18‏/5‏/2009

النازيّون الجُدد يحيون «الرايخ الثالث»


حليقو الرؤوس يتجاوزون محاولات الحظر الألمانية
مع عودة اليمين المتطرف، الذي ظهر خلال العقدين الأخيرين في الشارع الأوروبي، إلى «مسقط رأسه» ألمانيا، بات السؤال المطروح عن ظاهرة تهدّد «القارة العجوز»: ما الذي يمكن عمله في ظل فشل حظر الحزب القومي الألماني، قانوناً؟ ومن يستطيع إيقاف اندفاعة «حليقي الرؤوس». اللافت أن اليمين بات يتمثّل صورة اليسار، في عمليّة تخفٍّ واضحة، تنقذه من ملاحقات الشرطة؛ كوفيات فلسطينية، ونظارات شمسية، وسترات سوداء بقبعات. هؤلاء هم «النازيون الجدد» القادمون إلى «الرايخ الثالث» في زمن العولمة و«الإنترنت» و«القريّة الواحدة» بشعارات «الاشتراكية القومية» و«حرية المجتمع والوطن» الجرماني، و«المقاومة القومية المستقلة»
معمر عطوي
طرح الحضور الكثيف لليمين المتطرف الألماني في الأول من أيار الماضي، خلال تظاهرات عيد العمال، أسئلة هامّة على صعيد مستقبل البلاد، في ضوء تنامي هذه الظاهرة التي تهدّد بعودة النازية إلى مسقط رأسها.فمنذ عام 1945، تاريخ سقوط «الرايخ الثالث» واندحار جيوش أدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف الحركات النازية في ألمانيا عن الإطلال برأسها بين وقت وآخر، مستغلة الهجرة الكثيفة لأبناء الجنوب إلى الشمال، للتحريض على الأجانب لكونهم ظاهرة «تستنزف طاقات البلاد، ولا سيما المؤسسات الرسمية، بالمساعدات الاجتماعية وتحصيل فرص العمل في منافسة مع المواطنين الألمان».ورغم كل محاولات الحظر ومحاربة الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي لها، بدت اليمينية الألمانية امتداداً واضحاً للحال المتفشيّة على مستوى القارة الأوروبية، حيث بات العداء للأجانب سمة فاضحة في مجتمعات تقود حركة تحقيق المساواة والعدالة والحرية بين البشر. في أي حال، لم يكن «الحزب القومي الديموقراطي الألماني»، الذي بدأ بالظهور رسمياً من خلال فوزه بعدد من مقاعد ولاية سكسونيا السفلى في عام 2004، تجربة جديدة على مستوى اليمين المتطرّف. فقد سبقته تجارب أخرى أثبتت فشلها. لعلّ أهمها، ظهور الحزب الاشتراكي الملكي (أس آر بي)، في آواخر الأربعينيات، بعد سنوات قليلة من سقوط ألمانيا الهتلريّة.لقد رفض الحزب الملكي الاعتراف بسيادة الحكومة الألمانية بعد الحرب، مشيراً إلى أنها من صنع الاحتلال، مستعيداً شعارات النازية في تمجيد الجندي الألماني وإعادة توحيد ألمانيا التاريخية. لكن هذه التجربة سرعان ما اندثرت مع حظر الحزب لممارساته السياسية المناقضة للدستور.كذلك تعرض حزب آخر، هو «الحزب الملكي الألماني» (دي آر بي)، لمحاولتي حظر في الخمسينيات؛ فمنذ تأسيسه في عام 1950 من اتحاد قوى اليمين المتطرف، بات بمثابة الرحم التي خرجت منها الأحزاب النازية الحديثة.أمّا الحزب القومي الديموقراطي الألماني، فقد برز إلى الوجود سنة 1964 في مدينة هانوفر، (ألمانيا الغربية سابقاً)، لكن نشاطه أخذ بالازدياد عقب الوحدة الألمانية ليرتفع عدد أعضائه في الأشهر الأخيرة إلى ما يزيد على سبعمئة ألف عضو. ولعل شعاره الأساسي غير المعلن هو «ألمانيا فوق جميع الأمم».
■ الصدمة الانتخابية
ربما كانت الصدمة التي خضّت المسرح السياسي الألماني هي الانتخابات المحلية في عام 2004 في ولاية سكسونيا السفلى الشرقية، حيث حصل الحزب القومي، الذي استعاد نشاطه بعد الوحدة الألمانية، على 12 مقعداً في برلمان الولاية.وتوالت «انتصارات» الحزب في أكثر من برلمان محلّي، حين حصل في عام 2006 في «مكلينبورغ فوربوميرن» على 7.3 في المئة من الأصوات. وبات يهدّد ولاية بافاريا، معقل الاتحاد الاجتماعي المسيحي (سي أس أو).خطوة توّجت باتّفاق الحزب القومي وحزب «وحدة الشعب الألماني»، للمرة الأولى في تاريخهما، على برنامج مشترك لخوض الانتخابات العامة في عام 2005 التي فشلا فيها، والانتخابات الأوروبية العام الحالي.ويقف الحزبان موقفاً معادياً من الأجانب واللاجئين ويطالبان بإلغاء قانون الأجانب. ويؤمنان بأن ألمانيا لا تزال محتلة، ومن الضروري تغيير الدستور والقوانين الأساسية انطلاقاً من هذا الأساس.ثمة حادثة تعتبر غير مسبوقة في تاريخ ألمانيا الحديث، ظهرت في برلمان ولاية سكسونيا، في كانون الثاني من عام 2005، حين رفض النواب اليمينيون الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح ضحايا المحرقة النازية. المفارقة أن هؤلاء استطاعوا العام الحالي، في ذكرى قصف مدينة درسدن في عام 1945، حشد نحو 6000 شخص في تظاهرة للتنديد بهجوم الحلفاء على المدينة الواقعة في غرب البلاد.
■ تجاوز الحظر
الحزب القومي، الذي يعاني من أزمات مالية حادة نتيجة ما تعرّض له من غرامات بسبب مواقف قيادته وأعضائه العنصريّة المتطرفة، بلغت نحو 2.5 مليون يورو أوروبي، بقي صامداً أمام محاولات حظره. فقد أعلنت المحكمة الدستورية العليا رفض الطلبات لعدم مشروعية الشهود المقدّمين في القضية.لكن رئيس الحزب، المهندس آدو فويغت، الضابط الجوي السابق في الجيش الألماني، تعرض للحبس وللغرامات أكثر من مرة، على خلفية تصريحات عنصرية، وقضايا تبرعات مالية غير مشروعة.في تشرين الثاني 2008، علّق الحزب «القومي الديموقراطي» على انتخاب باراك أوباما أول رئيس أسود للولايات المتحدة، بالقول إنه نتاج «التحالف بين اليهود والزنوج» و«أفريقيا تقهر البيت الأبيض» وأطلق عليه اسم «وباء استوائي أفريقي».في المستوى الثاني يأتي حزب «القوميين المستقليّن» (إي أن)، الذي شارك بقوة في تظاهرات الأول من أيار الأخيرة، وهو حزب يرفض فكرة الديموقراطية.وكانت وزارة الداخلية الألمانية قد حظرت بين عامي 1992 و2006، نحو 24 منظمة وجمعية ينشط داخلها يمينيون متطرفون.لعل الصورة الأوضح للتطرف في بلاد «الرايخ الثالث» تلك التي أبرزها موقع «دويتشه فيلله» الإلكتروني، والتي تفيد بأن نسبة المتطرفين اليمينيين في المجتمع الألماني تصل إلى نحو 12 في المئة من عدد السكان. أمام هذه الظاهرة، تُرى هل تنفع سياسة الاندماج التي تقودها الحكومة منذ سنوات، في إقناع هؤلاء بقبول من يرغب بالاندماج في مجتمع لطالما تغنى بسياسة التسامح والمساواة بين البشر؟
هورست مالر: من اليسار إلى اليمين
الناشط اليساري السابق المحامي هورست مالر أصبح اليوم أحد قياديي الحزب القومي الألماني (إن بي دي)، وممثل الدفاع عن الحزب في مواجهة محاولات حظره قضائياً.وكان مالر (72 عاماً) العضو السابق في منظمة «بارد ـــــ ماينهوف» اليسارية الراديكالية التي برزت إبان السبعينيات في ألمانيا الغربية، من رواد «ثورة الطلبة» في أوروبا. ارتدّ عن منظمته اليسارية خلال منتصف الثمانينيات، وأصدرت سلطات العدل بحقه آنذاك عقوبة سجن مخففة، بعدما أعلن «التوبة».في عام 2000، انضم مالر، أحد مؤسسي الجيش الأحمر الألماني (آر أي أف)، إلى صفوف الحزب القومي، كمحامي دفاع عن الحزب وقيادي رفيع المستوى. حوكم مرات عديدة بتهمة التحريض العنصري واستخدام رموز لمنظمات معادية للدستور الألماني والإساءة لآخرين. واتهم بإنكار الهولوكوست وبإبداء تحية هتلر في حوار مع صحافي يهودي.
الأخبار:عدد الجمعة ١٥ أيار ٢٠٠٩

1‏/5‏/2009

أكثر المسيئين إلى الله «الحــاكمون بأمره»


معمر عطوي
قنبلة جديدة يفجرّها رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ يوسف القرضاوي، وسط التوترات المذهبية القائمة، من خلال نفي علمه بوجود فتوى «أزهرية» تجيز التعبد على المذهب الشيعي الاثني عشري. وذلك بعد أشهر قليلة من تصريحاته الهجومية ضد الشيعة، الذين وصفهم بالمبتدعة، واتهامه إيران بالعمل على تشييع أهل السنّة.تصريح القرضاوي هذا، يوضح أن الرجل لم يجد في كتب شيخ الأزهر الراحل محمود الشلتوت (1893ــــ1963)، فتوى بخصوص الإجازة للمسلمين السنّة ممارسة طقوسهم الدينية وشعائرهم، وفق أحكام المذهب الاثني عشري، إلى جانب المذاهب الأربعة لأهل السنّة والجماعة (الشافعي والحنبلي والمالكي والحنفي). ما أثار جدلاً واسعاً، لا سيما بأبعاده السياسية التي تواكب حملة عربية عنيفة ضد الدولة الفارسية.لكن المفارقة أن حدة الانتقادات والاستهجانات الصادرة من الطرف الشيعي لنفي القرضاوي، هي في عدم ملاءمتها للرؤية الموضوعية المُقنعة، التي ينبغي أن تثير في المقابل تساؤلاً مشروعاً عن سبب عدم وجود فتوى شيعية مماثلة، سواء عن الحوزة الدينية في قم أو عن الحوزة في النجف، تجيز التعبد على مذهب أهل السنّة. إذ يصبح المفهوم منقوصاً حين أطالب طرفاً بالاعتراف بشرعية ما أقوم به، من دون أن أعترف به أو بشرعية ما يقوم به.وبعيداً عن المهزلة السياسية، التي تورّط فيها القرضاوي، على هامش مؤتمر «علماء المستقبل»، الذي نظّمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في القاهرة، في أول نيسان، من خلال تصريحاته الحادة التي نفى فيها علمه بفتوى الشيخ الشلتوت، انزلق الشيخ مرة أخرى من نقد دور سياسي لإيران إلى تغذية الحقد المذهبي ضد طائفة كبيرة من المسلمين.لا تخدم تصريحات الشحن المذهبي هذه، سوى «أعداء الأمة» والمشروع الصهيوني الأميركي الذي من شأنه تعزيز الشرخ بين السنّة والشيعة وبين المسلمين وغيرهم وبين العرب والفرس. مشروع يتبلور أكثر فأكثر كلما تقدّمت إيران في مسيرتها العلمية والتسليحية.بيد أنّ «الورطة» السياسية التي وقع فيها شيخ ذو مكانة رفيعة على المستوى الدعوي الإسلامي (وهو طالما تحدّث عن ضرورة توحيد صفوف المسلمين وعدم تكفير بعضهم بعضاً)، تقودنا إلى عقم الخطاب الديني وقصور المنهجية التي ينطلق فيها المتدينون في نقدهم لبعضهم بعضاً، والتي تصل إلى حدّ الوصف بالنجاسة والابتداع والضلال أوالاتهام بالشرك أو بالكفر. كل هذه الترّهات نابعة من لاعقلانية واضحة في الحكم على الآخر، لدرجة أن شروط قبول الصلاة أو الصوم أو أي شعيرة من شعائر المسلمين وطقوسهم، تبدو مثيرة للسخرية، بل للاشمئزاز.من الواضح أن الفتاوى واضحة في لحاقها بركب السياسة. وأصبحت محاباة هذا الحاكم أو ذاك من «عدة الشغل». ورجال الدين جاهزون لإصدار الفتوى بما ينسجم مع القرارات السياسية المتعلقة بدوائرهم الحزبية ومصالحها، أو بما يتناسب مع سلاطينهم الذين يغدقون عليهم المال والامتيازات.بهذا المعنى، كانت دعوة السيد حسن نصر الله إلى الصلاة وراء الشيخ فتحي يكن، الداعية السني، خلال اعتصام المعارضة في بيروت، دعوة يتيمة جاءت لتخدم مشروع المعارضة ومحاولة فاشلة لسحب فتائل التفجير بين السنّة والشيعة.ولو حاولنا تمحيص الموضوع من داخل الحقل الديني نفسه، لوجدنا أن مدناً مثل بيروت وبغداد أو كراتشي أو المدينة المنورة، ما كانت لتشهد اشتباكات ومجازر بين السنّة والشيعة، لو أن قيادات العالم الإسلامي، تصرفت منذ البداية بعيداً عن العصبية المذهبية ودعت إلى الصلاة جماعة وراء عالم سني أو شيعي من دون تمييز. ولو أنها وضعت نصب أعينها أن الإسلام متعدد المذاهب ولا يقتصر على أربعة فقط، وأنه حمّال أوجه مثل القرآن. مع لفت الانتباه إلى ضرورة اعتراف الشيعة بمحاسن صحابة الرسول، من دون التوقف عند الخلافات، مقابل اعتراف السنّة بأفضال علماء أهل بيت النبوة وأهمية جعفر الصادق في تعليم أئمة أهل السنّة. كل ذلك على اعتبار أن خلافات الماضي لا تخدم مسيرة الحاضر ولا تطلعات المستقبل.ثمة أسئلة كثيرة تستدعي الوقوف عند أهداف السياسيين في منع ظواهر وحدوية أُجهضت أو توقفت، مثل ظاهرة حزب الدعوة الإسلامي في العراق، الذي توقف عن السير في طريق الوحدة، كما نادى الشهيد محمد باقر الصدر في بداية تأسيسه للحزب. كذلك هناك أسئلة عن عدم تطور ظاهرة حزب التحرير نحو الوحدة، فيما كان بين صفوف قيادته شخصيات شيعية هي اليوم قيادات في حزب الله.ثمة أسئلة كثيرة عن ظاهرة المذهبية التي تفشت، فيما كان المعنيون بـ«الحالة الإسلامية» نائمين عن تطوير أفكار وتجارب متواضعة، مثل تجربة مسجد المعشوق في صور، التي توصّل خلالها بعض «الوحدويين» من السنّة والشيعة إلى توحيد الآذان.ولو أنّ حزب الله استكمل ما بدأه مع بعض التنظيمات السنيّة المقاومة في عملية بدر الكبرى الشهيرة، وتجاهل إملاءات القيادة السورية في ضرورة استبعاد عناصر التوحيد والجماعة الإسلامية عن المقاومة، لكانت وحدة الدم والنضال ساعدت كثيراً على عدم نجاح الفتنة من التغلغل في صفوف هذه الحركات، وربما لما وصلت المقاومة إلى هذه المرحلة الحرجة من التهجّم عليها، حيث باتت السيطرة لضعاف النفوس وحاملي الأحقاد والضغائن التاريخية، التي لا تخدم سوى الأعداء ومن يدور في فلكهم من أنظمة بالغة السوء والتبعية.من خلال رؤية بعيدة عن الحقل الديني، لا بد من التسليم بأن الكل في دائرة الاتهام سواء، والمسؤولية لا تقع على كاهل طرف دون آخر. لأن العنجهية والغرور أصابا الجميع، ولأن السخافة في إطلاق الأحكام والتشدد في ممارسة العبادات، بدوَا أسخف من أن يكون حكماً «إلهياً». بل باتت مصلحة هذا الفقيه أو ذاك في حشد مريديه ومقلديه، هي المقصد الأساس للتشريع. وبات الاجتهاد مجرد كلمة يزايد بها العلماء على بعضهم من دون أن يبلوروا أي حكم لمصلحة الأمة جمعاء.والإقفال المعلن لباب الاجتهاد عند أهل السنّة، لم يمنعهم من اللجوء إلى القياس (كأحد مصادر التشريع) في قضايا قد تخدم نزواتهم مثل تحليل زواج المسيار والزواج بنية الطلاق (الشبيه بالزواج المنقطع) أو «زواج فريند». ولم يمنع فقهاء السلطان من شرعنة الخيانة كاستدلال غير منطقي بالآية القرآنية، «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع».وبعيداً عن أوهام العقائد، فإن المتابع للشأن التشريعي في مجال العبادات والمعاملات، لو غاص عميقاً في أتون الاختلافات، لوجد أن التباينات الفقهية حاصلة ليست فقط بين السنّة والشيعة، بل بين المذاهب السنية الأربعة نفسها وبين المذاهب الاثني عشرية والزيدية والإسماعيلية في الطرف الشيعي.ولو حاكمنا عقلياً شروط قبول الصلاة أو الصوم، عند هذا الفقيه أو ذاك، لبانت تفاهة هذه الاختلافات، وتجلت عورتها؛ وترّهة رؤية قمر رمضان لا تزال سارية رغم تطورات علم الفلك واقتحام الفضاء.بعد الاستنتاج، أزعم أنّ أكثر المسيئين إلى «قداسة الله» هم المدّعون أنهم متحدثون باسمه وحاكمون بأمره. هم الذين يجعلون الله سخيفاً بحصر تشريعاتهم بمسائل تبعد المسلمين بعضهم عن بعض، وتفرّق بينهم، خلافاً للآية القرآنية «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا». وهم الذين أسقطوا مقولة جوهر التشريع الذي من المفترض أن «يجلب المصالح ويبعد المفاسد»، فيما يتبارون في جلب المفاسد على أمتهم وإيقاعها في حبائل الفتن والضغائن لتصبح لقمة سائغة للأعداء. أمام مقولة مقاصد الشريعة، ألا يكون البحث عن فتوى جديدة تقرّب بين شرائح المجتمع المتعايشة أجدر من نفي العلم بوجودها؟

