرورة.وفي ظل الخريطة الجديدة، بات أمام الحزب المسيحي خيار التحالف مع الحزب الديموقراطي الحر الليبرالي «FDP»، فيما تتوافر معطيات أفضل للحزب الاشتراكي الذي تربطه رؤى مشتركة مع حزبي الخضر واليسار.وبات من المؤكد أن تقدّم اليساريين لم يُعِد خلط الأوراق فقط، بل أسهم في تبديل اقتناعات داخل الاشتراكيين أنفسهم، لجهة «مشروعية» التحالف مع الحزب اليساري. فقد نشأ بعد انتخابات ولاية هيسن المحليّة العام الماضي، جدل حاد وسط الحزب الاشتراكي، الذي لم يحقق وحليفه التقليدي حزب الخضر، الغالبية المطلوبة لتأليف الحكومة في الولاية. يومها أعطى رئيس الحزب، كورت بيك، الضوء الأخضر لمرشحته في الولاية، أندريا يبسيلانتي، للتحالف مع اليسار، ما أدى إلى ظهور تيارين متعارضين وسط الاشتراكيين: الأول يمثله بيك ولا يرى ضيراً من التحالف مع اليسار، والآخر يمثله نائب رئيس الحزب، بيتر شتاينبروك، الذي حذر من فقدان الحزب لصدقيته، ووزير الخارجية فرانك فالتر شتاينماير، الذي وافق أخيراً على مضض على هذا التحالف، بشرط أن يكون فقط على مستوى ولاية هيسن ولا ينسحب على مستوى الانتخابات الاتحادية للعام الحالي.وسط هذه الأجواء، بدأ الحديث يدور في أوساط المحافظين عن احتمال فرط عقد الائتلاف الحاكم في ولاية هيسن، ولا سيما بعد ظهور إشارات من الحزب الاشتراكي بإمكان انتخاب مرشحته، بمساعدة أصوات نواب حزب اليسار، لرئاسة الحكومة المحليّة. لعل التيار اليساري وسط الاشتراكيين، لا يزال يحتفظ بعلاقة ود مع أحد قياديي حزب اليسار، أوسكار لافونتين، الذي خرج من رحم الحزب الاشتراكي، منشقاً، ليؤسس مع زعيم حزب الاشتراكية الديموقراطية الشيوعي السابق، غريغور غيزي، «اليسار الجديد». ففي الحزب الاشتراكي الذي لا يزال في بعض طروحاته يتجه نحو شرائح المجتمع والنقابات العمالية، ثمة من يرى صعوبة في إقصاء حزب اليسار. بل يحلم هذا التيار بتكوين ائتلاف واسع مع اليسار والخضر، في وجه المحافظين والليبراليين. مع الإشارة هنا الى أن حزب الخضر أيضاً خرج من رحم اليسار. كما هو حال الحزب الاشتراكي الذي بدأ في أوائل القرن العشرين، ماركسياً.وكان الرئيس الألماني الأسبق، المحافظ رومان هيرتزوغ، قد توقّع في أوائل العام الماضي أن يؤدي حزب اليسار دوراً حاسماً على المستوى الاتحادي خلال الانتخابات العامة. وحذر، في مقال كتبه بصحيفة «زود دويتشه»، من مخاطر ظهور حكومات أقلية، الأمر الذي يضطر المستشار لطرح «حلول وسط شديدة الحماقة»، تهدف لدفع برنامجه وإمراره، مشيراً إلى أن ذلك سيجعل المستشار في الساحة الخارجية بمثابة «بطة عرجاء».ربما استفاد اليسار من الانعطافة الشديدة التي شهدها «الاشتراكي» حين بدأ بعد الوحدة بتبني شعار «الوسطية الجديدة». شعار دفع شريحة واسعة من مؤيدي الطروحات اليسارية والماركسية، التي كانت تجد في الاشتراكيين أفضل الممكن لتمثيلها، إلى البحث عن خيار آخر جديد.في أي حال، يبدو أن شبح كارل ماركس، عاد ليحلّق في قلب أوروبا، وبالذات فوق موطنه الأصلي ألمانيا. ففي ظل الأزمة المالية العالمية الناتجة من السياسات الرأسمالية، ورغم تصاعد التيارات اليمينية والمحافظة، ثمة شريحة أدركت أهمية طروحات اليسار في تطبيق العدالة الاجتماعية، ولا سيما أن المحافظين، ومعهم الاشتراكيون قد ذهبوا أخيراً بعيداً في ممالأة الولايات المتحدة وسياساتها.

1‏/9‏/2009

نجاد يعاني حصاراً في الداخل... والخارج

الأخوَان لاريجاني عن يمينه ورفسنجاني عن يساره والمرشد يضبط الإيقاع

معمر عطوي


يبدو واضحا أن المواجهة الساخنة بين الأقطاب والمراجع المتصارعين على المسرح السياسي الإيراني، قد انتقلت من الشارع إلى أروقة القرار، ويخوضها المتنافسون على حلبة التعيينات الوزارية والإدارية
معمر عطوي
بات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قطب الرحى في الصراع السياسي الداخلي الإيراني. صراع درجت العادة على أن يكون بين إصلاحيّين ومحافظين، لكنه بات الآن بين المحافظين أنفسهم، ولا سيّما بعد تفرّد الرئيس بقراراته عن أصدقائه المحافظين، بدرجة لا تقل عنها مع الإصلاحيّين. رغم ذلك، بدا نجاد كأنه يبعث بإشارت إيجابية إلى الداخل والخارج، بشأن إمكان حدوث تغيير في سياسته. تغيير يستهدف من خلاله التأكيد أن المرشح الخاسر مير حسين موسوي، لا يتمتع بما يتمتع به الرئيس «المتشدّد» من انفتاح اقتصادي يعتمد الخصخصة، ويعطي الدور الرائد للنساء، في جمهورية الملالي.على صعيد الملف النووي، بعث نجاد بإشارات عن استعداد طهران للتفاوض مع الغرب، مفسحاً في المجال أمام المفتشين الدوليين، لتفتيش مفاعل نووي يعمل بالماء الثقيل في آراك، بعد سنة من المنع.ليس بعيداً عن هذه السياسة، تعيين علي أكبر صالحي، المفاوض الهادئ، رئيساً لهيئة الطاقة الذرية الإيرانية. لعل ما يقوم به نجاد يوحي بأنه يضع الملف النووي في قائمة أولويات حكومته الواعدة.وربما يبحث نجاد، المُحاصر باعتراضات الداخل وعقوبات الخارج، عن كوّة يفتحها في جدار سياسته الاقتصادية العقيمة، بالتساهل قليلاً في الملف النووي، في مقابل انتعاش اقتصادي يمتص غضب الإيرانيين، ولعل بشارته الأخيرة بإمكان التوصل إلى اكتفاء ذاتي بعد عامين على صعيد تأمين البنزين المكرّر تصب في هذا السياق.يأتي هذا الإلحاح على تحريك الملف النووي، قبل أيام من تقرير معتزم سيصدر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن إيران، وعلى أعتاب المهلة الأخيرة المعطاة لطهران لتنفيذ مطالب المجتمع الدولي بوقف تخصيب اليورانيوم.أمّا صورة التنافس الدائر على حلبة التعيينات، فقد بدأت مع رفض المرشد الأعلى علي خامنئي تعيين قريب نجاد، أسفنديار رحيم مشائي، في منصب النائب الأول للرئيس، تماهياً مع موقف المحافظين، الذين انتقدوا تصريحات مشائي عن «الصداقة مع الشعب الإسرائيلي».لقد حاول نجاد في إطار الخلاف بين المحافظين، على خلفية تعيين مشائي، إيجاد مخرج لقريبه المثير للجدل، من خلال تعيينه مديراً لمكتبه. لكن هذه المحاولة لا يبدو أنها نجحت، بل نجح الطرف الآخر في ليّ ذراع نجاد، حين علّق ديوان المحاسبة، الأسبوع الماضي، مهمّات الأول، بتهمة استغلاله للسلطة.ومن الواضح أن المعركة الشهيرة بين الإصلاحيين والمحافظين، انتقلت الى داخل معسكر المتشددين أنفسهم. وبات خامنئي الذي يدعم نجاد بوضوح، أحد أهمّ ضابطي إيقاع هذه المعركة. بدا ذلك جليّاً من خلال التبدلات التي طرأت على سياسة رئيس مجلس الخبراء علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي وقف في البداية مع الإصلاحيين وهاجم الحكومة وسياسة القمع المتّبعة. بيد أنه منذ خطبة الجمعة التي ألقاها في جامعة طهران الشهر الماضي، بحضور قادة إصلاحيين، اعتمد لغة جديدة، تؤكد تقاربه مع المرشد الأعلى، ما يثير تساؤلات عن صفقة قد تكون عقدت بين الطرفين.رفسنجاني المشهور بحنكته السياسية، ونفوذه الواسع، لعب ورقة المحافظين المعارضين لسياسة نجاد، من خلال التماهي مع دعوة حوالى ثلثي أعضاء مجلس الخبراء له الشهر الماضي، لإبداء مزيد من التأييد لخامنئي. وربما ركب الرئيس الأسبق موجة المحافظين المعارضين لنجاد، الذين طالبوا الأخير «بتقديم اعتذارات إلى الشعب»، لأنه تأخر في تنفيذ أوامر خامنئي، بغية مضاعفة الضغوط عليه.

ويأتي تعيين آية الله صادق لاريجاني، رئيساً للسلطة القضائية، ليزيد الخناق على نجاد. ومعروف أن صادق لاريجاني هو شقيق رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني، الذي لا تربطه بنجاد مودة كبيرة منذ خلافهما على إدارة الملف النووي عام 2007. وبذلك باتت السلطة التنفيذية ممثلة بنجاد محاصرة بسلطتين (القضائية والتشريعية) يمثلهما الأخوَان لاريجاني، بما يشير إلى الحدّ من حركة الرئيس.قد يكون أحد تجليات هذه المحاصرة للرئيس العنيد، انتخاب وزير الأمن السابق، غلام حسين محسني اجائي، مدعياً عاماً لإيران، والذي أقاله نجاد أخيراً.لكن المعركة الأكثر ضراوةً، في هذا السياق، هي حول وزارة الطاقة، بما تمثّله من ثقل في دولة نفطية كبرى كإيران؛ فرغم نجاح نجاد في قص الأذرع العديدة لرفسنجاني داخل هذا القطاع، لا يزال الرئيس يعاني انقساماً شديداً بشأن الأسماء التي اقترحها ويقترحها لهذا المنصب.في أي حال، لن يكون سهلاً تصميم نجاد على السير بخططه، بعيداً عن الأقطاب الآخرين في البلاد؛ فمجلس الشورى سيبدأ الأحد المقبل التصويت على الثقة بكل وزير على حدة؛ من أصل 21 وزيراً اختارهم نجاد، هناك خمسة وزراء، بينهم ثلاث نساء، يواجهون إمكان عدم نيل الثقة. والأنكى من ذلك، حال الاستياء الدولي التي ستنتج من تعيين أحمد وحيدي، المطلوب بتهمة التورط في تفجيرات الأرجنتين، وزيراً للدفاع، والذي سيقدّم حجة إضافية لمحاصرة نجاد خارجياً.
عدد الثلاثاء ٢٥ آب ٢٠٠٩

