3‏/10‏/2007

نضال الكوبيّين في وجه عصابات «اليانكي»




معمر عطوي
وثيقة تاريخيّة لمواجهة لا تزال قائمة
يأتي تعريب «إعلان هافانا»، في الذكرى الـ45 لصدور البيان الثاني الذي أصدره الزعيم الكوبي فيديل كاسترو في عام 1962، ليؤكّد استمرار «أعمال التخريب» الاقتصادي على أيدي عصابات «اليانكي» الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتّحدة، حتى اليوم، في ما يشبه إعادة صياغة للأحداث، وإن أصبحت اليوم أكثر خطورة في عالم القطب الواحد، مع اتساع سيطرة الثورة التقنية الحديثة.كتاب «إعلان هافانا»، هو عبارة عن بيانات النضال الثوري في الأميركيّتين، كما تبنّاهما الشعب الكوبي. أصدرت دار «باث فاندر» في نيويورك، النسختين الإسبانية والإنكليزية منه، قبل أن تعرّبه دار «دياثناس فيما» اليونانية في آب الماضي.«إعلان هافانا» هو عبارة عن إعلانين: الأول كان في 2 أيلول 1960، والثاني صدر في 4 شباط 1962، وتبنّاهما التجمّع العام الوطني للشعب الكوبي.في الإعلان الأوّل، يدين الشعب الكوبي الوثيقة التي «تهين» سيادة وكرامة شعوب القارة، وحقّ كلّ أمّة في تقرير مصيرها، في إشارة إلى اجتماع منظّمة الدول الأميركية الاستشاري الذي عُقد في سان خوزيه في كوستاريكا صيف 1960، والذي وافقت خلاله المنظمة على إعلان وثيقة تنصّ على أنّ كل الدول الأعضاء يجب أن «يخضعوا لإرادة النظام عبر الأميركيتين» بإملاء الولايات المتحدة.ويتضمن هذا الإعلان تسع نقاط، منها إدانة إعلان سان خوزيه، وإدانة إمبريالية الولايات المتحدة «لهيمنتها الكبيرة والإجرامية» المستمرّة. ويرفض فيه التجمع العام لشعب كوبا محاولة تخليد «منظومة مونرو» التي تُستعمل «لتمديد الهيمنة في أميركا لحساب إمبرياليّين جشعين، كما رأى خوسيه مارتي..».ويرى البيان أن عرض الاتحاد السوفياتي لمساعدة كوبا إذا تعرضت لغزو من قوات عسكرية إمبريالية «ليس تدخّلاً، بل هو فعل تضامن». ويُنكر في الوقت نفسه وجود أي نية لدى الاتحاد السوفياتي أو الصين الشعبية، «لاستغلال الوضع الاقتصادي أو السياسي لكوبا، لكسر الوحدة القارية، وتهديد وحدة نصف الكرة».يبدأ الإعلان الثاني، بمقتطفات من رسالة كتبها خوسيه مارتي عشية مقتله برصاصة إسبانية في عام 1895. وفي جدل فلسفي ـــــ اقتصادي بمقولات ماركسية، يلفت انتباه القارئ إلى مقولة: «يأتي الرأسمال إلى العالم ينقط دماً ووحلاً من كل مسامه».لعلّ أبرز ما يتضمّنه هذا الكتاب هو مجموعة من الأسئلة المحورية التي يطرحها الإعلانان، التي كان أبرزها: هل بإمكان الرأسمالية أن تخدم مصالح الكادحين؟ 3-10-2007

ألمانيا بطلة أوروبا

معمر عطوي
لم تعد القمامة (الزبالة) عبئاً على البشرية كما كانت من قبل، أقلّه في الدول المتحضِّرة، التي عرفت كيف تجعل من القمامة، وسيلة لزيادة الدخل والنمو الوطنيين، بدلاً من كونها عامل تلويث للبيئة وسبباً لتفشي الأمراض.وقد تبوّأت ألمانيا مركز الصدارة في البحث عن إمكانات للحد من التلوّث، فازدهرت فيها «تجارة» القمامة، إلى درجة، أصبحت معها الدوائر المختصة تشتري نفايات الدول المجاورة من أجل إعادة تصنيعها. وخصصت لهذه الغاية أكثر من 80 محرقة يمكن استخدامها في هذه العملية الإنتاجية.صحيفة «زود دويتشه» أجرت تحقيقاً موسّعاً تحت عنوان «ألمانيا أستاذة النفايات»، تناولت فيه مراحل التطور على هذا الصعيد، خلال العامين الماضيين، حيث جرى إنشاء حوالى 200 مستودع للقمامة في البلاد.عزَّز هذا التطور الإجراءات التي تفرضها الحكومات الاتحادية، على المواطنين بضرورة فرز القمامة (بلاستيك، ورق، زجاج، مأكولات، بطاريات إلخ...)، ما يؤدي إلى الاستفادة من كل نوع من هذه الأنواع في مجال معيّن.ويبدو من خلال التحقيق أن عملية تعزيز المنشآت الخاصة بالحرق أو إعادة الإنتاج، عملية مربحة، وقد خصصت ألمانيا مستوعبات تتسع لـ 13 مليون طن تقريباً من الزبالة في السنة، وقد تم إحراق 18 مليون طن منها لهذه السنة، وعملية الحرق لا يقصد منها فقط الاحتراق، بل أيضاً إعادة التصنيع.وتنقل «زود دويتشه»، عن أحد المراقبين الاقتصاديين، أنه نتيجة هذه التطورات، اختفت «جبال» القمامة من بعض المناطق. ويقول الخبير البيئي في جامعة كيل (شمال ألمانيا) هيرمان كروزي، أن «فوائد نظام التحويل هذا تنعكس على الجهاز العصبي للإنسان، وعلى عملية التنفس، والأمراض الجلدية، مؤكداً أن المخاطر التي تأتي من خلال الاحتراق التقليدي أعلى بكثير من تحويلها». وقد أحصى مركز الدائرة الاتحادية، 565 كيلوغراماً من القمامة لكل بيت ألماني، في السنة.
عدد الاربعاء ٣ تشرين الأول

26‏/9‏/2007

سيرة هايدغر تتجاوز البعد السردي



معمر عطوي
هانز غادامر التأويلي يناقش «طرق» أستاذه الوجودي
«طرق هايدغر، شهادة إنسانية حيَّة يدوّنها فيلسوف كبير عن فيلسوف كبير»। بهذه العبارة يلخّص ناشر كتاب «طرق هايدغر» مضمون هذه «الوثيقة التاريخية الفلسفية» التي كتبها فيلسوف التأويل «الهيرمونوطيقا» الألماني هانز غورغ غادامر، عن أستاذه الفيسلوف الوجودي، مارتن هايدغر. والتي ترجمها الباحثان العراقيّان حسن ناظم وعلي حاكم صالح لـ «دار الكتاب الجديد المتحدة»، في بيروت.لا بدّ من القول، وبعيداً عن مناقشة مدى خيانة الترجمة للنصّ الأصلي، أنّ المترجمَين وقعا في أخطاء لا يمكن التغاضي عنها، كونها تتعلّق بأسماء علَم، من البديهي لمن يُتقن اللغة الألمانية ألّا يقع فيها. على سبيل المثال ورد اسم الفيلسوف الألماني (Heidegger) «هيدغر»، بينما كان ينبغي أن يكون «هايدغر»، أما المؤلف (Gadamer)، فورد على الشكل التالي: «غادامير»، بينما الأصح «غادامر». هذا الخطأ سببه القراءة الإنكليزية للأسماء لا القراءة الألمانية.لعل أفضل ما يُمِّيز هذا العمل، هو أنّ الكاتب يتناول طرق حياة وفلسفة وتفكير معلمه، بطريقة هي أشبه بسيرة تتجاوز في مدلولاتها البعد السردي إلى وصف مناخات اجتماعية وسياسية وفكرية، كوّنت شروط «تبيئة» الوعي لدى هذا الفيلسوف الذي اتُّهم بمحاباة النازية في زمن حكم الرايخ الثالث بزعامة أدولف هتلر. ويتناول غادامر في كتابه، الصياغات الأولى لمشروع هايدغر في مناقشة نصه «ما الميتافيزيقا؟»، فيبيّن أنّ محاولة هايدغر الأولى لتجاوز الميتافيزيقا «صيغت مع ذلك بلغة ميتافيزيقية».في فصل الوجودية وفلسفة الوجود، يجري غادامر مقاربة فلسفية لمدارس وجودية عديدة تبدأ من كارل ياسبرز وألبير كامو ولا تنتهي مع بول سارتر ومارتن هايدغر. فالفيلسوف الألماني يرى أن كلمة وجودية EXISTENTIALISM هي من ابتكار الفرنسيّين، حين استهلها سارتر في أربعينيات القرن العشرين، في الوقت الذي كان الألمان يحتلّون فرنسا، وهذا ما ظهر في كتاب الفيلسوف الفرنسي «الوجود والعدم». لكنّه يؤكّد في الوقت نفسه أثر الفكر الألماني على هذا المذهب الوجودي، من فريدرش هيغل إلى هايدغر وإدموند هوسيرل، كحافز يقف وراء فلسفة سارتر.ويعطي غادامر نظرة شاملة للوجودية، مناقشاً ياسبرز وسارتر وسورين كيركيغارد في مقاربة جميلة مع هايدغر في كتابه «الوجود والزمان» (1926). كذلك لا ينسى الكاتب الإشارة إلى البُعد الإنساني في علاقته بأستاذه حيث يعرض تحت عنوان: «مارتن هايدغر في عيد ميلاده الخامس والسبعين» (1964)، مسيرة نصف قرن من عطاء الفيلسوف، ويصف التعبير الذي استخدمه هايدغر لتسمية الحقيقة الإنسانية DASEIN (الموجود بوصفه الهناك)، والمقصود هو الوجود رغم التناهي والذي يؤسّس أصالة الإنسان زمانياً، بأنه تفوح منه «رائحة سرّ روحي». الكتاب مليء بالتحليل الفكري والرؤية الفلسفية النقدية لفلاسفة منذ اليونان القديمة، وصولاً إلى الفلاسفة المعاصرين، مستغرقاً في مقاربة تأويلية عميقة لأعمال فيلسوف الوجود إزاء فلاسفة تركوا آثارهم في أعمال هايدغر.يتضمن كتاب غادامر مجموعة مقالات حوالى 350 صفحة، مقسّماً إلى 15 فصلا، ناقش فيها بعمق «الوجودية وفلسفة الوجود»، و«علم اللاهوت في ماربورغ»، و«كانط والمنعطف التأويلي»، و«مارتن هايدغر المفكر»، و«لغة الميتافيزيقا»..."الاخبار" 26 ايلول 2007

20‏/9‏/2007

أكباد ألمانيّة لأثرياء سعوديّين

معمر عطوي
هل بات الإنسان شبيهاً بالآلة لجهة التعاطي مع أعضاء جسده كأنها قطع «أكسسوار»، يبيع ما يشاء منها تحت الضغط أو الحاجـة؟ وإذا كان الإنسان في الدول النامية مضطراً أحياناً لبيع أعضائه، فما الذي يجبـر مواطني الدول «المتحضرة» على الدخول في بازار هذه التجارة، التي بات لها أسواقها ووسطاؤها والبائعون والمشترون والعيادات التي تجري فيها عمليات النقل والزرع..؟ورغم أن القانون الألماني يحظر تجارة الأعضاء البشرية، كشفت صحيفة « شبيغل أون لاين» الإلكترونية الألمانية، في تحقيق حمل عنوان «أكباد من أجل العرب»، تورّط إحدى العيادات الطبية الجامعية في مدينة كيل، حيث يقوم بعض العاملين في قسم زراعة الأعضاء والبيوتكنولوجيا، بالتعـــــاون مع وسطاء عرب، بتأمين «متبرّعين» ألمان لبيع أعضائهم إلى مرضى سعوديين يسعون للحصول على أكباد وكلى وغيرها.واستطاعت الصحيفة خلال هذا التحقيــــــق، أن تنتزع تأكيداً من بعض العاملين في العيادة، بشأن إجراء عمليات نقل وزرع. وكشفت أن شاباً سعودياً يبلغ من العمر 17 عاماً كان بحاجة إلى زراعة كبد، قصد هذا المكان، وتمكن من الحصول على مراده، عبر تأمين كبد مواطن ألماني، حيث بلغت تكاليـــــف العملية برمتها حوالى 27 ألـف يورو.وبينمـــــــا لم تعلّق السفارة السعودية لدى برلين على هذا الموضـوع، تحدث التحقيـق عن تحذير الهيئات الطبية في ولاية شيلزفيغ هولشتاين، من حالات التلاعب بمنح الأعضاء، حيث كانـــــــــت المعلومــــــات تفيــد بأن مجموع ما دُفع من أموال سعودية لقاء زرع أعضاء قــــــــد وصل إلى 880 ألف يورو.
عدد الخميس ٢٠ أيلول