الأخبار: ١ أيار ٢٠٠٩

24‏/4‏/2009

كوفيل يلخّص ما يجب أن تعرفه عن إيران

الثورة بما لها وما عليها في مجتمع يعيش «مرحلة انتقاليّة دائمة»
معمر عطوي
«المجتمع الإيراني هو في مرحلة انتقالية دائمة. وهذا يفسّر مختلف تناقضاته. إذ لا يزال مجتمع شبكات حيث العلاقات هي مفتاح سمسم لحياة ناجحة». فقرة معبّرة استخدمها الكاتب الفرنسي، تييرِّي كوفيل، في كتابه «إيران الثورة الخفيَّة»، محاولاً تقديم نظرة شموليّة عن المجتمع والسياسة الإيرانيين.كوفيل الذي كان مساهماً في المعهد الفرنسي للأبحاث في إيران، له جولات عميقة في سبر أغوار المسألة الإيرانيّة بأبعادها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والدينيّة. فقد سبق له أن وضع مؤلّفين عن إيران؛ الأول بعنوان «اقتصاد إيران الإسلاميّة، بين الدولة والسوق» في عام 1994، والثاني عن «اقتصاد إيران الإسلاميّة، بين النظام والفوضى» في عام 2002.ونظراً إلى ضلوعه في الشأن الاقتصادي الذي يبدو أنه شأنه المهني والتخصّصي، برع الكاتب في تقديم صورة مفصّلة عن علاقة التطور السياسي بالبُعد الاقتصادي. إذ إن «قيام جمهوريّة إيران الإسلاميّة سنة 1979، أثار قلقاً كبيراً في العالم الغربي الذي تساءل: ألن تؤدّي الإرادة التي أعلنها النظام الجديد عن تصدير الثورة إلى المنطقة، إلى اضطراب منطقة أساسيّة بالنسبة إلى حاجات الاقتصاد العالميّة النفطية؟».يحاول الكاتب أن يكون على قدر كبير من الموضوعيّة، إذ يستعرض الوضع الإيراني بسلبيّاته وإيجابيّاته، متحدثاً بإسهاب عن الثورة الإيرانيّة وما سبقها من خطوات سياسية واقتصاديّة وظروف اجتماعيّة ساهمت في خلق مناخات إنجاحها، متناولاً بالتفصيل، أبرز التيارات السياسيّة والمدارس الفكريّة التي أثرت مباشرة في تأجيج نار الغضب لدى الجماهير التي سعت إلى التغيير كل منها من منطلقاته. فكان اليساري إلى جانب الإسلامي الأصولي التقليدي وطالب الحوزة الدينية إلى جانب الإسلامي الليبرالي والبرجوازي.كانوا يعملون جنباً إلى جانب لإسقاط الشاه محمد رضا بهلوي، الذي لم يوفّر شريحة إيرانية من الشرائح الفاعلة على الساحة، من ظلمه وطغيانه. فاتّحدت جميع هذه الطاقات لإسقاط الملكيّة بحثاً عن جمهورية اختلفت صورتها بين الأفرقاء الثائرين، لتنتصر في النهاية الخمينية الآتية بأفكار أصوليّة مسيّسة، لا هي مقتنعة بالدور التقليدي للحوزة الدينية، ولا هي مستعدة لخوض تجربة الليبراليين الإسلامين، أو بعض من حاول التوفيق بين الإسلام كدين يدعو إلى العدالة الاجتماعية ومساعدة الفقراء والمظلومين، وبين الماركسية برؤيتها العميقة للصراع الطبقي.من هنا نبذت الثورة الخمينية بعد نجاحها بأشهر قليلة كل من ساعدها على إسقاط الشاه، من حزب «تودة» الشيوعي العريق الذي عُرف تاريخيّاً بمواقفه الشديدة ضدّ الشاهنشاهية، إلى شريحة واسعة من الشبّان المتأثّرين بالمفكر اليساري الإسلامي المتنوّر، علي شريعتي، الذي اغتاله رجال الاستخبارات التابعون للشاه «السافاك» في منفاه البريطاني في عام 1977.أمّا «مجاهدو خلق» الذين يدمجون بين الأفكار الماركسية والقيم الإسلاميّة، فقد كان لهم دور أساس في نجاح الثورة، لكنهم على عكس «تودة»، اعتمدوا طريق العنف والإرهاب فقتلوا العديد من الإيرانيين، في مقدّمهم رؤساء ووزراء ومفكرّون في الحكومة الإسلامية، ولم يتركوا مجالاً لأي التقاء مع الخميني الذي لعب أيضاً من ناحيته، ورقة تصفيات معارضيه بمن فيهم من كان معه في خندق الثورة. كل ذلك بهدف تحقيق الدولة الإسلامية بقيادة «الولي الفقيه».بهذه الروحيّة يستعرض كوفيل المراحل الأولى للثورة، التي قتلت أبناءها، بحجة المحافظة على «نقاء العنصر» الذي سيؤسّس في ما بعد نظاماً إسلاميّاً خالصاً ينطبق على الحياة بكل مفاصلها. لكن الكاتب يخلص إلى أن هذا الشعار لم يتحقق، ولم تنجح إيران الإسلامية في إيجاد آليات دينية بحتة نابعة من القرآن والسنّة، وخصوصاً على المستوى السياسي الذي اعتمد فيه نظام الجمهورية والبرلمان وغيرها من المؤسسات السائدة في النظام الوضعي الحديث المستمد من اليونان تاريخياً ومن أوروبا بصورته المحدّثة، فيما بقي النظام الاقتصادي يعمل في إطار النظام الربوي المالي المعمول به عالمياً حتى ولو تغيّرت بعض العناوين، بذريعة «أسلمة» وهمية.من هنا، نجد أن الكاتب قد غاص في تفاصيل السياسة التي سار عليها الملالي منذ بداية الثورة، محاولاً تقديم صورة شاملة للقارئ عن هذه الثورة وما لها وما عليها، مشيداً بالصور الإيجابية التي قدّمتها الثورة على مستويات عديدة، منها التقدّم التقني والعلمي وعلى مستويات الصناعات الحربية والنووية. ناهيك بازدياد عدد الجامعات ومراكز البحث العلمي والارتفاع في نسب المتعلمين والمتعلمات وتطوير دور المرأة.في مقدمة كتابه الذي نقله إلى العربية الدكتور خليل أحمد خليل، يقول المؤلّف «من المؤكد أن إيران تنتمي إلى هذه البلدان التي لا نظير لأهميتها الاستراتيجيّة سوى جهل بقيّة الكوكب لها، وبالأخصّ جهل البلدان الغربيّة».لعلّه من موقعه كباحث ميداني عايش المجتمع والسياسة الإيرانيّين، حاول كوفيل أن يتمتّع بأقصى درجة من الموضوعيّة وإن خانه ذلك أحياناً. لكنه في الوقت نفسه، ساق انتقاداته من خلال نظرة معايشة للأمور، لا من خلال تجنّ وتشويه مارسهما العديد من المستشرقين، الذين كانوا دائماً يثيرون الأمور السلبية من مجتمعات دول الأطراف لحساب سياسات دول المركز الاستعماريّة. وربما وقع أحياناً في لعبة «دس السُّم في الدسم» من خلال تناوله لمواقف سياسيّة قد يكون تفسيرها خاضعاً لتصورات حمّالة أوجه.وقد تحدّث عن هذه النقطة بقوله «في خلال أمد طويل، لم تكن التحقيقات أو المقالات الصحافيّة عن إيران تبيّن أو تصف سوى الجماهير المتعصّبة والنساء بالشادور الأسود، وسوى بلد هو حتماً توتاليتاري وظلامي. كذلك فإن هذه الحالة الميدانيّة كانت تنجم عن موقف السلطات الإيرانيّة التي كانت تضخّ معلومات قليلة أو سيئة عن إيران الحقيقة، إمّا لأنها كانت تجد مصلحة معيّنة في تناقل صورة كاريكاتوريّة كهذه، وإمّا لأنها كانت بكل بساطة لا تعرف كيف تتواصل مع الآخرين».لقد أصاب الكاتب بقوله إن المجتمع الإيراني في «مرحلة انتقاليّة دائمة»، فهو مجتمع لا يبدو أنه موحد، لا في السياسة ولا في فهمه للقيم الاجتماعيّة، وذلك في ظل مشهد سياسي متوتر وحيوي في الوقت نفسه، ناتج من تصارع تيارين: الأول أصولي محافظ والآخر إصلاحي ليبرالي. لكن ما يميّز الإيرانيين أن هذه الاختلافات يمكن تجميدها بسرعة إذا ما تعرض الأمن القومي للخطر.ربما يشير هذا الواقع إلى حراك سياسي اجتماعي غير موجود في بعض دول الخليج العربي المجاورة. ولعلّ السياسة الإيرانيّة التي يتمّ نسجها مثل حياكة السجاد، جديرة بدراسة موضوعيّة مثل تلك التي وضعها كوفيل.

12‏/4‏/2009

لعينيكِ أكتب أبياتي الأخيرة









هنا.. عند حدود الحاجبين إنتهى عالمي



هنا.. بدأ عالمك من جديد



من بؤبؤي عينيكِ أنظم قصيدة النهاية




بحبر الدموع المتصببة عرقاً من غياهب النشوة



برحيق العسل المصفّى بين كينونتينا المتحوّلتين..







عند باب الإرتحال تتوقّف نبضات الكلام



أشواك الحقيقة.. ارتعاشات أناملي



كأنني نيرون يُلهب مشاعل التمرد



كأنك روما تبحث عن لذّتها وسط الركام



تركض حافية القدمين فوق رماد الأساطير المتساقطة



تستجدي إمرىء القيس بأبيات تفتح كوةً في جدار "التابو"






واحة في صحراء الوهم



زهرة بين خزامى المستحيل..







لا البرعم الجوريّ في حديقة أنسك



ولا عبق الياسمين المتسرّب من تضاريسك



ولا اليمام المتلألىء عند شرفة حزنك



يحاكي حقيقة جرحي.. وجعي.. وآنين تمرّدي "الوقح"..







عاريةًَ هي الحقيقة..



كما أنت في هوس أحلامي المراهقة



كما الحزن واليأس والكآبة



وخمر أبو نؤاس وقباحة الفرزدق



كشعر الزير قبل موت كليب



كرومانسية شكسبير وواقعيّة المعرّي..







عاريّة أنت بتفاصيلك الدفينة



بين الوجد والمحظور



بين الرغبة وخشية المآل



بين الواقع ونمطية الصورة "المقدّسة".. 








يا لهذه "القداسة"



أيكون المقدّس ضد حلمنا .. رغباتنا.. وشعائر لذتنا؟



أي دور أوكلوك يا شرطي الكآبة؟



أنكون نحن أم لسنا نحن



أم نحن وغير نحن؟







نحن من صنعنا من اعتقاداتنا جرحاً



وهماً.. وجعاً مزمناً ..



فؤاداً مثقوباً بإسطورة التكوين



تفاحة الخطيئة



كذبة الفضيلة



وهم العفّّة



وخوف اللقاء..







من قال إن جنون القيس نائبةًً؟



وحب بثينة من الكبائر؟



وهل كان هاملت مهووس جنسٍ أو داعر بلاط؟



اتذكّّر عن كل منعطف من منعطفات الوهم



أبيات الشاعر السوري "المهلهل"



أبكي روحه العاشقة 




أعترف أن كل بيتٍ.. قصيدة



وكل قصيدة.. قنبلة في الجدار..



براعم رغباتنا تفتحت مع نزار..



فمن ينهي الحصار؟



من يخرق النمط العتيق ويجترح النصال؟







من أجل عينيك



كتبت قصيدتي



نهايتي



ربما كانت أخيرة.. أو هي الأولى في سن النبوغ والتجرّد..






معمر عطوي







بيروت: 3 نيسان 2009 





10‏/4‏/2009

الجزائر: الحزب الحاكم يستبعد سيناريو التوريث


«القاعدة يعمل بتحريض من أميركا لكي تدخل إلى المنطقة تحت شعار ملاحقة الإرهابيّين»
رغم كل ما يُقال عن «تمثيليّة» الانتخابات الرئاسيّة الجزائرية، والعهد «البوتفليقي»، يُصرّ بعض الجزائريين على أن الرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة، هو المؤهّل الوحيد للاستمرار بحكم الجزائر