13‏/8‏/2009

ألمانيا «الموحّدة» تستعدّ للانتخابات العامّة

5 أحزاب تتنافس... واليسار عنصر جديد
في مثل هذا اليوم (13 آب) من عام 1961، بُدئ ببناء جدار برلين ليفصل بين شطري ألمانيا، الشرقي «الشيوعي» والغربي «الرأسمالي». لكنّ هذا الجدار أصبح في عام 1989 رمزاً لسقوط فكرة التقسيم، بعد هدمه بأيدي الشعب الألماني من الجهتين، تمهيداً لتوحيد الجمهورية الاتحادية. توحيد استغرق تنظيمه بعض الوقت على صعيد إعادة توزيع المؤسسات السياسية والإدارات الحكومية وتموضعها. بيد أن الفشل الحكومي في ترسيخ إنماء متوازن بين شطري ألمانيا أسهم في خلق تيارات يمينيّة متطرّفة، غيّرت وجه المشهد السياسي الذي يستعد لانتخابات برلمانية عامة في أيلول المقبل، فيما دخل اليسار بقوة إلى المشهد من خلال مقاعد نيابية محليّة
معمر عطوي
من الطبيعي أن إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990 خلطت الأوراق في المشهد السياسي، وخصوصاً مع دخول حزب جديد إلى الحياة السياسية «الموحّدة»، هو الحزب الشيوعي الحاكم سابقاً في جمهورية ألمانيا الديموقراطية (DDR). مع ذلك، بقي هذا المشهد محافظاً على صورته، إذ ظلّ الحزب الاشتراكي الديموقراطي (SPD) والاتحاد المسيحي الديموقراطي (CDU) يتناوبان على السلطة، بالتحالف مع الحزب الديموقراطي الحر ـــــ الليبرالي (FDP)، والاتحاد المسيحي الاجتماعي (CSU)، وحزب الخضر، فيما يبقى هناك بعض الأحزاب الأخرى، ولا سيما الحزب اليميني القومي (النازي) الذي أثار جدلاً واسعاً بفوزه في برلمانات بعض الولايات الشرقية.يُعدّ الـ(CDU) من أعرق الأحزاب بعد (SPD) والحزب الشيوعي، إذ قام بتعيين كونراد أديناور أول مستشار ألماني للجمهورية الاتحادية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. كذلك تولّى هذا الحزب، الذي تأسس في عام 1945، عدة حكومات بالائتلاف مع الحزب الليبرالي، كان آخرها بزعامة المستشار السابق هيلموت كول (1982ـــــ1998)، الذي شهد عهد توحيد الألمانيتين.أما الحزب المسيحي الاجتماعي (CSU)، فيؤلّف تحالفاً تاريخياً مع الـ«CDU»، الذي تقوده المستشارة أنجيلا ميركل، لكنه يدخل الانتخابات في ولاية بافاريا، بينما يشارك الـ«CDU» في انتخابات كل الولايات الأخرى. وبدا واضحاً أن تأسيس هذين الحزبين «التوأم» جاء ردّة فعل على المد اليساري الاشتراكي آنذاك، ولا سيما أنهما مثّلا منذ عام 1949 جناحاً داخل مجلس النواب الألماني (بوندستاغ)، حيث يخوضان دوماً الانتخابات الاتحادية معاً.ويُعدّ الـ«CSU» وريثاً للحزب الشعبي البافاري، وهو أكثر يمينية من شقيقه الـ«CDU». ويتزعمه اليوم هورست زيهوفر. يحكم الحزب ولاية بافاريا، الأكبر والأغنى من بين الولايات الألمانية الـ16، منذ تأسيسه في عام 1949. لكنه مُني في الانتخابات المحلية الأخيرة بهزيمة تاريخية تراجعت معها قوته في هذه الولاية، التي شهدت تأسيس الحزب النازي في ثلاثينيات القرن الماضي.في المقابل، ينافس الـ«SPD» الحزب المسيحي منذ سقوط النازية. ويُعدّ من أقدم الأحزاب السياسية في ألمانيا، ويرجع تاريخه إلى عهد الثورة الديموقراطية الشعبية سنة 1848. لكنه حُظر في عهد الرايخ الثالث (1933ـــــ1945). وبعد انتهاء الحرب، أعيد تأسيسه بقيادة كورت شوماخر. كان هذا الحزب منذ البداية ممثلاً للطبقات الشعبية الفقيرة ولمصالح العمال والنقابات، لكنه ابتعد في ما بعد عن الفكر الماركسي، ليصبح حزباً «واقعياً» يحاول التوفيق بين اقتصاد السوق والاشتراكية، علماً بأن برنامجه في البداية دعا إلى تأميم الصناعات الرئيسية ومشروعات الدولة. يرأس الحزب اليوم فرانز مونتيفرينغ، فيما يمثّله في الحكومة وزير الخارجية فرانك فالتر شتاينمر.أما الحزب الديموقراطي الحر (FDP)، رغم وقوفه على مسافة من الحزبين الكبيرين، إلا أنه تميّز بتحالف تاريخي مع الحزب المسيحي. وهو تأسّس ممثلاً للاتجاه السياسي الليبرالي في عام 1948. ويرأسه الآن غودي فيسترفيلله. وغالباً ما يكون مشاركاً في الحكومات، سواء كانت ائتلافية أو من حزب واحد. وتتمثل مبادئ الحزب الأساسية في توفير الحرية الشخصية للمواطن وضمانها وتركيز المذهب الحر في التعاملات التجارية. تزعّم هذا الحزب في السابق رئيس جمعية الصداقة العربية الألمانية يورغن موليمان، الذي تعرّض لحملة شرسة من اليهود في ألمانيا بسبب دعمه للعرب ومناهضته للعنصرية الصهيونية. قتل أثناء ممارسته لرياضته المفضّلة، السقوط بالمظلة في حزيران 2003، فيما بقيت أسباب سقوطه غامضة.ومن الأحزاب الفاعلة على الساحة الألمانية أيضاً، حزب الخضر، الذي نشأ في عام 1980 على أيدي يساريّين سابقين، مثل وزير الخارجيّة السابق يوشكا فيشر، وبعض أنصار حماية البيئة. اقتحم هذا الحزب المسرح السياسي بقوة منذ عام 1984، حين دخل البرلمان للمرة الأولى. وعقب توحيد ألمانيا، أنشأ الحزب ائتلافاً مع حزب «تعاضد ـــــ الـ90»، الذي كان ناشطاً في الشطر الشرقي قبل الوحدة. وبرزت أهداف الخضر كحزب تقدّمي يدعو إلى تنمية القيم الديموقراطية في المجتمع والمساواة بين الجنسين، إضافة إلى الحفاظ على البيئة والحياة الاجتماعية الآمنة. وكان لافتاً موقفه من الأجانب، الذين خصّهم برعايته وبالمساعدة على الاندماج في المجتمع الألماني. يتزعّم حزب «الخضر» هذه الأيام كلوديا روث، والناشط التركي الأصل جيم أوزديمير.في قائمة الأحزاب ذات التمثيل أيضاً، يقف حزب اليسار الجديد، الذي شهد مخاضاً عسيراً قبل أن يولد في عام 2007. إلّا أنه حقّق الكثير من التقدّم، واستطاع أن يحصل على مقاعد في البرلمانات المحلية، ولا سيما الشرقية منها.وحزب اليسار الجديد هو وريث حزب الاشتراكية الديموقراطيّة (PDS)، الذي خلف الحزب الشيوعي الألماني، الحزب الذي حكم ألمانيا الشرقية الديموقراطية باسم «SED». تمكن هذا الحزب من دخول البرلمان أكثر من مرة، بعدما حقق نسبة الـ5 في المئة، لكنّه لم يكن في الطليعة. وأعاد هيكلة نفسه عدة مرات لتتناسب سياسته مع التحولات التي شهدتها ألمانيا ونشوء الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2007، أنشأ مع حزب «الخيار البديل للعمل والعدالة الاجتماعيّة» (WASQ) حزب اليسار الجديد بزعامة الشيوعي السابق لوثر بسكي والقيادي السابق في الحزب الاشتراكي الديموقراطي أوسكار لافونتين. تتمثل برامج الحزب السياسية في تثبيت مبادئ الاشتراكية الديموقراطية ورفع شعارات المساواة.
----------------------------------------------------------------------------------------
شراكة «المسيحي» و«الاشتراكي»
تألّفت الحكومة الاتحادية في عام 2005، بين الحزبين الرئيسين، الاشتراكي الديموقراطي والمسيحي الديموقراطي، وشغلت أنجيلا ميركل منصب المستشارة في هذا الائتلاف، الذي شهد مخاضاً عسيراً قبل ولادته، نظراً إلى تقارب النتيجة بين الحزبين. وأصبح فرانك فالتر شتاينماير (SPD) نائباً للمستشارة ووزيراً للخارجية.وتُعدّ «فتاة كول»، كما يلقبون ميركل لكونها كانت الفتاة المدللة عند المستشار السابق هيلموت كول، المرأة الأولى على رأس الحكومة الاتحادية الألمانية، وأول ألمانية شرقية. وتتألف الحكومة الألمانية الحالية من 15 وزيراً، سبعة منها للحزب المسيحي و8 للحزب الاشتراكي. وفيها 7 نساء، إضافة إلى المستشارة ميركل. أمّا أهم الوزارات التي حصل عليها الاشتراكيون فهي العدل والمال والعمل والصحة والبيئة والنقل، فيما كانت الداخلية والدفاع والاقتصاد والزراعة وإدارة شوؤن المستشارية من نصيب المحافظين.

12‏/8‏/2009

"مجاهدو خلق": بدأت قتالها مع الخميني وانتهت «منظمةً للمنافقين»

أعاد اقتحام «معسكر أشرف» التابع لـ«مجاهدي خلق» في العراق، الثلاثاء الماضي، إلى الواجهة قضية هذا التنظيم الإيراني المعارض المسلّح والمحظور، ولا سيما أن المواجهات التي حدثت في المعسكر، وأدّت إلى سقوط 7 قتلى وعشرات الجرحى، أتت بعد أسابيع من اندلاع اشتباكات دموية بين القوى الأمنية الإيرانية والمعارضة في الداخل، التي احتجّت على نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة. توقيت يثير سؤالاً عن دور «مجاهدي خلق» في الأحداث الإيرانية تلك، الذي ربما دفع النظام الإيراني إلى الضغط على حكومة العراق القريبة منه لحسم أمر هذا التنظيم. وفي ظل هذا الواقع، تبقى المنظمة تتخبط في معمعة المساومات الدولية
معمر عطوي
منظمة «مجاهدي الشعب» الإيرانية، أو «سازمان مجاهدين خلق إيران»، هي أكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية مسلّحة، تركت بصماتها الدموية على العديد من الأحداث التي مرّت بها إيران منذ عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وخلال عهد الجمهوريّة الإسلاميّة.فالمنظمة، التي تقوم فلسفتها على توليفة غريبة بين الإسلام والماركسية، لم تكن ضد الحركة الإسلاميّة بالمطلق، بل هي منذ البداية تحمل بعض المفاهيم الإسلامية، فيما يظهر معظم نسائها بالحجاب الإسلامي.ولا شك في أن المنظمة، التي أسّسها مسعود رجوي في عام 1965 مع مثقّفين وأكاديميين إيرانيين بهدف إسقاط نظام الشاه، تأثرت إلى حد كبير بثورة رئيس الحكومة اليساري، محمد مصدّق في عام 1952 على الهيمنة الأميركية البريطانية. من هنا كانت المنظمة على عداء واضح مع أميركا، رغم التقارير التي تقول بدعم واشنطن لها من وراء الكواليس، وبأنها تسهّل لها على أراضيها وجود محطات تلفزيونية موجّهة ضد النظام الإسلامي في إيران، وذلك في سياق خطّة أميركية واضحة لدعم حركات التمرد ضد حكومة طهران، بغية إسقاطها، على طريقة زعزعة النظام من الداخل.شاركت «مجاهدي خلق» في العديد من التظاهرات والعمليات المسلّحة ضد نظام الشاه، الذي أعدم الكثير من قادتها وأعضائها، واعتقل جهاز الأمن آنذاك «السافاك»، زعيمها مسعود رجوي لسنوات طويلة. أما إطلاقه من السجن فجاء قبيل بدء الثورة، حيث شارك مع التنظيمات الإسلامية واليسارية في دحر الشاه عن السلطة. وبعد سقوط نظام الشاه، ظهرت خلافات بين المنظمة ونظام الحكم الإيراني الجديد، بقيادة الإمام الخميني. خلافات تحولت بعد عامين ونصف عام من نجاح الثورة إلى مواجهة دموية شرسة بين عناصر المنظمة وعناصر السلطة. ولجأت «زمرة المنافقين»، كما يرغب النظام الإسلامي بتسميتها، إلى تفجير العديد من العبوات الناسفة التي أودت بحياة كبار قادة الثورة الإسلامية، منهم رئيس المحكمة العليا، محمد حسين بهشتي، ومعه 72 من النواب والوزراء وكبار المديرين في البلاد، في تفجير استهدف مقر حزب «جمهوري إسلامي».كذلك قتلت المنظمة رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر في عام 1981، واغتالت العديد من رجالات الثورة ومفكريها. ومن ضحايا أعمالها، المرشد الأعلى الحالي للثورة، السيد علي خامنئي، الذي أصيب في يده اليسرى جراء إحدى هذه الهجمات.في المقابل، أعدمت السلطات الإسلامية عشرات الآلاف من أعضاء «مجاهدي خلق» ومؤيديها، وهو ما دفع بمعظم قادتها، وفي مقدمتهم رجوي، إلى مغادرة إيران في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي بعدما استطاع توفير طائرة خاصة خرقت كل ترتيبات أمن المطارات بسرية مطلقة، وقادته إلى باريس، ليعلن من هناك مرحلة تصعيد التصدي للإمام الخميني.وانضمت «مجاهدي خلق» إلى ائتلاف إيراني واسع معارض لحكم رجال الدين في طهران، يسمى «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية»، برئاسة مسعود رجوي، الذي يعمل كبرلمان إيراني في المنفى، ويضم 5 منظمات وأحزاب و550 عضواً شهيراً من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية والخبراء والفنانين والمثقفين والعلماء والضباط، إضافة إلى قادة «جيش التحرير الوطني الإيراني»، الذراع المسلّحة للمنظمة، التي تضم العديد من النساء في قيادتها.حاولت الدول الغربية، ومنها فرنسا، مغازلة السلطات الإيرانيّة، بأن وضعت «مجاهدي خلق»، على لوائح المنظمات الإرهابية، ما اضطر القيادة إلى ترك باريس والتوجه إلى العراق، حيث أقامت هناك في العديد من المعسكرات، ولا سيما معسكر أشرف (شمالي بغداد، على بعد 100 كيلومتر من حدود إيران الغربية)، التي كانت تضم نحو 6000 عنصر، مدعومين لوجستياً وعسكرياً ومالياً من نظام البعث بقيادة صدام حسين، الذي استخدم المنظمة في حربه الطويلة مع إيران (1980ـــــ 1988).أمّا وضع المنظمة في الغرب، فقد شهد تطورات لافتة خلال العامين الماضيين، إذ إنها، بعد معركة قانونية في المحاكم الأوروبية استمرت سنوات، ألغت محكمة العدل الأوروبية قراراً سابقاً من الاتحاد الأوروبي يقضي بتجميد أموال «مجاهدي خلق» بسبب إدراجها على «اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية». كذلك قررت دول الاتحاد الأوروبي الـ 27، رفع المنظمة عن قائمته للمنظمات الإرهابية. غير أن الولايات المتحدة لا تزال تضعها على لائحة المنظمات الإرهابية من عام 1997.لكن واشنطن، التي حمت المنظمة منذ غزوها للعراق وتسلمت منها أسلحتها الثقيلة والمتوسطة، تضغط على الحكومة العراقية لإيجاد حلّ لها يضمن سلامة عناصرها وعدم عودتهم إلى بلادهم، حيث يمكن أن يواجهوا الإعدام. لكن المتحدث باسم الحكومة العراقية، علي الدباغ، أوضح إنه «لا وضع قانونياً يُجبر الحكومة العراقية على قبول المعسكر، غير أنها لن تجبر أحداً على مغادرة العراق رغماً عنه».وأعلنت المنظمة أخيراً استعدادها للعودة إلى إيران إذا وافق «النظام الحاكم» في طهران على «شروط» حددتها مريم رجوي، منها عدم التعرض لعناصرها بالسجن أو القتل. أما طهران فقد عرضت أخيراً العفو عن عناصر الحركة من دون الزعماء، إذا عادوا إلى إيران وأعلنوا توبتهم.وأمام هذه التطورات، يبقى أمام المنظمة خيارات ضئيلة، إما أن يُرَحَّل عناصرها الـ 3500، الباقون في العراق، إلى معسكر مقترح في باكستان أو في مصر، وإمّا أن تظل عرضة لهجمات القوات العراقية للإجهاز عليها وتفكيكها، أو أن يرحل أعضاؤها إلى دول الغرب في إطار لجوء إنساني.
--------------------------------