15‏/9‏/2007

مقاتلون من أجل «حريّة» كردستان

معمر عطوي
مسيـــرة نضاليـــة بدأت من ســـهل البـــقاع... واستقـــرّت في جـــبل القنـــديل
جولة الرئيس التركي عبد الله غول، إلى منطقة ديار بكر ذات الغالبية الكردية في جنوب شرق تركيا، كثيرة الدلالات، وهي تؤكد نية السلطة «الإسلامية» فتح صفحة جديدة مع الأكراد الذين يخوضون منذ عام 1984 مواجهات عسكرية دامية مع الجيش التركي، حصدت حتى الآن أكثر من 37 ألف قتيل، للحصول على الاستقلال.فمذ وصوله إلى السلطة في تركيا في عام 2002، اعتمد حزب العدالة والتنمية (يمين الوسط) ذو الأصول الإسلامية، سياسة جديدة تجاه الأكراد، في محاولة لتلبية معايير الاتحاد الأوروبي، تمهيداً لانضمام هذا البلد الإسلامي إلى النادي الأوروبي.وتعهدت أنقرة بديموقراطية أوسع واحترام حقوق الإنسان في خطوة نتج منها إلغاء حكم الإعدام الذي كان سيطال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المعتقل في جزيرة إمرالي في تركيا منذ عام 1999. وسمح بالبث باللغة الكردية على التلفاز الرسمي (وإن لفترات قصيرة جداً)، ذلك أن أبرز مطالب «حزب العمال» التي دفعته إلى النضال، كانت الدعوة إلى منح الأكراد الحقوق الثقافية، وإلى إجراء تعديلات دستورية وإلى إحترام حرية الرأي.ووضعت أنقرة، بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة، حداً لـ15 سنة من حال الطوارئ في جنوب شرق البلاد، في إطار جهودها الرامية إلى دخول الاتحاد الأوروبي، كما أصدرت عفواً جزئياً يطال بشكل رئيسي أعضاء حزب العمال، لكنه لم يشمل قادة الحزب.وكان حزب العمال قد بادر، في مناسبات عديدة، إلى عرض وقف إطلاق نار من جانب واحد مرات عديدة، كانت أولاها في عام 1999، عقب اعتقال أوجلان. لكن تركيا رفضت مراراً دعواته إلى التفاوض على حل للصراع الكردي. ولم تعترف بالهدنة، ما دفع بمقاتلي الحزب إلى إنهاء هذه الهدنة في حزيران 2004.وفي عام 2005، جدَّد الحزب دعوته إلى وقف أعمال العنف لمدة شهر بدءاً من 20 آب وحتى 20 أيلول، في خطوة لبناء الثقة مع الحكومة التركية، وذلك في أعقاب زيارة تاريخية لرئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، في 12 آب من العام نفسه، إلى ديار بكر.ولم ييأس الحزب، الذي غيّر اسمه العام الماضي إلى «مؤتمر الحرية والديموقراطية في كردستان»، والمعروف اختصاراً باسم «كادك»، من إطلاق مبادرات جديدة في هذا الاتجاه، فقد أعلن هدنة أخرى في تشرين الأول من عام 2006، بيد أن أردوغان رفض العرض، داعياً الحزب إلى ضرورة التخلي عن سلاحه من دون أي شروط.وكان الإعلان الأخير للهدنة من جانب الحزب في 12 حزيران الماضي، وإن أرفقه بتأكيد أنه لن يتوانى في الدفاع عن نفسه والتصدّي لأي هجوم تركي يستهدف الحزب وكوادره.غير أن الجيش التركي، الذي يتشدد تجاه هذا الحزب، اختار فترة ما قبل الانتخابات التشريعية التي جرت في 24 تموز الماضي ليقود حملته التحريضية على المتمردين الأكراد، في محاولة دعمتها الأحزاب العلمانية والقومية لحثّ الحكومة على إعطائه الضوء الأخضر، من أجل شنّ عملية عبر الحدود مع العراق ضد المقاتلين الأكراد، الذين يُقدَّر عددهم بنحو ثلاثة آلاف عنصر.من جبال القنديلحزب العمال الكردستاني هو حزب سياسي يساري مسلَّح ذو توجهات قومية كردية وماركسية ـــــ لينينية، هدفه إنشاء دولة كردستان المستقلة، للأكراد الذين يبلغ تعدادهم نحو 22 مليون نسمة، والذين يعيشون في الأراضي التركية والسورية والعراقية والإيرانية، لذلك يتجاوز الخوف من نشوء الدولة الكردية المستقلة أنقرة ليتعداها إلى طهران ودمشق أيضاً.ونشأ الحزب في سبعينيات القرن الماضي، وتحول بسرعة إلى قوة مسلحة بزعامة أوجلان، وحوّل منطقة جنوب شرق تركيا إلى ساحة حرب في الثمانينيات والتسعينيات.وكان الحزب حركة سرّية تبنت النهج الماركسي الثوري، ومن ثم اضطرت، إثر الهجمات الشرسة للدولة التركية، إلى الخروج إلى منطقة الشرق الأوسط (لبنان وسوريا) وتلقّي التدريب العسكري مع المقاومين الفلسطينيين. ومن ثم عادت بكوادرها المسلحة إلى المناطق الكردية الجبلية، حيث استقرت منذ عام 1985 في سفح جبل القنديل، الواقع على المثلث الحدودي بين تركيا وإيران والعراق، وهي منطقة شاسعة، جبالها مرتفعة ووعرة المسالك.والحزب موضوع في قائمة المنظمات الإرهابية على لوائح الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وتركيا وإيران وسوريا وأستراليا.وللحزب جناح عسكري، يُسمَّى قوات الدفاع الشعبي، ويهدف هذا الجناح إلى إنهاء سياسة التصفية والتجاهل للشعب الكردي، وحماية وتطوير المسيرة الديموقراطية لهذا الشعب حتى يتحقق الحل السلمي، ثم أضاف في ما بعد حرية القائد «آبو»، أي أوجلان، إلى لائحة مطالبه.أما أبرز أهداف الحزب، فهي: توسيع وتمتين العلاقات الشرق أوسطية كردياً وعربياً وتركياً وفارسياً، وترسيخ حياة آمنة مستقرة واقتصاد راقٍ لشعوب المنطقة.ويعتمد حزب العمال في الصراع على جهود المرأة والشبيبة في المناطق الكردية وتنشيط شرائح المجتمع كافة. ويشرك كل هؤلاء في حرب العصابات التي يخوضها.امَّا مصادر تمويله، فهي الشعب الكردي وأصدقاؤه العرب والأتراك في العالم. ويستفيد من الجمارك المارة من مناطقه العسكرية.ومنذ أشهر خلت، يقوم الجيش التركي بدق طبول الحرب على حزب العمال من خلال تعزيز مستويات قواته في جنوب شرق البلاد، حتى وصل عدد عناصره إلى أكثر من 200 ألف عنصر، معظمهم يتمركز على الحدود، معزّزين بدبابات ومدفعية ثقيلة وطائرات، بما يشير إلى نيّة تركيا القيام بعملية محتملة عبر الحدود.ووصلت مستويات هذه القوات في إقليم سيرناك إلى 50 ألف عنصر مقارنةً مع ما بين عشرة آلاف و20 ألف عنصر عادة، فيما أكدت حكومة أردوغان أنها وضعت خططاً لاحتمال القيام بتوغل عسكري في شمال العراق لضرب عناصر حزب العمال، الذين تتهمهم أنقره باستخدام هذه المنطقة كقاعدة خلفية لعملياتهم في جنوب شرق الأناضول.ترافق ذلك مع إعلان أردوغان، في السابع من آب الجاري، أن تركيا والعراق وقّعتا على هامش زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى أنقرة، وثيقة تهدفُ إلى مكافحة المتمردين الأكراد الأتراك المتمركزين في شمال العراق.«آبو» في الأسرمنذ الثمانينيات، أصبح عبد الله أوجلان رمزاً سياسياً وعسكرياً للحركة الكردية الاستقلالية، وتزايد عدد مؤيديه ومناصريه وسط الجاليات الكردية في كل أنحاء العالم. أوجلان، الذي يلقبه اتباعه بـ«آبو»، وُلد وسط أسرة تعمل بالزراعة في عام 1949 في بلدة أوميزلي التابعة لمحافظة سانلي على الحدود التركية ـــــ السورية. درس في جامعة أنقرة، حيث بدأ نضاله وسجن سنة 1972 لمدة سبعة أشهر بحجة نشاطه المؤيد للأكراد.في سنة 1978، أسسّ أوجلان حزب العمال الكردستاني. وفي سنة 1980، غادر تركيا ليعمل من المنفى، ولا سيما من دمشق، وسهل البقاع اللبناني حيث أقام معسكرات التدريب لأعضاء حزبه. ويُذكر أنه حوصِر مع مقاتلي الثورة الفلسطينية في قلعة الشقيف في جنوب لبنان في الأيام الأولى للاجتياح الإسرائيلي عام 1982.في تشرين الأول من عام 1998، أُبعد أوجلان من سوريا، وذلك تحت الضغوط التركية الشديدة، التي كادت أن تتحوّل إلى حرب بين البلدين، بحجة اتهام أنقرة لدمشق بأنها تسمح لأوجلان ولحزب العمال الكردستاني بالتدرب والانطلاق من أراضيها ومن سهل البقاع اللبناني.وقد اضطرّ أوجلان عندها لأن يتوجه إلى أوروبا، حيث حاول الحصول على حق اللجوء السياسي، لكنه أخفق.ونجحت الاستخبارات التركية بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي في اعتقاله في الخامس عشر من شباط 1999 في نيروبي، عاصمة كينيا. ونقل إلى جزيرة إمرالي وسط إجراءات أمنية مشددة. وقد دفع منظر أوجلان وهو مختطف ومكبّل، أنصاره وأنصار القضية الكردية إلى التظاهر في العواصم الأوروبية أمام السفارات الإسرائيلية والأميركية والتركية.وخلال المحاكمة، قام أوجلان، بصورة مفاجئة، بتقديم الاعتذار لأسر الضحايا من الأتراك الذين قتلوا في أعمال العنف التي نفّذها حزبه. كما طالب أعضاء حزبه بتسليم السلاح وترك أعمال المقاومة المسلحة، وأبدى استعداده لأن يكون وسيطاً بين تركيا والأكراد بشرط عدم إعدامه. إلا أن المحكمة العسكرية التركية، التي أُلِّفَت خصيصاً لمحاكمته، رفضت عرضه، وأصدرت عليه حكماً بالإعدام شنقاً.وقد لاقى هذا القرار الرضى والتأييد في تركيا، وأيّدته الولايات المتحدة التي رأت أن أوجلان هو «إرهابي دولي». أما الدول الأوروبية، فطالبت بعدم تنفيذ الحكم خوفاً من قيام الأكراد بتظاهرات عارمة تهزّ أمن هذه الدول، لهذا امتنعت تركيا عن إعدامه حتى الآن طمعاً في استمرار التفاوض مع الاتحاد الأوروبي من أجل الانضمام إلى منظومته.
"الأخبار"عدد السبت ١٥ أيلول 2007

11‏/9‏/2007

ألكسندر سولجنتسين... بقايا أسطورة


معمر عطوي
عــودة إلى «أرخــبيل الـغولاغ» على ضفاف موسكوفا
الرفيق خروتشوف كان وراء شهرته العالميّة، والرئيس بوتين نفض عنه غبار النسيان. بعد عودته من المنفى اعتكف في الصمت، لافتاً النظر بمواقفه المتزمّتة قومياً ودينياً. ماذا يبقى اليوم من سولجنتسين: تراثه الأدبي أم تاريخه السياسي كأشهر المنشقين عن الاتحاد السوفياتي؟
كان شغوفاً بقراءة الأعمال الأدبية منذ سن التاسعة، لكنّه اختار دراسة الرياضيات. في النهاية ستقترن حياة ألكسندر سولجنتسين بالأدب، وستقوده رواياته إلى السجن فالمنفى... قبل أن تدخله التاريخ بصفته أشهر المنشقين في زمن الاتحاد السوفياتي. في غيابه انهارت الامبراطوريّة الشيوعية، فعاد من المنفى إلى روسيا التي غنّى أمجادها وانتمى إليها حتى الشوفينيّة المقلقة. وها هو الروائي الروسي الشهير (1918) يعيش شيخوخته في عزلة بيت ريفي على ضفاف موسكوفا.كان سولجنتسين جندياً على الجبهة الألمانية، عام ‏1945، حين كتب الى أحد أصدقائه منتقداً ستالين، معتبراً أن الحكومة السوفياتية مسؤولة أكثر من هتلر عن تبعات الحرب على الشعب السوفياتي. وقعت الرسالة في يد السلطات... فكلّفه الأمر 8 سنوات في معسكرات الاعتقال... منها سيستمد مادة روايته الأولى «يوم في حياة ايفان دينسوفيتش» التي لم تُنشر إلا عام ‏1962 في مجلة «نوفي مير» السوفياتية، وذلك بعدما تدخّل الأمين العام للحزب شخصيّاً، وكان يومها نيكيتا خروتشوف. هذه الرواية هي التي دفعته الى واجهة المشهد الأدبي العالمي، لكنّها دشّنت أيضاً حقبةً جديدةً في مسيرة الروائي الإشكالي. فبعد ثلاث سنوات من صدورها، منعت أعمال سولجنتسين في الاتحاد السوفياتي، وبدأت تجربته المريرة... هذا في كل الأحوال ما تقوله الأسطورة التي أحاطت به كالهالة، وقد بلغت أوجها في زمن لم يكن «العالم الحرّ» يعبأ بالحريّة، قدر اهتمامه بتوظيف قضايا المنشقين في الحرب الباردة.في العام 1965 كتب «جناح السرطان» على شكل حدوتة فلسفيّة، مستوحياً تجربته الشخصية مع المرض في أواسط الخمسينيات. ولعلها أقرب رواياته إلى واقعية القرن التاسع عشر، إذ تقدّم صورة أمينة للمجتمع الروسي بعد موت ستالين. لكن صيت سولجنتسين ذاع سياسياً أكثر منه أدبياً، لكثرة ما اكتنفت كتاباته انتقادات حادّة للسلطة... لكن خروتشوف تباهى بدوره في بنشر «يوم في حياة ايفان دينسوفيتش» التي تفضح معاناة المثقفين في سجون ستالين. وكان خروتشوف يهدف يومذاك إلى مقارعة الحرس القديم، من فلول القيادة الستالينية. تُرجمت تلك الرواية الأولى إلى العديد من اللغات، وشهرته في العالم أجمع، بينما كانت أعماله الأخرى مخطوطات حبيسة الأدراج.هذا الحظر قد يكون أسهم الى حدّ كبير في حصوله عام 1970 على جائزة نوبل للآداب عن روايته «أرخبيل الغولاغ»، وجعلته شيخ الكتّاب المنشقّين عن المنظومة الشيوعية. لم يسافر سولجنتسين إلى استوكهولم لتسلّم الجائزة، ربما خشيته من عدم السماح له بالعودة. وداهم الـ «كي.جي.بي» منزله عام ‏1974‏ إثر تهريبه «أرخبيل الغولاغ» إلى فرنسا. في تلك الرواية يسرد معاناته في معسكرات الاعتقال الجماعي، واصفاً الآلة القمعيّة والطابع التوتاليتاري للنظام الستاليني. وكان سولجنتسين قد كتبها بين 1958 و1967 على وريقات صغيرة دفنها واحدة تلو الأخرى في حدائق أصدقائه، فيما أرسل نسخة الى الغرب ليهرّبها من الرقابة. ولم يقرّر نشرها إلا بعدما عُثر على إحدى مساعداته مشنوقةً: وكانت قد اعترفت للـ «كي. جي. بي» بالمخبأ الذي فيه نموذج الرواية. في جميع الأحوال «أرخبيل الغولاغ» كلّفت سولجنتسين غالياً. إذ دفعت السلطات الى تجريد الروائي من جنسيته، وسوقه إلى المنفى في شباط (فبراير) 1974... ليعيش فترةً في ألمانيا وفرنسا، قبل أن يتوجّه الى الولايات المتحدة عام 1976. هناك عاش، في ولاية فيرمونت، في ما يشبه العزلة، مكرّساً وقته لدراسة التاريخ الروسي بين ‏1914‏ و‏1917... وقد أحاط بتلك الحقبة بشكل واسع، ووضع في الخامسة والسبعين مؤلفاً ضخماً من عشرة أجزاء، بعنوان «العجلة الحمراء»، يرصد روسيا في زمن الثورة‏.في أميركا ترأس سولجنتسين حملةً لتدخّل الولايات المتحدة في الفيتنام، ثم البرتغال عندما استولى اليسار عليها عام 1974. ودافع عن سباق التسلّح ضد الاتحاد السوفياتي خلال حقبة ريغان. ولم يعد إلى روسيا إلا عام 1994، أي بعد خمس سنوات على سقوط جدار برلين، ليجدها مرتعاً للفساد والفقر. قرر الأسد العجوز أن يعتكف في الصمت.... حتى انتبه إليه الرئيس بوتين، فنفض عنه غبار النسيان، ومنحه جائزة الدولة التقديرية.هنا تكلّم صاحب «أرخبيل الغولاغ» أخيراً، ليعبّر عن رأيه بإنجازات الرئيس بوتين. ورأى أن بوتين استردّ بعضاً مما خسرته روسيا، بمحاربة الفساد... و«أيقظ الدب الروسي من سباته ليزرع الرعب في قلب أميركا»! والحقيقة أن المنشق السابق عايش أزمات روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، متنبّئاً بسقوط آخر في زمن روسيا الحديثة الليبرالية المنفتحة على الغرب. «بؤساء الوطن» كانوا محور اهتمامه منذ صدور كتابه «روسيا نحو الهاوية». ويروي سولجنتسين: «بعد صدور الكتاب طلب يلتسين شخصياً منحي وسام الدولة الأعلى، وأجبته بأني لا أستطيع قبول منحة السلطة التي جلبت لروسيا الدمار... لا أستطيع أن أقبل الجائزة من رئيس، بل من مجموعة خبراء ذوي كفاءة، من باحثين روس ومبدعين ومثقفين يحظون باحترام في مواقعهم».وأوضح سولجنتسين أنّه لدى عودته الى روسيا، كان يعيش حالة من التأليه للعالم الغربي ولنظم الحكم في دوله المختلفة. «لم يكن (ذلك) مبنياً على معرفة حقيقية أو اختيار واعٍ، بل على رفض طبيعي لنظام البولشفيك ودعايته المعادية للغرب». ويشير الى أنّ «هذا المزاج تغير بعد هجوم حلف الأطلسي بالقنابل على الصرب. حتى ذلك الوقت، كان الغرب يمثّل لنا فارس الديموقراطية. في الحقيقة، أصبنا بخيبة أمل في يوغوسلافيا، ذلك أنّ السياسة الغربية اعتمدت في الدرجة الأولى البراغماتية... ما حصل هو نتيجة تفاهتنا».ويحاول سولجنتسين أن يفهم اليوم التحولات التي شهدتها روسيا: «الكثير من الروس عايشوا سقوط إيديولوجيتهم... والغرب فرح بهذه النهاية للحرب الباردة المرهقة. وراقب سنوات حكم غورباتشوف ويلتسين، وضعف السلطة في روسيا. لقد اعتادوا أن ينظروا إلى روسيا كواحدة من دول العالم الثالث». أما نظرة الكاتب إلى بلاده فتقوم على الحنين إلى عظمتها، وعلى التعصب القومي وتمجيد ثقافة الأرض والريف. ولعلّ من أهم إنجازاته الجائزة الثقافية التي استحدثها لدعم المبدعين القوميّين من أنصار الفكر السلافي والروسي، أو ممن سمّاهم «الأرضيين». أولئك الذين يكتبون عن القرية، ومن بين من اختارهم «صندوق الكسندر سولجنتسين»، الأكاديمي فلاديمير توبوروف والأديب فالنتين راسبوتين والكاتب ليونيد بورودين وغيرهم.قد تكون أكثر أعماله إثارةً للجدل، روايته «قرنان معاً» (2002) التي كرّسها لتاريخ اليهود في روسيا في غضون قرنين وعلاقاتهم مع الأمة الروسية. انقسم النقاد الى معسكرين في اتخاذ موقف من الكتاب: غالبية القوميين الروس استقبلته بالترحاب، فيما رفضه أصحاب التوجّه الغربي ومن أصول يهودية واتّهموه بالعداء للسامية. سولجنتسين معاد للساميّة؟ خلال سنوات المنفى أبدى صاحب «أرخبيل الغولاغ» تعاطفاً مع الحركة الصهيونية، وتلقَّى دعوة إلى زيارة اسرائيل وجّهتها اليه يومها رئيسة الوزراء غولدا مائير. لكنّ هذا لم يمنع أيضاً «لجان الدفاع عن الحريات في لبنان» من دعوته الى بيروت أواسط السبعينيات بسبب مواقفه من النظام الشيوعي.في كل الأحوال، كثيراً ما كان سولجنتسين شخصيّة إشكالية أكان في مواقفه السياسية، أم في أعماله الأدبية التي تتفاوت النظرة النقدية إليها. هكذا، اعتبره بعض الكتّاب رجلاً مقاوماً وعنيداً يتمتّع بالحس القومي السلافي. فيما رأى بعضهم الآخر أنّ أعماله يشوبها الكثير من النقص. إذ قال عنه الكاتب الساخر فلاديمير فوينوفتش مرةً إنّه خرافة صاغها الخيال الجمعي، وإنّ إنجازه الوحيد هو «يوم في حياة ايفان دينسوفيتش» فيما الروايات الأخرى تبعث على السأم.وتحدث الكسندر أوستروفسكي عن ضرورة تحطيم تلك الأسطورة التي حيكت عنه كداعية إنساني، وككاتب عظيم وعبقري. ورأى أن قوى إصلاحية في الاستخبارات الروسية استغلته لترويج أفكار المنشقّين الإصلاحية وإضعاف النظام الشيوعي. وأعرب العديد من الأشخاص في الأوساط التقدمية في روسيا عن خشيتهم من قناعات سولجنتسين الدينية المتزمّتة.على رغم كل ما قيل عنه، فإنّ الروائي العجوز تمسّك في كل ما كتب بإيمانه العميق بروسيا، وبتفرّد ثقافتها‏، وتميّزها الروحي عن أميركا وأوروبا.
الاخبار ١١ أيلول 2007