معمر عطوي
يرى القيادي في «جبهة التحرير الوطني» الجزائري، صادق بوقطاية، أن استمرار ترشّح الرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، لولاية رئاسية ثالثة، لا يهدف إلى تكريس سياسة «التوريث» في الحكم، ولا يعني تحوّل بلد العشرين مليون شهيد إلى مملكة «بوتفليقية»، كما يقول معارضو السلطة.ويقول عضو المكتب السياسي في الحزب الحاكم إن بوتفليقة يملك الكثير من التجارب والصفات التي تؤهله للبقاء في سدة الحكم، لكونه «من الذين شاركوا في حرب التحرير وأسهم عشية الاستقلال في بناء الدولة الجزائرية الحديثة».ويشير بوقطاية، في حديث لـ«الأخبار» في بيروت، إلى أن الرئيس الجزائري الذي تسلّم السلطة عام 1999 بعد سنوات من العنف المسلّح، حقق «ثلاث فرضيات أساسية وضعها شعاراً له منذ البداية: الأمن والسلم والمصالحة الوطنية». ويضيف إن «بوتفليقة لديه كارزمية وتجربة وعلاقات. وجاء إلى السلطة بعد مرور البلاد بأزمة رهيبة، وإرهاب وتدمير للبنى التحتية. جاء بإجماع الأحزاب، ومعه خطة على مستوى البنية التحتية والهياكل التربوية والتعليم العالي. وطرح إعادة الإصلاح لإعادة هيكلة الدولة، وتكريس دولة القانون. كذلك ألّف لجنة لإدخال إصلاحات تتعلّق بالعدالة».وعن تطبيق هذه الخطة يوضح بوقطاية أنه «تحقّقت خلال فترة ولايتي بوتفليقة خطوات كثيرة في إصلاح العدالة. وأثمرت خططه في التنمية التربوية عن ارتفاع عدد التلاميذ والطلاب».وبالنسبة إلى المادة 74 من الدستور، التي خضعت للتعديل لتمكّن بوتفليقة من الترشّح لولاية ثالثة، لا يرى بوقطاية في ذلك مشكلة، مشيراً إلى أن «تعديل الدستور جرى بموافقة ثلاثة تنظيمات رئيسة هي، حزب جبهة التحرير والتجمع الوطني الديموقراطي وحركة مجتمع السلم»، التي تمثّل التحالف الرئاسي، ولها أعضاء في البرلمان وفي مجلس الأمة.ويؤكد أن كل الأحزاب الممثلة في البرلمان، وهي من خارج التحالف الرئاسي، وافقت على «تنقيح الدستور لا تغييره».ويلفت بوقطاية إلى أن الرئيس «حين انتُخب عام 1999، قال لا بد من إعادة النظر في الدستور الجزائري حتى يحدّد النظام هل هو برلماني أم رئاسي. لأنه كان غير واضح». ويستبعد أن يصبح الحكم في الجزائر وراثياً، فيتمكّن شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة من تسلّم الحكم من بعده، مؤكداً أن «طبيعة المناخ السياسي الجزائري لا تسمح بذلك».وعن أجواء الانتخابات الرئاسيّة، التي أُجريت أمس، يقلّل بوقطاية من أهمية تأثير الدعوات الداخلية والخارجية للمقاطعة، وقال إنها «لن تنجح، لأن الشعب الجزائري مدرك تماماً لمصلحته».ورداً على سؤال عن جدوى الحديث عن الأمن في ظل تركيز «تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي» أعماله في الجزائر، يقول بوقطاية «نتذكّر أن المجموعات المسلّحة في الجزائر وبفضل القانون المدني الذي رقّي في ما بعد الى قانون المصالحة عادوا لينخرطوا في المجتمع وأصبحت المأساة المتعلقة بالإرهاب مأساة وطنية. والقاعدة في المغرب حولها علامة استفهام. إذ تتكوّن من مجموعات محدودة تقوم بعمليات هنا وهناك. عملياتها قلّت سواء في المغرب أو في موريتانيا أو في الجزائر»، مشيراً إلى أن «هذه القاعدة تعمل بتحريض من الولايات المتحدة لكي تدخل إلى المنطقة تحت شعار ملاحقة الإرهابيين. الولايات المتحدة لديها استراتيجية وتبحث عن مصالحها، وتهدف إلى السيطرة على شمالي أفريقيا، ومن ثم على جنوبها ووسطها». وأشار إلى أن واشنطن «تتحدث عن التفجيرات وتحذّر رعاياها قبل وقوعها في الأماكن التي تقع فيها، وذلك من أجل خلق عملية ضغط وابتزار على هذه البلدان لتقبل مساندة الولايات المتحدة».ويقلّل القيادي في الجبهة، التي كان لها الدور الأكبر في تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي عام 1962، من أهمية «بعض أعمال العنف التي تقع في القرى وعلى جوانب الطرقات»، مشدداً على أنها لا تؤثر في الحياة العامة كما كان سائداً في السابق.ويضيف «منذ يومين أعلن التائبون من عناصر التنظيمات المسلحة تأييدهم للرئيس بوتفليقة».وعن واقع المصالحة الوطنية في ظل حرمان الكثير من الجزائريين في المنفى حقّ العودة إلى وطنهم أو منحهم جوازات سفر، يقسّم بوقطاية هؤلاء إلى ثلاثة أقسام: «منهم من شارك في عمليات إرهابية ورحل الى الخارج، ومنهم من دعم هذه الأعمال، ومنهم من يتخوّف من العودة إلى الجزائر. أمّا الناس الذين كانوا في الجبال وقتلوا فعادوا إلى عائلاتهم، تحت عنوان قانون المصالحة، وهم يعيشون بشكل طبيعي. والدولة عوضّت عن ضحايا هذه المرحلة. والناس الذين يقيمون في الخارج، طلبت الدولة من السفارات أن تهتم بهم. والذي يرغب في الالتزام بقانون المصالحة عليه أن يعود إلى الجزائر».وفي رد على سؤال عن حقيقة الاتهامات للجبهة الحاكمة بسرقة أموال الدولة، يعترف المسؤول الجزائري بوجود فساد في البلاد. ويقول «على ضوء الفساد أنشأت الدولة هيئة مؤلّفة من مسؤولين، ولديها صلاحيات لمحاربة الفساد والرشوة، وسن البرلمان قانوناً بشأن تبييض الأموال وتحويلها».
صادق بوقطاية (الصور)، قيادي في جبهة التحرير الوطني الجزائرية، مقرّب من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ومسؤول حملته الانتخابية للرئاسة عام 1999 في إحدى الولايات. عمل فترة من حياته في الصحافة، ثم تسلّم مهمات في الجبهة، التي أسهمت في تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي عام 1962. كان رئيساً للجنة الشؤون الخارجية في المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) الجزائري، سابقاً. وهو عضو المكتب السياسي ومكتب الشؤون الخارجية في الجبهة.
الأخبار: ١٠ نيسان ٢٠٠٩

5‏/4‏/2009

المبادرة العربيّة: من يحيي «الجرذ الميّت»؟


فيما كانت السعودية تقدّم مبادرتها للسلام عام 2002، قامت كتائب القسّام بعملية نوعية في نتانيا، حملت رسالة واضحة بأن المقاومة مستمرة رغم مبادرات التسوية
معمر عطوي
ثمة قناعة واضحة بأن المبادرة العربيّة للتسوية، التي اقترحها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز (كان آنذاك ولياً للعهد) في قمة بيروت للدول العربيّة عام 2002، ولدت ميتة. قناعة تجلّت في أوضح صورها خلال معركة غزة الأخيرة، حين برزت أصوات رسمية لأول مرة تهدّد بسحب المبادرة أو تعديلها.وذهب الرئيس السوري بشار الأسد، خلال قمة الدوحة الطارئة حول مجازر غزة في كانون الثاني الماضي، إلى القول إن «المبادرة العربية نعتبرها بحكم الميتة. قُتلت من قبل إسرائيل. بقي علينا نقلها من سجّل الأحياء إلى سجّل الأموات».وتماهت القمّة، التي لم يكتمل نصابها، مع موقف الأسد، حين دعت إلى «تعليق» المبادرة و«وقف كل أشكال التطبيع مع الدولة العبرية وإعادة النظر في وجود بعض المكاتب التمثيلية الإسرائيلية في بعض العواصم العربية».غير أن الخطابيّة الحماسيّة هذه لم تصل إلى مستوى إحداث تحوّل يعيد العرب إلى العمل باستراتيجيتهم التي أعلنوها في مؤتمر الخرطوم عام 1967، والذي اشتهر بمؤتمر «اللاءات الثلاث»، لأنه نصّ على مبدأ «لا صلح، لا اعتراف ولا مفاوضات مع إسرائيل».هذه اللاءات لم تمنع لقاءات سريّة بين بعض القيادات العربية وقيادات العدو، لتصل بعد ذلك إلى تسويات منفردة (كامب ديفيد 1979) ساهمت بفرط العقد العربي.وعلى ما يبدو فإن الزعماء العرب أرادوا دائماً الخروج بأقل خسائر ممكنة في سبيل تجميد القضية الفلسطينية.لهذا تحوّل العرب الذين وافقوا على مبادرة الرياض بوضوح لافت عمّا كانوا يعلنونه من قبل، علماً بأن قبولهم بقرار مجلس الأمن الدولي 242، كان أول خروج عن «اللاءات الثلاث»، وهو قرار يطالبهم بالاعتراف بإسرائيل.اعتراف ظهر في مؤتمر مدريد في عام 1991، حين قبلت بعض الدول العربية التفاوض مع عدو الأمس، فيما توالى الإعلان عن تسويات منفردة؛ اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل في وادي عربة، واتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.وفي بيروت عام 2002، بات التفاوض «خياراً استراتيجياً». إذ تم تعديل المبادرة وتبنّاها العرب ببنودها الأساسية، التي تحدثت عن إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود 1967 وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من هضبة الجولان المحتلة، مقابل الاعتراف بالدولة العبرية وتطبيع العلاقات معها.واللافت أن قمة بيروت لم تحظ بالإجماع المطلوب، إذ حضر 10 زعماء من أصل 22. حضور ضئيل دفع البعض إلى وصف القمة بالعاجزة. بينما لقيت المبادرة تحفظاً سورياً ولبنانيّاً، تمثّل بإصرار دمشق على دعم الفلسطينيين في مقاومتهم المسلّحة، واعتراضها على استخدام تعبير «تطبيع» على اعتبار أن مسألة كهذه تعدُّ عرضاً سخياً جداً لإسرائيل، فيما عبّرت الحكومة اللبنانية عن قلقها من محاولات توطين الفلسطينيين حيثما وجدوا.لكن هذا الإجماع تحقق رسميّاً في قمة الرياض للدول العربية عام 2007.وجاءت أحداث قطاع غزة الأخيرة لتضع العرب أمام مفترق طرق صعب، فبرز الانقسام حول المبادرة من جديد.فأثناء اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ، الذي عقد في القاهرة لمناقشة العدوان على غزة، حذّر المجتمعون من أن المبادرة لن تظل قائمة من دون تجاوب حقيقي من إسرائيل مع طرحها وتنفيذها إلى جانب المرجعيات الدولية الأساسية الأخرى.أصوات الرفض للمبادرة، التي وصفها الصحافي روبرت فيسك بـ«الجرذ الميت»، تعالت خلال أحداث غزة. فبعدما نعاها الرئيس السوري في قمّة الدوحة، وافقه الأمين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، بأن «مبادرة السلام العربية ماتت».أمّا ليبيا فقد طالبت الدول العربية بسحب المبادرة، خلال بيان وزعته على هامش اجتماع المندوبين الدائمين لدى الجامعة في القاهرة، فيما اعتبر السودان أن إسرائيل ردّت على المبادرة بالقتل.وبدا خلال الأشهر الأخيرة أن وضع المبادرة العربية كان متأرجحاً بين قمتي الدوحة والكويت، ففي الوقت الذي طالبت فيه «الدوحة» بتجميدها، جاءت «الكويت» بدعوات تؤكد ضرورة التمسك بها ومحاولة تطويرها، مرجعةً تعثّرها إلى التقصير العربي في خدمتها. هذا ما ذكره أيضاً الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي دعا إلى تطوير المبادرة، فيما حذّر الملك السعودي إسرائيل من أن «الخيار بين الحرب والسلام لن يكون مفتوحاً في كل وقت».
الأخبار: ٢٨ آذار ٢٠٠٩

17‏/2‏/2009

هل الديموقراطية فعلاً بضاعتنا التي رُدَّت إلينا؟

النموذج الإيراني بين ولاية الفقيه والقانون الوضعي والحكم الثيولوجي
معمر عطوي
ربما كان الكاتب توفيق السيف، موفّقاً أكثر في اختياره لعنوان كتابه «حدود الديموقراطية الدينية»، لو أنه أضاف عبارة «نموذج إيران». ذلك أن الحديث عن التجارب السياسية الثيولوجية، فضفاض بحجم ما تتّسع له من تجارب لكل منها خصوصيتها، واقترابها أو ابتعادها عن قيم الديموقراطية. وإذا ما اقتصرنا في بحثنا على معالجة الإسلام السياسي كتجربة دينية، لوجدنا أن التجربة الإيرانية فريدة من نوعها، لجهة توظيف صور الديموقراطية في المشهد السياسي بما يخدم «الفكرة الأسمى»، وهي الحفاظ على البعد الميتافيزيقي للحكم، وارتباط الحاكم بالمقدّس، كشرط إمكان ضروري لإسباغ المشروعية اللاهوتية على الأداء السياسي.طبعاً، هناك العديد من التجارب الدينية التي تحاول إيجاد مساحة من التعايش بين حاكمية الله واختيار الشعب. وهناك من يحاول أن يجعل من مبدأ الشورى السائد في التراث الإسلامي، نمطاً شبيهاً بالديموقراطية. على ما يقول رئيس حركة النهضة الإسلامية في تونس الشيخ راشد الغنوشي «الديموقراطية... بضاعتنا رُدَّت إلينا».لكن بأيّ حال، لا يمكن الحديث عن نظام إسلامي ديموقراطي أو نظام يدّعي أن السلطة للشعب، فيما يقف على رأس السلطة من يزعم أنه الحاكم بأمر الله وأنه الوصيّ على الملك، وأنه يحكم بما أنزل الله ولا مجال لمناقشاته «لأن القانون الإلهي أفضل من القانون الوضعي»، بما يساهم في دحض وتسخيف مقولات «حكم الشعب» و«اختيار الشعب».لعلّ الميزة الأساسية التي أضاء عليها الكاتب بوضوح، كانت التحولات الجذرية التي شهدتها المؤسسة الدينية الشيعيّة على أيدي علماء خالفوا مفهوم «الحجّتيّة» الذي يشترط أن يكون الإمام «المعصوم»، وهو الإمام المهدي المنتظر، على رأس الدولة، والذي لا يجوز بنظر هؤلاء إقامة حكم إسلامي في غيبته.يتوسّع الكاتب في فصله الأول، بالحديث عن «نظرية السلطة في المذهب الشيعي»، ليخلص إلى نتيجة مفادها أن الثورة الإيرانية قد توّجت نظريات عديدة في الحوزة الدينية، إضافة إلى تجارب سياسية متواضعة مثل تجربة الدولة الصفوية، وبعض الفتاوى التي كان لها تأثيرها في الواقع السياسي مثل فتوى الميرزا شيرازي بتحريم تداول التبغ واستعماله لمحاربة الشركة البريطانية التي كانت تحتكر تجارة التبغ. وذلك عام 1891 في إيران، حينها ظهر ما عُرف بثورة التنباك.لذلك يقول الكاتب إنه «بناءً على اجتهاد الخميني، منح الدستور الفقيه الحاكم، جميع السلطات التي أقرّها علم الكلام والفقه الشيعي للإمام المعصوم، وأنهى بذلك النقاش حول العلاقة الشرطيّة بين العصمة ومشروعية الدولة».ولطالما كان النموذج التقليدي يعتبر أن العدل الذي يُعدّ في التراث الديني، أساس الملك، أي الحكم، هو مفهوم مثالي لا يمكن إنجازه من دون تدخّل غيبي يتجسّد، بحسب قدامى المتكلمين، في إمام معصوم منصّب من قبل الله، بما يعني أن أي سلطة أخرى خارج إرادة «المعصوم»، ستكون عاجزة بالضرورة عن تحقيق العدل، وبالتالي فهي غير مشروعة.بيت القصيد هنا، أنّ الحكم الإيراني، بما يتضمنه من مؤسسات ذات طابع ديموقراطي، أرساها الإمام الخميني منذ أن أجرى استفتاءً شعبياً على الدستور الإسلامي، هو حكم يعود إلى بعده الغيبي رغم مروره في آليات عديدة. آليات ديموقراطية بكل معنى الكلمة، بيد أنها سرعان ما تصطدم بحدود الدين ومفهوم الولي الفقيه بما يمتلك من سلطات لا يمكن أن تعارضها أيّ من هذه المؤسسسات المنتخبة ديموقراطياً: مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان ومجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس خبراء القيادة الذي يمكنه عزل المرشد الأعلى ومحاسبته ضمن آليات يحددها الأصوليون أنفسهم في إطار الشريعة. من هنا، يعرض الكاتب بموضوعية وإسهاب آراء عديدة حول «خطورة» الصلاحيات التي يتمتع بها الوليّ الفقيه، لكن هنا من منظور ديني بحت يضيء على جانب مؤيدي انتظار المعصوم، إذ يعتبر هؤلاء أن «حدود الصلاحيات القابلة للنقل من الإمام إلى الفقيه، بقيت محل جدال يتركّز أساساً على قابلية الشخص غير المعصوم لاستعمال القوة القهرية التي قد تترتب عليها أضرار ماديّة أو جسديّة على الغير».ينقل الكاتب عن الخميني في هذا الإطار قوله «إن سلطة الفقيه ينبغي أن تفهم في إطار الحكومة الإسلامية، ولا تصبح هذه السلطة فعلية إلا إذا حصلت على التأييد الشعبي» (ص77).إزاء هذا المفهوم الذي يتحدث عنه الإمام الخميني، يرى الكاتب أن مؤسس الجمهورية الإسلامية نفسه، «أعاد سلطة الفقيه لتصبح ولاية مطلقة، كما عرّف قراره السياسي باعتباره حكماً ولائياً». ويشير إلى أن «فكرة الولاية المطلقة، تستهدف التشديد على الطبيعة الشاملة لسلطة الدولة، وخضوع جميع المواطنين لمقتضياتها» (ص 83).لكن الكاتب هنا عاد ووقع في مغالطة الدفاع عن فكرة الخميني، حين ادعّى بأن «السلطات المطلقة للإمام لا يمكن أن تنتقل إلى الفقيه بالمعنى الشخصي، بل إلى مؤسسة الدولة التي هي جزء منها» (ص85). ويستدلّ الكاتب هنا بالبرلمان كـ«أبرز الإنجازات» التي تُحسب للنظام الإسلامي في إيران، ناسياً أو متناسياً دور مجلس صيانة الدستور (المؤلف من رجال دين وقانونيين على ولاء مطلق للمرشد الأعلى للثورة)، في تحديد شروط الترشيح للبرلمان، وحصره بأشخاص ملتزمين مبادئ الثورة ومدعومين من المؤسسة العسكرية المولجة بحفظ النظام (الحرس الثوري). بهذا المعنى، تصبح فكرة الديموقراطية في دولة دينية، فكرة منقوصة، حيث لا تزال السلطة تتدخّل من خلال شرطتها الدينية ومتطوعي «الباسيج» في قضايا تتعلق بالحرية الشخصية، مثل شكل ثياب المرأة والرجل وقصّات الشعر وما إلى ذلك من أمور تعدّ تافهة أمام ما يحتاج إليه الشعب الإيراني من ضرورات، مثل معالجة البطالة والتضخّم وصناعة البنزين (لا تزال إيران الدولة الرابعة في العالم من حيث إنتاج النفط تستورد 40 في المئة من حاجاتها من البنزين المكرر).انطلاقاً من هذه النظرة الضيقة، التي يتبناها التيار الأصولي (المحافظ) فإن السلطة السياسية ليست من شؤون عامة الناس، وإن رضى العامة ليس مصدراً للشرعية السياسية. و«تعتبر سلطة الفقيه مطلقة ولا يمكن تحديدها بحدود القانون أو الدستور» (ص189). بما يعني بوضوح دحضاً لكلام الخميني حول أهمية التأييد الشعبي.زبدة القول، إنّ الديموقراطية لا يمكن أن تجتمع مع سلطة غيبية تتحدث عن «إمام معصوم» وعن عدالة مطلقة في ظلّه، فيما يستغل الفقيه الذي ينوب عن «المعصوم»، سلطاته المطلقة ليتصرف على غرار الحاكمين بأمر الله أو ظل الله على الأرض، فيكتسب كل معاني العصمة حتى لو لم يكن ذلك معلناً.وفي هذه العلاقة الجدلية بين الحاكم والوحي، تكمن خطورة «تقديس» الدستور والشخص على حساب العقل وإرادة الجمهور.
الأخبار:عدد الخميس ١٢ شباط ٢٠٠٩