مريم رجوي رئيسة في المنفى
وُلدت مريم قاجار أزادنالو رجوي (الصورة) في عام 1953 في طهران. شاركت أثناء سني مراهقتها بالعديد من نشاطات المعارضة، التي كانت تهدف إلى إطاحة الشاه، وانضمت إلى «مجاهدي خلق» خلال دراستها الجامعية.وساعدت مريم، إلى جانب مسعود رجوي، الذي لم يكن زوجها آنذاك، في تنظيم تظاهرات مناوئة للخميني. وفي عام 1985 كُلفت قيادة الحركة مع زوجها مسعود، الذي تزوجته في العام نفسه في باريس.وفي عام 1987، أصبحت مريم نائبة قائد جيش التحرير الوطني. وأعلنت الحركة تصديقها على القيام بتوغلات في الأراضي الإيرانية.وفي عام 1993، انتخب المجلس الوطني للمقاومة في إيران، الذي يطلق على نفسه حالياً «برلمان» المقاومة الإيرانية، مريم «رئيسةً» لحكومة إيران الانتقالية. وتخلت مريم بناءً على هذا القرار عن مناصبها في جيش التحرير الوطني والمنظمة، تاركة قيادة الحركة لزوجها.
عدد السبت ١ آب ٢٠٠٩

17‏/7‏/2009

استقالة آغازاده والسياسة النوويّة الإيرانيّة


هل دفع رئيس هيئة الطاقة ثمن علاقته التاريخيّة بموسوي؟

لا يمكن فصل استقالة رئيس هيئة الطاقة الذريّة الإيرانيّة، غلام رضا آغازاده، عن مجريات تركيب الصورة المقبلة للنظام الإسلامي، بعد تولّي محمود أحمدي نجاد، الرئاسة لولاية ثانية


معمر عطوي
تأتي استقالة غلام رضا آغازاده من رئاسة هيئة الطاقة الذريّة الإيرانية، ومن منصب نائب رئيس الجمهوريّة، في ظل ما تقوم به طهران من إعداد لرزمة اقتراحات دبلوماسية جديدة تتعلّق بالقضايا «السياسية والأمنية والدولية»، التي ستعرضها على المفاوض الغربي ممثلاً بمجموعة «5+1»، فيما يبدو أن الرئيس محمود أحمدي نجاد يقوم بالإعداد للمرحلة المقبلة، بعد فوزه بولاية ثانية.ويبدو أن الاستقالة المزدوجة، التي أكدها آغازاده أمس لوكالة الأنباء الطلابيّة الإيرانيّة (إسنا) بعد عشرين يوماً من حدوثها، هي نتيجة طبيعية لتباين واضح في الرأي حول كيفية إدارة الملف النووي، حسبما يرى مصدر مطّلع لـ«الأخبار»، موضحاً أن هذا الملف تتجاذبه أربع مرجعيّات سياسيّة في البلاد، هي رئاسة الجمهورية، والمجلس الأعلى للأمن القومي، ووزارة الخارجية، وهيئة الطاقة الذريّة.
المعارضة الإيرانيّة تستعرض قوّتها في صلاة الجمعة اليوم خلف رفسنجاني
وقد تكون هذه الاستقالة في هذا الوقت بالذات، امتداداً للمواجهة القائمة بين نجاد ومنافسه الخاسر في الانتخابات الرئاسية مير حسين موسوي، وخصوصاً أن رئيس هيئة الطاقة مقرّب من الزعيم الإصلاحي، منذ عام 1979 (تاريخ انتصار الثورة). فحينها عاد آغازاده من الولايات المتحدة، حيث كان يتابع دراسته في هندسة الكمبيوتر، لينضم الى الثوّار. ثم بدأ نشاطه الى جانب موسوي في إدارة مجلة «جمهوري إسلامي». وتطورت العلاقة بين الرجلين مع تعيين موسوي وزيراً للخارجيّة عام 1980، إذ عمل آغازاده مساعداً للوزير للشؤون الاقتصادية والمالية.وبعد أشهر من تسلّم موسوي رئاسة الحكومة عام 1981، عيّن آغازاده وزيراً للشؤون التنفيذية، مُلحَقاً بمكتب رئاسة الوزراء، ليصبح بعدها بفترة نائب رئيس الحكومة للشؤون التنفيذية المتعلّقة بالتفاوض مع الشركات الأجنبية في ملف النفط، الى أن قادته موهبته في هذا المجال، إلى تولي وزارة النفط في تشرين الأول 1985. منصب شغله حتى عام 1997.ورغم أن آغازاده اليوم، محسوب على خط الأصوليين، بيد أن تألّقه السياسي برز في عهد الإصلاحيّين، إذ عيّنه الرئيس السابق محمد خاتمي، حين تسلّم السلطة عام 1997، نائباً لرئيس هيئة الطاقة الذريّة، التي تولّى بعد ذلك رئاستها حتى تاريخ الاستقالة.المفارقة أن علاقة آغازاده بالمرشد الأعلى للجمهورية، آية الله علي خامنئي، شابها بعض الفتور منذ عام 2003، حين قرّر المرشد سحب ملف البرامج النووية الايرانية من يدي آغازاده، وإسناده الى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي حسن روحاني، المقرّب من رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني. إثر ذلك تعرّض آغازاده لأزمة قلبية عنيفة، بعد سماعه خبر تكليف روحاني بأمور تدخل في إطار صلاحياته ومسؤولياته. ونُقل عنه تفكيره الجدّي بالاستقالة من منصبه.من وجهة نظر أخرى، قد تمثّل استقالة ابن منطقة آذربيجان (شمال غرب)، التي ينتمي إليها خامنئي وموسوي أيضاً، امتداداً للخلاف حول إدارة الملف النووي بين رئيس البرلمان علي لاريجاني والرئيس نجاد، الذي أدى الى استقالة لاريجاني من رئاسة أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي في خريف عام 2007. خلاف أكد شخصيّة نجاد السلطوية، ومحاولته الدائمة الاستئثار بإدارة الملفات الحسّاسة، لدرجة أنه سعى منذ تسلّمه الرئاسة عام 2005 الى الإمساك بحزم بتفاصيل الملف النووي، وعمد الى قصّ أجنحة كل من حاول التدّخل بهذا الملف، ولا سيما رفسنجاني.في أي حال، يبدو أن الرئاسة، مدعومةً من المرشد الأعلى، هي التي ربحت معركة التجاذبات حول الملف النووي. ورست سياسة نجاد على أن البحث في هذا الملف مع القوى الكبرى «أصبح وراء ظهورنا»، وأن رزمة المقترحات الإيرانية المقبلة تقتصر على تقديم رؤية أمنية واقتصادية للعالم، لا مجال فيها لمناقشة حق إيران في تخصيب اليورانيوم. موقف بات مثار انتقادات واسعة في الوسط الإيراني، على اعتبار أن الغرب يجعل من هذا الملف قميص عثمان، لا يمكن فصله عن ملفّات أخرى هي موضوع نقاش مفترض بين طهران والقوى الكبرى، التي وإن اعترفت بأحقيّة إيران بامتلاك الطاقة النوويّة السلميّة، فإنها لن تتركها تقوم بعمليّات التخصيب على هواها لدرجة تسمح بصنع قنبلة.لعلّ ما يصبّ في دعم هذه الفكرة تصريح رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون، أمس، الذي حدّد الخطوط العريضة لاستراتيجية بلاده الجديدة بشأن الأسلحة النووية، معتبراً إيران «حالة اختبار» قبل القمة المقرّرة عام 2010 في الولايات المتحدة لمراجعة معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.ويبدو أن الغزل بين طهران وواشنطن متواصل، حتى لو كان في سياق دبلوماسية التعزية بضحايا الطائرة المنكوبة، حيث قالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، إن «الولايات المتحدة تقدّم تعازيها لأسر من فقدوا أرواحهم في تحطم طائرة شركة خطوط قزوين الجوية اليوم (الأربعاء) التي كانت تقل ركاباً من طهران في إيران إلى العاصمة الأرمنية يريفان».
الأخبار: 17-تموز-2009