7‏/9‏/2007

حرب المعنى وعدوان تموز في مجلة «مدارات»



معمر عطوي
حملت مجلة «مدارات غربية» في عددها الأخير رؤية فكرية سياسية متنوّعة للصراع العربي الإسرائيلي، بعد عدوان تموز (يوليو)، من خلال ملف خاص جاء بعنوان «حرب المعنى: أميركا ــــ إسرائيل ضد حزب الله»। وكتب ناشر المجلة محمد عماد الدين نعمة مقالاً بعنوان «خيبات الحرب الإسرائيلية»، فيما عنون رئيس التحرير محمود حيدر مقاله بـ«حرب من أجل المعنى».واشتمل الملف الأساسي في المجلة المتخصصة بنشر ترجمات فكرية غربية، على حوار مهمّ أجراه الدكتور نعمة مع المفكر السياسي الفرنسي آلان جوكس، تطرق فيه الأخير الى مفاصل محورية للاتجاهات التي حكمت الاستراتيجيات الأمنية والسياسية والثقافية، في لبنان والشرق الأوسط، بعد حرب تموز 2006. ورأى جوكس أنّ حرب تموز لا تزال تحفر تعقيداتها ومؤثراتها على المنطقة بأكملها...وتضمّن الملف ترجمات من الصحافة العالمية، بينها دراسة للباحثة البلجيكية كارولين بيليه بعنوان «إسرائيل ـــــ فلسطين ـــــ لبنان: الطريق الأطول نحو السلام». ومقالة بتوقيع الصحافي والكاتب الفرنسي الإشكالي تييري ميسان، رئيس «شبكة فولتير»، بعنوان «لبنان كهدف جديد: المحافظون الجدد وسياسات الفوضى البناءة». وتنشر المجلة مقالة لروبرت مالي، مستشار الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، بعنوان «شرق أوسط جديد»، مأخوذة عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»... فيما نقرأ ترجمة لمقالة أوليفييه روا في صحيفة«لو موند» الفرنسية، بعنوان «إيران ترتفع في المزايدات».وفي محور المجلة، مقالة للأكاديمي اليوناني يانيس فولغاريس «الحرب في لبنان: مأزق للضحية كما للجاني»، وآخر للباحث الأميركي دانييل بايمان عن «إعادة تشكيل الأحلاف للحرب على الإرهاب ـــــ أميركا نموذجاً»، بينما كتبت النائبة في البرلمان الأوروبي، لوسيا مانيسكو، في الجريدة الإيطالية «إل مانفيستو» عن «المخطط الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط».وفي مدار الجدل مقالات أخرى لمجموعة من كتاب وباحثين غربيين عن «اليمين الديني «ايباك»، والسياسة الخارجية للولايات المتحدة»، و«نحو بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي»، و«أرض في الشرق أم السلام على حوض المتوسط». كما تضمّنت «مدارات غربية» النصّ الكامل لتقرير فينوغراد وتقرير سيمور هيرش عن خفايا عدوان تموز.وفي «باقة الكتب»، قراءات في كتب «العصر الوسيط ظلال وأنوار» لجان فيردون، و«قرارات حياتي في السياسة» للمستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر، و«التحليل السوسيولوجي للبروتستانتية» لجان بول ويليم. 7ايلول 2007"الاخبار"

3‏/9‏/2007

صفوي مســتشاراً للــمرشد... والجعــفري قــائداً لـ«الحــرس»

معمر عطوي
لا يمكن فصل ما تشهده إيران من إقالات واستقالات عن تطورات المشهد الإقليمي والدولي، في ظل تصاعد حدة اللهجة الغربية تجاه النظام الإسلامي بشأن البرنامج النووي والاتهامات الأميركية بـ«تورط» الحرس الثوري في المستنقع العراقي.فإقالة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي قائد الحرس الثوري اللواء يحيى رحيم صفوي من منصبه أول من أمس، تضع علامات استفهام عديدة بشأن التوقيت، في ظل احتدام المواجهة مع الغرب، ووسط حديث عن «محاولة زعزعة النظام الإسلامي» على طريقة الثورات المخملية. ولم يكن واضحاً أمس ما إذا كان تعيين صفوي مستشاراً لخامنئي يعدّ ترفيعاً في معرض المكافأة أو مكافأة في معرض التحييد.ومعروف أن الحرس الثوري، الذي كان صفوي من أبرز مؤسسيه في عام 1979 بعد نجاح الثورة، يواجه محاولة أميركية لإدراجه على «لائحة الإرهاب»، بعدما كان قرار الأمم المتحدة الرقم 1747 الخاص بالعقوبات ضد طهران، قد تضمن أسماء قيادات الحرس، وبينهم صفوي والقائد الجديد الذي عيّنه خامنئي لهذه المؤسسة العسكرية العقائدية محمد علي جعفري.وترى الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية أن الحرس الثوري من المساهمين الرئيسيين في البرامج النووية والبالستية الإيرانية، وهي تشير إلى أن هذه المؤسسة تأتمر مباشرة بأوامر خامنئي، الذي يُعد القائد العام للقوات المسلحة.ولطالما هدَّد صفوي الولايات المتحدة بأنها ستتلقى «ضربة موجعة» مستقبلاً من هذا الحرس، وبإحراق الخليج في ما لو حاولت قوات الاحتلال الأميركي ضرب المفاعلات النووية الإيرانية، في وقت كانت قوات الحرس تحقق نجاحات على صعيد إحباط العديد من محاولات زعزعة النظام، وملاحقة متهمين بالعمل على تقويضه من الداخل.وأشاد خامنئي في أمر تعيين اللواء صفوي مستشاراً له بـ«الخدمات المخلصة التي قدّمها في الميادين العسكرية المختلفة على مدى ثمانٍ وعشرين سنة، ووجوده المستمر في جبهات الدفاع المقدس وقيادته الموفّقة لقوات حرس الثورة الإسلامية خلال فترة عشر سنوات».وكان الجنرال صفوي قد تولّى قيادة الحرس قبل عشر سنوات خلفاً للجنرال محسن رضائي الذي كان أول قائد لحرس الثورة منذ إنشاء هذه القوة عام 1979 مع قيام الثورة الإسلامية.وقلَّل صفوي من شأن استبداله، قائلاً إن هذا التغيير أمر «طبيعى تماماً»، فيما وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية محمد على حسيني هذه الخطوة بأنها «تغيير روتيني»، رافضاً ما تردد عن وجود دافع سياسي وراءها.أما قرار خامنئي بتعيين العميد محمد علي جعفري، بعد ترقيته إلى رتبة لواء، قائداً لقوات حرس الثورة، فيبرهن عن تقديره لجهود هذه الشخصية العسكرية التي قادت العمليات خلال الحرب العراقية ـــــ الإيرانية (1980ـــــ 1988)، إضافة إلى دوره الاستخباري الذي كانت الساحة العراقية أحد أهم مجالاته، وفق ما تردد في تقارير إعلامية أفادت بأنه نجح قبل ستة أشهر في الفرار من محاولة اعتقال دبّرها عناصر الاحتلال الأميركي في عاصمة كردستان العراق، أربيل. ويُقال إنه متهم بتدبير محاولة اغتيال زعيم «الحزب الديموقراطي الكردي الإيراني» عبد الرحمن قاسملو في النمسا عام 1990.وشغل جعفري مناصب عديدة في الحرس الثوري، آخرها في عام 2005 عندما عُيّن رئيساً لـ«مؤسسة التحقيقات الاستراتيجية للحرس الثوري»، المرتبط باستخباراته، بعدما تولى رئاسة القوات البرية للحرس منذ عام 1992.
"الأخبار"٣ أيلول 2007