28‏/1‏/2009

جدل الدولة والأمّة في ضوء معركة غزّة

معمر عطوي
طرحت معركة غزة جدلاً واسعاً في أروقة السلطة في العالم العربي، عن أولوية الخيار بين الدولة والأمة. وباتت المصلحة الذاتية لهذا الحاكم أو ذاك، على محكّ السقوط، أمام ما سبّبته هذه الحرب من إحراج لبعض الزعماء العرب، في ظل تحرّكات شعبية كبيرة، متضامنة مع غزة ومنتقدة للنظام العربي الرسمي.بالتأكيد، بقي هذا الجدل غير مُعلن، وربما غير معبّر عنه في وسائل الإعلام.
بيد أنه تجسّد في طريقة تصرّف الحكّام، وأدائهم اللامسؤول تجاه قضيتهم المركزية، شاؤوا أم أبوا. أداء أوحى به السلاطين لوعّاظهم من رجال الدين المرتزقة وبعض مثقفي السلطة، لكي يُسهبوا في الحديث عن أهمية الحفاظ على الكيان وعدم تعريضه للفوضى والتفكك وانتشار الفتن.انطلاقاً من هذا الجدل، توالت «الفتاوى» والتصريحات من هنا وهناك؛ تارة عن ضرورة منع التظاهر واعتباره «عملاً غوغائياً»، وطوراً عن ضرورة احترام قرار السلطة المصرية بإغلاق المعابر أمام الجرحى والمضطهدين، بحجة أن مصر «لا تستطيع استيعاب لاجئين جدد» على أرضها التي تحتضن أكثر من 70 مليون بشري، أو أمام المساعدات الإنسانية والطبيّة التي تدخل من الجانب المصري.تصريحات سبقها كلام لشيخ الأزهر، محمد سيد طنطاوي، قبل أيام قليلة من بدء العدوان على غزة، حين قال «غزة إي وحصار إي؟»، مستهيناً بما يعانيه «إخوانه» في القطاع المنكوب، ومتخليّّاً عن «مسؤولياته الشرعية» في إغاثة الملهوف وإعانة المظلوم التي أوصاه بها دينه ونبيّه في الأحاديث الواردة عن السلف: «ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع إلى جنبه»، و«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
في الحقيقة، يتبيّن من خلال الممارسات السياسية السائدة، أن خيار الدولة هنا وحفظ وحدتها، ما هو إلا أكذوبة اخترعها القيّمون على الحكم، ونظّر لها بعض المثقفين ورجال الدين، من أجل بقاء السيد على عرشه، مهما حدث للآخرين. وإلا ما جدوى الدولة الحديثة السائدة في منظومتنا العربية القبائلية، في وقت تنعدم فيه آليات تداول السلطة، ويتفشى فيها الفساد من قمة الهرم حتى القاعدة، وينتشر الفقر رغم الثروات النفطية والطبيعية في هذه البلاد، وانعدام التوزيع العادل للثروة، حيث يتمتع الأغنياء بما يفتقده الفقراء.وأمام هذا الواقع، أين هو دور رجال الدين والمثقفين (الحريصين على وحدة الدولة وأمنها)، في إيقاف الحاكم عن طغيانه؟بهذا المعنى، كانت اتفاقية «كامب دايفيد» في عهد أنور السادات بنظر هؤلاء النفعيين، «مجلبة للمصالح» بالنسبة لمصر، تدرأ مفاسد الحروب وتوفّر «إلقاء الأنفس في التهلكة».
لهذا، إنبرى كل من شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية آنذاك، إلى إصدار الفتاوى التي تسوّغ للحاكم توقيع سلام مع الأعداء متسلحيّن بالآية القرآنية «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله» (الأنفال ـــــ 61)، ولم يكن الفقهاء الذين روّجوا لتلك المعاهدة آنذاك، على بصيرة ثاقبة، يدركون من خلالها مدى حجم «المفسدة» التي سيجلبونها ليس فقط على مصر، بل على العالم العربي برمته، بخروج القاهرة من اتفاقية الدفاع العربي المشترك وبتوسيع دائرة المعارضين للحكم الذي لا ينسجم مع طموحات شعبه بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.حتى ذريعة تفكك الدولة التي تحدّث عنها الفقهاء كسبب للوقوف إلى جانب الحاكم والدولة ضد قضايا الأمة، كانت ذريعة ضعيفة وتافهة أمام ما حدث للأمة، منذ ذلك الوقت بالتحديد، من ضعف وتفكّك على أكثر من صعيد (وهذا لا يعني بتاتاً أنها كانت بحال أفضل بكثير من قبل طبعاً).
المشهد يتكرّر بعد حوالى عقدين أثناء غزو العراق، حين أفتى شيخ الوهابية السعودية عبد العزيز بن باز بجواز الاستعانة بالأجنبي من أجل مقاتلة حاكم ظالم «يهدد أمن الخليج» (صدام حسين)، مستشهداً بعدة الشغل من الآيات والأحاديث النبوية التي تشير إلى جواز الاستعانة بـ«الكافر» من أجل محاربة حاكم ظالم وما إلى ذلك من تبريرات.هذه الحرب دفع ثمنها الخليجيون، لا سيما السعوديين، بنشوء إرهاب جديد أقام صيغة توفيقية بين سلفية ابن باز في الرجوع إلى الأحاديث النبوية المروية عن السلف وحركية التنظيمات الإسلامية العريقة التي تنادي بالجهاد، ضد كل من يغزو أرض المسلمين.المفارقة تدور هنا حول وهم فكرة وحدة الدولة وأمنها، أمام ما حل بالدويلات من فوضى وما تفشى فيها من ظواهر عنف وتطرف، هي بالدرجة الأولى ردة فعل على قرار الحاكم وفتوى رجل الدين المؤازر له «شرعياً».هذا ما حل بالعراق أيضاً، في الغزو الثاني (2003).
يومها سوّغ بعض رجال الدين، وفي مقدمتهم المرجعيات الشيعية، الاحتلال تحت شعار التخلص من صدام حسين، حين أدخلوا العراق في متاهات الفوضى والمجازر المذهبية وكل ما من شأنه زرع الفوضى واللا أمن في البلاد.سياسة سارت فيها إيران أيضاً، حيت سهّلت للأميركيين غزو جارتيها أفغانستان والعراق، بذريعة التخلص من عدوّين، أحدهما يرفع الشعار القومي والآخر الشعار المذهبي. بالطبع كانت فتاوى رجال الدين والفقهاء هنا أيضاً جاهزة لتبرير التحالف مع «الشيطان الأكبر».في ظلّ هذه المعمعمة، ينبري السؤال واضحاً هنا، عن سبب هذا الانفصام الحاصل لدى السياسي أو لدى المفتي، ذاك الانفصام الذي تجلّى عريه من خلال ازدواجية معايير الفتوى بين الحفاظ على الدولة والدفاع عن الأمة. (تجربتا أفغانستان وفلسطين).
الإجابة تبدو واضحة هنا، في أفغانستان، التي تبعتها تجارب الشيشان وكشمير والبوسنة. أوعزت واشنطن ومن وراءها من دول الغرب للترويج للجهاد ضد «خطر الإلحاد السوفياتي». وساهم كل من بابا روما وشيخ الأزهر ومفتي السعودية في تشجيع الشباب للذهاب إلى قتال «الملحدين» في أفغانستان، من دون أن ينظروا يومها في مصلحة الدولة، وما يمكن لشعار الجهاد خلف الحدود أن يسببه على صعيد تفكك البنى الأمنية في هذه الدويلات بعد رجوع المقاتلين، محملين بأفكار «تكفير المجتمع» والسلفية الجهادية وتكفير الحكم الذي «لا يحكم بما أنزل الله».بهذه الطريقة، صنعت الأنظمة العربية الإرهاب الذي مارسته على مدى عقود ضد معارضيها، لتتحوّل الضحية إلى إرهابي شرس يضرب النظام بعنف، بل يضرب أسياده في عقر دارهم. (أحداث نيويورك ومدريد ولندن).
وبالعودة إلى فلسطين ومركزيتها في ضمير الشعوب العربية والإسلامية، لم تتجرأ الدول العربية ولا فقهاؤها «الأشاوس» على خوض تجربة أفغانستان في فلسطين. اكتفت هذه المؤسسات الرسمية، التي لا تمثل شعوبها، بالبكاء على أطلال فلسطين، من دون أن تعلن يوماً الجهاد لتحرير «بيت المقدس» وما يمثله من بعد رمزي للمسلمين أكثر من أفغانستان والشيشان والبوسنة وغيرها.هنا الفتوى محظورة ما دامت تخالف مصالح السيد الجاثم على صدور حكام العرب في البيت الأبيض.أما فلسطين، فقد واصلت بأي حال، نضالها بلحمها الحي من دون أن تلتفت لهؤلاء المنافقين الذين يستخدمون الدين في السياسة حين يتلاءم مع مصالح أسيادهم، وبما يخدم بقاءهم في السلطة. وفي ما عدا ذلك يستغرقون في فتاوى تشريع زواج المتعة والمسيار وزواج الأطفال وما إذا كان يحق للمستنجي أن يضع إبريق الماء على يمينه وعن حكم الحائض والنفاس...لعلّ فتاوى التحذير من خطر إيران والتشيّع كانت ملائمة تماماً لتعليمات مصالح الدول العظمى. تحذير من خطر لا يزال هاجساً، مقابل خطر جاثم على الأرض ويمارس يومياً أبشع أنواع الإجرام بحق «إخوان في الدين والعقيدة». وبهذا المعنى، يصبح السنّة في لبنان بنظر مفتي السرايا الحكومية في دائرة الخطر الإيراني الشيعي، فيما سنّة فلسطين أنفسهم على بعد أمتار من دار فتواه، يعيشون التشريد والحرمان بسبب كيان لا مصلحة للدويلة هنا أو هناك في خوض حرب ضده. أما الأمة، فهي في غير قاموس. إذ لا يمكن الإشارة إلى مصالحها وتطلعاتها، إلا إذا سمحت أميركا بالحديث عنها.
الأخبار:28 كانون الثاني 2009

19‏/1‏/2009

بين التكفير والتفكير

ذهنية الإقصاء : النصّ والممارسة


التكفير أو التفكير، معادلة صعبة جداً في منظومة البُنى العلائقية بين البشر. الأول يفيد الإقصاء والنبذ وصولاً الى تسويغ القتل. والآخر يمثّل الحجة الأساسية التي تؤكّّد وجود العقل كحَكم بين المُنازعات ووسيلة كآداة تشريح لقضايا ومقولات هي موضوع خلافات بين البشر، بما يعني التقريب بدل النبذ والتعاون بدل الإقصاء والتسامُح بدل القتل.

معمر عطوي

مما لا شك فيه أن التفكير بحد ذاته، كفعل إستعمال للعقل، ونظراً لخصوصيّة الشخص المفكِّر والموضوع المفكَّرفيه، خاضع لمعادلة النسبية؛ إذ تتضمن مقاصد الشريعة الاسلاميّة، قاعدة أساسية يمكن من خلالها تصنيف الأحكام بما يتناسب مع العقل ومع الواقع، وبما لا يخرج عن القيمة الأساسية للنص. القاعدة الشرعية تقول بجلب المصالح ودرء المفاسد. ما يعني أنه اذا كان المفكَّر فيه عبارة عن مقولات تكفيرية من طرف لطرف آخر، عندها يترتب على هذه المقولات أفعال غير عقلانية حتى لو كانت وليدة عمل العقل (من منطلق تحديد هويّة الآخر او الملّة الأخرى). نتيجة هذا النوع من التفكير، الذي تتحكّم فيه الغرائز أكثر من المنطق، هو إشاعة الذُعر والفوضى والحقد في المجتمع وحدوث إنقسامات وحروب بين الجماعات، تحت ذريعة تطبيق حد الردة أو حد الكفر أو حد الشرك، وما إلى ذلك. وفي هذا الأمر مجلبة واضحة للمفاسد على الأمة.

في المقابل، ينبغي إعمال العقل لمصلحة كل ما يؤدي الى استيعاب الآخر والتعاون معه والعمل وفق "كلمة سواء"، انطلاقاً من القيم المشتركة كالصدق والوفاء والاخلاص والمناقب الأخلاقية والنظافة والترتيب وما الى ذلك من قيم تشترك فيها جميع الرسالات والأديان والمجتمعات، حتى لو تفاوتت نسبياً بين مجتمع وآخر. ولعل مكافحة العدو الصهيوني في مجتمعاتنا ، أحد أبرز هذه القيم. عندها يمكن القول أن التفكير أصبح نداً حقيقياً للتكفير.

ولمنطق التكفير السائد اليوم بين البشر، مسوّغات نصّية تتعلق بالكتب "المقدّسة" أو بالموروث الديني، إضافة الى البعد الأيديولوجي الذي يمثل دغمائية العقائد غير الدينية أو المُسماة قسراً بالعلمانيّة. بمعنى أن التكفير بما هو مُصطَلح لاهوتي يستخدمه المتديّنون من مسلمين ومسيحيين ويهود وغيرهم، هو حال سائدة وسط العلمانيين والمُلحدين أيضاً، كذلك بين أصحاب النظريّات الشوفينية العنصرية التي قد تنطلق من ينابيع قوميّة أو وطنيّة أو عائليّة أو عرقيّة.

في الأصل إبن تيمية
والتكفير بما هو حكم يفيد عدم ايمان الآخر بما يعتقد به الأنا، وبما هو اتّهام يستوجب الحد، قد ظهر منذ فجر التاريخ لدى كافة الجماعات والأديان. لكن في الاسلام، الذي شهد معارك منذ عهد النبي محمد، ضد "الكفّار والمشركين والمرتدين"، ظهرت مدرسة جديدة مع ابن تيمية
[1]، الذي كفّر الشيعة والمتصوفة، وتطورت هذه المدرسة مع محمد بن عبد الوهاب( 1703 -1791 )[2] في الجزيرة العربية، الذي دعا الى اعتناق" الكتاب والسنة" والاقتداء بالسلف الصالح، معتبراً أن مذهبه الذي سمي في ما بعد بـ "الوهابية" ونال تغطية ودعم كاملين من سلالة آل سعود الحاكمة، هو المذهب السلفي "الصحيح".

وبما أن إشكالية التكفير السائدة في مجتمعاتنا اليوم، تنطلق من مشارب إسلاميّة، فإن الحديث عن التكفير لا بد له من أن يجتاز مسألة الإطار النظري، الذي يتسلّح به البعض إلى الإطار المُعاش، الذي يدحض بعض مقولات نكران التكفير وسط هذه الفئة أو تلك.

لعلّ الحَكم الأفضل في حلّ هذه الإشكاليّة هو العقل، الذي خصّه القرآن الكريم بآيات عديدة، منها: "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلاً". ومعنى التفضيل هنا كما يقول المفسرُّون هو العقل الذي حظي به الانسان دون غيره من المخلوقات
[3].

والحديث عن العقل، ليس تجاوزاً لمصادر التشريع (القرآن والسنّة والاجماع والقياس)، التي يؤمن بها معظم المسلمين، كأُسس لا بديل عنها للمحاججة (لا اجتهاد مع وجود النص). لكن وبما أن القرآن الذي يُعتبر مصدر التشريع الأساسي لدى المسلمين، "حمّال أوجه"، فهذا يعني أنه كأساس للمحاججة لا يمكن التعاطي معه بإطلاقيّة، بل يبقى تأثيرة أيضاً نسبياً.

فالرواة ينقلون أنه لما بعث الإمام علي بن أبي طالب، عبد الله بن عباس، للاحتجاج على الخوارج، قال له " لا تُخاصمهم بالقرآن فان القرآن حمّال أوجه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنّة، فانهم لن يجدوا عنها محيصاً".