16‏/7‏/2009

إيران وكعكة الثورة الناعمة


معمر عطوي
طرحت الأحداث التي شهدتها إيران خلال الأسابيع الأخيرة أسئلة جوهريّة بشأن مفهوم «الستار الحديدي» ونجاعته، في ظل ثورة الاتصالات والمعلوماتية، التي جعلت العالم قرية كونيّة واحدة. وبدا من خلال سياسة التعتيم التي قامت بها الجمهوريّة الإسلامية، على ما يجري داخل طهران وبعض المدن من احتجاجات واعتقالات وقمع وقتل، أنّ هذه السياسة تضرّ بسمعة النظام وتزيد من نقمة الداخل وشماتة الخارج، بدلاً من إخفاء معالم «جريمة مفترضة».ذلك أن الصمت عمّا يجري، أو عدم إيضاح بعض الالتباسات التي تظهر عن حادثة هنا أو عملية اعتقال هناك أو جريمة قتل هنالك، يزيد من مساوئ الحدث، ويعرّض النظام لجرعة أكبر من الاتهامات المسنودة بتقارير أصبحت بفعل الانتشار الإلكتروني مُتاحة للجميع. بل هي وجدت الساحة أمامها مفتوحة لتتسلل من دون محامي دفاع، إلى ما خلف الحدود، حيث تتوثّب جمعيات حقوقية ودول ومنظمات سياسية ومدنية وراء منصة محاكمة جاهزة بكل الملفات والحيثيات، لاتهام النظام الإسلامي.
حاول أوباما حفظ «خط الرجعة» مع إيران بما أنه لا يمكن تسوية الملفات الحساسة من دون التفاهم معها
هكذا بدا المشهد منذ 12 حزيران، حين نزل أنصار المعارضة الإيرانيّة إلى الشارع على اختلاف توجهاتهم وتطلعاتهم، للاعتراض على نتيجة الاقتراع للرئيس محمود أحمدي نجاد، لولاية ثانية. بدا المشهد كأن المعركة هي بين حكومة دينية متشددة تفرض قادتها على الشعب بالقوة، ودعاة للحرية وللدولة المدنية العصرية التي لا تستقي مبادئها من أسس لاهوتية وميتافيزيقية. بطبيعة الحال، كان المشهد يضم بعضاً من هذه العناصر، من دون أن يختصر النزاع بمحوريتها. فالاستغراق في ما نقله «الفايسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب» من تقارير وصور عمّا يجري في الشارع، لم يكن إلا صورة مشوّهة لواقع معقّد في الأصل، لا يمكن اختزاله بشعار «أين صوتي؟»، أو «نجاد ديكتاتور» أو «الباسيج قتلونا». حالة بكائية، ربما عرفت المعارضة كيف توظّفها لمواجهة الحكومة، وتمكّنت الدول التي لها تاريخ من العداء مع النظام الإسلامي، من استغلالها، لكنها لم تكن سوى أداة تعويم لتيارات هي في الأصل غير متّفقة على برنامج واضح بديلاً لنظام الملالي.كان ينقص هذه الطفرة الإعلامية المستحدثة، التي عوّضت عن سياسة التعتيم وكسرت عنق الرقابة المحليّة، أن تحمل في المقابل مشروعاً واضحاً لما يريده الإيرانيون من نظامهم، ومعرفة طبيعة الديموقراطية الشعبية التي يؤمنون بها. إذ إن مقولة التزوير لا يمكن أن تصمد أمام الفارق الكبير بين ما حازه المرشّح الأول الأصولي (محمود أحمدي نجاد) والمرشّح الثاني الإصلاحي «قسراً» (مير حسين موسوي). فحين نجد أن أكثر من عشرين مليوناً من الشعب الإيراني يختار التشدد والنظام الإسلامي، بما فيه من ولاء لشخصية «قداسوية» شبه معصومة، ممنوع عليهم مناقشتها، وحين تبنى المعتقدات على أساطير تحرّك الوعي الجماعي نحو عالم طوباوي طهراني «خال من الظلم والجور ومليء بالقسط والعدل»، لا يمكن الوقوف ضد إرادة من يختار ذلك، سوى بالمنطق والحوار، من منطلق احترام اللعبة الديموقراطية.بالتالي تصبح حركة الشارع، ممثلة بالشباب والشابات، الذين تمنّوا لو تطول هذه التحركات لسنوات، مستغلين فرصة الفوضى وغياب الرقيب ـــــ الفتيات والشبان في الشارع معاً، يرقصون ويغنّون ويصرخون بشعارات سياسية قد لا تكون من أولويات أهدافهم ـــــ تعبيراً يؤكد ميل الجيل الذي لم يعش مناخات الثورة والالتزام بمبادئها، نحو مزيد من الاختلاط والتعبير عن الهواجس، وعيش مرحلة المراهقة والشباب من دون أي كبت أو قمع أو تابوهات.ماذا يعني أن يرفع المزيد من شباب طهران، وبالتحديد الجزء الشمالي من العاصمة الإيرانية حيث غالبية المؤيّدين للإصلاح، الرايات الخضراء تعبيراً عن تأييدهم لمير حسين موسوي؟ هل هم أغبياء إلى هذه الدرجة حتى يجهلوا أن المرشّح الإصلاحي هو في الأصل محافظ ومتديّن ومتشدد في أفكاره وقناعاته على غرار الرئيس الذي يرفضونه؟ أم أنهم صدّقوا لعبة الإصلاحيين الذين خذلوهم خلال ولايتين كان خلالها الرئيس السابق محمد خاتمي أشبه بالمحافظين، لولا بعض الضغوط التي رفعها نسبياً من الشارع، لمصلحة الحريات، ولولا تكراره الدائم لمقولة فلسفية، لم تجد طريقها إلى الحقل السياسي، على غرار «حوار الحضارات».في معزل عن الشعارات التي طرحت، ومعظمها مشروع ويؤكد نبض الشارع وميله نحو التغيير، كان لا بد خلال أسبوعين من العنف والمواجهات، التي شهدتها إيران وبالتحديد مدينة طهران وضواحيها، من رصد عوامل التدخّل في هذه الأحداث، خارجياً، وأسباب تمظهر قوى غير معهودة في الساحة، داخلياً. وبين الخارج والداخل علاقة عضوية لم تنفصل عراها رغم ثلاثين عاماً من سيادة الجمهورية الإسلامية.على المستوى الخارجي، بدت الولايات المتحدة، التي من المفترض أن تكون المعنية الأولى بالتغيير في إيران، في موقف حرج وخجول، لا يتناسب مع «عظمة» الإمبراطورية الممتدة إلى ما وراء البحار. لقد وضعت خيارات الانفتاح والحوار مع «العدو اللدود» ورأس محور الشر، على محك الصدقيّة في مباشرة الحوار، ما يمنع مساهمتها السافرة مباشرة في استنهاض «ثورة مخملية» ضد النظام الإسلامي. خطوة قد تعوق سياستها الجديدة، التي لا يبدو أن ثمة بديلاً منها في ظل فشل خيار الحسم العسكري.لذلك بدت تدخلات أميركا بالوكالة، ومن خلف حُجب، رغم انتقادات الجمهوريين. وكان ذلك محاولة من الرئيس باراك أوباما لحفظ «خط الرجعة» مع الجمهورية التي لا يمكن تسوية الملفات الحساسة في الشرق الأوسط من دون التفاهم معها. أمّا وكلاء واشنطن في هذه الحرب، فكانوا موزعين على جهات عديدة، أدّت دوراً أمنياً بحدود خفيفة جداً، فيما كان للإعلام الحصة الأكبر من هذه المعركة، التي نجحت نسبياً في فضح بعض آليات النظام الأمنية في التعاطي مع شعبه. وكلاء يمكن أن تتقاطع مصالحهم مع مصلحة الاستخبارات الغربية، على غرار الأقليات العرقية في بلوشستان وكردستان وخوزستان، من دون أن يعني ذلك عمالتهم للخارج. في الدرجة الثانية، تأتي الجمعيات الحقوقية وتلك المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان، والمنظمات الأهلية وبقايا حاشية النظام الشاهنشاهي البهلوي، والتي تجد في بعض عواصم الغرب متنفساً لها للصراخ ضد الملالي، سواء من خلال نشاطات منظمة ومدروسة ومدعومة من كبريات المنظمات الدولية، التي ترعى «ثورات» مخملية وبرتقالية وناعمة، خلف الأسوار الحديدية. ويمكن لحظ غياب الأحزاب اليسارية، وهي عريقة في التجربة السياسة الإيرانية، وخصوصاً «حزب تودة» الشيوعي، عن المشهد السياسي. أمّا عن الموقف العربي الصامت، الذي اكتفى بتحريك آلاته الإعلامية في السعودية ومصر والأردن، فوفّر على نفسه ارتكاب سخافة رشق الزجاج من بيوت الزجاج، بما يشبه سخرية المرأة المنقّبة من مرتدية التشادور، بما أن هذه الدول لا تعرف الديموقراطية أساساً.لعلّ الدور الأكبر الذي أدّته بعض العواصم الغربية وإسرائيل، وكالة عن واشنطن، التي تأخر موقفها حوالى أسبوعين عن اللحاق بأقرانها الغربيين، كان يسير في اتجاه مدروس مع إدراك تام لمحدودية الحركة والتأثير على الواقع الإيراني الصلب. على كل حال، حاولت كل ألوان الطيف السياسي والثقافي، وإلى حد ما الإثني، أن تجد لها موطئ قدم وسط هذا الزحام، حتى ولو من خلال استغلال بعض ما نشرته مواقع الإنترنت، لكنها لم تنجح في السير قدماً، حتى في استغلال مقتل الشابة نِدا سلطاني، لما للواقع السياسي الإيراني المتشابك مع العامل الأمني الحساس من تعقيدات لا يمكن من خلالها الجزم بصدقية «خبر النت»، كأداة لنجاح ثورة مخملية مفترضة.بيت القصيد هنا، أن ثمة معركة تتصاعد بين تيارين ينسجان أفكارهما من قماشة واحدة. هذه المعركة عززتها شعبية كلا التيارين واندفاعهما نحو تأكيد حضورهما أو الدفاع عن مصالحهما. وبالتالي، كان هناك من يستغل هذا الموقف وسط حركة الشباب الذي يتمتع بقضيته الخاصة، لعلّه يحظى ولو بفُتات من كعكة «الثورة الناعمة»، التي بدت بوضوح من غير أفق.
عدد الخميس ١٦ تموز ٢٠٠٩