1‏/9‏/2007

هل تنتقل عدوى «الفوضى الخلاقة» إلى بلوشستان؟

معمر عطوي
لم يكن مقتل زعيم الثوار البلوش، نواب أكبر خان بوغتي(79 عاماً) يوم السبت الماضي، في معركة مع القوات الحكومية في إقليم بلوشستان، السبب الأساسي الذي أذكى المعارك بين القوات الباكستانية وسكان الإقليم الأكبر مساحة والأكثر فقراً في البلاد، إذ إن قضية بلوشستان، التي تشبه إلى حد ما قضية الأكراد في تشعباتها السياسية والجيوستراتيجية وعمقها القومي وبعدها القبلي، ليست قضية طارئة على المشهد السياسي الجنوب ــ آسيوي. فمنذ عشرات السنين، يقود البلوش، الذين ينحدرون من أصول عربية، حركة تمرد من أجل الحصول على حكم ذاتي ونصيب أكبر من أرباح الموارد الطبيعية، وأهمها الغاز الذي يشكل مخزونه في الإقليم أكبر احتياطي من هذه المادة في باكستان.الشرطة الباكستانية تقمع متظاهرين في كويتا (أ ف ب)ومع أن موقع بوغتي السياسي بوصفه حاكماً إقليمياً سابقاً وثائراً انضم إلى المقاتلين في الجبال هذا العام، يشكل علامة فارقة في تاريخ الحركة «الاستقلالية»، إلا أن قضية البلوش هي أعمق من حادثة مقتله: يسعى أبناء هذه القومية، المنتشرون بين إيران وباكستان وأفغانستان، إلى توحيد أراضيهم.فمساحة بلوشستان الباكستانية (غرب) تبلغ 135 ألف ميل مربع، وعاصمتها كويتا، أما عدد سكانها فيتجاوز ثلاثة ملايين نسمة، بينهم حوالى مليون من الباتان. في حين تبلغ مساحة بلوشستان الإيرانية (جنوب شرق) 70 ألف ميل مربع، عاصمتها زاهدان، وعدد سكانها حوالى مليون.وتعود حرب البلوش على السلطة الباكستانية إلى تأسيس دولة باكستان عام 1947، وقد بلغت أوجها في السبعينيات من القرن الماضي، في عهد الزعيم الباكستاني ذو الفقار علي بوتو. وكان لشاه إيران دور في تحريض إسلام آباد على ضرب «التمرد البلوشي»، خوفاً من أن تنتقل الحركة الوطنية البلوشية من باكستان إلى بلاده. أما بوتو فكان يطمع، من خلال هذه الحرب، إلى زيادة عمليات التنقيب عن النفط والمعادن في الإقليم، لكن بلا جدوى، بسبب تصاعد الثورة ضده وتصديرها إلى بلوش إيران. لكن قضية بلوشستان عادت إلى الظهور بشكل جدّي على سطح الأحداث في غرب آسيا منذ نيسان العام 1980، إثر فشل محاولة انقلابية ضد نظام ضياء الحق العسكري في إسلام آباد، والذي أدى فيها البلوش دوراً أساسياً. وربما كان العداء التاريخي بين الهند وباكستان قد فتح عيون نيودلهي على هذا الإقليم لاستغلاله في حربها ضد إسلام آباد، وهذا ما أكدته الاتهامات الهندية المتكررة لجارتها بمساعدة المتمردين البلوش.ولم يتوقف الأمر على الهند، بل تعداه إلى تدخل دول أخرى. تدخل جاء إما بدافع السيطرة على الثروات الطبيعية من غاز ومعادن، أو بدافع مزاحمة نفوذ دول أخرى، كما كان حال العراق والهند، اللذين دعما في العقود الماضية حركة استقلال بلوشستان، تماهياً مع متطلبات الحرب الباردة، نظراً لانخراط بغداد ونيودلهي في حلف السوفيات، بينما كانت إيران ــ الشاه وباكستان تدوران في الفلك الأميركي.لعل مقتل بوغتي، الذي يصفه بعض أبناء قبيلته بـ«الأسطورة»، يعيد قضية البلوش إلى المشهد السياسي في المنطقة، بيد أن الحديث عن اهتزاز سياسي يؤدي إلى سحب الثقة من رئيس الوزراء الباكستاني شوكت عزيز، قد يكون أحد تجليات «الفوضى الخلاقة» التي تعيد ترتيب المنطقة وفق الرؤية الأميركية.
الأخبار الجمعة ١ أيلول 2007

31‏/8‏/2007

السياسة الاقتصادية لنجاد والمفترق الصعب


معمر عطوي
تأتي استقالة محافظ المصرف المركزي الإيراني إبراهيم شيباني، بعد سلسلة استقالات وتبدلات في مراكز وزارية ورسمية مهمة، لتؤكد حجم المعضلة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، في ظل حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي تتعرَّض سياسته الاقتصادية للانتقادات، حتى من رأس القيادة الروحية ممثلة بالمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ما يُظهر عدم وجود انسجام كاف بين مراكز القرار في النظام الإسلامي حول هذه القضية.وتشير هذه البرودة بين السلطة التنفيذية والولي الفقيه إلى مدى خروج نجاد عن ثوابت الخطة الاقتصادية العشرينية التي وافقت عليها حكومة الرئيس السابق محمد خاتمي، عام 2004، والتي تهدف إلى تحوُّل إيران الى قوة اقتصادية وعلمية إقليمية كبرى خلال هذه الفترة إذا طُبّقت بنودها.ولم يقتصر الاتهام المبطَّن لنجاد بعدم السير وفق هذه الخطة على خامنئي، بل انسحب على رموز أخرى من النظام، أبرزها رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي اتهم الرئيس أيضاً بعدم تطبيق بنود الإصلاح، والبرلمان الذي وقّع نحو 40 من نوابه الإصلاحيين رسالة الى نجاد وخامنئي طالبوا فيها بإنقاذ الأداء الاقتصادي للحكومة.وهكذا، يبدو من الطبيعي أن يكون استقبال خامنئي لنجاد وأعضاء حكومته الأحد الماضي، مقروناً بحثِّه على ضرورة أن تعمل الحكومة بجدِّية أكبر لتنفيذ الخطة العشرينية، و«تقوية الانسجام مع السلطات الأخرى»، في ظل بلوغ نسبة التضخم 16.6 في المئة وزيادة نسبة الفقر، وارتفاع نسبة البطالة الى ما فوق 12 في المئة.ومع استقالة شيباني التي جاءت بعد أيام من استقالة وزيري النفط كاظم وزيري همانة والمناجم والصناعة علي رضا طهمسبي، بدت البلاد أمام مفترق صعب، وسط الحديث عن وضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب الأميركية، بما تمثل هذه المؤسسة العسكرية العقائدية، من امتدادات واسعة في قطاعات إنتاجية وخدماتية واقتصادية حساسة في الجمهورية الإسلامية.بيد أن هذا المُفترق لا يتحمل نجاد وحده مسؤولية حدوثه، في ظل تمسُّك الدولة بقيم الثورة، وتحمُّلها ضغوطاً سياسية وعقوبات اقتصادية برزت مصاديقها من خلال حصار دولي خانق وقرارات دولية (1737 و1747) على خلفية استمرار البرنامج النووي. وقد دفع ذلك نجاد إلى البحث عن خيارات متعددة أبرزها البحث عن استثمارات جديدة في مجال الطاقة وتحرير هذا القطاع نسبياً من يد الدولة، ومد جسور التعاون مع دول عديدة، ولا سيما في أميركا اللاتينية، وفي المنطقة، من أجل تعزيز التنمية في قطاعات النفط والغاز والتبادل التجاري.ويندرج في هذا الإطار تعيين حسين نقره كار شيرازي نائباً للعلاقات الدولية لوزير النفط، الذي ستشمل مهماته التواصل مع الشركات والحكومات الأجنبية.وربما لجأ نجاد الى ذلك بعد فشل محاولاته السابقة التي تمثّلت بتجميد أسعار بيع منتجات عديدة، بعد ارتفاعها بنسبة 16.1 في المئة، ورفع قيمة فوائد المصارف والإسراف في إنفاق عوائد النفط التي ارتفعت مع ارتفاع أسعار الذهب الأسود خلال المدة الأخيرة.هنا لا يمكن فصل المشهد السياسي عن مجريات الوضع الاقتصادي المتفاقم، الذي يتجه نحو نسبة عالية من التضخم قد تصل في العام الجاري الى 22.4 في المئة، وفق دراسة للبرلمان الإيراني، وخصوصاً بعد أزمة تقنين توزيع البنزين الذي يُشكِّل مفارقة غريبة في بلد يستورد أكثر من 40 في المئة من حاجاته من هذه المادة المكرَّرة، على رغم أنه رابع دولة مُنتجة للنفط في العالم.لقد حدَّد خامنئي ثوابت الحكومة الإيرانية بخصائص عديدة، لعل أبرزها التغيير والإصلاح الحقيقي والصمود أمام «الأطماع الاستكبارية»، بما ينسجم مع شعار نجاد الذي أطلقه قبيل تسلّمه مهماته عام 2005 حول التوزيع العادل للثروة. لكن السؤال يبقى حول إمكان الرئيس المحافظ التوفيق بين شعاراته في محاربة القوى العظمى واستمرار برنامجه النووي، وخططه الاقتصادية التي يحاول من خلالها تعزيز مواقعه قبل الانتخابات البرلمانية في ربيع العام المقبل، التي تتبعها انتخابات رئاسية عام 2009.
"الأخبار"٣١ آب 2007

22‏/8‏/2007

عندما ينقلب السحر على الساحر

معمر عطوي
تُدرك طهران جيداً أن التعاون الذي تبديه تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لن يجدي نفعاً لجهة ترك النظام الإسلامي يسير في طموحاته النووية المثيرة للجدل، من دون عوائق جديدة وعقوبات مشدّدة قد يتخذها مجلس الأمن، بعد تقديم التقرير المُرتقب للمدير العام لوكالة الطاقة محمد البرادعي إلى حكام الوكالة في العاشر من الشهر المقبل في فيينا.فالجولات المكوكية من المحادثات «الثنائية الاتجاه» (مع الأمم المتحدة ممثلة بوكالة الطاقة، ومع الاتحاد الأوروبي ممثلاً بمنسِّق السياسة الخارجية والأمنية خافيير سولانا) لن تصبح في يوم ما (أقلّه في المدى القريب) تأشيرة دخول الجمهورية الإسلامية إلى النادي النووي، حيث يتّضح أن الخلاف الدائر الآن هو بشأن «المسائل العالقة» في البرنامج النووي الإيراني منذ سنوات، حين كانت الأنشطة الحساسة بعيدة عن أعين المفتشين الدوليين.وربما كان حديث نائب رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية محمد سعيدي، أول من أمس، عن «الطريق الطويل» لهذه المحادثات، ودعوته البرادعي إلى التعاون في تقريره المُرتقب، تعبيراً واضحاً عن صعوبة المخاض في هذا الملف الذي يتأثر، بلا شك، بملفات أخرى، على غرار العلاقة المُلتبسة مع دول عربية مثل السعودية والبحرين، والأزمة مع الولايات المتحدة في موضوع «الأمن العراقي»، ومواضيع أخرى، أبرزها لبنان وفلسطين وأفغانستان.في هذا السياق، لا يمكن التوهّم بتاتاً أن كل هذه الملفات قابلة للتفاوض والوصول إلى حل سحري، فيما البدائل الأميركية لمعالجة الملف النووي جاهزة، أمام التعقيدات المُحتملة والمُرجَّحة، في ظل تراجع خيارات الحرب، وتقدم خيار التفاوض، بعدما انقلب السحر على الساحر.لعل أبرز هذه البدائل كان قرار واشنطن وضع الجيش العقائدي لإيران (الحرس الثوري الإسلامي) على لائحة الإرهاب، كإجراء هدف الأميركيون من خلاله إلى تأكيد تفرّدهم وتميّزهم عن شركائهم الأوروبيين، باتخاذ القرارات، رغم جنوحهم للخيار الأوروبي جزئياً باعتماد سياسة العصا من دون الجزرة.فالعقوبات الاقتصادية أصبحت، على ما يبدو، تؤتي ثمارها على الصعيد الإيراني الداخلي، من خلال تفاقم أزمات التضخم والبطالة وتقنين البنزين وزيادة معدلات الفقر، التي أدت الى حصول استقالات في وزارات مهمة أخيراً، فيما بدا أن الخيار الأميركي «بزعزعة النظام الإسلامي من الداخل»، لا يزال سارياً مع استمرار ملاحقة شبكات تجسسية في إيران، تذكِّر بسياسة «الثورات المخملية»، طبعاً من دون تجاهل خطورة تسليح الولايات المتحدة لدول شرق أوسطية تمهيداً لدور محتمل ضد طهران.هذه المعطيات تشكّل مؤشرات واضحة إلى تراجع نفوذ صقور الإدارة الأميركية، التي أصبحت مقتنعة بأن خوض حرب عسكرية، في ظل تخبُّط جنودها في المستنقع العراقي، لن يؤدي سوى إلى الانتحار.لهذا بدت هذه الإدارة الهشة وكأنها تفسح في المجال للمفاوضات السياسية، بغية تحاشي مواجهة مباشرة مع جيش عقائدي، أصبحت تهديدات قادته بإحراق الخليج، معزوفة شبه يومية، تؤكد عدم نية طهران تقديم أي تنازلات إلى إدارة فاشلة.
"الاخبار"٢٢ آب 2007

عندما ينقلب السحر على الساحر

معمر عطوي
تُدرك طهران جيداً أن التعاون الذي تبديه تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لن يجدي نفعاً لجهة ترك النظام الإسلامي يسير في طموحاته النووية المثيرة للجدل، من دون عوائق جديدة وعقوبات مشدّدة قد يتخذها مجلس الأمن، بعد تقديم التقرير المُرتقب للمدير العام لوكالة الطاقة محمد البرادعي إلى حكام الوكالة في العاشر من الشهر المقبل في فيينا.فالجولات المكوكية من المحادثات «الثنائية الاتجاه» (مع الأمم المتحدة ممثلة بوكالة الطاقة، ومع الاتحاد الأوروبي ممثلاً بمنسِّق السياسة الخارجية والأمنية خافيير سولانا) لن تصبح في يوم ما (أقلّه في المدى القريب) تأشيرة دخول الجمهورية الإسلامية إلى النادي النووي، حيث يتّضح أن الخلاف الدائر الآن هو بشأن «المسائل العالقة» في البرنامج النووي الإيراني منذ سنوات، حين كانت الأنشطة الحساسة بعيدة عن أعين المفتشين الدوليين.وربما كان حديث نائب رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية محمد سعيدي، أول من أمس، عن «الطريق الطويل» لهذه المحادثات، ودعوته البرادعي إلى التعاون في تقريره المُرتقب، تعبيراً واضحاً عن صعوبة المخاض في هذا الملف الذي يتأثر، بلا شك، بملفات أخرى، على غرار العلاقة المُلتبسة مع دول عربية مثل السعودية والبحرين، والأزمة مع الولايات المتحدة في موضوع «الأمن العراقي»، ومواضيع أخرى، أبرزها لبنان وفلسطين وأفغانستان.في هذا السياق، لا يمكن التوهّم بتاتاً أن كل هذه الملفات قابلة للتفاوض والوصول إلى حل سحري، فيما البدائل الأميركية لمعالجة الملف النووي جاهزة، أمام التعقيدات المُحتملة والمُرجَّحة، في ظل تراجع خيارات الحرب، وتقدم خيار التفاوض، بعدما انقلب السحر على الساحر.لعل أبرز هذه البدائل كان قرار واشنطن وضع الجيش العقائدي لإيران (الحرس الثوري الإسلامي) على لائحة الإرهاب، كإجراء هدف الأميركيون من خلاله إلى تأكيد تفرّدهم وتميّزهم عن شركائهم الأوروبيين، باتخاذ القرارات، رغم جنوحهم للخيار الأوروبي جزئياً باعتماد سياسة العصا من دون الجزرة.فالعقوبات الاقتصادية أصبحت، على ما يبدو، تؤتي ثمارها على الصعيد الإيراني الداخلي، من خلال تفاقم أزمات التضخم والبطالة وتقنين البنزين وزيادة معدلات الفقر، التي أدت الى حصول استقالات في وزارات مهمة أخيراً، فيما بدا أن الخيار الأميركي «بزعزعة النظام الإسلامي من الداخل»، لا يزال سارياً مع استمرار ملاحقة شبكات تجسسية في إيران، تذكِّر بسياسة «الثورات المخملية»، طبعاً من دون تجاهل خطورة تسليح الولايات المتحدة لدول شرق أوسطية تمهيداً لدور محتمل ضد طهران.هذه المعطيات تشكّل مؤشرات واضحة إلى تراجع نفوذ صقور الإدارة الأميركية، التي أصبحت مقتنعة بأن خوض حرب عسكرية، في ظل تخبُّط جنودها في المستنقع العراقي، لن يؤدي سوى إلى الانتحار.لهذا بدت هذه الإدارة الهشة وكأنها تفسح في المجال للمفاوضات السياسية، بغية تحاشي مواجهة مباشرة مع جيش عقائدي، أصبحت تهديدات قادته بإحراق الخليج، معزوفة شبه يومية، تؤكد عدم نية طهران تقديم أي تنازلات إلى إدارة فاشلة.
"الاخبار"٢٢ آب 2007