والخوض في مناقشة مصادر التشريع، لا ينتهي بسهولة، خصوصاً إذا ما دخلنا في مصادر أخرى للتشريع، مثل القياس عند السنّة، والذي يقابله العقل عند الشيعة. وإذا ما توسّعنا أكثرفي الأدبيات الإسلامية، لتبيّن لنا أن مروحة مصادر التشريع تتوسّع لتشمل العًُرف الاجتماعي والمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب. وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على أوجه القرآن المتعددة، واختلاف الأفهام بين البشر، بما يؤكد نسبية الأحكام والفتاوى المُستنبطة، وعدم قدسيتها أو إطلاقيتها.

والتكفير بما هو حكم مُنطَلق من فهم خاص للنصّ، هو أمر نسبي أيضاً، لا يمكن الإعتداد به، طالما أن اختلاف الآيات ومدلولاتها، والأخذ بالاعتبار أسباب النزول، والظروف الموضوعيّة لنزول الآيات، يجعل هذا النص فضاءً منفَتِحاًً على عمليات التأويل والتفسير والتبصّر والفهم المتعدد.
مصداق هذا التصوّر، أنه في حين يحتج التكفيريّون على أفكارهم وآرائهم بآيات قرآنية، نجد أن دعاة الوسطية والتسامح والحوار أيضاً يحتجّّون بآيات قرآنية.

وتسويغ التكفيرهنا، يمكن تلخيصه ببعض آيات مثل: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم، يضاهون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنّى يُؤفكون"
[4]. وفي موضع آخر: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة"[5].
وفي مجال تطبيق الحدّ على المرتّد يورد الإمام البخاري عن النبي محمد، قوله "من بدّل دينه فاقتلوه".
في مقابل ذلك، كم من آيات تدعو للتسامح والحوار مع المسيحيين، الذين اعتبرتهم الآية السابقة كفّاراً بحكم أنهم يؤمنون بالثالوث، في حين تقول الآية التالية "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ"
[6]. والمُلاَحظ هنا فصل المسيحيين عن المشركين بما يتناقض مع مقولات تتحدث عن شركهم بالله من خلال الثالوث.

وفي مجال حُسن المخاطبة آيات كثيرة منها: "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"
[7].
كذلك الآية التي تخاطب النبي وتوصيه بقومه: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله"
[8].

التكفير بوصفه ممارسة
وقد يكون أحد أشكال التعبير عن التكفير، خارجاً بالأصل عن لائحة التصنيفات المُعلنة، بمعنى إدعّاء بعض الجماعات أنهم لا يكفّرون أحداً. لكنهم في تفكيرهم الغرائزي، يعتبرون الآخر من غير أهل الجنة، وصلاته غير مقبوله، أوأعماله غير مقبوله لأن "الأعمال بالنيات"، مثل عدم اعترافهم باستشهاد المقاومين العلمانيّين، بحجة أن جهادهم ليس في سبيل الله. ومنهم من يعتبر الآخر نجساً ماديّاً لا يجوز تناول طعامه أو مسّه جسديّاً. ومنهم من يلطّف مسألة نجاسة الكتابي أو الآخر بقوله بـ "النجاسة المعنويّة" التي لا توجب الامتناع عن لمسه أو تناول طعامه وما الى ذلك. والأخطر من ذلك من يقول أن فلاناً ليس في نظري كافراً بل ضالاً، ويتوّجب لعنه. مع ان اللعن وفق التعاليم الاسلاميّة، لا يكون الاّ لإبليس.
ونهى محمد أتباعه عن اللعن والسُباب، بعد أن كان يلعن في دعائه بعض القبائل، الذين غدروا أصحابه. إذ جاء في الكتاب الآية التالية: "ليس لك من الأمر شىء أو يتوب عليهم أو يعذّّبهم فإنهم ظالمون".
[9] وبعد نزول هذه الآية قال النبي "أني لم اُبعث لعاّناً، وإنما بُعثت رحمة" (صحيح مسلم).

هذا في الإطار النظري، حيث يُعتبر القرآن ، المسوّغ الأساس لتبرير لغة الاقصاء، التي يتم وفقها تصفيات جسديّة تطال رموز الفكر والأدب والفنون والإبداع، وتطال عشرات الأبرياء، كما يحصل في العراق وباكستان والهند وربما -الى حد ما- في لبنان، بذريعة وجوب مقاتلة "الفئة الباغية".

بيد أن الإطار العملي، وهو الأخطر، يُعتَبر المعمل الأساس لهذه الإشكالية، التي نعيشها اليوم باسم " الجهاد المقدّس". ذلك أن الحركات الإسلامية الدعويّة والتي تحوّلت الى أحزاب سياسية، قد شهدت إنشقاقات كثيرة، كانت بمثابة ردة الفعل على سياسة قيادات في هذه الحركات أرادت استخدام لغة الحوار والوسطية، كما حدث لدى حركة الأخوان المسلمين "الأم"، التي لم يُعجَب بعض أعضائها، بشعار مؤسّسها الشيخ حسن البنا "نحن دعاة لا قضاة". فجنحوا الى لغة القتل والإرهاب. وظهرت حركات كثيرة بدأت بالجماعة الاسلاميّة والجهاد الاسلامي في مصر وتطورت الى الجهادية السلفية و"التكفير والهجرة" وصولاً الى تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن.
واستطراداً يمكن مناقشة أسباب ظهور هذه الحركات وما خلفها من فتاوى الإجرام في مجال آخر، حيث لا يمكن تبرئة النظام السياسي، لا سيما العربي، من المساهمة في تبلور هذه الظاهرة. سواءً من خلال القمع المتواصل الذي أدى الى ردة فعل عكسيّة شرسة، نموذج مصر وسوريا وليبيا والجزائر وغيرها.. أو من خلال إستخدام هذه الظاهرة ضمن تسوية تعطي المشروعيّة لسلطات العائلات الحاكمة في الخليج، مقابل إطلاق يد هذه الجماعات باسم الشرطة الدينية او باسم جهاد العدو السوفياتي المُلحد في أفغانستان والشيشان وغيرها.

فكر السجون
من هنا، ظهر ما عُرِف بفكر السجون، كونه صدر عن مفكرين إسلاميين كانوا معتقلين في سجون الأنظمة العربية الفاشية، مثل سيد قطب(1906-1966)
[10] في مصر، وعلي بن حاج[11] في الجزائر وغيرهم الكثير.

إنطلاقاً من هذا الفكر، فرّخت حركة الاخوان المسلمين العديد من التنظيمات والحركات التي انشقّت عنها، محتجّة على "الإسلوب التربوي"، الذي تمسكت به، رغم الاعتقالات ومحاربة السلطات لها ومصادرة حقوقها حتى في إصدار نشرة أو إعلان حزب. وكان سيد قطب الذي تبنى مقولة العلاّمة الهندي، أبو الأعلى المودودي (1903-1979م)
[12]، حول "حاكمية الاسلام". قد خطّ أفكاره في كتيب صغير كتبه من خلف القضبان في سجون الناصريّة، بعنوان "معالم في الطريق". وقسّم فيه المجتمعات بين مجتمعات إسلامية وأخرى جاهلية، بمعنى دار الاسلام ودار الحرب.

يقول قطب في كتابه الشهير "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية. تصوّرات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم موارد ثقافتهم فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير ممّا نحسبه ثقافة إسلاميّة وفلسفة إسلاميّة وتفكيراً إسلاميّاً، هو كذلك من صنع الجاهليّة"
[13]. وفي رأي قطب "تدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم أنها مسلمة"[14].

ويشدّد قطب في أفكاره على عدم التشبّه بـ "الكافرين". ويحتجّ على ذلك بالآية التي تقول "يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء"
[15].
وأخرى تقول "ما يوّد الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم خير من ربّكم"
[16]. إضافة الى الحديث النبوي الذي يقول: "لتتبَِعنّ سُنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى ؟ قال فمن؟".


وفي استراتيجيات الحركات الاسلاميّة، قتال حتمي لـ "المشركين والكافرين والضاليّن والمرّتدين". وإن كانت الضرورات السياسية والاجتماعية والظروف الذاتية لهذه الحركات، تبيح محظورات السكوت عنهم.
فغياب قتالهم "ظرفياً" لا يعني التخلّي عن أحكام التكفير والاتهام بالشرّك والضلال، ومروحة هذه الأحكام تتوسّع حسب توسّع مروحة الاختلافات في الفهم والتفسير.
ولدى الحركات الاسلاميّة مسوّغ قوي يعتدّون به لقتال حكوماتهم التي تزعم أن مصادر التشريع لديها "اسلامية". فهم يحتجّون بالآية التي تقول:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"
[17].

ويعتبر حزب التحريرالاسلامي، أن الحريات: حرية العقيدة وحرية الرأي وحرية الملكية والحرية الشخصية، تتناقض مع أحكام الاسلام .. فالمسلم ليس حراً في عقيدته فإنه اذا ارتدّ يُستتاب فإن لم يرجع يُقتل.. والنظام الديموقراطي نظام كفر، فهو من وضع البشر، وليس أحكاماً شرعية، لذلك كان الحُكم به حُكماً بالكفر"
[18].

وهناك من يرى أن الشيعة مُشركون، كونهم يتوسلّون بأهل البيت ويؤمنون بعصمة الأئمة الاثني عشر، ومنهم من يتهمهم بالكفر على اعتبار انهم يرجعون الى كتاب كانت فاطمة بنت النبي تدوّن فيه ما تسمعه عن أبيها وسُمي "مصحف فاطمة". وأصبح بعض مغالي السنّة يتوهّم أن "مصحف فاطمة" هو بديل عن القرآن ما يوجِب تكفير كل من يؤمن به. ويحتجّ السنة باتّهاماتهم الكثيرة للشيعة، بمبدأ التقيّة التي يؤمن بها الشيعة، على اعتبار أن هذا المبدأ يجيز لهم أن يعلنوا ما لا يضمرون.

واذا ما توسّع المرء في ما أتى به الشيعة والسنّة على السواء من نظريات وأحاديث ومقولات وتكهنات، لتوضّحت لديه الصورة: كم هو العقل مستبعَد ومُصَادر في الحقل الديني الاسلامي (ولا نريد الاستطراد إلى حقول الأديان الأخرى التي لا تقل خطورة عن الاسلام لجهة أساطيرها وصورها غير العقلانية).

وبالعودة الى استراتيجية سيد قطب، والتي يتبنّى مضمونها أو مدلولاتها معظم ابناء الحركات الاسلامية أو المتدينين، من سنّة وشيعة على السواء، يقول في كتابه الشهير "فإذا كفّ الله أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد، فهذه مسألة خطّة لا مسألة مبدأ، مسألة مقتضيات حركة لا مسألة عقيدة"
[19].
بمعنى أن ما يجهر به هؤلاء، ليس بالضرورة هو ما يعبّر عن صدق توجّهاتهم. والقول بالمبادىء قد يختلف عن التفكير بمضامينها وايحاءاتها. وباب "درء المفسدة" أو "سد الذرائع"، يحتمل الكثير من التأويلات في ما لو مُورس بعيداً عن سلطة العقل.
ولدى الدروز ما هو مشابه من حيث التعامل مع المجتمع بغير ما يؤمنون به من خلال مقولة سائدة بينهم تقول" الاستتار بالمألوف بين أهله". والأهل هم كل من يقيم لك معروفاً من دون أن يكون متفقاً معك في العقيدة.


ومن الواضح أن الفقهاء توسّعوا في تحديد معنى كل من المُشرك والكافر والضّال والمُنافق والفاسق، وغيرها من مُدرجات على "لائحة الاتّهام السوداء". حول هذا الأمر يقول الشيخ علي بن حاج في كتابه الذي خطّه خلف قضبان السجن: "المُراد بالكفر البوّاح الخروج عن أحكام الشريعة، إمّا بتبديلها أو الرضا بقانون وشرع غير شرع الله ، فمن فعل ذلك وجب منازعته والخروج عليه وردّ الأمر الى نصابه. ولا يُشترط أن يعلن هو بنفسه الكفر، كما يذهب اليه الكثير خطأ. وذلك يكفّرُون ثم يُخرَجون والحق أن الخروج يجب ولو لم يعلَن الكفر صراحة"
[20].

نجاسة المشركين
وثمة فارق ما بين نصوص التشريع الأساسية من آيات وأحاديث وبين الفتاوى المتداولة التي يُطلقها أنصاف المشايخ من هنا وهناك حول تكفير الآخر أو اتّهامه بالشرك ووصفه بالنجس على غرار الكثير من علماء المسلمين من شيعة وسّنة. بعضهم لا يأكلون عند من هم من خارج الملّة، ولا يشترون منهم البضائع ولا يجابرونهم في الأتراح ليتجنبوا قول "رحمه الله". كل ذلك لاعتبارهم "نَجَسْ". مصداقاُ للآية القرآنية " إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ "
[21].

ويذهب مغالو الشيعة أبعد من ذلك باعتبارهم أهل السنّة نجس أيضاً، مسوّغين أحكامهم انطلاقاً من بعض الكتب الصفراء التي تتّهم بعض أهل السنّة بالنواصب، كونهم وقفوا مع معاوية بن أبي سفيان ضد الامام علي بن أبي طالب، وسموا بالنواصب بزعم انهم يناصبون العداء لأهل البيت. وفي حقيقة الأمر هذه الفئة التي انحازت لمعاوية ويزيد ضد أهل بيت النبي، لم تعد موجودة في المجتمعات السنيّة اليوم الاّ لدى من لا يفقهون في التاريخ الاسلامي وفي تراث المذهب السنّي.
ويمكن القول، أنه ومنذ منع الخليفة عمربن عبد العزيز مسبّة ولعن أهل البيت من على منابر المساجد الأموية، لم يعد هناك لدى السنة من يكنّ كرهاً لأهل البيت، بيد أن بعض المغالين يفضلون الصحابة على أهل البيت، ويتعاطون معهم بدرجة المعصومين، حتى لو كان من أهل البيت من هو أكثر علماً وأوسع معرفة في أمور الفقه والدين.

في المقابل، يصف بعض مغالي أهل السنة أبناء الطائفة الشيعيّة بالروافض أو بالرافضة، لأنهم رفضوا خلافة الشيخين أبو بكرالصدّيق وعمربن الخطّاب ومن بعدهم عثمان بن عفّان. ويوجب هؤلاء قتل "الروافض" كما يحدث في العراق وباكستان.
كما يتعاطى بعض مغالي أهل السنّة مع الشيعة كـ "نَجَس"، على اعتبار أنهم "مشركون"، بحكم رجوعهم الى أهل البيت في كل شاردة وواردة، وتفضيلهم الائمة على الأنبياء، والتوسّل بأئمة أهل البيت في الدعاء والاستخارة وغيرها.
والحديث عن الشرك في الإسلام مسألة معقّّدة جداً، اذ أن الأخلاق الإسلامية تحرّم على الأبناء مقاطعة آبائهم الاّ في حال الشرك. وفي الآية ما يؤكد ذلك: "فأصدع بما تُؤمر وأعرض عن المشركين"
[22].
وفي شأن نظرة الشيعة الى الصحابة، لا سيما الخلفاء الثلاثة(أبو بكر وعمر وعثمان)، يقول بعض الشيعة المتنورين، إن الخلفاء ليسوا كفاراً ولا يجوز لعنهم، كما تفعل بعض العامّة من هذه الطائفة. وفي بحث ، جاء رداً على اتّهام الشيخ الوهابي محمد بن سلمان البراك، للشيعة بتكفير الصحابة، يقول العلاّمة محمد مهدي الآصفي "وليس من رأينا ولا من رأي أحد من علماء الشيعة المتقدّمين منهم والمتأخرّين تكفير أحد من الصحابة، فضلاً عن عامّتهم ، كما يقول البرّاك. ولا ننفي هذه النسبة عن بعض الغُلاة من فرق الشيعة، غير أننا لا نقول بقولهم، ولا نقرّهم على ذلك ولسنا منهم في شىء" ويضيف في موضع آخر: "نحن نتبرأ من القول بتكفير أحد من أصحاب رسول الله(ص)"
[23].


ومن غلاة السنّة من يقول أن الشيعة "ضالّون"، كونهم يؤمنون بأعلمية الامام علي على غيره من الصحابة الذين نزلت آيات قرآنية بحقّهم، وهم المبشرون بالجنّة، وبينهم علي نفسه.
ومنهم من يعتبر الشيعة "كفّاراً"، بحكم ايمانهم بـ "مصحف فاطمة" واعتقاد بعضهم بأن "الائمة المعصومين" يعلمون الغيب، وأنهم يؤمنون بتحريف القرآن، وبعقيدة البداء(التي تقول بأن الله قد يغيّر حكماً أتى به من قبل من أجل اهل البيت) وأن لديهم مصادر تشريع أخرى لا يكشفون عنها، انطلاقاً من مبدأ التقية.
هذا على مستوى السنّة والشيعة، لكن ما هو موجود بين الفرق السنيّة أيضاً أعظم بكثير، إذ تعتبر كل فئة من فئات المسلمين نفسها هي الفئة الناجية، تماهياً مع الحديث النبوي يقول: "تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، كلها في النار حاشا واحدة، فهي في الجنة".