2‏/7‏/2009

فسيفساء هشّة جمعت المتناقضات

المرشح الخاسر عجز عن قيادة تيارات استغلّت الإصلاحيين لتغنّي موالها
تطرح الأحداث المُتسارعة التي شهدتها إيران، خلال النصف الثاني من الشهر الماضي، أسئلة عديدة عن واقع معقّد تداخلت فيه عوامل الضعف الداخلية مع محاولات التأثير والاستغلال الخارجية، لتخرج بمشهد يحمل ملامح ثورة مخمليّة مُفترضة، فيما هي في الواقع مجرد فسيفساء هشّة
معمر عطوي
لم تكن تحرّكات المعارضة في شوارع طهران وضواحيها، التي استمرت ما يُقارب أسبوعين وأدّت إلى سقوط أكثر من 20 قتيلاً وعدد من الجرحى والمعتقلين، نتيجة حركة مدروسة ومنظمة مسبقاً، حسبما يرى مصدر مطّلع على الأوضاع هناك.لقد كانت التظاهرات والاعتصامات والمواجهات، في الظاهر، ردة فعل عفوية على نتائج الانتخابات الرئاسية، التي أكدت فوز الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية. لكنها أخفت في الباطن بواعث أخرى، لدرجة أن المرشّح الإصلاحي مير حسين موسوي بدا غير مستعد للسير في تحمّل تبعات كونه «زعيم المعارضة الإيرانية».ثمة تيارات عديدة في الشارع، بعضها مدعوم من الخارج عبر منظّمات أو دول، استغلّت الفوضى لإثبات وجودها في المشهد السياسي.
بيد أن حجر الرحى في كل ما جرى كان تيار الإصلاحيين الذي يقوده حزبان أساسيان هما «المشاركة» برئاسة محمد رضا خاتمي، و«مجاهدو الثورة» وأبرز قياداتها بهزاد نبوي. وعلى الهامش، يقف حزب «كوادر البناء» الذي يتزعمه رئيس مجلس الخبراء علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وحزب علماء الدين المناضلين و«حزب اعتماد ميللي» بقيادة المرشّح مهدي كروبي، إلى جانب بعض مؤيّدي المرشّح محسن رضائي.
أمّا الرئيس السابق محمد خاتمي، فيؤدي دور المحرّك الخلفي، فيما يقوم رفسنجاني بتمويل هذا التيار ودعمه من وراء الكواليس.في الشارع، ثمة تيارات عديدة اخترقت صفوف الإصلاحيين، «لتغنّي موّالها» الخاص. من هذه التيارات «منظمة مجاهدي خلق» بزعامة مريم رجوي، «وتتلقى دعماً من بريطانيا وفرنسا»، بحسب المصدر، بعدما انحسر دورها في العراق بإقفال «معسكر أشرف».ويرى المصدر أن «مجاهدي خلق» هم التنظيم الأكثر انضباطاً والتزاماً بتكتيكات معينة، يعرف أهدافه بدقة، ويعمل وفق خطط مدروسة، وخصوصاً أنه «يتلقّى دعماً من عواصم غربية»، فيما تقوم الولايات المتحدة، التي تزعم أنها تضعهم على لائحة الإرهاب، باستضافة عشرات محطات التلفزة التابعة للمنظمة، تبث برامج سياسية باللغة الفارسية موجهة إلى داخل إيران.
أمّا باقي ألوان الطيف السياسي، فتشمل بقايا «حاشية» الشاه الراحل محمد رضا بهلوي، ثم تتوزع بين شرائح قومية كردية وعربية وبلوشية انفصاليّة، وبين أقليّات مذهبيّة. وفي نهاية القائمة، تقف حركات الدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة والمنظمات المطالبة بالحريّات الشخصية وحرية الاختلاط بين الجنسين. جوامع مشتركة دفعت كل هؤلاء إلى تبنّي شعار موسوي «أين صوتي؟»، وحمل الرايات والشارات الخضراء التي ترمز إلى حملة المرشّح الإصلاحي كستار لتحقيق أهدافهم في الانتقام من النظام الإسلامي.وفي ظل هذه الفوضى، التي وضعت حكومة المحافظين أمام تحدٍ كبير، كان لا بد لمؤسسات «حفظ النظام الإسلامي» من حرس ثوري وتعبئة «باسيج» و«أنصار حزب الله» المتشددين الذين يقودهم «كرم الله»، من التحرك لضبط إيقاع ما يجري والتخفيف من مدى استغلال الخارج لتناقضات الداخل.ويكشف المصدر أن الحرس الثوري تدخّل من وراء الكواليس منذ الأيام الأولى للتظاهرات، لكنه لم يُظهر تدخّله العلني إلا بعد حوالى عشرة أيام، حين هدد «بتصدّ ثوري» لأي عملية إخلال بالأمن.
ويضيف المصدر أن السلطات نجحت في تفكيك القيادة «الشرسة» لهذه المعارضة، باعتقال كلّ كوادر الصف الثاني مثل بهزاد نبوي (حزب مجاهدي الثورة)، ومحمد رضا خاتمي وميردا مادي وسعيد حجاريان (حزب المشاركة)، ومحمد علي أبطحي المقرّب من كروبي (مجمع روحانيون مبارز)، الذين اعتقل بعضهم في مبنى لحزب المشاركة شمال طهران في الأيام الأولى للتحركات.وتبين أن خاتمي وموسوي نأيا بنفسيهما عن قيادة المعارضة مباشرة، حيث بقيا طوال فترة الأحداث في الظل، فيما بدا رفسنجاني، بعد اتهام عائلته بالفساد من قبل نجاد، حريصاً على تسوية الأمور وفق صفقة تُزيح عنه سمة الفساد، بما يعني «لملمة القضية».
وكما اجتمعت عوامل عديدة لإلهاب الشارع، تكاملت أيضاً أسباب عديدة للتهدئة، من بينها حرص المرشد الأعلى علي خامنئي على حفظ موقع رفسنجاني رغم خلافه مع نجاد المدعوم من المرشد أيضاً، إضافة إلى تدخّل الحرس الثوري المباشر بما يملكه من «هيبة» وقدرة على الإمساك بالمفاصل الحيوية، إلى جانب حساسية بعض تيارات المعارضة وخشيتهم من إمكان اتهامهم بالعمالة للخارج، ولا سيما أن تصريحات العواصم الغربية المنتقدة للنظام كانت تؤذي هذه التيارات أكثر من أن تخدمهم.ويبقى السؤال: ماذا يمكن أن يواجه نجاد خلال أربع سنوات مقبلة من ولايته، بعدما تجاوز مجلس صيانة الدستور كل الطعون وانتقادات الداخل والخارج، بحسم فوزه، في ظل اتجاه لإطلاق قادة المعارضة، وتصميم موسوي على مقارعة السلطة حتى تثبت عمليات التزوير؟
عدد الخميس ٢ تموز ٢٠٠٩

24‏/6‏/2009

جبهة ثلاثيّة لمواجهة خامنئي ونجاد


معمر عطوي
يبدو أن ما يجري في إيران على خلفيّة قضية تزوير في الانتخابات الرئاسية، يخفي خلفه صراعاً قديماً حامياً على السلطة، أحد طرفيه تحالف هجين يجمع ثلاثة تيارات: الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، بما يملكه من قدرات مالية ونفوذ سياسي يتمثّل في رئاسته لكل من مجلس خبراء القيادة ومجلس تشخيص مصلحة النظام. وبعض المؤسسة الدينية بما تملكه من ثقل روحي ومعنوي، ولا سيما أن بعض رجالاتها أعضاء في مجلس الخبراء ويعملون بإمرة رفسنجاني. والإصلاحيون بقيادة أكبر أحزابهم «حزب المشاركة»، الذي يرأسه محمد رضا خاتمي، زوج ابنة الإمام الخميني، زهراء اشراقي، والمدعوم من الرئيس السابق محمد خاتمي.أمّا رئيس الحكومة الأسبق مير حسين موسوي، الذي ارتدى عباءة الإصلاحيّين، «رغم إرادته»، فهو يبقى بحسب مصدر وثيق الصلة بما يجري على الساحة الإيرانية «أحد رجالات الثورة المخلصين وهو أكثر أصوليّة من (الرئيس محمود أحمدي) نجاد» لجهة الالتزام الديني والإيمان بولاية الفقيه. ويؤكد المصدر نفسه أن موسوي لا يعتبر نفسه إصلاحياً، ولم يكن على علاقة طيبة مع خاتمي في السنوات الثلاث من ولايتي الأخير (1979-2005)، رغم أنه عمل لديه مستشاراً.وفي رأي المصدر المطّلع، فإن ظهور موسوي المفاجئ على الساحة السياسية، بعد غياب دام نحو عشرين عاماً، كان نتيجة اصطفافات جديدة، جعلت من الفنان الذي كان مقتنعاً بعمله كرسّام وأستاذ جامعي، ضحية صراع حاد بين جبهة تضم الرئيسين السابقين رفسنجاني وخاتمي وبين أخرى تضم المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس نجاد.صراع بدأ منذ وصول نجاد إلى السلطة في عام 2005، متغلّباً على رفسنجاني ورئيس حزب «الثقة الوطنية»، رئيس البرلمان الأسبق مهدي كروبي. وتطور مع مضي الرئيس المحافظ في تحدّي «الإقطاعين المالي والديني» في إيران، وصولاً بالطبع إلى المناظرات التلفزيونية غير المسبوقة بين المرشّحين للرئاسة الإيرانية، وما تضمّنته من اتهامات متبادلة كان أعنفها اتّهام نجاد لرفسنجاني وعائلته بالفساد. اتّهامات وجد فيها موسوي تقاطعاً مع رفسنجاني، إذ طالت زوجته زهراء رهنفرد، بحصولها على درجة دكتوراه مزوّرة.بيت القصيد في هذا التحالف، الذي يؤكد المصدر المطّلع أن موسوي اشترط على الإصلاحيّين القيام به «بلا شروط ولا وعود»، هو شعور رفسنجاني بتهديد مصالحه من حكومة نجاد، التي لعبت ورقة الفقراء والمناطق المحرومة والمهمّشة من إيران ضد الإقطاع المالي والفساد المتغلغل في المؤسسة الدينية، من خلال تفكيك مراكز نفوذ رفسنجاني والفئة المتنفذة في البلاد.ويوضح المصدر أن نجاد، هو بالفعل رجل زاهد على غرار موسوي، وهو بنفس القدر الذي يتمسك فيه بتعاليم الثورة الخمينيّة وولاية الفقيه، يحاول تصحيح الخلل الحاصل في الحوزة الدينية، التي تورّط بعضها في لعبة الإصلاحيين، من خلال نفوذ رفسنجاني داخل الحوزة، بعدما نجح في خلق حالة معارضة لخامنئي بين رجال الدين.إذاً المعركة في إيران الآن هي بين الرئيس المحافظ، مدعوماً من خامنئي، حيث يقوم بخطة «تغييرية» في النظام المالي والديني، وبين الإصلاحيين، مدعومين بقوة من رفسنجاني وبعض أركان المؤسسة الدينية التقليدية.ويرى المصدر المطّلع أن موسوي «متورط في لعبة هو بعيد عنها. هو إنسان بسيط زاهد لا يريد شيئاً سوى تحقيق التغيير المنشود في ظل مبادئ الثورة وتعليمات مؤسسها الخميني». لذلك «لا يمكن اتهام الرجل بالعمالة للغرب أو بالتحرك بدافع من استخبارات خارجية»، كما يُتّهم من بعض دوائر المحافظين.بل هو بنظر الغرب «أكثر تشدداً من نجاد». ومن الصعب أن يتنازل في أي من الملفات التي يريد الغرب للرئيس الجديد أن يزحزحها عن ثوابتها، معتبراً أنه إذا كان هناك من تدخّل غربي فهو يأتي عبر أطراف إصلاحية، أو من خلال الإعلام «كما هو حاصل».فرئيس الحكومة الأسبق، الذي نجح في إدارة شؤون البلاد إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980ــ 1988)، كان الخيار الأفضل في نظر خاتمي «لمواجهة نجاد ولكونه قادراً على الوقوف في وجه خامنئي»، بعدما أدرك الرئيس السابق ومن خلفه رفسنجاني أن قوة نجاد تحتاج إلى شخص غير ملوّث بالفساد أو بتجارب أضرّت بالثورة ومقدّراتها.ولمعرفة مدى أهمية رفسنجاني وخامنئي على الساحة الإيرانية، لا بد من العودة إلى كلام نُقل عن مؤسس الثورة الإمام الخميني قبيل وفاته، حين أوصى بأن تبقى العلاقة بين الرجلين وابنه أحمد، وديّة ومتينة على اعتبار أن اتفاق هذا الثلاثي، يؤمّن استقرار الجمهورية الإسلامية. وبذلك وضع الخميني ثقته في هذين القطبين المتصارعين للحفاظ على منجزات الثورة. قطبان جمعتهما علاقة ودّ يبدو أن فساد السلطة والمال كاد أن يصيبها مقتلاً.
الأخبار: ٢٤ حزيران ٢٠٠٩

12‏/6‏/2009

نجاد: الرئيس الحالم الخارج من رحم «الباسيج»