18‏/8‏/2007

على ضفاف "الهافل"








معمر عطوي




تتألق برلين بثوبها الثقافي البرّاق. هنا في العاصمة الألمانية نمط آخر من الحياة، "سستام" مختلف ينطبق على كل التفاصيل، بدءاً من الالتزام التام بمواعيد تحرك وسائل النقل وصولاً الى العقلية العلمية التي أصبحت إحدى ميزات الحياة الاو روبية، مروراً بصورة البنيان "العلائقي" بين الدولة والمواطن.
الوصول الى برلين من بوابة أثينا يعفيك من المرور على حواجز التفتيش والأمن العام مرة أخرى، ذلك انه بمجرد الدخول الى إحدى الدول الاو روبية، يصبح التحرك بين الدول الأخرى الأعضاء في هذه المنظومة الحديثة العهد، عبارة عن رحلات داخلية.
هذا الشعور الجارح انتابني لحظة وضعت قدمي على الرصيف الخارجي لمطار "تيغل" في برلين. عرفت أن عليّ التعايش مع مناخ جديد، يبدأ المرء بالتعاطي معه بحذر وترقب يتلازمان مع علامات التعجب والانبهار. بعدها، يتحول الى نمط هو أحد شروط امكان الانتقال من مرحلة الفوضى الفكرية غير "المُسَستمة" الى مرحلة المنهجة التي لا تطال الجانب الفكري والثقافي فحسب، بل تنسحب على الكثير من ميادين الحياة. ان معروف عن الألمان، انضباطهم والتزامهم المواعيد وإتمام العمل المطلوب منهم. ويصفهم الآخرون بأنهم صارمون في تطبيقهم القوانين والنظام.
أزعم أن هذه المنهجية، هي خارج إطار التفكير والمبتغى لكثير من العرب الذين هاجروا الى أو روبا بهدف العيش أو الدراسة. ولعل صعوبات الاندماج، التي يتحدث عنها المسؤولون عن الجاليات وبعض القيمين على صنع القرار في هذه البلدان، هي احد تجليات البعد عن هذا "السستام"، الذي يشكل للأسف في نظر البعض مناخاً للرهاب الاجتماعي بذريعة تهديد أخلاقي أو تخلٍ عن تقاليد وقيم تتخذ صفة المقدس عند هؤلاء المهاجرين.
في برلين يحتار المرء من أين يبدأ، هل من المعالم التاريخية التي تحكي تاريخ ألمانيا بدءاً من بسمارك مروراً بهتلر وصولاً الى الألمانيتين وجدار برلين، أم من كانط وغوته وفيختة مروراً بهيغل وماركس ونيتشه وصولاً الى غونتر غراس وهابرماس وكليبرغ. قائمة لا تنتهي، تعج بأسماء كبيرة في ميادين عديدة لا تقتصر على الفكر والثقافة، بل تنسحب على العلوم والابتكارات التقنية التي حولت ألمانيا الى دولة صناعية كبرى لها حضورها الكوسموبوليتي.
يصح وصف العاصمة الألمانية بالقلب النابض لكثافة الأنشطة الثقافية فيها، إضافة الى المظاهر الفنية العابرة التي يشهدها الزائر في الأماكن العامة.
النشاط الاول الذي تتألق به برلين كل سنة، هو المهرجان السينمائي العالمي "برليناري" الذي يقام في ساحة الممثلة مارلين ديتريش. كما تتواصل الأنشطة على مدار العام في بيت الثقافات، بما ينطبق على عنوانه. ففي هذا المكان الواقع على ضفاف نهر "شبري" وسط المدينة بين بوابة براندنبورغ وساحة عمود النصر (التي تجري فيها كل سنة فعاليات مهرجان الحب "لاف بارادي")، تقام انشطة ثقافية من جميع أنحاء العالم، تشتمل على عروض أفلام ومسرحيات، لوحات فنية وصور وكتب مترجمة، إضافة الى أعمال تجهيز وحفلات فنية وندوات ومحاضرات وقراءات تقام على الهامش. أما المتاحف، فتحتاج الى مساحة أخرى للكتابة عنها، لكثرة ما في برلين من متاحف، إذ يصح تسميتها بـ "مدينة المتاحف".
الفن في برلين ينساب مع الهواء، فلا يبقى زائر لهذه المدينة إلا ويستنشق عبيره. في الساحات العامة مثل ساحة "ألكسندر" أو "الكودام"، قد تصادفك فرقة موسيقية من أميركا اللاتينية تعزف أعمالاً من تراث الهنود الحمر، أو واحدة افريقية تعتمد على قرع الطبول، أو قد تشاهد فرقة دينية لجماعة كريشنا التي تحظى بمريدين كثر في ألمانيا يرتدون الزي الخاص بهم، ويصلوّن عند قارعة الطريق على أنغام آلة موسيقية قديمة من أعمال شبه القارة الهندية.
وفي محطات القطار، يكثر عازفو البيانو والغيتار وربما الناي والبزق وغيرها من آلات لا يبتغي أصحابها من المارة سوى بعض السنتات يشترون بها زجاجة بيرة وبعض الطعام. "تسوّل بشرف" كما قال لي صديقي المغربي.
وأحيانا يختلط الفعل السياسي الاحتجاجي بالفن كما في اعتصامات الأكراد التي تنتهي بحلقة دبكة، أو احتجاجات المعارضة الصينية التي يمارس أعضاؤها رياضة اليوغا في الساحات العامة الى جانب لافتات الاعتراض. وهناك أنصار البيئة الذين يرتدون في مسيراتهم وجوه حيوانات معرضة للانقراض. أما مهرجان الحب السنوي، فيحتاج الى مساحة أخرى للكتابة، حيث يتحرك مئات الآلاف على أنغام موسيقى التكنو وعروض التعري.
فنون في الهواء الطلقهناك معارض فنية في الهواء الطلق قد يشارك بها كبار الفنانين، وهي تقام احياناً في ساحة "بوتسدامر"، الحديثة بأبنيتها الشاهقة ومنها مبنى "سوني سنتر"، وهي قريبة من مبنى كونسرتو برلين للموسيقى "الفيلارموني" المواجه للمعهد الفني ولمكتبة المدينة الضخمة.
المكتبات العامة جزء من المشهد البرليني، فهي تنتشر في جميع المناطق والأحياء. أما "بسطات" الكتب والأشرطة الموسيقية الكلاسيكية التي تباع بأسعار زهيدة، فهي منتشرة بكثافة أمام المراكز التجارية الكبرى والساحات العامة، وكذلك في أسواق يوم الأحد التي تحتوي على كل ما هو رخيص.
الى جانب ذلك، تأسرك الألعاب البهلوانية سواء على عجلات "المزلاج" أو على الدراجات الهوائية، بتناغمها مع الموسيقى التي يحضرها هؤلاء الشباب معهم الى الساحات العامة لكسب بعض المال لقاء ما يقدمونه من عروض مميزة للمارة. ومن اللافت أيضا أن لكل شارع في برلين عيداً خاصاً في السنة. في هذا اليوم، تعرض البضائع والمأكولات والألعاب الخاصة بالأطفال الى جانب ما يسمى "حدائق البيرة" حيث يمكن للزائر أن يحتسي البيرة الأصلية من مصنعها مباشرة. وللنبيذ "البلدي" مساحات أخرى من هذه الاحتفالات.
مدينة كئيبةللوهلة الاولى عندما وطئت قدماي أرض برلين، بدت لي مدينة كئيبة، ربما لان ذاكرتي استحضرت في تلك الدقائق تاريخ المدينة المجبول بالحروب والدمار والتقسيم، ولعلها تلك الرمزية التي لا زلنا نستعير شعارها لوصف كل فعل عنصري، عنيت الرايخ الثالث وما تركه من آثار مدمرة على ألمانيا الحديثة. لعل أحدى صور هذه الكآبة الكنيسة المحترقة الجاثمة في ساحة "كورفرستن دام"، التي تركها الألمان مثلما هي كشاهد على فظاعة الحرب وأهوالها. لكن الشعور بهذه الكآبة سرعان ما يتلاشى أمام ما تحمله المدينة من مظاهر فرح، وقلب نابض بكل ما هو جميل. حتى الجدار الذي كان يفصل بين شطري العاصمة لم يبق منه إلا قسم صغير لا يتعدى طوله الأمتار قرب منطقة الفارشاوار، وأخرى في ساحة بوتسدامر التي أصبح فيها البرج الذي كان معداً للمراقبة بين الجانبين مقراً لمجموعة من الهبيين الذين يبثون أغاني الراب والروك كدلالات لمعنى ابدال الحرب بالموسيقى.
تستمد المدينة جاذبيتها من سحر نهري "الهافل" و"الشبري"، اللذين ينسابان طولاً وعرضاً، مباشرة أو عبر روافد كثيرة تم حفرها بجهود العمال. لا يقتصر دور هذين النهرين على الملاحة التي تخدم المصانع والتجار فقط، بل يتعدى ذلك الى دور سياحي، حيث تقام رحلات بواسطة الزوارق والسفن الصغيرة، على مدار الساعة للتمتع برؤية المدينة وما فيها من غابات ومعالم وصروح عريقة، إضافة الى جزيرة المتاحف.
وعلى ضفاف النهرين تنتشر المنتزهات المجانية المكللة بالأشجار والمزدانة بالحشائش والأزهار. وفي الأيام المشمسة، تنتشر في هذه الأمكنة الحمامات الشمسية التي يُقبل عليها الألمان بشغف كحالة تعويض عن الأيام الباردة التي تحتل معظم أيام السنة. ناهيك عن حدائق العراة التي يصبح فيها الجسد مُلكاً للطبيعة.
تكثر البحيرات التي تزينها ارهاط البط والوز ومالك الحزين. يمكنك قراءة كتاب أو جريدة على ضفة البحيرة، ففي هذه المدينة أضحت القراءة جزءاً من المشهد العام. كما يمكنك الاستمتاع بوجبة غذائية تلقى بقاياها الى هذه الطيور الجميلة التي ألفت البشر حتى غدت متعايشة معهم بلا أدنى خوف. التعايش مع جميع الحيوانات أيضاً جزء من جمال المشهد. حتى الغربان أصبحت أحد عناصر هذا المشهد الجذاب. يقول كبار السن أنها كانت تتغذى خلال الحرب من جثث القتلى، أما الان فهي تعيش على خيرات هذه البلاد من الحبوب والخضرة التي يصعب تحديد آفاق حقولها.
وللأطفال مساحات واسعة يمكنهم فيها ممارسة العديد من الألعاب، ففي كل حي ملاعب رياضية وحدائق خاصة بالأطفال. أما الدراجات الهوائية، فتكاد تكون إحدى صور المدينة الأكثر حيوية.
العمل شيء مقدس عند غالبية الألمان، علماً أن نسبة البطالة في تزايد (11%). ترى معظمهم يهرول مسرعاً في الصباح الى وسيلة النقل، ولا يعود من عمله حتى المساء.
ضرورات العمل تفرض عليهم النوم باكراً، لذلك لا تشعر بوجود أي ضجيج بعد الساعة التاسعة. أما يوما السبت والأحد، فتجد شعباً آخر يعيش العطلة على طريقته. منهم من يختار تناول زجاجة فودكا في القطار مع بعض الأصدقاء. ومنهم من يرتاد المراقص والحفلات الخاصة أو السينما والمسرح والكونسرتو، بالإضافة الى المنتزهات. ويحرص كبار السن على حضور حفلات الاوبرا أو دعوة الأصدقاء الى عشاء متواضع. وهناك من يرغب بارتياد الملاهي الليلية والعلب الحمراء، أو رحلة بواسطة الدراجة الهوائية وسط الغابات الكثيفة.
مشاهدة السكارى في الشوارع والحدائق ومحطات المترو والقطار أمر شبه اعتيادي. ففي هذه المدينة، ومثل باقي المدن الاوروبية، هناك من اختار طريقة أخرى للعيش. هؤلاء يتقاضون راتباً من الدولة التي تؤمن لهم الماوى أيضاً. وفي الساحات العامة، يوزع عليهم الحساء الساخن، إذ غالباً ما تقوم بذلك هيئات مدنية أو كنسية. وهناك بعض الساحات التي يتم جمعهم فيها ورشّهم بمياه سيارات الإطفاء حتى لا تتفاقم أمراضهم المتكونة من إهمالهم لأنفسهم، والبقاء دائما تحت تأثير الخمرة.
الحوار مع الاسلامفي برلين ثلاث جامعات عريقة هي: الجامعة الحرة، جامعة هومبولدت والجامعة التقنية، إضافة الى معاهد للدراسات العليا التي تختص بالفنون والسينما والمسرح. تلعب هذه الجامعات دوراً رائداً في نشر الأبحاث الفكرية والثقافية والعلمية. وتنظم بشكل متواصل ندوات ومحاضرات يشارك فيها أساتذة ومبدعون من جميع أنحاء العالم. كما أن تعدد الأعراق واللغات التي ينتمي إليها الطلاب وبعض أساتذة الجامعات يعطي مشهد التنوع غنىً فريداً.
أما الحوار الثقافي والحضاري الذي ترعاه وزارة الخارجية، فيشكل مساحة مهمة جداً لتلاقي الثقافات ويصب تلقائياً في مصلحة حوار الحضارات بعيداً عن أية شعارات. ففي ألمانيا، مراكز مهمة لهذا النوع من الحوارات. واذكر على سبيل المثال، نموذج الحوار مع العالم الإسلامي، الذي لم يتراجع مع أحداث 11 أيلول كما في دول غربية كثيرة، إنما تم رفده والسير به الى الأمام. إضافة الى اهتمام المؤسسة الإعلامية "دويتشة فيلله" على هذا الصعيد، تم تأسيس مجلة الكترونية تحت اسم " قنطرة" مهمتها متابعة كل ما يتعلق بفهم الآخر، أي الإسلام كحضارة، بكافة ميادينه السياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية. ويدخل في هذا الإطار مشروع حوار الشرق والغرب الذي يشجع التلاقح الثقافي بين الحضارتين.
حرية القول والعمل مضمونة ما دام الأمن في منأى عن الخطر. المصليات والمساجد تنتشر بكثرة وكذلك الجمعيات العربية والإسلامية، حيث تكاد تضاهي بوجودها محلات المواد الغذائية العربية أو المطاعم، إذ يمكنك ان تحظى بصحن كبة وتبوله على الطريقة اللبنانية أو كسكس مغربي أو حلويات شامية. والحرية في ألمانيا مطلقة مع بعض الاستثناءات لعل أهمها الابتعاد عن كل ما يمكن أن يحرض على الكراهية والعنصرية، وكل ما يمكن ان يعيد تحريك عقدة الذنب تجاه اليهود، التي يبدو أن البعض بدأ يتحرر من ضغطها، خلال ما تشهده برلين من نشاطات وتحركات شبابية تصب في مصلحة القضية الفلسطينية أو معارضة الحرب على العراق، التي دفعت البعض لتجاوز موقف الدولة الرافضة لهذه الحرب عبر المطالبة بوقف انطلاق الطائرات الاميركية من قواعدها على الأرض الألمانية... تلك القواعد الجاثمة منذ أيام الحرب الباردة.