في أي حال، يُمكن للمسلمين أن يلتقوا على كلمة سواء، هم أولى بممارستها في ما بينهم من اقتصارها على العلاقة مع "النصارى". والآيات كثيرة في هذا المجال. وجاء في القرآن الكريم في صورة الكهف الآية 29: "َقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن ومَن شَاء فَلْيَكْفُرْ". وفي صورة "الكافرون" الآية السادسة، يقول "لكم دينكم ولي دين" ).
وليس هناك ما هوأدلّ على وجود وسطيّة في الإسلام من تأكيد المفكّر المصري محمد عمارة في كتابه " فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية"
[24] " أن الإسلام ليس فيه سُلطة سوى الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر, وأنه ليس لمسلم، مهما علا كعبه في الإسلام، على آخر مهما انحطت منزلته فيه، إلا حق النصيحة والإرشاد، وبالتالي لابد من صيانة الإيمان من التكفير العبثي وعبث التكفيريّين".



الوهابيّة و"العقيدة الصحيحة"
‏
ولعلّ أخطر ما في دوافع التكفير، الرؤية الآحادية الجانب، التي تقول بالفئة الناجية، أو اصحاب "سفينة النجاة"، أو "سلامة عقيدتنا وفساد الأخريات". وهذا ما اعتادت عليه جميع الفرق مع نسبية تبلورها في النصوص أو الواقع. وربما كانت الوهّابيّة، قد ذهبت أبعد من غيرها بكثير في هذا الامر اذ فُرِضت كمذهب وحيد في السعودية، وأصبحت فتاوى علمائها تنخر جسد الأمة الاسلامية من شرقها الى غربها بحكم الاغراءات المالية او اللعب على الأوتار المذهبية. ويروي أحد مشايخ الوهابية، الشيخ ناصر العقل، انه "حين اطلع علماء مكة وغيرهم على الدعوة ومنهجها عن كثب وحاوروا علماءها وأميرها سعود بن عبدالعزيز، وعرفوا أنها هي الدين الحق، واعترفوا بهذه الحقيقة قالوا: (نشهد –ونحن علماء مكة، الواضعون خطوطنا، وأختامنا في هذا الرقيم- أن هذا الدين، الذي قام به الشيخ : محمد بن عبدالوهاب –رحمه الله تعالى -، ودعا إليه إمام المسلمين: سعود بن عبدالعزيز، من توحيد الله، ونفي الشرك، الذي ذكره في هذا الكتاب، أنه هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب. أشهد بذلك، وكتبه الفقير إلى الله تعالى: عبد الملك بن عبد المنعم القلعي، الحنفي، مفتي مكة المكرمة، عفي عنه، وغفر له"
[25].

بيت القصيد، أن ثمة خيط رفيع فاصل بين التفكير والتكفير، ففي حين يمكن للأول أن يلعب دوراً رائداً في جلب المصالح لأبناء المجتمع الواحد على اختلاف مشاربهم وأهوائهم، يلعب الآخر الدور الأكثر ظلماً بحق الانسانيّة، من حيث أحكامه المُعلنة أومن خلال صوره المُعاشة في الواقع وتداعياتها المُدمّرة.


[1] - هوأحمد بن عبد الحليم أبو العباس (، الملقب بشيخ الإسلام ولد في 661هـ) في حران وهي بلدة تقع في الشمال الشرقي من بلاد الشام في جزيرة ابن عمرو بين دجلة والفرات. توفي في سجن قلعة دمشق عن 67 عاما في سنة 728 هجرية، وله العديد من المؤلفات أشهرها: "الجمع بين العقل والنقل".

[2] - هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان المشرفي الوهيبي. ولد في العيينة في الجزيرة العربية. من اشهر مؤلفاته "كتاب التوحيد" و "الاصول الثلاثة".

[3] - الإسراء : 70
[4] - قرآن كريم: التوبة: 29-32
[5] - المصدر نفسه: المائدة 73
[6] - المصدر نفسه: المائدة:82
[7] - المصدر نفسه: فصلت / 34 ـ 35
[8] - المصدر نفسه: آل عمران / 159
[9] - المصدر نفسه: آل عمران 128
[10] - سيد قطب إبراهيم الشاذلي، كاتب وأديب ومنظر إسلامي ،يعتبر من أكثر الشخصيات تأثيراً على الحركات الإسلامية التي وجدت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، وهو من حركة الاخوان المسلمين، له العديد من المؤلفات والكتابات حول الحضارة الإسلامية، والفكر الإسلامي ومنها التفسير الادبي للقرآن بعنوان "في ظلال القرآن" ( 6 اجزاء) أعدمه النظام المصري في 29 اغسطس/آب 1966،.

[11] - علي بن حاج، نائب رئيس جبهة الانقاذ الاسلامية في الجزائر، اعتقل في صيف العام 1991 الى جانب رئيس الجبهة عباسي مدني، اثر انقلاب المؤسسة العسكرية على نتائج الانتخابات النيابية، التي فاز فيها الاسلاميون. واُطلق في العام 2003.
[12] - هو زعيم الجماعة الاسلامية في الهند، ولد في مدينة أورنك أباد في ولاية حيدر أباد، من أسرة اشتهرت بالعلم الديني
[13] - سيد قطب ، معالم في الطريق: دار الشروق ص 21 ط- القاهرة 1990
[14] - سيد قطب، المرجع السابق- ص151
[15] - قرآن كريم: المائدة 51
[16] - قرآن كريم: البقرة 105
[17] - قرآن كريم: المائدة-44
[18] - دستور حزب التحرير- ص57-59

[19] - سيد قطب، المرجع السابق، ص91
[20] - علي بن حاج، "فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكّام" ص39- دار العقاب بيروت 1994
[21] - القرآن الكريم: التوبة 28
[22] - القرآن الكريم: الحجر94
[23] - العلاّمة محمد مهدي الآصفي، "وقفة مع الدكتور البرّاك"،"رسالة الثقلين"، ربيع 1008 -العدد 59،
[24] - محمد عمارة، " فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية"، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة
الطبعة: الأولى/2006
[25] - مجموع فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية - المجلد الثامن عشر (العقيدة).

مجلة "فكر" العدد 102-شتاء 2008-بيروت

16‏/1‏/2009

الأحكام السلطانيّة وبدعة فقهاء الوهّابيّة

معمر عطوي
ليس جديداً على الوسط الإسلامي ما أعلنه المفتي العام للسعودية، رئيس هيئة كبار العلماء، عبدالعزيز آل الشيخ، من أن التظاهرات التي انطلقت في العديد من الدول العربية والإسلامية لنصرة الفلسطينيين في قطاع غزة، هي «أعمال غوغائية وضوضاء لا خير منها». بل هو كلام في سياق العديد من الفتاوى التي تنتشر في بلاطات السلاطين وأروقة الحكّام.ليس هناك ما هو أدلّ على ذلك، أكثر من فتاوى «الديار» المصرية، التي تذرّعت بمفهوم «عدم إلقاء النفس في التهلكة»، من خلال الخضوع لقرارات القيادة السياسية «الحكيمة»، التي من شأنها تجنيب الدولة التصدّع والانهيار.
من هنا، كان التركيز على الآية القرآنية «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله إنه هو السميع» (الأنفال ـــــ 61). بيد أن هؤلاء الفقهاء تغاضوا عن عشرات الآيات التي تحث على الجهاد والدفاع عن الكرامة والمال والنفس والدين والأمة، و«جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم» (التوبة ـــــ41).
ثنائية واضحة بين الفقيه والسياسي، برز عريّها عند اتفاق كامب دايفيد المشؤوم بين مصر والدولة العبرية، حين انبرى الفقيه ليضفي المشروعية على خيانة الحاكم، بينما أطلق الحاكم يد الفقيه في المجتمع من خلال «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ليفتي هذا الفقيه بقتل كاتب أو سجن فنان، أو ليحاسب الناس على مسائل تتعلق بحريّاتهم الشخصيّة تحت شعار معمول به في معظم الدول العربية والإسلامية، إن «مصدر التشريع هو الإسلام». مفارقة مذهلة، تبيّن مدى عقم العلاقة بين طرفي المعادلة القائمة، حيث يصبح رجل الدين في خدمة السلطان، متذرعاً بالآية «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» (النساء ـــــ 59).
على المنوال نفسه، أتت الوهابية في السعودية، لتخلق ثنائية جديدة بين العائلة الحاكمة سياسياً، والجماعة المسيطرة اجتماعياً. وأسست نمطاً جديداً من التشريع يدّعي التمسّك بالقرآن والسنة النبوية ونبذ «البدع». بل انتشر هذا النمط بصور مشابهة في دول المنظومة الخليجية، آخذاً في الاعتبار البُعد القبائلي والتقاليد الاجتماعية، على أساس أنه العرف السائد. والعرف في نظر معظم الفقهاء، مصدر من مصادرالتشريع.
لم يعد غريباً أن نسمع فتاوى، تحت حجج «درء الفتنة»، منسجمة تماماً مع تعليمات «وليّ النعمة»؛ وظيفة الفقيه هنا البحث عن مسوّغ شرعي، بغض النظر عما إذا كان المسوّغ منسوخ بمسوّغ شرعي آخر، أو إذا كانت الظروف الزمانية لإطلاق الحكم، مغايرة للظروف الحالية، وخصوصاً أن القرآن «حمّال أوجه».ربما كان آل الشيخ، الذي تربطه صلة قرابة مع آل سعود، محرجاً في البداية من إطلاق فتوى تناقض رأي الشارع ونبض الناس. لكنه أطلق «بالون اختبار»، حين أوعز قبل أسبوع من إطلاق فتواه، إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى الشيخ صالح اللحيدان، أن يصف التظاهرات بأنها «استنكار غوغائي». بالون اختبار رصد من خلاله ردة فعل الشارع السعودي (لكون الشارع العربي خارج اهتماماته، كما هي غزة خارج اهتمامات شيخ الأزهر المصري محمد سيدطنطاوي).
وعندما وجد مفتي آل سعود، أن هذا الشارع يمكن تنفيس غضبه بإطلاق حملات التبرعات المالية والعينية، تجرأ على فتواه الشهيرة التي قصمت ظهر بعير المؤسسة الدينية السنيّة. كما حدث مع رديفتها الشيعية في العراق منذ غزو بلاد الرافدين، حين سوّغت الاستعانة بـ«الشيطان الأكبر» من أجل إنهاء حكم البعث الظالم.ولم تكن فتوى آل الشيخ التي أطلقها حديثاً، أكثر غرابة من تحريمه فتح معبر رفح أمام أهل غزة المحاصرين بحجة الحفاظ على وحدة الدولة المصرية وأمنها، مشيراً إلى أن حاكم مصر هو من ينظر في مصلحة فتح المعبر أو عدمه (مقابلة على قناة سعودية الأسبوع الماضي). ولم يقف الشيخ عند هذا الحد، بل أطلق فتوى أخرى أدهشت مقدّم البرنامج نفسه، حين قال: «يحق للمسلم أن يودع أمواله في أي مكان يراه آمناً، حتى لو كان في أميركا». وحين لفت المقدّم إلى أن أميركا «بلاد الأعداء»، أجاب: «وإن يكن»، من دون أن يتذكّر الأزمة المالية التي وقعت فيها هذه البلاد أخيراً. ويقول آل الشيخ في هذه المقابلة المتلفزة والمباشرة التي أُتيح لكاتب هذه السطور بالصدفة، متابعة جزء منها: «نحن لا نستطيع أن نجبر أصحاب الأموال على مساعدة الفقراء في أفريقيا، هم أحرار بأموالهم أين يودعونها».وليس من المناسب في هذه العجالة، التطرق إلى الفتاوى التي تتحدث عن جواز الزواج من البنات الأطفال.لعلّ ما كان يؤخذ على المؤسسة السنية الرسمية من ارتهان للسلطة السياسية بسبب تبعيتها الإدارية والمالية للحكومة في هذا البلد أو ذاك، قد انسحب أيضاً على المؤسسة الشيعية التي لم تكن يوماً رسمية إلّا في ايران، وفي لبنان، حيث يتبع رئيس المجلس الشيعي لرئاسة البرلمان.فالسقوط الذي تعيشه المؤسسة الدينية يبدو متشابهاً، حيث يتكرر مشهد عناق بين السيد عبد العزيز الحكيم وممثل الاحتلال في العراق بول بريمر، مع مصافحة تمت بين الشيخ طنطاوي ورئيس كيان العدو، شيمون بيريز، في نيويورك منذ شهرين.كان هناك مقولة تشير الى تحرّر فقهاء الشيعة أكثر من فقهاء السنة، «الرسميين»، من حيث «صياغة» الفتوى. وفي هذه المقولة مغالطة، حيث يتبيّن أن ارتهان بعض فقهاء الشيعة لم يكن للسلطة السياسية، بل للمجتمع (وما فيه من تخلّف وجهل). المجتمع الذي يدفع أموال الخمس لعلماء الدين، بغية توزيعه أسهماً على المحتاجين، ومنها الثلث لإمام الزمان المهدي المنتظر، والثلث الآخر للسادة (أي العلماء من أهل بيت النبي). بذلك، يكون المال والسلطة توأمين في جرّ الدين إلى حظيرتهما، وتطويع الفتوى لما يلائم مصلحة الحاكم أو صاحب المال؛ قد تكون إيران هنا الاستثناء الوحيد، حيث يتبع السياسي للفقيه بدلاً من تبعية الفقيه للسياسي.في أي حال، تبرز إشكالية الوهابيّة وغيرها من المؤسسات الدينية، في الذرائعية، التي تلجأ إلى النص الديني بغية شرعنة فتاواها، ولا سيما القاعدة الشرعية التي تقول إن أهم مقاصد الشريعة تتمحور حول جلب المصالح ودرء المفاسد.
وفي نظر وعاظ السلاطين هؤلاء، أنّ المصالح تتجسد بحفظ الدولة والسلطة، حتى لو كانت جائرة. هنا تتجلى «الأحكام السلطانية» لأبي الحسن الماوردي، الذي كان يرى أن مشروع الإسلام هو مشروع الدولة، وأن الدولة جزء من مشروع الإسلام. مفضّلاً مسألة الحفاظ على الدولة حتى ولو كان رأسها «فاسقاً» أو «فاجراً» على العمل وفق النهج الإسلامي في إغاثة الملهوف والمظلوم ومقاومة المعتدي والظالم.وفي هذا الموضوع، قصر نظر واضح، حيث يسعى الفقيه لإرضاء السياسي، من أجل مصالح مادية وآنية ضيقة، فيما يفترض بالفقيه أن يكون صاحب استراتيجية طويلة المدى، لا تتعلق بالحفاظ على مكتسبات موجودة على حساب مشروع نهضوي تحرري طويل، ولو تطلّب العديد من الضحايا والخسائر.بهذا المعنى، تحتاج المؤسسة الدينية إلى فقهاء مناضلين، أمثال عز الدين القسام وعباس الموسوي وأحمد ياسين، ومحمد باقر الصدر. فقهاء يتحدثون بنبض الناس، يقاومون الظلم بعيداً عن تذمّر الحاكم أو دافع الأموال الشرعية. لأن معركة الحفاظ على الكرامة لا تنظر إلى معادلة الربح والخسارة إلا بحدود مصلحة المقاومة نفسها والظروف المحيطة بها والوضع الميداني المُتاح لفعل المقاومة. وما عدا ذلك هو فتاوى من شأنها تعزيز سلطة الظلم على حساب العدل، وتسويغ الخيانة لتصبح «اجتهاداً»، إن أخطأ صاحبه فله أجر واحد، ولتذهب الضحية إلى الجحيم.على كل حال، غزة اليوم لا تحتاج إلى فتوى كي تدافع عن نفسها. رجالها أسمى من فتاوى هؤلاء الأقزام الذين يلتحفون عباءات «القداسة.
الأخبار: 16كانون الاول 2009