معمر عطوي
يرى كثيرون أن محمود أحمدي نجاد رئيس فاشل على مستوى إدارة الأزمة الداخليّة، التي تصاعدت في عهده منذ انتخابه عام 2005، لدرجة وصلت معها نسبة التضخُّم إلى 25 في المئة. لكنه رغم ذلك لا يزال قادراً على استدرار عطف شعبه، الذي اعتاد زياراته للمناطق ودعمه لمشاريع اقتصادية صغيرة، وتوزيعه للأموال يمنة وشمالاً، من دون النظر إلى ما سبّبه ذلك من تضخّم في الجسم الاقتصادي، وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسيّة.لقد حاول الرجل، الذي لا يتجاوز عمره الـ 53 عاماً، أن يُجسّد وعوده لشعبه من خلال «توزيع عوائد النفط على الفقراء». لكنه بجهله للعبة الاقتصاد لم يُقدّر نتائج هذه الخطوات، مع أنه خلال فترة تولّيه منصب عمدة العاصمة طهران (2003ـــــ2005)، تمكّن من تحقيق نجاحات عديدة على مستوى المشاريع الخاصة بالبلديّة، التي كان يعمل فيها كأي موظّف، مرتدياً بزة العمل من دون أن يتلقّى أي أجر.فوق هذا، هو شخص لا يقبل النقد من أحد ولا أحد يستطيع أيضاً في حكومته أن يتخذ قراراً مناقضاً لقراره، حسبما يصفه أحد أعضاء حكومته المُقالين.ابن الحدّاد، الذي أخذ عن والده صخب المهنة ليُسقطه على فن الخطابة السياسية، يتميّز ببساطة مظهره وتقشّفه، ومعروف عنه تشدّده الديني ومباشرته في طرح الموقف السياسي من دون دبلوماسية أو مراعاة للمواقف الدوليّة.هو الضابط الخارج من رحم الحرس الثوري، الذي حظي منذ البداية ليس فقط بدعم المرشد الأعلى بل أيضاً بدعم قوات الحرس الثوري، والتعبئة الشعبية «الباسيج». ما أسهم في نجاحه في الدورة الثانية من الانتخابات لعام 2005.
■ ما سبب هذه الإحاطة بالرئيس المتواضع؟
سؤال قد تكون الإجابة عنه في ملفّات ابن بلدة أردان (محافظة سمنان الشمالية)، التي تحمل صورة واضحة عن حامل دكتوراه «التخطيط الهندسي»، الذي خضع كليّاً لروايات دينية غيبية.عوامل عديدة أسهمت في تكوين ذهنية الرجل الذي انتمى في بداية شبابه إلى تنظيم «الحجتيّين» المحظور، الذي أنشىء عام 1953، ويدعو إلى دفع العالم نحو نهايته من أجل الإسراع في عودة «المهدي المنتظر».ورغم أنه من المتربّين في أحضان «الحجتيّين»، الذين لا يؤمنون بقيام الدولة الإسلاميّة قبل مجيء المهدي، فإنه كان من المتحمّسين للثورة قبل نجاحها. لقد حاول الدمج بين ما نشأ عليه من تعلّق بمقولة «الظهور» واجتهاد الإمام الخميني في التمهيد لهذا الظهور. فبعد تحقّق الثورة، بدأ نجاد مسيرته مع «الباسيج»، التي وجد فيها منطلقاً لتجسيد حلمه الغيبي بتحقيق بعض تعاليم الإسلام. وكان في البداية يقود مجموعات الطلّاب التي تخصّصت في مطاردة الطالبات غير المحجّبات ومنعهّن من دخول الجامعة. كما اتّهم بأداء دور كبير في التخطيط لاختطاف موظفي السفارة الأميركية في طهران.تعرّض الرئيس، الذي يتبنّى أيديولوجية الفيلسوف آية الله محمد تقي مصباح اليزدي، لانتقادات كثيرة حتى من رجال دين وسياسيّين، ولا سيما بسبب تصريحاته عن دور الإمام المهدي في النجاحات التي توصّلت إليها إيران. إذ يرى أن «يد الإمام المهدي المنتظر تُرى بوضوح في إدارة جميع شؤون البلاد».وفي موضوع التفاوض مع الغرب، يؤخَذ على نجاد عدم سلاسته أو تمتعه بدبلوماسية لبقة تميَّز بها الإيرانيون، لدرجة أن معارضيه يصفون خطابه بالاستفزازي.منذ حملته الانتخابيّة الرئاسيّة، تولّى نجاد انتقاد سياسة سلفه محمد خاتمي في التفاوض والانفتاح على الغرب، وكان يقول آنذاك إن «أولئك الذين يتفاوضون يشعرون بالخوف ولا يعرفون الناس».في المقابل، لم يمنعه تشدّده من التعاطي برحابة صدر مع منتقديه من الشباب الذين يوجّهون إليه رسائل لاذعة عبر مدوّنته. وأثناء زيارته في 24 أيلول 2007 إلى جامعة كولومبيا الأميركية في مدينة نيويورك، أبدى نجاد مرونة وضبط نفس هائلين في مقابل ما سمعه من انتقادات لاذعة من رئيس الجامعة، لي بولنغر، الذي وصفه أثناء تقديمه له بأنه «ديكتاتور وحشي، قاس وتافه».مع ذلك، هو رئيس حالم بكل معنى الكلمة، تارة يتنبأ بزوال الكيان العبري وأخرى باقتلاع النظام الرأسمالي من الجذور، بينما يرى أن قوة إيران بلغت حداً لا يمكن أي قوة في العالم تهديدها، مدعيّاً أنها ستمضي حتى النهاية من أجل «القضاء على قيادة العالم الفاسدة».ويبدو أن الانتقادات اللاذعة التي وجّهها الإصلاحيون والمعارضون إلى سياسته، لم تقف حائلاً بين الرئيس المحافظ والعمل على تحقيق ما وعد به شعبه من مفاجآت في الملف النووي، حتى باتت هذه المسيرة متألّقة في عهده. لدرجة أن المرشد الأعلى على خامنئي وصف البرنامج النووي الايراني بأنه «نجاح كبير».بيد أن منتقديه لا يرون في ذلك نجاحاً، معتقدين أنه يتبنى سياسة خارجية تجعل الأولوية للشعارات على الدبلوماسية. وأن ذلك سبّب فرض الأمم المتحدة 3 قرارات من العقوبات الدولية على إيران.رغم ما يُحكى عن فشله في السياسة الاقتصادية، كانت للرجل «إنجازات»، منها أنه قنّن البنزين ووفر على الخزينة من الهدر سنوياً بين 6 إلى 9 مليارات دولار، كما أنه بدّل اليورو بالدولار، موفّراً على بلاده الكثير من تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية.
الأخبار: ١٢ حزيران ٢٠٠٩

10‏/6‏/2009

سيستان بلوشستان: قنبلة إيران الموقوتة

السلطة تتذرّع بالتهريب والتجسس والمتمردون يعزفون على وتر المذهبيّة
لعلّها قنبلة موقوتة، تلك المحافظة الحدودية الواقعة على مثلث تهريب المخدرات بين إيران وأفغانستان وباكستان. هناك في محافظة سيستان بلوشستان، يختلط الصراع القومي بمكافحة الجريمة وتهريب الممنوعات ومحاربة التجسّس وتُهم التآمر مع الغرب ضد النظام الإيراني. تُهمٌ تخفي وراءها صراعاً ذا طابع إثني ــ مذهبي، يتقاطع مع حرمان خدماتي، استطاعت المعارضة ذات الغالبية السنيّة توظيفه في صراعها مع سلطة شيعيّة تعتبر كل من يخالف ولاية الفقيه من خارج الملّة. من هنا تطرح الأحداث الأخيرة، التي شهدتها المحافظة من تفجيرات وإعدامات واعتقالات واسعة، أسئلة لا يمكن اختصار أجوبتها ببيان حزبي من هنا أو تصريح رسمي من هناك
معمر عطوي
عادت محافظة سيستان بلوشستان الإيرانية إلى واجهة الأحداث خلال الأسابيع الأخيرة، ولا سيما بعد تفجير مسجد أمير المؤمنين في عاصمتها، زاهدان (420 ألف نسمة)، الذي أودى بحياة 25 شخصاً وإصابة نحو مئة بجروح.هذا التفجير الانتحاري، الذي أعلنت منظمة «جند الله» المتطرفة مسؤوليتها عنه، شكّل منعطفاً خطيراً في إحدى أهم محافظات إيران الثلاثين، ليزيد من الفجوة بين إيران الشيعية ودول ذات غالبية سنيّة، ولا سيما مع استمرار النزاع المذهبي في أكثر من دولة عربية وإسلامية، منها لبنان والعراق والبحرين وباكستان والسعوديّة.من هنا، لا يمكن فصل ما يحدث في جنوب شرق إيران على الحدود مع باكستان وأفغانستان، عما يحصل في المنطقة من تحوّلات وأجواء شحن توظّف الدين في اللعبة السياسية القذرة.فمحافظة سيستان بلوشستان، الواقعة على خط تهريب المخدّرات الأفغانيّة عبر الأراضي الباكستانية والإيرانيّة إلى العالم، هي بؤرة توتر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل هي قنبلة موقوتة على غرار الكثير من فتائل التفجير القائمة في الكثير من دول المنطقة. فالسلطات الإيرانيّة تختصر النزاع بالخروج على القانون والتهريب، وتشكيل خلايا إرهابية مدعومة من السعوديّة عقائدياً ومالياً، ومن أميركا والاستخبارات الباكستانية تسليحياً ولوجستياً، من أجل إضعاف النظام الإسلامي. أمّا المعارضة، متمثلة ببعض الجمعيّات الأصولية السلفيّة والقومية، فتختصر النزاع بـ«اضطهاد السلطة الشيعية لأهل السنّة والجماعة، وحرمانهم من أبسط حقوقهم في ممارسة شعائرهم وبناء مساجدهم ومدارسهم، والاحتفاظ بثقافتهم البلوشية المغايرة للثقافة الفارسية السائدة في إيران والقيام بإقفال مساجد ومدارس دينية وهدمها، واعتقال رجال دين سنّة على نحو متواصل». حجّة قد لا تصمد أمام ادّعاءات أخرى تقول إن «السلطات الإيرانية تضطهد البلوش، كقومية، بمن فيهم السنّة والشيعة على السواء».وقد يكون للعاملين: الإثني والمذهبي، الدور الأهم، في حرف دفة النزاع عن سياقه السياسي والأمني نحو مآرب أخرى لإضعاف «الدولة النووية»، بعدما عجز الغرب عن مواجهتها عسكريّاً واقتصاديّاً. بيد أن هذين العاملين لا ينبغي أن يساهما في التعمية عن واقع منطقة، هي بالفعل محرومة وتعاني من التهميش من قبل الحكومة في طهران.فالمحافظة الثالثة من حيث كبر مساحتها، والتي تمتد على 181600 كيلومتر مربع من الأراضي الإيرانية، والحاضنة لـ3.1 ملايين نسمة، تعاني بالفعل من إجحاف على غرار مناطق الأطراف التي تتراجع التنمية فيها لمصلحة محافظات المركز.واقع اعترف به رئيس دائرة العدل في المحافظة، إبراهيم حميدي، حين أعلن في 6 حزيران، أن «جميع الأحداث التي تقع، لها جذور في المشاكل الاجتماعية والفقر الثقافي».واللافت في تصريح حميدي أن طهران تحاول امتصاص النقمة المتولّدة بدافع مذهبي. إذ أكدت أن المعتقلين المئة والخمسين المتّهمين بالأحداث الأخيرة في المحافظة، هم من الشيعة والسنّة على السواء.ويلاحظ المراقب أن البلوش (ذوو الأصول العربية) لا تربطهم علاقة ودّ مع الفرس ويصفونهم بالغجر. ويعود هذا النعت الى القرن التاسع عشر، حين حاول الشاه القاجاري (الغجري)، ناصر الدين شاه، أن يُخضِع الإقليم البلوشي لسلطته، من دون أن يتمكن من ذلك.لكن بعد وصول الشاه رضا بهلوي الى السلطة في إيران في عام 1928، قضى على آخر معاقل المقاومة في إقليم «بلوشستان»، الذي كان خاضعاً للحكم الذاتي.وما إن دخل الجيش الإيراني الى الإقليم، حتى حوّل اسمه الى سيستان وبلوشستان، جاعلاً منه شطرين: بلوشي شيعي (سيستان)، وآخر بلوشي سني (بلوشستان).لعلّ السلطات الإيرانية هي نفسها من ساهم بزرع بذور التمرد لدى سكان هذه المحافظة، حين منعت القراءة والكتابة والاعلام والمحاكم باللغة البلوشية، وفرضت الثقافة الفارسية، بل وصل الأمر معها الى منع الأهالي هناك من ارتداء الزي البلوشي، الشبيه للزي الهندي والباكستاني، حسبما تقول مصادر المتمردين.ومنذ عهد الشاه، حتى اليوم، تشهد هذه المنطقة الحدودية اضطرابات واشتباكات بين المتمردين وقوى الأمن، التي تتهمهم بتهريب المخدرات وممارسة أعمال إجرامية وتجسسية.وتقول السلطات الإيرانية إن مهربي المخدرات هم الذين يدعمون بعض حركات التمرد، ولا سيما «جند الله»، بعدما رفض معظم مشايخ أهل السنة الاستجابة لزعيم هذا التنظيم، عبد المالك ريغي، قبل خمس سنوات، بتشكيل منظمة تعمل ضد النظام الإسلامي في البلاد. إلا أن طهران تدّعي أن المتمردين أصبحوا ألعوبة بأيدي الاستخبارات الغربية والإقليمية، ولا سيما الأميركية والسعوديّة، والتي تهدف إلى تقويض النظام الإسلامي، فيما يرى مراقبون أن «جند الله» أصبحت فرعاً لتنظيم «القاعدة» في إيران.كذلك تنشط في المحافظة، تنظيمات أخرى، بعضها ذو أصول صوفية، وأكثرها سلفي أو متجذّر من أفكار «الإخوان المسلمين»، لعلّ أهمها «حزب الفرقان» و«حركة الجهاد الإسلامي».في أي حال، لا يمكن اختصار النزاع في هذا الإقليم المضطرب، بأحداث أمنية «مشبوهة» أو بتهريب المخدرات الذي كلّف الإيرانيين ما يزيد على ثلاثة آلاف قتيل من قوى الأمن. إذ إن توظيف التناقضات الإثنية والمذهبية، في النزاع الدائر هناك، قد يمتد ليشمل المنطقة برمتها.
-----------------------------------------------------------

«جند الله»
أكثر التنظيمات الفاعلة ضد النظام الإيراني في محافظة سيستان بلوشستان، هو تنظيم «جند الله»، بزعامة عبد المالك ريغي (الصورة)، الذي أطلق شرارة المواجهة مع الحرس الثوري الإيراني في عام 2005، حين قامت منظمته بخطف 9 جنود من حرس الحدود الإيرانيين، وطالبت آنذاك بالإفراج عن بعض أعضاء مجموعتها المعتقلين في إيران.والجدير ذكره أن ريغي نفسه كان قبل إعلان تمرده، مسجوناً في زاهدان بسبب خلافات قبلية. أمّا أحد أشقّائه فلا يزال مسجوناً في طهران، فيما قتل الثاني أمام عينيه بأيدي عناصر الحرس الثوري منذ خمس سنوات.جمع عبد المالك، الذي ينتمي إلى قبيلة ريغي (إحدى أكبر القبائل البلوشية)، عدداً من رفاقه للقيام بعمليات مسلّحة ضد القوات الحكومية في الإقليم، تحت اسم منظمة «جند الله». لكنها في الفترة الأخيرة غيّرت اسمها الى «حركة المقاومة الوطنية الإيرانية» التي تسعى إلى الحكم الذاتي.
صحيفة "الاخبار" في 10-06-2009