تحولات العدد25

14‏/8‏/2007

الفيليبين قصة تمرّد وفساد

معمر عطوي
لم يتّسم عهد الرئيسة الفيليبينية الحالية، غلوريا ماكاباغال أرويو، بمزايا افضل من عهد سلفها جوزف إسترادا، بسبب استمرار الفساد الذي عشش في زوايا السلطة، إلى جانب استمرار الفشل في معالجة بؤر التوتر بدءاً من الجنوب، حيث تدور معارك مع متمردين
مسلمو الجنوب يسعون للانفصال... وشيوعيو الشمال لا يزالون متمسكين بـ«الثورة»
سادت الفيليبين، خلال حقب متتالية، حالات من فساد السلطة التي أدت إلى ظهور ثورات وانقلابات كانت تأتي في كل مرة بمن هو أكثر فساداً. وفي كانون الثاني من عام 2001، استقال الرئيس جوزف إسترادا من منصب الرئاسة، تحت ضغط التظاهرات الشعبية في أعقاب اتهام البرلمان له رسميّاً بالفساد.وحلّت مكان استرادا نائبته غلوريا أرويو، الكاثوليكية المحافظة، التي أكدت بعد توليها سدة الحكم عزمها على مكافحة الفساد وإزالة الفقر، والاستناد إلى القيم الأخلاقية والدينية في كل خطواتها السياسية، معبّرة عن ذلك بالقول «لديّ شعور بأن الله وضعني على هذا المفصل».وكان إسترادا قد انتخب رئيساً في 1998 لولاية من ست سنوات، واتُّهم بعد أقل من 3 سنوات بالفساد.يُذكر أن الرئيس الفيليبيني الأسبق، فيردناند ماركوس، الذي حكم البلاد بالحديد والنار على مدى 21 عاماً، كان قد عمد في نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات إلى تدبير سلسلة من التفجيرات، انتهت بفرض الأحكام العرفية في البلاد عام 1972. وظل ماركوس في الحكم إلى أن سقط إثر ثورة شعبية في عام 1986.ولم يكن عهد الرئيسة الحالية ارويو أفضل حالاً، فقد فاحت رائحة الفساد في عهدها، الذي حظي بدعم غير محدود من الولايات المتحدة، وذلك بحجة «محاربة الإرهاب» المتمثّل بجماعة ابو سياف الإسلامية السلفية المقرّبة من تنظيم «القاعدة».وشهدت الانتخابات الأخيرة لاختيار أعضاء مجلسي النواب والشيوخ والمجالس المحلية في مقاطعة مندناو الجنوبية، التي جرت في 14 أيار الماضي، صورة أخرى من صور الفساد، حين نقلت صحف ومحطات التلفزة أن القائمين بإحصاء الأصوات تلقّوا أوامر بملء صناديق الاقتراع بأسماء مرشحين مؤيدين للحكومة. وتمكّنت المعارضة من تحقيق فوز في مقاعد مجلس الشيوخ وعدد من مقاعد المجلس التشريعي، في وقت عمّت فيه الاضطرابات والعنف في العديد من المدن والمناطق، الأمر الذي أدى إلى سقوط اكثر من 160 قتيلاً.لكن حزب «لاكاس» الحاكم شدّد على أن التحالفات السياسية للرئيسة أرويو فازت بأكثر من ثلثي مقاعد مجلس النواب. وقال مؤيدون للتحالف الحاكم إنهم حصدوا 190 من مئتي مقعد مخصص للمقاطعات.
تفشّت أخبار الفساد، الذي نخر عهد الرئيسة المحافظة، حتى وصلت إلى خارج البلاد، إذ تعرضت خلال زيارتها الاخيرة إلى العاصمة النيوزيلاندية، ولنغتون، لنقد حاد من أعضاء البرلمان، حين وصف المتحدث باسم حزب «الخضر» كيث لوك، في بيان صحافي، الفيليبين بأنها «منطقة كوارث لحقوق الانسان»، مشيراً الى أن مئات من المدافعين عن حقوق الانسان قتلوا منذ تولي أرويو المنصب في عام 2001.وشهدت الفيليبين حالةً من عدم الاستقرار والتظاهرات المتواصلة واستقالات جماعية في الحكومة، للضغط على الرئيسة الفيليبينية كي تتنحّى بعد اتهامات وُجِّهت إليها بالتلاعب في الانتخابات الرئاسية في عام 2004، إضافة إلى الفساد المالي.وفي 25 شباط 2006، أعلنت ارويو حال الطوارئ في البلاد بعد اعتقال عدد من كبار ضباط الجيش الذين اتهموا بمحاولة انقلاب مفترضة. وبُعيد الاعلان عن حال الطوارئ، اكدت الرئيسة في خطاب متلفز أن «الحكومة سحقت هذا التحرك غير الشرعي». وقالت «بوصفي قائداً للجيوش، فأنا أسيطر على الوضع».وأدّت الرئيسة بالتعاون مع حلفائها في إقليم مينداناو المسلم (جنوب)، الذي يطالب بالاستقلال عن مانيلا، دوراً بارزاً في رسم خطة محكمة في الانتخابات التشريعية لعام 2005، كان من شأنها فوز حليفها، زالدي أمباتوان، بمنصب حاكم الإقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي، فيما كان عددٌ من زعماء «الجبهة الوطنية لتحرير مورو» الإسلامية، قد أعلنوا مقاطعة الانتخابات، متهمين رئيسة الفيليبين بدعم أمباتوان الذي خاض الانتخابات على قائمة الائتلاف الحاكم.ورأت مصادر إسلامية أن الهدف الأبرز من دعم الحكومة لأمباتوان هو إقصاء جبهة مورو، التي تحكم الإقليم منذ 1997، بعدما انقلبت الحكومة على رئيس الجبهة نور ميسوراي في عام 2000 وأودعته السجن، بتهمة التحريض على الثورة على حكمها، ثم فر لاحقاً إلى ماليزيا.وتعوم مينداناو فوق آبار من البترول غير المكتشَف والمقدَّر بنحو 2.3 تريليون برميل، علاوةً على ملايين الأمتار المكعبة من الغاز الطبيعي. وهذا ما يفتح شهية الحكومة على المماطلة في تسليم الأقاليم الباقية لمواطني المنطقة الجنوبية ذات الغالبية المسلمة (تم اعطاؤهم 5 أقاليم من 15).وفي هذا الصدد، ذكر موقع «إخوان أون لاين» «ان مسار التفاوض بين الحكومة الفيليبينية والجيب المسلم، والذي أدّت منظمة المؤتمر الإسلامي دور الوساطة فيه بين حركة مورو الوطنية والحكومة، كان يستهدف حلاًّ عادلاً داخل إطار السيادة الفيليبينية ووحدة التراب الوطني والحصول على الحكم الذاتي فقط، وتم التفاوض حول الحكم الذاتي في مدينة جدة السعودية في عام 1975، لكنه فشل، ثم بدأت جولةٌ ثانية من التفاوض في كانون الأول من العام نفسه وأطلق عليها اسم اتفاق طرابلس».ويضيف الموقع أنه «بموجب هذا الاتفاق، تم الإقرار بمنح المسلمين الحكم الذاتي في 13 منطقة، ثم أصبحت 15 منطقة، وتكونت فيها إدارات ومراكز إدارية أخرى داخل هذه المناطق، غير أن الاتفاق لم ينفَّذ، ودخلت مورو الوطنية في اتفاق ثانٍ في عام 1996، الذي أوصى بالحكم الذاتي في أربع مناطق فقط من 13، ليصل بعد ذلك إلى بقية المناطق التي تم الاتفاق بشأنها في اتفاق طرابلس».ويشير الموقع الاسلامي إلى أن «الحكومة عملت ضد هذا الاتفاق من خلال الادعاء بأن المسلمين سيعملون على طرد السكان المسيحيين من هذه المناطق حين يحكمونها. وعندما طبِّق الحكم الذاتي، حُدِّد في خمس مناطق أو يزيد بالرغم من أن اتفاق طرابلس أفقد المسلمين 42 في المئة من أراضيهم عام 1996، وعلى الرغم من ذلك، لم تنفِّذ الحكومة الفيليبينية بنود الاتفاق، وبالتالي فقد المسلمون الاستقلالَ وأراضيَهم وضُمُّوا إلى الفيليبين بعدما كانوا دولةً مستقلةً تكافح لأكثر من 500 سنة للحفاظ على أراضيها وقيمها الإسلامية».جبهة مورو الإسلاميةنشأت «جبهة مورو الإسلامية»، نتيجة انشقاق عن «حركة مورو الوطنية»، التي فقدت شعبيتها نتيجة التفاوض «غير العادل» مع الحكومة. واعترفت منظمة المؤتمر الإسلامي بالجبهة ممثلاً لمسلمي الفيليبين.وجبهة تحرير مورو تقاتل منذ سبعينيات القرن الماضي من أجل الانفصال عن الفيليبين، وتكوين دولة إسلامية تضم جزر «مينداناو» و«سولو» و«بالاوان» جنوب البلاد، التي قامت مانيلا بضمِّها إلى أراضيها.وبدأت حكومة الفيليبين مسلسل التفاوض مع «جبهة مورو الإسلامية» منذ عام 1997، إلا أن المحادثات انهارت في عام 2000، حين شنَّ الجيش الفيليبيني هجوماً واستولى على العديد من قواعد الجبهة في الغابات، بينها معسكر أبو بكر في إقليم ماغو مينداناو.أبو سيافثمّة جماعة إسلامية أخرى في الفيليبين تتخذ من العنف وسيلة لتحقيق مطالبها تدعى «جماعة أبو سياف»، وهي مجموعة من الاسلاميين المتشددين، لا يزيد عددها على 500 عنصر. وغالبا ما تستولي القوات الحكومية على مناطق زراعية خصبة لأهالي الجنوب بحجة ملاحقة هذه الجماعة التي اتصفت بخطف الرهائن وممارسة أبشع انواع القتل بحق بعضهم.
تواجه الحكومة الفيليبينية نوعاً آخر من التمرد، يتمثل بالثورة الشيوعية التي تنشط في البلاد منذ 1969، وهو ما يجعل حركتهم إحدى أقدم حركات التمرد اليسارية في آسيا.ويقود «الجيش الشعبي» التمرد الشيوعي، ولا سيما في شمال البلاد. وهم يقومون بعمليات عسكرية متواصلة ضد افراد الشرطة في اكثر من منطقة. وتقدر السلطات الفيليبينية عدد عناصر «جيش الشعب» بـ 7000 أي أقل بثلاث مرات على الأقل مما كان عليه في الثمانينيات.وفشلت محادثات سلام رعتها النروج بين المتمردين الشيوعيين والحكومة في عام 2004 بسبب رفض مانيلا إقناع الولايات المتحدة وأوروبا برفع جيش الشعب عن قائمة الإرهاب.غير أن قائد الجيش الفيليبيني الجنرال هيرموجينس ايسبيرون، دعا إلى استئناف محادثات السلام المجمدة مع المتمردين الشيوعيين، مؤكداً على ضرورة موافقتهم على وقف لإطلاق النار لمدة ثلاث سنوات خلال المفاوضات.بأي حال، لم تستطع أرويو أن تمارس ما يحلو لها في البلاد كما كانت تشاء منذ البداية، ولا سيما بعدما خسرت محاولة لتعديل الدستور لتوسيع صلاحياتها، بسبب معارضة الكنيسة الكاثوليكية، التي دعا رؤساء أساقفتها الى اجتماع لـ «التأمل والصلاة» احتجاجاً على هذه المحاولة، الأمر الذي أجبر البرلمان على التخلّي عن خطته. ويبدو أن الرئيسة، التي تخطّت الكثير من الصعاب حتى الآن بدعم أميركي واضح، لا تزال معرّضة للسقوط في اي وقت، تحت وطأة نقمة الجنوبيين المطالبين بالاستقلال وتمرد الشيوعيين المطالبين بالعدالة الاجتماعية وصولاً إلى لوائح الفساد الذي لطّخ العديد من قادة هذا البلد المضطرب.
أرويو تقبل بـ«تجربة» وطن للمسلمين
أعلنت رئيسة الفيليبين غلوريا ماكاباغال أرويو امس أن حكومتها مستعدّة لتجربة اقتراح بإقامة وطن للمسلمين في إطار الجهود الرامية إلى تخفيف التوترات في جنوب البلاد المضطرب.وقالت أرويو، في كلمة أمام رجال أعمال فيليبينيين، «إذا لم يؤثر ذلك سلباً على الوضع التفاوضي للفيليبين ويثر قلقاً بين المسيحيين، يتعين تنفيذ اقتراح بإقامة منطقة يحكمها المسلمون في أرض الأسلاف على سبيل التجربة لإظهار صدقنا في تحقيق السلام».وأضافت أرويو «لقد أعلنّا الكثير من مناطق الحكم (الخاصة) على أرض الأسلاف بين السكان الأصليين.. لا أرى أي سبب يجعل أي شخص يفزع إذا أعلنت أي منطقة خاضعة لحكم المسلمين في أرض الأسلاف».وأوضحت أرويو أنها تريد إجراء محادثات عاجلة مع جبهة تحرير مورو برعاية ماليزيا التي تتوسط في المفاوضات في وقت تستعد فيه القوات الحكومية لشنّ هجمات على المتشددين الاسلاميين في جنوب الفيليبين.وكان قد جرى ضم 600 قرية إلى منطقة الحكم الذاتي للمسلمين في مينداناو، إلا أن جبهة تحرير مورو تريد ضم أكثر من ألف قرية. وكان الجانبان قد أوقفا في أيلول الماضي محادثات السلام بعد فشلهما في الاتفاق على تسمية المناطق التي يجب أن يشملها الوطن المقترح للمسلمين.(د ب أ)
جمهورية الفيليبين
هي جزيرة تقع في جنوب شرق اّسيا (تاريخياً كانت جزءاً من مايكرونيزيا خلال الغزو الأميركي قبل الاستقلال العام 1946). عاصمتها مانيلا.-يتكوّن أرخبيل الفيليبين من 7,107 جزر تقع في غربي المحيط الهادي شرق فيتنام.
"الاخبار" ١٤ آب 2007

3‏/8‏/2007

الشيوعيون السوريون في مهبّ التاريخ (وفي ظل السلطة)