6‏/1‏/2009

شبح الحرب النوويّة في شبه القارة الهنديّة

لم تشهد العلاقات الهندية ـــ الباكستانية منذ حرب عام 1971، توتراً يماثل ما حدث عقب هجمات مومباي الأخيرة التي أسفرت عن سقوط نحو 181 قتيلاً، لكن قرار الحرب لا يبدو في مصلحة أحد في المرحلة الحاليّة
معمر عطوي
ربما أنهت اتفاقية شملا (1972) بين الهند وباكستان بشأن إقليم جامو وكشمير، مرحلة من النزاع تخللتها ثلاث حروب (1947ــــ1965ــــ1971). لكن المنعطف الأهم على طريق التهدئة بين البلدين، كان في عام 2004، حين وقّعت نيودلهي وإسلام أباد عملية سلام استمرت مفاعيلها حتى تشرين الثاني الماضي، حين تعرضت العاصمة الاقتصادية الهندية، مومباي، لهجمات عنيفة قام بها متشددون يشتبه بعلاقتهم مع باكستان. هجمات لم تشهد الهند مثيلاً لها منذ عام 2001، حين هاجم إسلاميون متشددون مبنى البرلمان في نيودلهي.ويبدو أن الوضع الداخلي لكل من الجارتين النوويتين، دفع بالأمور قدماً نحو التصعيد، لتعود قضية جامو وكشمير إلى دائرة الضوء مجدداً، بعدما لجمت السلطة الحركات الجهادية في هذا الإقليم المتنازع عليه بين الهند وباكستان منذ الانفصال في عام 1947.باكستان من جهتها، تشهد نمواً متزايداً للحركات الإسلامية، ولا سيما حركة طالبان ورديفاتها، مثل «جيش محمد» و«لشكر طيبة» (جماعة طيبة)، التي تضغط باتجاه تصعيد التوتر مع الهند بهدف تحرير الجزء الأكبر من كشمير الذي يتبع لسلطات نيودلهي، وتعزيز الدعم اللوجستي لحركة طالبان الأفغانية في منطقة وزيرستان القبائلية.أما على الجانب الهندي، فتسعى أطراف هندوسية متشددة إلى الثأر من هجمات مومباي، بعد اتهامات هنديّة للاستخبارات الباكستانيّة بالتورّط فيها. غير أن التوتر وضحت معالمه أكثر، حين سحبت باكستان بعض قواتها العسكرية من شمال غرب البلاد المضطرب (منطقة القبائل) وأرسلتها إلى الحدود مع الهند. تصعيد قابله موقف هندي مشابه توّج في الأيام الأخيرة من خلال تسليم الحكومة أدلة بشأن تفجيرات مومباي، إلى الولايات المتحدة وباكستان، بما يؤكد حسب وزارة الخارجية الهندية، أن التفجيرات «لها صلة بعناصر في باكستان».هذه الخطوة الهندية، بدت بمثابة محاولة أخيرة تقوم بها نيودلهي لتجنب وقوع حرب بين البلدين. إذ إن شرط تسليم إسلام أباد المتورطين بهجمات مومباي وغيرها نقطة أساسية لإنقاذ شبه القارة الهندية من حرب «النوويتين».كذلك تسعى إسلام أباد إلى إزالة أي أسباب قد تؤدي إلى اندلاع الحرب، وإلى تفادي العزلة الدولية (في حال تورطها بدعم الإرهاب)، إضافة إلى محاولتها تجنب انفلات الأمور داخلياً، حيث تسعى الأحزاب الإسلامية إلى استلام السلطة.في المقابل، لا يمكن لحزب «المؤتمر» الحاكم في الهند، أن يتجاهل دعوات حزب «بهارتيا جاناتا» للثأر من مرتكبي «أعمال إرهابية» في عقر داره، وهو على أعتاب انتخابات برلمانية عامة في الربيع.فالحكومة، بنظر معارضيها، «تراخت وتقاعست» عن التصدي للإرهاب، وخصوصاً أن هجمات مومباي كانت الأخطر، لكونها استهدفت الشريان الحيوي للهند، وطالت محطات سكك حديدية ومستشفى ومركزاً يهودياً، ومقهى وفندقين فخمين. لذلك رضخ رئيس الوزراء مانموهان سينغ، للمعارضة القومية، مهدداً باتخاذ إجراءات ثأرية، خلال جولته على مومباي برفقة مرشح رئاسة الوزراء عن حزب «بهاراتياجاناتا»، ل.ك. أدفاني. جولة غير مسبوقة كهذه كانت مصدر قلق لمسلمي الهند، إذ إن أدفاني عضو دائم في تنظيم «آر. اس. اس» الهندوسي المتشدد.أحداث مومباي هي التي قسمت ظهر البعير، حيث بدا قادة «المؤتمر» في تماه واضح مع خصومهم من الصقور، واضعين الأسلوب الغاندي لمعالجة الأزمة على الرف، ظناً منهم أن صناديق الاقتراع لا يمكن أن تمتلئ لمصلحتهم إلا من خلال رائحة البارود.بأي حال، الطرف الباكستاني هو الأضعف في هذه المحاولة، حكومة ضعيفة، عالقة بين «الجهاديين» ومطالب واشنطن.أمّا نيودلهي فهي في وضع مريح أكثر، ولا سيما أنها تستطيع التوفيق بين إرضاء واشنطن من جهة، وتعزيز علاقاتها مع محاور أخرى كموسكو. إلا أن للهند المقبلة على انتخابات تشريعية المصلحة الأكبر في التوتير.
عدد الثلاثاء ٦ كانون الثاني ٢٠٠٩

26‏/11‏/2008

"احتكار" المقاومة" وسياسة ضبط الإيقاع

معمر عطوي

ربما أصبح الحديث عن «احتكار» حزب الله للمقاومة في لبنان ضدّ إسرائيل، متأخراً عن مرحلته، وخارجاً عن سياق النقاش اليومي الذي يهمّ اللبنانيين في هذا الوقت، في ظل الأزمة المعيشية الخانقة والتردّي الاقتصادي، وانعكاسات الصدامات الإقليمية الدولية على الواقع المحلّي واصطفافاته المذهبية. مع ذلك، لا يمكن في المرحلة التي نعيشها اليوم، تجاهل أسباب فرضتها الظروف الماضية لإنتاج الحقبة الحاضرة. ذلك أن هذا العري الفاضح في المواقف السياسية التي برزت ضد المقاومة في السنوات الأخيرة، هو بلا شك نتاج سياسة خاطئة رسمتها سوريا في لبنان وخضع لها حزب الله في سياق مساومة تضمن استمرار المقاومة في مقابل سكوت الحزب عن تجاوزات سياسية وكوارث اقتصادية واجتماعية.وقد يكون حصر المقاومة بحزب واحد، قد أوتي أُكله على الصعيد الميداني، من خلال انتصارات ونتائج مشرّفة بحكم إدارة الدفّة وفق إيقاع متوازن ومضبوط. لعلّ من إيجابيات ذلك، النتيجة المرضية التي توصلت إليها هذه المقاومة من تحرير للأرض غير مسبوق في الذاكرة العربية المعاصرة، ومن تحرير للأسرى وإسقاط لهيبة كيان لطالما وُصف بالأسطورة.غير أن لهذه الانتصارات عوامل ذاتية تتعلق بتموضع حزب الله في وسط مذهبي حاضن لسلاحه ولشبابه، انطلاقاً من قناعة تتغذّى من الموروث الديني. قناعة بأن هذا السلاح هو سلاح الشيعة ومصدر قوّتهم وحمايتهم، والدور المناط به يتعلق بالتمهيد لظهور الإمام الثاني عشر محمد المهدي المنتظر.إضافة إلى ذلك، معرفة عناصر حزب الله بحكم أنّهم ينتمون إلى هذا الشريط الطويل المحاذي لفلسطين المحتلة، بكل تضاريس المنطقة ومداخلها ومخارجها. ناهيك بالإعداد الجسدي اللازم للقتال والبعد العقائدي الذي يجعل العنصر يضحّي بنفسه من أجل أرضه طامعاً بجنة وحور عين في عالم غيبي آخر.والأهم من ذلك كله، استفادة المقاومة الإسلامية، التي كان بعض قياداتها مناضلين في فصائل يسارية وعلمانية وفلسطينية، من تجارب هذه الفصائل وأخطائها الكثيرة، بما يخدم العمل الأمني والعسكري على خطوط الجبهة.وهناك الظروف الموضوعيّة، التي ساهمت إلى حدّ كبير في تقوية حزب الله وتوفير إمدادات السلاح والمال له من دولة تحمل العقيدة والأهداف نفسيهما، عنيت إيران.ظروف خلقها الوجود السوري في لبنان والتقاء مصالحه مع الدولة الفارسية، رغم أن سوريا حين دخلت قوّاتها إلى بيروت في الثمانينيات، كان أولى ضحاياها 23 عنصراً من حزب الله سقطوا في «مجزرة فتح الله». سياسة توالت مع مواجهات خاضتها حركة أمل وبعض التيارات الحليفة لسوريا ضد الحزب بهدف إضعافه. إلى أن اقتنعت دمشق في النهاية بأن الحزب أصبح أقوى من أن يقدر أحد على ليّ ذراعه، فلجأت إلى تكتيك جديد يقضي باستخدامه ورقة في مساوماتها الإقليمية والدوليّة. والتقت معه في العديد من النقاط التي لا تؤذي توجهاتها ولا تُضعف من نفوذها وسيطرتها على مفاصل النظام اللبناني. وفي الوقت نفسه، أُتيح للمقاومة أن تتحرك عسكرياً وأمنياً، براحة أكبر، بالتنسيق مع أجهزة السلطة اللبنانية الموالية لدمشق وبغطاء من الاستخبارات السوريّة.معادلة أسّست لوضع أصبح معه حزب الله في السنوات الثلاث الأخيرة، وحيداً في الميدان مع حلفاء ضعاف. وكان يمكن تلافي هذه المعادلة، لو أن دمشق تملك بالفعل مصداقية في تعميم أسلوب المقاومة على المنطقة، بدءاً من الجولان، بدلاً من الحديث التافه عن ممانعة كلامية تُختصر حين تتعرض لضربة عسكرية أو أمنية، بجملة مهينة هي: «نكتفي بحق الرد»، أو بإقفال مركز تعليمي هنا وثقافي، على طريقة «أسمع جعجعة ولا أرى طحيناً».ربما لم يعد الحديث عن استبعاد تيارات أسست للعمل العسكري ضد إسرائيل في جنوب لبنان، من قوى فلسطينية ويسارية وقومية وإسلامية، مجدياً، بعدما سبق السيف العزل. بيد أن هذه التيارات نفسها وقعت في مأزق لا يمكّنها من خوض مقاومة على غرار المقاومة الإسلامية. إذ لا يمكن تجاهل العوامل الذاتية لهذه التيارات، التي باتت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والتحولات التي طرأت على العالم بعد حرب الخليج، في وضع لا تُحسد عليه، سواء على الصعيد المادي أو على الصعيد السوسيولوجي، حيث شهدت المنطقة صحوة دينية لعبت دوراً في احتضان مجاهدين من بيئتها وعلى شاكلتها.وبلا أي شك، الانتصار الذي حققه حزب الله، هو ثمرة زرعتها كل نقطة دم روت أرض الجنوب منذ النكبة وحتى عام 2006، وكل بندقية مهما كانت هويتها. وهذه المشاركة في الانتصار لم ينكرها حزب الله نفسه. لكن في ما لو أقام الحزب بحكم أنه يملك السلاح والمال والقاعدة الشعبية، غرفة عمليات مشتركة تجمع كل المخلصين في الوطن تحت عباءة مقاومة وطنية شاملة، لكان وضعه أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، ولكان حظي باحتضان حزبي وسياسي وشعبي مختلف عما هو سائد الآن.لقد تبنّى حزب الله مشروعاً سياسياً مقاوماً، كان ينبغي ألاّ يكون في جانب على حساب جانب آخر، كما تصرّف حين تجاهل المطالب الاجتماعية والانهيار الاقتصادي من أجل التفرّغ للمقاومة وحمايتها. تسوية مع الحكومة أثبتت فشلها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري مباشرة، حيث أصبحت المقاومة ـــ لسوء الحظ ـــ كالبقرة التي حينما تقع، يكثر سلّاخوها.بيت القصيد هنا، أن أخطر ما ارتكبه النظام السوري في لبنان هو حصر المقاومة في حزب الله دون غيره. لقد أوكل هذا النظام عناصر حليفة من خارج الحزب لمنع مقاومين من الوصول إلى المناطق الأماميّة. ولم يلجأ الحزب نفسه إلى ممارسة هذا الاحتكار أو المنع. بل، حسب معلومات موثوقة ومن الميدان، كانت المقاومة الإسلامية تشرك معها عناصر فلسطينية وإسلامية سنيّة في نشاطات لوجستية وأخرى تتعلق بالرصد والاستطلاع، إلى جانب تعاملها الأمني مع فئات واسعة من اللبنانيين ومن جميع الطوائف داخل الشريط المحتل وخارجه آنذاك. لكن جاءت في ما بعد تجربة «سرايا المقاومة» لاستكمال عناصر الديكور ليس إلّا.كما غطّت مدفعية المقاومة الإسلامية بعض عمليات انسحاب لمقاومين من أحزاب يسارية وفلسطينية. غير أنّ الحزب نفسه لم يكن يملك السلطة في إقرار غرفة عمليات مشتركة أو توزيع المحاور بين التيارات المقاومة لأسباب تتعلق بهذه التيارات نفسها كما ذكرنا، وأخرى تتلاءم مع تعليمات دمشق بضرورة حصر المقاومة بحزب الله بهدف واضح، أرادت من خلاله السلطة السورية، أن تضبط إيقاع الجبهة الجنوبيّة مع حركتها الدبلوماسية، حتى لا تفلت الأمور من عقالها.وكان من مصلحة سوريا أيضاً عدم تقوية تيارات سنية أصولية وأخرى يسارية، يمكن من خلال بروز قوّتها في لبنان، أن تمتد إلى الداخل السوري فتزرع فيه «الاضطرابات والفوضى»، ما ينذر بفتح جبهة الجولان، الذي أرادها النظام السوري مقفلة إلى أجل غير مسمّى.وممّا لا شك فيه، أنّ الخطأ السوري الفادح، الذي كان يحصل باتفاق مع إيران، قد دفعت ثمنه القيادة السورية وحزب الله معاً. الأولى خرجت من لبنان بحال مذلّة، والثاني أصبح هدفاً حتى لصغار النفوس والوضيعين، يرشقونه بالحجارة ساعة يشاؤون.بينما كان الأولى بسوريا أن تنظّم غرفة عمليات مقاومة مشتركة وتدعمها، تعبّر من خلالها، على الأقل، عن عرفانها بالجميل تجاه حلفائها القوميين واليساريين المناضلين، لا أولئك المتزلفين والوصوليّين الساعين وراء المناصب والوجاهة، الذين سرعان ما نتفوا ريشها حين استشرفوا أن مستقبل المنطقة يتجه أميركياً.أما حزب الله فقد تكررت أخطاؤه في المشهد السياسي، حين كان يختار حلفاءه الانتخابيين على أساس المصلحة الآنية والتركيبة الطائفية القائمة على الزعامات التقليدية، متجاهلاً رفاقه في الدم والمقاومة. لكن من جانب آخر، قد تختلف الرؤية، وقد يقول قائل إنه لو تمكن فصيل آخر ومن طائفة أخرى من تأدية الدور نفسه، لفعل الأمر نفسه أو أكثر. وقد يصحّ القول، إنّ ضبط الإيقاع قد منع حركة المقاومة من السقوط في الفوضى وسرّع في قطف ثمار الجهاد الطويل.بأي حال، المقاومة اللبنانية بكل أطيافها وتياراتها وروافدها الشعبية، انتصرت في لبنان، ولا حاجة لتكرار معزوفة من بدأ الخطوة الأولى ومن شارك ورفد وضحّى ومن قطف الثمار. المهم في هذه اللحظة الحساسة كيف يمكن أن تتحوّل المقاومة إلى فعل ثقافي واقتصادي واجتماعي من شأنه خلق حراك يهدف للتغيير الجذري في البنى التقليدية السائدة، وفي إرساء قناعة عامة بأن من يقاتل بصدره العاري أعتى قوة في المنطقة، هو المنتصر، ومن غير الجائز أن تصادر قوى الغيب مجهوداته وبطولاته بعنوان «النصر الإلهي».

الأخبار: ٢٦ تشرين ثاني ٢٠٠٨

25‏/11‏/2008

مضيق هرمز: الشريان الذي يؤلم العالم

فزّاعة إيرانية لكبح جماح الحرب: برميل النفط بـ400 دولار!
سفن إيرانية في مضيق هرمزما الذي يجعل مضيق هرمز بمثابة اليد التي تؤلم، ليس فقط لدول المنطقة، بل للعالم كله في حال نشوب حرب بين إيران والغرب؟ لعل تحوّل هذا الشريان الحيوي إلى وسيلة ضغط، نابع من موقعه الاستراتيجي عند مدخل الخليج بين سلطنة عُمان وإيران، وكرابط بين خليج عُمان وبحر العرب. إلا أن أهميته الاقتصادية كممر لحوالى 60 في المئة من النفط العالمي، تجعل مسألة إغلاقه، كارثة اقتصادية على الدول العربية المطلة على الخليج، وخسارة لأهم مصادر الطاقة لمعظم دول العالم، ولا سيما اليابان ودول أوروبا الغربية والولايات المتحدة. لعلّ معنى اسم «هرمز» في الأسطورة الإغريقية، كإله للخير، أبلغ دليل على حيوية هذا المضيق.