1‏/6‏/2009

جعفر النميري

لا يمكن الحديث عن الرئيس السوداني جعفر النميري، من دون الإشارة إلى تناقضات شخصيته. فهو اليساري الذي قتل الشيوعيّين وتحالف مع أميركا وفرض الشريعة
معمر عطوي
رغم كل ما ينقل عنه أنصاره من «مآثر» جعلته في نظرهم «القائد»، لا يمكن تناول حقبة الرئيس السوداني الراحل جعفر النميري (26 نيسان 1930 ـــــ 30 أيار 2009) من دون تذكّر حدثين مهمّين صبغا عهده المليء بالتناقضات. الأول، هو تصفية خصومه بطريقة وحشية، ودوره في ترحيل يهود إثيوبيا إلى إسرائيل.لكنّ «أبو عاج»، كما يرغب أنصاره في أن يلقّبوه، ترك بصماته على مسيرة الحكم في «سلة الغذاء العربية» السودان، متغلّباً خلال 16 عاماً على 3 محاولات انقلابية، وفي الوقت نفسه، معايشاً لمرض عضال رافقه معظم سنيّ حياته.لقد خدم الحظ ابن مدينة أم درمان، الفقير، ليصبح ضابطاً ومن ثم رئيساً، رغم شظف العيش الذي شهدته عائلته المهاجرة من «ود نميري» في الشمال، بهدف البحث عن سبل العيش. وتمكّن «جعفر الطيار» من دخول المدرسة الحربية، بعدما كان يعمل في تنظيف الحمير في مياه النيل، إثر تنازل شقيقه الأكبر، مصطفى، عن الدراسة للعمل، مُفسحاً في المجال أمام جعفر للالتحاق بالثانوية العليا، ومن بعدها الكلية الحربية، التي تخرّج فيها برتبة ملازم ثان في عام 1952. بعد ذلك، حصل على الماجيستر في العلوم العسكرية من الولايات المتحدة الأميركية، وعمل ضابطاً في الجيش السوداني قبل أن يصبح رئيس مجلس ثورة أيار 1969، التي أطاحت نظام الرئيس الأسبق الفريق إبراهيم عبود.تقلّد النميري الرئاسة من عام 1969 حتى عام 1985. خلال 16 عاماً من حكمه، واجه النميري ثلاث محاولات انقلابية، بعد ممارساته ضد الشيوعيين والإسلاميين، التي صبغت حكمه بالظلم، وجعلته بنظر العديد من السودانيّين «الديكتاتور السفاح». في 19 تموز 1971، أحبط النميري وأعوانه انقلاب الحزب الشيوعي الذي كان ينتمي إليه، قبل وصوله إلى السلطة. وارتكب المجازر ونصب المشانق للشيوعيين، حيث أعدم كلاً من أمين الحزب آنذاك عبد الخالق محجوب وهاشم العطا وآخرين، فيما اقتيد بعضهم إلى السجون.وفي أيلول عام 1975، نجح النميري، الذي كان معجباً بجمال عبد الناصر، في القضاء على الانقلاب الثاني، الذي قاده الضابط حسن حسين، بينما فشل الانقلاب الثالث بقيادة العقيد محمد نور سعد في عام 1976، الذي خططت له المعارضة السودانية في الخارج بالتعاون بين الشيوعيّين وحزب الأمة والحزب الاتحادي الديموقراطي، وبدعم من السلطات الليبية.ويُشاع عن النميري في السودان أنه كان يعزل وزراءه فجأة عبر نشرة أخبار الثالثة ظهراً، للإذاعة السودانية، بصورة درامية. كما يُنقل عنه حدّته في الحديث مع المسؤولين في حكومته بما يصل إلى حدّ الضرب.يتّهمه المعارضون بمحاولة ضرب النقابات، فيما يسجّل له الموالون تمكّنه في عام 1972 من إرساء اتفاقية أديس آبابا التي وضعت حداً للحرب الأهلية، التي اندلعت بين الشمال والجنوب في عام 1955.ومع أن عهد النميري شهد أطول هدنة بين المتمردين والحكومة المركزية في الخرطوم، دامت 11 عاماً، إلا أنه في النهاية شهد ظهور الحركة الشعبية وجناحها العسكري الجيش الشعبي لتحرير السودان، وبروز جون غارانغ كأبرز زعماء المتمردين.وربما كان أحد أسباب عودة الحرب، بقوة، ما قام به النميري نفسه، في عام 1983 عبر تقسيم الجنوب إلى ثلاث ولايات (هي أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية)، بعدما كان ولاية واحدة. إضافة إلى ذلك، كان إعلان النميري تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان، في أيلول 1983، سبباً لنفور الجنوبيين من حكومة الخرطوم وقيامهم بحركة تمرد واسعة ضد النظام ، ولا سيما أنه آنذاك تحالف مع الإسلاميين بزعامة الدكتور حسن الترابي، وأطلق على نفسه «إمام المسلمين».على أيّ حال، لا يمكن المرور على سيرة حياة جعفر النميري من دون تذكّر صفقة ترحيل يهود الفالاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل، والتي يرى بعض خصومه أنها كانت، إلى جانب حربه ضد النقابات، القشّة التي قصمت ظهر البعير، وأسهمت في إسقاط نظام حكمه.لقد أدى النميري دوراً في مساعدة إسرائيل على نقل اليهود الإثيوبيين إلى الدولة العبرية، عبر عملية موسى (1984) وعملية سبأ (1985)، التي ضمت أكثر من 20000 يهودي.ولم تستطع الولايات المتحدة، الحليف القويّ للجنرال «اليساري السابق»، مساعدته في التغلّب على الانهيار الاقتصادي والجفاف اللذين عمّا البلاد، فأطيح عام 1985 عبر انقلاب قاده الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب.
الاخبار:١ حزيران ٢٠٠٩

18‏/5‏/2009

النازيّون الجُدد يحيون «الرايخ الثالث»


حليقو الرؤوس يتجاوزون محاولات الحظر الألمانية
مع عودة اليمين المتطرف، الذي ظهر خلال العقدين الأخيرين في الشارع الأوروبي، إلى «مسقط رأسه» ألمانيا، بات السؤال المطروح عن ظاهرة تهدّد «القارة العجوز»: ما الذي يمكن عمله في ظل فشل حظر الحزب القومي الألماني، قانوناً؟ ومن يستطيع إيقاف اندفاعة «حليقي الرؤوس». اللافت أن اليمين بات يتمثّل صورة اليسار، في عمليّة تخفٍّ واضحة، تنقذه من ملاحقات الشرطة؛ كوفيات فلسطينية، ونظارات شمسية، وسترات سوداء بقبعات. هؤلاء هم «النازيون الجدد» القادمون إلى «الرايخ الثالث» في زمن العولمة و«الإنترنت» و«القريّة الواحدة» بشعارات «الاشتراكية القومية» و«حرية المجتمع والوطن» الجرماني، و«المقاومة القومية المستقلة»
معمر عطوي
طرح الحضور الكثيف لليمين المتطرف الألماني في الأول من أيار الماضي، خلال تظاهرات عيد العمال، أسئلة هامّة على صعيد مستقبل البلاد، في ضوء تنامي هذه الظاهرة التي تهدّد بعودة النازية إلى مسقط رأسها.فمنذ عام 1945، تاريخ سقوط «الرايخ الثالث» واندحار جيوش أدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف الحركات النازية في ألمانيا عن الإطلال برأسها بين وقت وآخر، مستغلة الهجرة الكثيفة لأبناء الجنوب إلى الشمال، للتحريض على الأجانب لكونهم ظاهرة «تستنزف طاقات البلاد، ولا سيما المؤسسات الرسمية، بالمساعدات الاجتماعية وتحصيل فرص العمل في منافسة مع المواطنين الألمان».ورغم كل محاولات الحظر ومحاربة الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي لها، بدت اليمينية الألمانية امتداداً واضحاً للحال المتفشيّة على مستوى القارة الأوروبية، حيث بات العداء للأجانب سمة فاضحة في مجتمعات تقود حركة تحقيق المساواة والعدالة والحرية بين البشر. في أي حال، لم يكن «الحزب القومي الديموقراطي الألماني»، الذي بدأ بالظهور رسمياً من خلال فوزه بعدد من مقاعد ولاية سكسونيا السفلى في عام 2004، تجربة جديدة على مستوى اليمين المتطرّف. فقد سبقته تجارب أخرى أثبتت فشلها. لعلّ أهمها، ظهور الحزب الاشتراكي الملكي (أس آر بي)، في آواخر الأربعينيات، بعد سنوات قليلة من سقوط ألمانيا الهتلريّة.لقد رفض الحزب الملكي الاعتراف بسيادة الحكومة الألمانية بعد الحرب، مشيراً إلى أنها من صنع الاحتلال، مستعيداً شعارات النازية في تمجيد الجندي الألماني وإعادة توحيد ألمانيا التاريخية. لكن هذه التجربة سرعان ما اندثرت مع حظر الحزب لممارساته السياسية المناقضة للدستور.كذلك تعرض حزب آخر، هو «الحزب الملكي الألماني» (دي آر بي)، لمحاولتي حظر في الخمسينيات؛ فمنذ تأسيسه في عام 1950 من اتحاد قوى اليمين المتطرف، بات بمثابة الرحم التي خرجت منها الأحزاب النازية الحديثة.أمّا الحزب القومي الديموقراطي الألماني، فقد برز إلى الوجود سنة 1964 في مدينة هانوفر، (ألمانيا الغربية سابقاً)، لكن نشاطه أخذ بالازدياد عقب الوحدة الألمانية ليرتفع عدد أعضائه في الأشهر الأخيرة إلى ما يزيد على سبعمئة ألف عضو. ولعل شعاره الأساسي غير المعلن هو «ألمانيا فوق جميع الأمم».
■ الصدمة الانتخابية
ربما كانت الصدمة التي خضّت المسرح السياسي الألماني هي الانتخابات المحلية في عام 2004 في ولاية سكسونيا السفلى الشرقية، حيث حصل الحزب القومي، الذي استعاد نشاطه بعد الوحدة الألمانية، على 12 مقعداً في برلمان الولاية.وتوالت «انتصارات» الحزب في أكثر من برلمان محلّي، حين حصل في عام 2006 في «مكلينبورغ فوربوميرن» على 7.3 في المئة من الأصوات. وبات يهدّد ولاية بافاريا، معقل الاتحاد الاجتماعي المسيحي (سي أس أو).خطوة توّجت باتّفاق الحزب القومي وحزب «وحدة الشعب الألماني»، للمرة الأولى في تاريخهما، على برنامج مشترك لخوض الانتخابات العامة في عام 2005 التي فشلا فيها، والانتخابات الأوروبية العام الحالي.ويقف الحزبان موقفاً معادياً من الأجانب واللاجئين ويطالبان بإلغاء قانون الأجانب. ويؤمنان بأن ألمانيا لا تزال محتلة، ومن الضروري تغيير الدستور والقوانين الأساسية انطلاقاً من هذا الأساس.ثمة حادثة تعتبر غير مسبوقة في تاريخ ألمانيا الحديث، ظهرت في برلمان ولاية سكسونيا، في كانون الثاني من عام 2005، حين رفض النواب اليمينيون الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح ضحايا المحرقة النازية. المفارقة أن هؤلاء استطاعوا العام الحالي، في ذكرى قصف مدينة درسدن في عام 1945، حشد نحو 6000 شخص في تظاهرة للتنديد بهجوم الحلفاء على المدينة الواقعة في غرب البلاد.
■ تجاوز الحظر
الحزب القومي، الذي يعاني من أزمات مالية حادة نتيجة ما تعرّض له من غرامات بسبب مواقف قيادته وأعضائه العنصريّة المتطرفة، بلغت نحو 2.5 مليون يورو أوروبي، بقي صامداً أمام محاولات حظره. فقد أعلنت المحكمة الدستورية العليا رفض الطلبات لعدم مشروعية الشهود المقدّمين في القضية.لكن رئيس الحزب، المهندس آدو فويغت، الضابط الجوي السابق في الجيش الألماني، تعرض للحبس وللغرامات أكثر من مرة، على خلفية تصريحات عنصرية، وقضايا تبرعات مالية غير مشروعة.في تشرين الثاني 2008، علّق الحزب «القومي الديموقراطي» على انتخاب باراك أوباما أول رئيس أسود للولايات المتحدة، بالقول إنه نتاج «التحالف بين اليهود والزنوج» و«أفريقيا تقهر البيت الأبيض» وأطلق عليه اسم «وباء استوائي أفريقي».في المستوى الثاني يأتي حزب «القوميين المستقليّن» (إي أن)، الذي شارك بقوة في تظاهرات الأول من أيار الأخيرة، وهو حزب يرفض فكرة الديموقراطية.وكانت وزارة الداخلية الألمانية قد حظرت بين عامي 1992 و2006، نحو 24 منظمة وجمعية ينشط داخلها يمينيون متطرفون.لعل الصورة الأوضح للتطرف في بلاد «الرايخ الثالث» تلك التي أبرزها موقع «دويتشه فيلله» الإلكتروني، والتي تفيد بأن نسبة المتطرفين اليمينيين في المجتمع الألماني تصل إلى نحو 12 في المئة من عدد السكان. أمام هذه الظاهرة، تُرى هل تنفع سياسة الاندماج التي تقودها الحكومة منذ سنوات، في إقناع هؤلاء بقبول من يرغب بالاندماج في مجتمع لطالما تغنى بسياسة التسامح والمساواة بين البشر؟
هورست مالر: من اليسار إلى اليمين
الناشط اليساري السابق المحامي هورست مالر أصبح اليوم أحد قياديي الحزب القومي الألماني (إن بي دي)، وممثل الدفاع عن الحزب في مواجهة محاولات حظره قضائياً.وكان مالر (72 عاماً) العضو السابق في منظمة «بارد ـــــ ماينهوف» اليسارية الراديكالية التي برزت إبان السبعينيات في ألمانيا الغربية، من رواد «ثورة الطلبة» في أوروبا. ارتدّ عن منظمته اليسارية خلال منتصف الثمانينيات، وأصدرت سلطات العدل بحقه آنذاك عقوبة سجن مخففة، بعدما أعلن «التوبة».في عام 2000، انضم مالر، أحد مؤسسي الجيش الأحمر الألماني (آر أي أف)، إلى صفوف الحزب القومي، كمحامي دفاع عن الحزب وقيادي رفيع المستوى. حوكم مرات عديدة بتهمة التحريض العنصري واستخدام رموز لمنظمات معادية للدستور الألماني والإساءة لآخرين. واتهم بإنكار الهولوكوست وبإبداء تحية هتلر في حوار مع صحافي يهودي.
الأخبار:عدد الجمعة ١٥ أيار ٢٠٠٩