معمر عطوي
هل البعد «الرومانسي» هو كل ما بقي من الشيوعية في دمشق؟ ماذا بقي اليوم من هذه الحركة التقدمية التي حملت الوعي الثوري عربياً، وصولاً الى السعوديّة؟ في كتابه «اليسار السوري في واقعه الراهن» (دار عشتروت)، يقدم الباحث سلامة كيلة مساهمة جادة في الإجابة عن هذا السؤال
يكتسب الحديث عن حركة يسارية سورية أهمية مزدوجة، في ظل حكم الحزب الواحد الذي ذابت فيه الايديولوجيات، تماهياً أو استسلاماً، عبر عقود. يكمن البعد الأول في ما يمكن تسميته عراقة اليسار السوري متمثّلاً بالحزب الشيوعي الذي لم يكن محصوراً بسوريا فحسب، بل امتد الى ما يعرف بسوريا الطبيعية. إذ كان على المستوى اللبناني السوري حزباً واحداً، قبل أن تبرز عوامل تنظيمية داخلية وسياسية في كلا البلدين، قسّمت الحزب الى حزبين. أمّا على المستوى الأردني والسعودي، فكان لليسار السوري الفضل في نشر مبادئه وأفكاره في مثل هذه البلدان التي لم تكن أنظمتها منفتحة على دول المنظومة الاشتراكية، مثل دمشق. أما البعد الثاني، فيتمثل في مدى استفادة النظام السوري البعثي من هذه الحركة النقابية العمالية. إذ كان يحتاج الى شعاراتها، مع بداية انغراسه في الحقل السياسي المتعطش إلى التغيير في وجه الاقطاعيات. هذه النقاط يتناولها «اليسار السوري في واقعه الراهن» للكاتب سلامة كيلة الذي صدر عن «دار عشتروت» في بيروت (تُصدر أيضاً مجلة «عشتروت» الفكرية الثقافية).يمثّل الكتاب تجربةً غنية تحفل بالمعلومات والأحداث والمفاصل الأساسية التي مرّ بها اليسار ممثلاً بالحزب الشيوعي السوري. وهو يؤلّف مادة أرشيفية تحتاج اليها المكتبة العربية، خصوصاً أنّه لم يصلها الكثير عن المشهد السياسي السوري الغارق في أحادية الحزب الواحد، فيما تسعى الأحزاب الأخرى الى التماهي في «جبهته التقدمية» الى درجة الذوبان أو معارضة النظام وتالياً اختيار السجن أو المنفى في ظلّ محاولات فاشلة للالتفاف على السلطة.يقصد سلامة كيلة باليسار السوري، اليسار الماركسي الشيوعي الذي مرّ بمراحل كثيرة ومتنوعة، حاولت خلالها الإنتلجنسيا «المتنوّرة»، المشبعة بأفكار الماركسية اللينينية السوفياتية، تحقيق الاستقلال والتطوّر والوحدة القومية. كان ذلك قبل 1937، العام المفارقة في حركة الشيوعيين السوريين الذين ظلُّوا حتى أواسط الستينيات يدعمون التطور الرأسمالي «عبر الالتحاق بالبورجوازية تحت شعار تحقيق الديموقراطية في إطار سيادة الملكية الخاصة».أمّا المرحلة الثالثة فشهدت التحاق الحركة الشيوعية بالنظام الذي كان يُمثّل الفئات الوسطى والريفية، ويطمح الى تدمير البنى (الإقطاعية) القديمة، ويدعو الى تدخّل الدولة في البناء الاقتصادي، ويسعى إلى تحقيق الإصلاح الزراعي وإقرار حقوق العمّال تحت شعار الاشتراكية. ويرى الكاتب أنّ هذه المرحلة «كانت تحقّق التطور الرأسمالي وإن في شكل جديد، لأنها تنطلق من تقديس الملكية الخاصة».يدخل كيلة في مناقشة مستفيضة لا بالتحوّلات التي عصفت بتيارات اليسار من الناحية السياسية وتطورات المشهد السياسي السوري والعربي فحسب، بل بالتطور الايديولوجي العقائدي لهذه التيارات والمخاضات العسيرة التي مرّت بها، فيما كانت تسعى الى التوفيق بين شعاراتها ذات البعد السوفياتي وواقعها القطري والقومي والتحديات المصيرية التي مثّلت قضية فلسطين أبرز تجلياتها.ولا يمكن هنا استبعاد الجانب الأمني الذي اتسمت به الأنظمة التوتاليتارية. فهذا الجانب الذي كان النظام السوري أحد أبرز الانظمة العربية المحترفة في استخدامه على الساحة السياسية، أسهم الى حدّ كبير من خلال لغة الترهيب، في زرع الشقاق داخل التيار اليساري. هكذا تحوّل إلى مجموعة تيارات متنافسة، منها مَن تنافس لكسب ود النظام البعثي وفق «اجتهاد» خاص، يسوّغ لمفهوم الاستمرارية والبقاء، ومنها مَن تنافس مع الآخر على خلفية الرضوخ أو عدم الرضوخ لإملاءات السلطة.نتيجة هذا التنافس الذي أوجد تيارات عدّة تتبنى الطروحات اليسارية، برز الشقاق واضحاً بين مَن رضي أن يكون مطيّة في يد النظام لمحاربة «المد الأصولي»، خصوصاً في الثمانينيات حين شهدت مدن سورية مثل دمشق وحماة احداث عنف غير مسبوقة بين السلطة والإخوان المسلمين. فيما كان احتضان النظام لشريحة أخرى من اليسار، نتيجة للتقارب بين دمشق وموسكو خلال حقبة الاتحاد السوفياتي السابق.ربما كانت سنة 1969 بداية الانشقاق داخل الحزب الذي اكتمل عام 1972. هنا يرى الكاتب أنّه مع هذا الانشقاق «كانت تتزامن لحظتان، الأولى تلك التي عبّرت عن السعي إلى إعادة الحزب الى ما كان قد تبلور عليه في ثلاثينيات القرن العشرين... واللحظة الثانية هي تلك التي تبلورت في رؤية تنطلق من ضرورة الديموقراطية في إطار اقتصادي رأسمالي، وضرورة التحالف في سبيل نظام ديموقراطي، وكانت تتردد أكثر في مواجهة انتصار الوحدة المصرية السورية وسلطة عبد الناصر، ثم سلطة البعث في مراحلها الأولى، حيث كان الحزب مع النظام الديموقراطي على أساس الملكيّة الخاصّة».وفي المرحلة الاخيرة أي الخمس سنوات الأخيرة التي مرّ بها اليسار السوري، ضاع بين برنامجين، الأول يميني يدافع عن السلطة والآخر يميني أيضاً يدعو الى الليبرالية.وهنا لا نستطيع بالطبع فصل المسار السوري عن التطورات في الساحة الدولية، ولا سيما بعد تفتّت الاتحاد السوفياتي، وما تركه هذا التفتت من انعكاسات أدّت الى شرذمة اليسار عالمياً، وتحول جزء منه الى الليبرالية. فيما اختار الجزء الآخر الدفاع عن البيئة أو مناهضة العولمة مثل أحزاب الخضر في أوروبا.يمكن أن يمثّل «اليسار السوري في واقعه الراهن» ـــــ إلى جانب كتاب «الانقياد» للكاتب يعقوب قريو الذي يتحدث فيه عن القيادي الشيوعي السوري خالد بكداش ـــــ مادةً «دسمة» تؤرخ للحزب الشيوعي السوري الذي أصبح ظلاًّ من ظلال السلطة، لا يملك سوى الدور «الرومانسي» الذي يجسّده شبان حالمون بالتغيير، لكن في الوقت نفسه راضخون للسلطة. هذه السلطة التي تتخذ من بعض شعارات اليسار «الرنانة» عناصر وهمية تضفي على «السينوغرافيا» السياسية الأحادية النظرة، أضواء باهتة للإيهام بأنّ ثمة تعددية في إطار الوحدة.
"الاخبار"٣ آب 2007

15‏/7‏/2007

أسراب الغربان المهاجرة الى مدينة تلتحف السواد


معمر عطوي


تكثر الغربان في مدينة جدة مثل اليمام، تشعر أنها أصبحت جزءاً من مشهد سوداوي عام يتمرأى في الأسواق التجارية التي تزدحم بالنساء، كأنها الليل الذي يستر تلك النظرات التي تصطاد الشباب بشبقيتها. إيحاءات تفضح ذلك النظام المُكبل بالكبت والستر. لا يفهمها إلا أولئك الذين ألفوا المواعيد الغرامية في سيارات (تماهت مع النساء بلون زجاجها الغامق الدخاني). أما البعض الآخر منهم، لا يجازف بالتعرض للجلد تحت عنوان "حد الزنا"، فيجنح لخيار"السلم الأخلاقي".
ورغم شدة القوانين والتضييق، يجد البعض الفرصة ليمارس ما يحلو له لعله تخطى عقدة الخوف، فاسترسل في طقوس اللذة على طريقته، غير آبه بحقل الألغام الذي يسير فيه.
يقول لي زميلي المصري: "يا عمي ادّيها في المليان ما تخفش، غمزة واحدة وبتديك نمرة تلفونها أو تطلب نمرتك". لن يغريك المظهر الخارجي عندما تعرف كيف اختط بعض الناس طقوسهم الخاصة في ممارسة اللذة.
"هناك أماكن تشعرك أنك في دولة منفتحة"، كما همس في أذني أحد السعوديين، مضيفا "يبغالك فلوس وسيارة، عندها تفعل ما تريد". وعندما تسأله عن سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (او "المطاوعة" كما يطلقون على أفراد الشرطة الدينية)، يجيب :"اسكت يا خوي، حكي فاضي، هناك أمكنة ُيمنع "المطاوعة" من دخولها، لأن مالكيها من الأمراء ومشايخ النفط".
العامل الأجنبي معرض دائماً للمحاسبة، فالتعامل هنا على أساس جدلية العلاقة بين السيد والعبد. هو أول من يقاد الى ساحة "السيّاف" الذي ينفذ "حكم الله" على طريقة الذبح في العراق. فالذبح ليس عادة إرهابية، بل هو وسيلة تطبيق العقوبة على طريقة علماء الوهابية الذين يتفننون اليوم في نقد الإرهاب والقتل ودعوة الإسلام للتسامح، بعدما زرعوا تلك الجرثومة الخبيثة في رؤوس الآلاف من المؤمنين بدين واحد هو المذهب السلفي.
قهوة محرمة
جافة هي الحياة كما هي الأرض اليباب، حياة خارج الحياة، لا تتجاوز سوى الطعام والنوم وساعات العمل الشاقة، أما وقت الفراغ فهو إما للقراءة أو لمشاهدة التلفزيون. الحياة الاجتماعية شبه معدومة. التسلية شبه غائبة إلا في بعض الأمكنة التي لم يكن يتاح لنا ارتيادها بكثرة بسبب غلاء الأسعار او البعد الجغرافي.
العلاقة مع الجنس الآخر شبه محرّمة حتى لو اقتصرت على فنجان قهوة في أحد المقاهي. حدث هذا مع زميل لي كان قد واعد امرأة في مطعم، وأثناء جلوسهما، دخل "المطاوعة" وسألوه عن هوية المرأة، فبادر بسرعة للقول "إنها زوجتي"، ومن حسن حظه أنه ينتمي الى "عشيرة" المتزوجين والا لكان مصيره السجن والتعزير. والمفارقة أن "الشرطة الدينية" لا تستطيع التدقيق في هوية المرأة التي غالباً ما تختفي وراء خمارها.
بدوية تقود السيارة
يحدثني السائق الباكستاني بسخرية عن عدم السماح للمرأة بقيادة السيارة فيقول: "تستطيع المرأة أن ترافق سائقها "الأجنبي" الى أي مكان، لكنها لا تستطيع القيادة بحجة عدم الوقوع في الفتنة". والمفارقة الأكثر لفتاً للانتباه هي أن هناك نساءً في المجتمعات البدوية والتي تعيش على الرعي في الجنوب- يقدن السيارة بعيداً عن أعين السلطات. قرأت تحقيقاً أعده أحد الزملاء عن نساء يقدن سيارة "بيك آب" لجلب الطعام للأغنام او إحضار المياه، وقد تسلحن برشاشات اوتوماتيكية للدفاع عن أنفسهن. بمعنى ما، المرأة في المجتمع البدوي هي السباقة لاستخدام وسائل التطور.
لا تستطيع المرأة العمل في المحلات التجارية حتى لو كانت مخصصة للألبسة النسائية الداخلية، لكن البائع يستطيع أن يسترسل في شرح مميزات السراويل الداخلية وحمالات النهود لزبوناته، مع مزيد من الإيحاءات التي تنتهي أحياناً بلقاء حميمي في غرفة تبديل الملابس.
نساء للبيع.. شرعاً
ثمة ظواهر أخرى يمكن اكتشافها من أخبار المناطق البعيدة عن المدن، حيث تباع المرأة كالنعجة الى زوجها الذي لا يستطيع أن يأخذها الى منزله قبل دفع كل الأقساط المتوجبة عليه، مع إمكان معاشرتها في منزل ذويها. وهناك حالات حصلت فيها ولادات، ورغم ذلك لم يسمح الأب لصهره بأخذ زوجته قبل دفع المهر كاملاً.
يستطيع الزائر لمدينة جدة التقاط الكثير من المفارقات، ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الدور الجيوسياحي للمدينة الواقعة على البحر الأحمر. ثمة أشكال فنية تنتشر عند دوارات الطرق والساحات العامة تشير الى إرادة القيمين عليها إبراز الوجه الحضاري لمدينة هي محط رحال الحجيج القادمين من جميع أقطار العالم. هم ينزلون في مدينة الحجاج المعدة لهم بالقرب من مطار الملك عبد العزيز، في قلب الصحراء، ثم يتوجهون براً الى مكة عبر مدينة جدة، التي أعد سكانها من مواطنين ومقيمين مراكزاً تجارية خاصة بالبضائع التي يصطحبها الحجاج والمعتمرون كهدايا الى ذويهم وأصدقائهم في أوطانهم. من هنا تدخل المدينة الى مشهد "معولم" من بابه الواسع.
تلتقي أشخاصا يتحدثون مختلف اللغات، ويتمتعون بثقافات متعددة، اكانوا من زوارها ام من المقيمين. تنوع في المشارب والأهواء والأعراق واللغات، وكذلك البضائع والمأكولات. ليس من الصعب على الزائر ارتياد مطعم لبناني او اندونيسي او فلبيني. وهناك خيارات كثيرة للتسوق، وبسطات غير قانونية على قارعة الطريق يديرها الحجاج والمعتمرون الذين يأتون ببضائع بلدانهم، لا سيما الأفارقة الذين يروجون لأدوية من الأعشاب المنشطة جنسياً وأشياء أخرى، او أبناء الجمهوريات السوفياتية السابقة الذين يأتون بما خف حمله ورخص ثمنه.
ثمة ُبعد آخر للحج غير التعبد، هو هذا اللقاء المتعدد الثقافة، إضافة الى البعد التجاري. هناك من يستغل تأشيرة الحج او العمرة للبقاء والعمل بشكل غير مشروع، وتطلق الحكومة على هؤلاء اسم "المتخلفون".
جوهرة البحر الأحمر
يسحرك البحر الأحمر بمنظره الفاتن الذي يعطي جفاف الصحراء بعض ملامحه الجمالية. هو غني بأسماكه بما فيها القرش، وغني بالمنتجعات التي تغطي بعضاً من واجهته في منطقة "أبحر" الشمالية. لكن متعة السير مساءً على ذلك الشاطىء الذي يحتاج الكثير من الترتيب والتحديث، سرعان ما تصطدم بمشهد العائلات التي افترشت الأرض بكثافة الى جانب سياراتها المتوقفة عبثاً. مشهد لا ينقصه سوى أسراب الغربان التي تخطف ما تبقى من مأكولات الرواد. تكثر هذه "الافتراشات" يومي الخميس والجمعة، أي في العطلة الأسبوعية، وتمتد الجلسات التي لا توفر مكاناً، بما فيها قلب الصحراء، حتى الفجر أحياناً كثيرة. عادة ينصب المتنزهون خيماً، ويحضرون الطعام الذي غالباً ما يكون جاهزاً مثل "مناسف اللحم" و"الكبسة"، أو قد يرغب البعض بالشواء. إضافة الى ما سبق، توجد النرجيلة والجراك الذي هو عبارة عن نرجيلة ذات حجم كبير قد يصل طولها الى 150 سنتم، وذات تنباك ثقيل جداً.
ثقافة مجاملات
لا مجال للحديث عن حركة ثقافية نشطة سوى تلك التي تدخل في باب المجاملات، مثل مناقشة ديوان شعري لأحد الأمراء أو المشايخ أو المتنفذين. هناك لقاءات تسمى "الديوانية" تحاول ممارسة نشاط ثقافي، وغالباً ما تكون أدبية أو ذات بُعد ديني. يدلي خلالها كل من المشاركين بدلوه وتنتهي بمأدبة من الطعام الدسم.
مدينة بلا مسرح (سوى محاولات طلابية خجولة، غير مختلطة، يسيطر عليها الخوف الدائم من الوقوع في اطروحات "تابوية ")، مدينة بلا سينما، او قاعة عزف، برغم توافر أسباب الغنى والثراء فيها. طبعاً، هناك حركة نشطة على صعيد الفنون التشكيلية لا يمكن تجاهلها، كما ان الاهتمام بالتراث والمقتنيات الأثرية والجمالية وفن العمارة القديمة، يشهد تطوراً يمكن من خلاله استشراف مشهد فني مرموق فيما لو استمر العمل على تعزيز المتاحف والمعارض الفنية بهذه الوتيرة.
شعر نبطي
لعل الشعر النبطي "العامي" هو أحد أهم أشكال الحركة الثقافية. في هذا السياق، تكثر المسابقات والندوات الشعرية التي يغلب عليها طابع المديح، وتتعدد الإصدارات الشعرية التي يحاول الشباب من الجنسين احتلال الجزء الأكبر من مساحتها. يمكن القول أن ثمة محاولات ناجحة على صعيد كتابة الشعر الحديث وفن القصة التي تتغذى من قضايا الواقع.
ثمة لقاءات ثقافية يقوم بتمويلها بعض الأثرياء الذين يبتغون الشهرة الشخصية، لذلك تشهد هذه الجلسات بذخاً في غير محله، وتبقى أسيرة لمناقشات لا تخرج عن محدودية الفكرة التي يروج لها صاحب الدعوة، إضافة الى "الحتميات التاريخية" لسلطة الرقابة على أشكالها. في السياسة، لا مجال للخروج عن دائرة استعراض "منجزات" العهد. أما الفلسفة، فتبقى خارج البحث، اذ هي "نوع من الزندقة"، فـ "من تمنطق تزندق" حسب التراث السلفي. لذلك، لا وجود لقسم فلسفة في أي من جامعات المملكة برغم وجود مثقفين كثر يحاولون التغيير والدخول في التنوير، لكن نهايتهم إما السجون واما المنفى. ومن يبقى، عليه التعبير بالألغاز واستخدام الحيل اللغوية لإيصال فكرته.
المرأة أيضاً حاضرة بقوة في مجال الثقافة، وان كانت مشاركاتها في المؤتمرات والندوات من خلف الحجاب، او الدوائر المغلقة التي تفسح لها المجال للمشاركة صوتياً، ومتابعة الرجال من خلال شاشة التلفزيون على غرار قاعات الجامعات (حيث يلقي الأستاذ محاضرته على مجموعة من الفتيات المختبئات خلف ستار "القاعات المغلقة" لمنع الاختلاط). وأزعم هنا أن النساء في السعودية أقدر من الرجال في مسائل الأدب والثقافة، بل تدل بعض مساهماتهن في الصحف عن وعي جدي للواقع، وجهود كبيرة للنجاح في معركة تحدي مقولات ذكورية حول "دونية النساء"، ومحاولات دؤوبة للتغيير.
لعل الجانب الآخر من المفارقات هو هذا التعامل "الاجحافي" بحق الشباب. فالشاب العازب دائماً في موقع الاتهام، ومن تداعيات هذه النظرة الى العازبين عدم السماح لهم بالسكن في المباني العائلية على غرار الفصل العنصري رغم أن المجال متاح أكثر أمام المتزوجين للقيام بالمغامرات العاطفية خارج مؤسسة الزواج.
إن النشاطات التي تشهدها المدينة بهدف التنشيط التجاري والسياحي، أو كما يقول القيمون "التوعوية والترفيهية"، تستثني الشباب في حيز كبير منها، بل تضيق هامش حركتهم لدرجة أنهم يشعرون بان وجودهم استثناء في هذا المجتمع القائم على تقديس العائلة. لذلك تحظى بحصة اكبر النشاطات التي تقام على هامش المناسبات العامة مثل مهرجان "جدة غير" مثلاً.
اما البطالة، فتتصاعد في المجتمع السعودي، وقد حملت السلطات على السير في سياسة "السعودة"، وهي خطوات تأهيلية للمتخرجين يتم بعدها توظيفهم محل موظفين أجانب.