معمر عطوي
لم يكن التهديد الإيراني بإقفال مضيق هرمز، الذي تجدّد أخيراً على لسان قائد القوة البحرية الأميرال حبيب الله سياري، أمراً غريباً على الخطاب السياسي ــــ العسكري لطهران. إذ أدّى هذا المضيق، منذ بدء التهديدات بحرب محتملة بين الجمهورية الإسلامية والغرب، دور الفزّاعة التي تستخدم لإظهار مدى خطورة تداعيات أي نزاع عسكري محتمل على الوضع الأمني في الخليج وانعكاساته الوخيمة على الاقتصاد العالمي، وخصوصاً مصادر الطاقة.
ويُعدّ «هرمز»، من وجهة نظر القانون الدولي، جزءاً من أعالي البحار، ما يسمح لكل السفن بالمرور فيه، ولا سيما أنه يمثّل عنق الزجاجة الواصل بين مياه الخليج وبحر عُمان وصولاً إلى المحيط الهندي. وهو المنفذ الوحيد للدول الخليجية، باستثناء السعودية التي تطل على البحر الأحمر، فيما تطلّ إيران من الشمال على بحر قزوين، ومن الجنوب على بحر عُمان.
وتختلف الإحصاءات بشأن كميات النفط العالمي التي تمر عبر مضيق هرمز، بين دراسة وأخرى، وتراوح النسب بين 40 في المئة و60 في المئة.
بأي حال، الخسائر التي ستنجم عن إقفال المضيق لدى وقوع حرب محتملة، ستكون كارثية على دول المنطقة، من حيث تراجع حجم الصادرات، وعلى العالم من حيث النقص في كميات الطاقة.
وقد يكون التقرير الذي نشرته العام الماضي مجلة «التحليلات والأخبار الاقتصادية الخليجية»، شافياً ووافياً لجهة إظهار حجم الكارثة التي ستصيب المنطقة فيما لو جرى إغلاق «هرمز»؛ نحو 90 في المئة من صادرات نفط الخليج، تُنقل في ناقلات عبر المضيق، الذي يمر من خلاله أيضاً أكثر من 50 في المئة من حجم تجارة المنطقة مع العالم. ويشدّد التقرير على أن إيران نفسها ستعاني هذه المشكلة، لكونها تُصدّر عبر «هرمز»، حوالى 90 في المئة من نفطها.
وبالتالي فإن أسعار النفط سترتفع ارتفاعاً جنونياً، وقد تصل حسب الخبراء النفطيين، إلى 250 دولاراً للبرميل الواحد، وربما تصل إلى 400 دولار إذا استمر توقف إمدادات النفط من الخليج.
ويبدو أن إيران، التي تمتلك ترسانة عسكرية بحريّة تمكنّها من السيطرة على حركة الملاحة في الخليج، قد اتخّذت كل احتياطاتها استعداداً لما هو محتمل، وأعلنت قبل أسابيع أنها قررت تكليف الحرس الثوري مهمة الدفاع عن مياهها الإقليمية في الخليج، وأنها لن تتردد في إغلاق مضيق هرمز في حال قيام الولايات المتحدة أو إسرائيل بمهاجمتها.
الإعلان الأخير أتى على لسان الجنرال يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي، وجاء فيه «إن مسؤولية الدفاع عن الخليج الفارسي قد أوكلت إلى بحرية الحرس الثوري، بينما ستتولى البحرية التقليدية مهمات أخرى في بحر عمان وبحر قزوين». وصدور الإعلان عن مستشار المرشد يحمل العديد من الدلالات التي تؤكد ذهاب إيران بعيداً في المواجهة، التي أوضح صفوي ملامحها بقوله «إن بمقدور قواتنا المسلحة المزودة بأحدث الأسلحة الدفاعية، بما فيها الصواريخ بأنواعها، بسط سيطرتها على مضيق هرمز».
وكان قائد الحرس الثوري، محمد علي جعفري، قد أعلن في حزيران الماضي أن «إيران ستعمل بالتأكيد على فرض قيود على الخليج الفارسي ومضيق هرمز»، مهدّداً بأنه «إذا وقعت مواجهة بيننا وبين عدو من خارج المنطقة، فإن نطاق المواجهة سيمتد بالتأكيد إلى الموضوع النفطي. بعد هذا التحرك، فإن سعر النفط سيرتفع بدرجة كبيرة جداً، وهذا من بين العوامل التي تردع الأعداء».
ويمكن القول إن بدائل هذا الشريان الحيوي، المتمثلة ببعض أنابيب النفط، تبقى محدودة، في وقت تحتاج فيه المنطقة أيضاً إلى استيراد الخدمات والتكنولوجيا والأسلحة.
لكن هذا لا يمنع دول الخليج اليوم من التفكير تفكيراً جدّياً في إيجاد بدائل عن هذا المضيق في حال إغلاقه، مثل ميناء ينبع السعودي الواقع على البحر الأحمر، والمرتبط بأنابيب تصله بآبار النفط في المنطقة الشرقية من السعودية. إضافة إليه، هناك ميناءا عدن في اليمن، وصلالة في عُمان، المطلاّن على المحيط الهندي.
بيد أن الأميركيين يحاولون الإيحاء بأن إقفال مضيق هرمز لن ينجح، عبر تشكيكهم في إمكان طهران إغلاقه لأكثر من أيام معدودة فقط.
وفي تحليل عسكري ــ سياسي أعده الباحث الألماني هانز فالكن هاغن، يتبيّن أن «إيران باستطاعتها القيام بضربة حسّاسة لناقلات النفط في مضيق هرمز». ويشير التقرير إلى أن الجمهورية الإسلامية، وضعت خطة في هذا الإطار تهدف إلى تقليص انعكاسات أي ضربة عسكريّة ضدها، «ما يشير إلى أن إيران تشعر بتفوّق قوّاتها الحربيّة التقليديّة على القوى العسكريّة الأميركية والبريطانيّة في الشرق الأوسط».
أمّا الحيلة التي تستخدمها طهران في تحقيق هذه الفرضية (أيضاً بحسب التقرير الألماني)، فتكمن بما لديها من ترسانة أسلحة ضخمة، تضمّ الأساطيل البحريّة، ومنها سفن وغواصات محلية الصنع. فضلاً عن قدرتها على نشر آلاف الألغام البحريّة الموجّهة نحو أهدافها، في وقت قصير، في الخليج.
في هذا الإطار، أطلقت إيران صواريخ «تحت ــ مائية» تسير بسرعة مئة متر في الثانية، وتعدّ الأسرع في العالم، بحيث إنها تستطيع تجاوز الرادار أو نظام كشف التموجات الصوتيّة تحت الماء.
وتؤكد صحيفة «زوريخ الجديدة» السويسرية، في 5 نيسان 2006، أنه «مع وجود الصواريخ التحت ـ المائية وغيرها، قد تصبح كل الأساطيل الأميركيّة والبريطانيّة، بما في ذلك حاملات الطائرات في الخليج الفارسي وبحر عمان وبحر العرب، معرّضة في وقت قصير للغرق».



--------------------------------------------------------------------------------

«إله الخير» في مواجهة «الشيطان»

سمّي مضيق هرمز بهذا الاسم لتوسطه إمارة هرمز (سابقاً)، وهو من أهم المضائق المائية في العالم. وحسب دراسة للباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فاريبورز هاغشيناز، تحت عنوان «القدرات البحرية الإيرانية»، فإن طوله يبلغ حوالى 193 كيلومتراً، وعرضه 97 كيلومتراً في نهايته الشرقية، بينما يبلغ عرضه في الغرب 38.4 كيلومتراً، وفيه عمق يصل إلى 50 متراً. ويقع المضيق في منطقة تحتضن أكبر ميناء بحري وقاعدة عسكرية إيرانيين، يُسمى «بندر عباس». ويمر عبر هذا المضيق ما بين 40% من النفط التجاري العالمي و60 % منه، أي حوالى 17 مليون برميل في اليوم. بما يعني مرور أكثر من 50 ناقلة نفط يومياً.
و«هرمز» كلمة تعني في الأساطير الإغريقية «إله الحياة». ويؤمن به الزرادشتيون كإله للخير وكقاهر لإله الشر «أهريمان». فهل تستطيع إيران تحويله إلى قوة للخير في مواجهة «شر الشيطان الأكبر»؟

23‏/11‏/2008

عصر الجاهليّة: «الجماعة» فوق القيم

معمر عطوي
تكمن الإشكالية الأساسية لدى الفكر الديني، في البعد المذهبي وتداعياته على الواقع السياسي ــ الاجتماعي. إذ تؤدّي «دوغما» العقيدة، دوراً قذراً في تسويغ ظهور المواقف المتطرفة لكل جماعة. هي «الجاهلية» بصورتها الحديثة، حيث تطغى «سلامة العقيدة» على السياق العلائقي بين البشر، بما يؤسّس لظهور أحكام متبادلة، تهفّت مقولات التسامح والحوار و«الكلمة السواء». وليصبح حديث النبي عن «اختلاف أمتي رحمة»، نقمة تصيب «الأمة الإسلامية» ومستقبلها بالعقم.مناسبة القول تجد مبرّراتها في أكثر من ساحة وفي كل عصر. بيد أن ما تشهده المنطقة في هذه المرحلة يمثّل مصداقاً واضحاً لهذه التصورات؛ بعض أنصار المقاومة في لبنان مقيّدون باحترام المرجعية «الشيعية» في العراق، التي سوّغت التعامل مع الاحتلال، وغطّت حركات «إسلامية» شيعية تذرّعت بظلم صدام حسين من أجل أداء دور حصان طروادة لجلب الأعداء إلى المنطقة (مع التنويه هنا بموقف السيد حسن نصر الله الرافض للعملاء في المنطقة، وتأكيده على العراقيين منهم). في المقابل، تلجأ بعض الجماعات السنيّة المشاركة في المقاومة أو الرافدة لمشروعها، إلى إصدار تعميمات ظالمة بحق كل الشيعة في العراق، من دون استثناء جماعات شاركت أيضاً في المقاومة العراقية ضد المحتل ووقفت إلى جانب مجاهدي الفلوجة والرمادي، أمثال «جيش المهدي». الجيش الذي ورطته أصابع الاستخبارات لاحقاً، في نشاطات إجرامية ذات طابع تصفوي مذهبي، ما دفع السيد مقتدى الصدر إلى تجميد نشاطاته بهدف غربلة العناصر المتورطة، التي أساءت إلى صورة المقاومة «الشيعية».طبعاً، فكرة التعميم خاطئة وتؤدي إلى أخذ الصالح بجريرة الطالح «ولا تزر وازرة وزر أخرى» (سورة الإسراء). بيد أن العملاء لا دين لهم ولا مذهب، وإن كانوا ينتمون «قسراً» إلى جميع المذاهب والقوميات: الأكراد وغالبيتهم من السنّة يسيرون في المشروع الأميركي، كذلك الحزب الإسلامي «السنّي»، الذي شارك في آليات السلطة التابعة للاحتلال، بذريعة مبطّنة «عدم ترك الشيعة يسيطرون على البلاد».يتكرّر المشهد مع بعض سنّة لبنان، حين وقفوا (ومنهم من كان في ميدان الجبهة ضد الاحتلال الصهيوني)، في وجه حزب الله، دعماً لرئيس حكومة «سني» يرتبط بعلاقة سافرة مع واشنطن ومن يدور في فلكها.وظهر في لبنان من ينادي بمقاومة «خطر» الصفويين والشيعة والفرس (لعلهم في مزارع شبعا) وحماية أهل السنة «الذين يتعرضون للاضطهاد».لعلّ وعّاظ السلاطين، قد عثروا على فتوى تجيز للرجال معانقة النساء (الرئيس فؤاد السنيورة ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس صيف 2006)، طمعاً بمساندة الولايات المتحدة له في وجه «الشيعة». المشهد قد يفسّر في الاتجاه نفسه في النجف، (معانقة علماء دين شيعة لحاكم «الوصاية» الأميركية المدني، بول بريمر)، ترحيباً بمن «أنقذ» الشيعة من ظلم صدام حسين، «السني».وفي لبنان، تفقد المقاومة بصورتها المذهبية بعض ذلك الوهج الذي يرافق انتصاراتها في العادة. حين يتجاهل بعض المتحدثين باسمها ما يقوم به «الإخوة» العراقيون من تطبيع مع الاحتلال. وتصبح صفة «المقدّس»، التي يُنعت بها هذا الفقيه أو ذاك من فقهاء الاحتلال، في إعلام المقاومة، مثيرة للاشمئزاز، ودافعة للتساؤل عن صدقية المقاومين في طروحاتهم الوطنية «المتعالية على المذهبية».وجه التخلف هنا ــ وعلى الضفتين ــ واضح؛ فئة مقاومة تبيح قتل أبناء المذهب الآخر، وفئة مقاومة أخرى تدافع عن مواقف أبناء مذهبها حتى لو كانوا في صفوف الاحتلال.وجه التخلف هذا يُضعف فكرة الإيمان بالمقاومة والثقة برجالاتها وإعلامها، ويبخّس مقولاتها بشأن سعيها نحو المجتمع الكريم. هذا إذا كانت فكرة المقاومة في وعي القيمين عليها، تعبيراً عن تمرّد لا يقتصر على العمل الأمني والعسكري ضد العدو، بقدر ما يسهم في تغيير شامل في الذهنية السائدة وفي الوضع الاجتماعي والاقتصادي والتربوي، من منطلقات إنسانية بحتة، لا دينية ولا مذهبية.الجانب الآخر من الإشكالية، يتعلق بـ«ظلامية الجماعة»، بمعنى تحجيم خطر العدو الذي يصيب أمة ما بسبب مصالح اقتصادية ـ على الأرجح ـ أو جيو ـ بوليتيكية.تحجيم يتمظهر في خطاب «الجماعة» التي ترى أن الخطر يهدّدها وحدها من أجل عقيدتها ومبادئها. ذهنية بدأت مع اليهود في أوروبا، وتبلورت أكثر مع أحداث المحرقة النازية، إذ يصبح الظلم لاحقاً بجماعة اليهود فقط دون غيرهم، مع العلم أن ضحايا النازية كانوا من مختلف الأديان والقوميات.هذه الذهنية التي تكررت رؤيتها وسط الشيعة في العراق وانسحبت في ما بعد على الأكراد، هي التي خلقت مناخات توحي أن صدام حسين كان يتعمّد قتل الشيعة دون غيرهم، بينما الواقع يؤكد أن معارضين كثيرين من سنّة وغيرهم في العراق، كانوا من ضحايا التعذيب والاعتقالات في زمن حزب البعث البائد.الصورة نفسها يمكن مشاهدتها على الحدود الإيرانية ــ الباكستانية في إقليم سيستان بلوشستان، حيث تقوم جماعات متطرفة بتوتير أمن البلاد بإيحاء أميركي، تحت ذريعة الدفاع عن أهل السنّة من ظلم النظام الشيعي، فيما تقوم هذه الجماعات، بتسهيل مرور المخدرات إلى العراق والخليج مروراً بإيران التي باتت تعاني وجود أكثر من مليوني مدمن على «السموم البيضاء». والمخدرات يفترض أنها حرام في الإسلام.كذلك نجد في البحرين والسعودية من يقلّص خطر الأنظمة الملكية هناك، ليجعلها فقط ضد الشيعة، رغم أنها تبلغ كل من عارض السلطة حتى لو كان ابن عم الملك نفسه أو شقيقه.وعلى نحو أشمل، هناك كثير من المسلمين، يرون أن خطر الأميركيين يستهدف «الأمة»، لأجل دينها. ولا ينظرون إلى الشعوب الأخرى، التي نالت كفايتها من الظلم الغربي وفي مقدمتهم اليابانيون والفيتناميون وشعوب أميركا اللاتينية، فيما كانت مصلحة واشنطن دعم الأنظمة التوتاليتارية الإسلامية في العالم، عندما خدمت مصالحها. الأسطوانة تتكرر مع مسيحيي الشرق، وخصوصاً في لبنان والعراق، حيث تتذرّع الكنيسة بإحباط المسيحيين وهجرتهم، مع العلم أن المحبطين من المسلمين، المهاجرين إلى الغرب، هم أكثر بكثير من أقرانهم المسيحيين.هذه الذهنية الذرائعية، التي تسعى إلى تسويغ «الخوف» من الآخر، أو تبرير محاولات القضاء عليه (حتى لو كان السلف أكثر ظلماً من الخلف)، هي أحد أكبر أمراض العصر الجاهلي الحديث وأخطرها، حيث أصبحت مصلحة «الجماعة» المذهبية أو الدينية، فوق القيم الأخلاقية. وباتت أهداف الإنسان في أن يعيش بكرامة في هذه الحياة، أهدافاً ثانوية في ظل استفحال الموضوع المذهبي، وتبلور الخطاب الغرائزي الذي يصبّ في خدمة المذهب وتقديس ما هو غير مقدّس، إن لم يكن وهماً.

الأخبار:
٥ تشرين ثاني ٢٠٠٨