1‏/5‏/2009

أكثر المسيئين إلى الله «الحــاكمون بأمره»


معمر عطوي
قنبلة جديدة يفجرّها رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ يوسف القرضاوي، وسط التوترات المذهبية القائمة، من خلال نفي علمه بوجود فتوى «أزهرية» تجيز التعبد على المذهب الشيعي الاثني عشري. وذلك بعد أشهر قليلة من تصريحاته الهجومية ضد الشيعة، الذين وصفهم بالمبتدعة، واتهامه إيران بالعمل على تشييع أهل السنّة.تصريح القرضاوي هذا، يوضح أن الرجل لم يجد في كتب شيخ الأزهر الراحل محمود الشلتوت (1893ــــ1963)، فتوى بخصوص الإجازة للمسلمين السنّة ممارسة طقوسهم الدينية وشعائرهم، وفق أحكام المذهب الاثني عشري، إلى جانب المذاهب الأربعة لأهل السنّة والجماعة (الشافعي والحنبلي والمالكي والحنفي). ما أثار جدلاً واسعاً، لا سيما بأبعاده السياسية التي تواكب حملة عربية عنيفة ضد الدولة الفارسية.لكن المفارقة أن حدة الانتقادات والاستهجانات الصادرة من الطرف الشيعي لنفي القرضاوي، هي في عدم ملاءمتها للرؤية الموضوعية المُقنعة، التي ينبغي أن تثير في المقابل تساؤلاً مشروعاً عن سبب عدم وجود فتوى شيعية مماثلة، سواء عن الحوزة الدينية في قم أو عن الحوزة في النجف، تجيز التعبد على مذهب أهل السنّة. إذ يصبح المفهوم منقوصاً حين أطالب طرفاً بالاعتراف بشرعية ما أقوم به، من دون أن أعترف به أو بشرعية ما يقوم به.وبعيداً عن المهزلة السياسية، التي تورّط فيها القرضاوي، على هامش مؤتمر «علماء المستقبل»، الذي نظّمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في القاهرة، في أول نيسان، من خلال تصريحاته الحادة التي نفى فيها علمه بفتوى الشيخ الشلتوت، انزلق الشيخ مرة أخرى من نقد دور سياسي لإيران إلى تغذية الحقد المذهبي ضد طائفة كبيرة من المسلمين.لا تخدم تصريحات الشحن المذهبي هذه، سوى «أعداء الأمة» والمشروع الصهيوني الأميركي الذي من شأنه تعزيز الشرخ بين السنّة والشيعة وبين المسلمين وغيرهم وبين العرب والفرس. مشروع يتبلور أكثر فأكثر كلما تقدّمت إيران في مسيرتها العلمية والتسليحية.بيد أنّ «الورطة» السياسية التي وقع فيها شيخ ذو مكانة رفيعة على المستوى الدعوي الإسلامي (وهو طالما تحدّث عن ضرورة توحيد صفوف المسلمين وعدم تكفير بعضهم بعضاً)، تقودنا إلى عقم الخطاب الديني وقصور المنهجية التي ينطلق فيها المتدينون في نقدهم لبعضهم بعضاً، والتي تصل إلى حدّ الوصف بالنجاسة والابتداع والضلال أوالاتهام بالشرك أو بالكفر. كل هذه الترّهات نابعة من لاعقلانية واضحة في الحكم على الآخر، لدرجة أن شروط قبول الصلاة أو الصوم أو أي شعيرة من شعائر المسلمين وطقوسهم، تبدو مثيرة للسخرية، بل للاشمئزاز.من الواضح أن الفتاوى واضحة في لحاقها بركب السياسة. وأصبحت محاباة هذا الحاكم أو ذاك من «عدة الشغل». ورجال الدين جاهزون لإصدار الفتوى بما ينسجم مع القرارات السياسية المتعلقة بدوائرهم الحزبية ومصالحها، أو بما يتناسب مع سلاطينهم الذين يغدقون عليهم المال والامتيازات.بهذا المعنى، كانت دعوة السيد حسن نصر الله إلى الصلاة وراء الشيخ فتحي يكن، الداعية السني، خلال اعتصام المعارضة في بيروت، دعوة يتيمة جاءت لتخدم مشروع المعارضة ومحاولة فاشلة لسحب فتائل التفجير بين السنّة والشيعة.ولو حاولنا تمحيص الموضوع من داخل الحقل الديني نفسه، لوجدنا أن مدناً مثل بيروت وبغداد أو كراتشي أو المدينة المنورة، ما كانت لتشهد اشتباكات ومجازر بين السنّة والشيعة، لو أن قيادات العالم الإسلامي، تصرفت منذ البداية بعيداً عن العصبية المذهبية ودعت إلى الصلاة جماعة وراء عالم سني أو شيعي من دون تمييز. ولو أنها وضعت نصب أعينها أن الإسلام متعدد المذاهب ولا يقتصر على أربعة فقط، وأنه حمّال أوجه مثل القرآن. مع لفت الانتباه إلى ضرورة اعتراف الشيعة بمحاسن صحابة الرسول، من دون التوقف عند الخلافات، مقابل اعتراف السنّة بأفضال علماء أهل بيت النبوة وأهمية جعفر الصادق في تعليم أئمة أهل السنّة. كل ذلك على اعتبار أن خلافات الماضي لا تخدم مسيرة الحاضر ولا تطلعات المستقبل.ثمة أسئلة كثيرة تستدعي الوقوف عند أهداف السياسيين في منع ظواهر وحدوية أُجهضت أو توقفت، مثل ظاهرة حزب الدعوة الإسلامي في العراق، الذي توقف عن السير في طريق الوحدة، كما نادى الشهيد محمد باقر الصدر في بداية تأسيسه للحزب. كذلك هناك أسئلة عن عدم تطور ظاهرة حزب التحرير نحو الوحدة، فيما كان بين صفوف قيادته شخصيات شيعية هي اليوم قيادات في حزب الله.ثمة أسئلة كثيرة عن ظاهرة المذهبية التي تفشت، فيما كان المعنيون بـ«الحالة الإسلامية» نائمين عن تطوير أفكار وتجارب متواضعة، مثل تجربة مسجد المعشوق في صور، التي توصّل خلالها بعض «الوحدويين» من السنّة والشيعة إلى توحيد الآذان.ولو أنّ حزب الله استكمل ما بدأه مع بعض التنظيمات السنيّة المقاومة في عملية بدر الكبرى الشهيرة، وتجاهل إملاءات القيادة السورية في ضرورة استبعاد عناصر التوحيد والجماعة الإسلامية عن المقاومة، لكانت وحدة الدم والنضال ساعدت كثيراً على عدم نجاح الفتنة من التغلغل في صفوف هذه الحركات، وربما لما وصلت المقاومة إلى هذه المرحلة الحرجة من التهجّم عليها، حيث باتت السيطرة لضعاف النفوس وحاملي الأحقاد والضغائن التاريخية، التي لا تخدم سوى الأعداء ومن يدور في فلكهم من أنظمة بالغة السوء والتبعية.من خلال رؤية بعيدة عن الحقل الديني، لا بد من التسليم بأن الكل في دائرة الاتهام سواء، والمسؤولية لا تقع على كاهل طرف دون آخر. لأن العنجهية والغرور أصابا الجميع، ولأن السخافة في إطلاق الأحكام والتشدد في ممارسة العبادات، بدوَا أسخف من أن يكون حكماً «إلهياً». بل باتت مصلحة هذا الفقيه أو ذاك في حشد مريديه ومقلديه، هي المقصد الأساس للتشريع. وبات الاجتهاد مجرد كلمة يزايد بها العلماء على بعضهم من دون أن يبلوروا أي حكم لمصلحة الأمة جمعاء.والإقفال المعلن لباب الاجتهاد عند أهل السنّة، لم يمنعهم من اللجوء إلى القياس (كأحد مصادر التشريع) في قضايا قد تخدم نزواتهم مثل تحليل زواج المسيار والزواج بنية الطلاق (الشبيه بالزواج المنقطع) أو «زواج فريند». ولم يمنع فقهاء السلطان من شرعنة الخيانة كاستدلال غير منطقي بالآية القرآنية، «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع».وبعيداً عن أوهام العقائد، فإن المتابع للشأن التشريعي في مجال العبادات والمعاملات، لو غاص عميقاً في أتون الاختلافات، لوجد أن التباينات الفقهية حاصلة ليست فقط بين السنّة والشيعة، بل بين المذاهب السنية الأربعة نفسها وبين المذاهب الاثني عشرية والزيدية والإسماعيلية في الطرف الشيعي.ولو حاكمنا عقلياً شروط قبول الصلاة أو الصوم، عند هذا الفقيه أو ذاك، لبانت تفاهة هذه الاختلافات، وتجلت عورتها؛ وترّهة رؤية قمر رمضان لا تزال سارية رغم تطورات علم الفلك واقتحام الفضاء.بعد الاستنتاج، أزعم أنّ أكثر المسيئين إلى «قداسة الله» هم المدّعون أنهم متحدثون باسمه وحاكمون بأمره. هم الذين يجعلون الله سخيفاً بحصر تشريعاتهم بمسائل تبعد المسلمين بعضهم عن بعض، وتفرّق بينهم، خلافاً للآية القرآنية «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا». وهم الذين أسقطوا مقولة جوهر التشريع الذي من المفترض أن «يجلب المصالح ويبعد المفاسد»، فيما يتبارون في جلب المفاسد على أمتهم وإيقاعها في حبائل الفتن والضغائن لتصبح لقمة سائغة للأعداء. أمام مقولة مقاصد الشريعة، ألا يكون البحث عن فتوى جديدة تقرّب بين شرائح المجتمع المتعايشة أجدر من نفي العلم بوجودها؟

الأخبار: ١ أيار ٢٠٠٩