تحولات 15 تموز 2007

23‏/6‏/2007

براتيبها باتيل صاحبة البركات الهندوسية


معمر عطوي
لم تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية الهندية، أول من أمس، بعيدة عن تأثيرات العامل الديني في بلد مشحون بالنزاعات الطائفية (هندوس وسيخ ومسلمون) رغم دستوره العلماني، ذلك أن كرسي الرئاسة انتقلت من العالم النووي المسلم أبو بكر زين العابدين عبد الكلام إلى حاكمة ولاية راجاستان الشمالية، براتيبها باتيل (72 عاماً)، التي سبق لها أن تحدّت مشاعر المسلمين عبر انتقادها للحجاب، وادعّت لنفسها «بركات» اكتسبتها نتيجة مخاطبتها لروح أحد مؤسسي المذاهب الهندوسية.ورغم معارضة قادة الجالية الإسلامية، التي تشكل 14 في المئة من عدد سكان الهند (1.1 مليار نسمة)، لترشيح باتيل لكونها «تتعمد إهانة الإسلام»، استطاعت مرشحة التحالف التقدمي المتحد الحاكم أن تصبح المرأة الأولى التي تتسلم سدة الرئاسة، بعد فوزها على منافسها مرشح التحالف الديموقراطي الوطني المعارض، نائب الرئيس بهايرون سينغ شيخوات (84 عاماً)، بحصولها على 66 في المئة من أصوات الهيئة الناخبة المؤلفة من نواب في البرلمان الوطني والبرلمانات المحلية.لكن إشكالية الرئيسة الهندية الجديدة، التي ترتدي اللباس الهندوسي المحتشم الذي لا يتميز كثيراً عن حجاب المسلمات، هي أنها قد فتحت في وقت سابق أبواب الجدل الحاد، عندما وجهت انتقادات حادة للنقاب الإسلامي وقالت إنه زي «همجي بدائي متخلف».ويبدو أن التحالف الحاكم بقيادة رئيسة حزب المؤتمر، صونيا غاندي، قد عزّز من خلال دعمه لباتيل هذا الجدل، الذي قد يحيي العنف الطائفي في البلاد، ولا سيما بعدما وصف التحالف تصريحات الرئيسة حول النقاب بأنها “تعبّر عن رأيها الذي تراه ينطبق على نساء الهند كافة بصفة عامة”، في حين رأت غاندي أن وصول امرأة إلى سدة الرئاسة سيساهم في مكافحة التمييز الذي تعاني منه النساء في الهند.ولعل باتيل استطاعت أن تتفوق على رئيسة الوزراء السابقة أنديرا غاندي، حتى لو كان منصب الرئاسة في الهند فخرياً، ذلك أن فوزها أتى بعد تعرضها لانتقادات لاذعة خلال الحملة الانتخابية بسبب اتهامها بالمحسوبية وسوء الإدارة المالية والتستر على شقيقها الذي اشتبه بتورطه في عملية قتل، وعلى زوجها الذي اشتبه بتورطه في فضيحة وعملية انتحار.وظهر واضحاً أن أبرز أسباب هذا الفوز هو الدعم السياسي الكبير الذي قدمته أحزاب التحالف التقدمي المتحد بقيادة حزب المؤتمر العريق، الذي أسسه المهاتما غاندي، إضافة إلى جبهة اليسار والأحزاب العلمانية الأخرى.وكانت باتيل، التي تؤدي القسَم بعد غد الاربعاء، قد تنقّلت بين العديد من المناصب الوزارية الهامة في ولاية ماهاراشترا، مسقط رأسها، كما انتخبت عضواً في البرلمان ونائب رئيس مجلس الشيوخ.لكن المفارقة الأهم في فوز باتيل، التي تحتل أيضاً منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، هي ادعاؤها في وقت سابق أنها أجرت اتصالاً مع روح الكاهن بابا ليخراج، مؤسس مذهب «هيندو براهما كوماريس»، أحد المذاهب الحديثة للديانة الهندوسية، الذي توفي في عام 1969، بعدما دخلت «روح ليخراج جسد إحدى مريداته». ووصفت باتيل الأمر بأنه مؤشر سماوي يفيد بأن مسؤولية أكبر ستسند إليها، ما جعل أنصارها يصدقون «بركات» بابا ليخراج، التي جعلتها مرشحة للرئاسة وتحقق فوزاً «إلهياً» بامتياز.
"الاخبار"٢٣ تموز2007

9‏/6‏/2007

هـــل بـــدأ العـــدّ العكـــسي لسقـــوط مشـــرف؟


معمر عطوي
ليس حادثاً عرضياً ما يحصل من اضطرابات هذه الأيام في باكستان، حيث يكمن المعقل الأساسي لطلبة العلوم الدينية، الذين شكّلوا نواة «الإمارة الإسلامية» في أفغانستان، تحت إمرة الملا عمر، وبدعم من الاستخبارات الباكستانية.يمكن القول، إن أزمة المسجد الأحمر في إسلام آباد، ليست وليدة حادثة عابرة، بقدر ما يمكن أن تندرج في سياق تنفيس احتقان للشارع الباكستاني، الذي لا يزال يعيش مناخات الاضطرابات التي حصلت على خلفية إقالة الرئيس برويز مشرف لرئيس القضاة افتخار محمد شودري، من منصبه تحت حجة «سوء التصرف». يشار إلى أن شودري، الذي عُرف بقراراته الصارمة ضد بعض تصرفات الحكومة، هو من المحسوبين على التيار الإسلامي العريض في البلاد، حيث تنتشر كبرى الجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، «الجماعة الإسلامية»، التي يتزعمها قاضي حسين احمد، والتي ضاعفت من انتقاداتها لسلطة مشرف منذ غزو أفغانستان عام 2001، لدرجة اتهامه بالعمالة للاستخبارات الأميركية.كما تأتي القضية الكشميرية، وما شهدته في السنوات الأخيرة من تراجع، بعد وقف الحكومة دعمها للأعمال المسلحة ضد الهنود، لتمثّل أحد الأسباب التي زادت من نقمة الشارع الباكستاني، على سياسة الحكومة، رغم أن مشرف كان قائداً للجيش إبّان القتال العنيف بين الهند وباكستان عام 1999 في مرتفعات كارغيل، التي انتهت بانسحاب المقاتلين الكشميريين منها بضغط من رئيس الوزراء السابق نواز شريف.وأكّدت قضية هذا الإقليم المتنازع عليه بين الهند وباكستان، هذا الشرخ الكبير الذي حصل بين السلطة والشرائح الاجتماعية التي يمثّل الإسلاميون غالبيتها، ولا سيما أن كشمير أصبحت في وعي العديد من الحركات الإسلامية قضية كبرى مثل قضية فلسطين وقضية الشيشان.هذا ما دفع زعماء الجماعات الإسلامية «الجهادية» الى اتهام مشرف بمحاولة استرضاء الأميركيين، على أساس أن الإدارة الأميركية تمارس ضغوطها على باكستان لتعترف بهيمنة الهند على المنطقة.ويبدو واضحاً فشل مشرف في محاولة استرضاء الجماعات الإسلامية، على غرار ما فعل سلفه شريف، الذي استطاع توظيف هذه الجماعات الى حد كبير لخدمة أهدافه السياسية.ولعل سبب هذا الفشل يعود إلى أمرين: الأول، هو تعاون مشرف مع الغرب في القضاء على حركة طالبان في أفغانستان، وخصوصاً أن هذه الحركة ترتبط برابط إثني مع امتداداتها البشتونية في منطقة القبائل على الحدود الباكستانية الأفغانية، ولا سيما إقليم وزيرستان، وبرابط عقائدي مع باقي التيارات الإسلامية، التي وجدت في معاهد ومدارس القرآن في باكستان مجالاً حيوياً لتحركها الدعوي والتنظيمي، وفي الساحتين الكشميرية والأفغانية مجالاً حيوياً لإعداد عناصرها عسكرياً وجهادياً.أمّا الثاني، فهو مصادرة قضية كشمير، التي تمثّل أحد مناطق الرباط والجهاد ضد «الكفار» في نظر الإسلاميين.هذا ما جعل مشرف يخسر شارعه ويكتفي بدعم الاستخبارات الأميركية والمحلية الموالية له، ما يفسر تعرضه منذ سيطرته على السلطة في انقلاب قاده ضد شريف، في خريف عام 1999، لمحاولات اغتيال عديدة كانت آخرها منذ يومين، وذلك في تأكيد واضح لما ذكرته مصادر إسلامية باكستانية منذ أشهُر عن إمكان حدوث عملية تغيير قد تطيح النظام العسكري.المصادر الإسلامية المعارضة كانت دائماً تراهن على أن «اليوم الذي سيقابل فيه مشرف مصيره المهزوم ليس بعيداً»، وأن كل الزعماء الذين سبقوه لاقوا المصير نفسه من ذو الفقار علي بوتو الى ايوب خان الى بنازير بوتو وصولاً حتى نواز شريف. فهل بدأ العد العكسي لسقوط الجنرال الذي تمادى كثيراً في محاباة الأميركيين من دون أن يكترث للشارع الذي يزداد احتقاناً يوماً بعد آخر؟
الأخبارالاثنين ٩ تموز 2007

27‏/4‏/2007

إسلاميّو تركيا نحو آخر قلاع العلمانية

معمر عطوي
أعادت انتخابات الرئاسة في تركيا إحياء الجدل القديم بين الإسلاميين والعلمانيين، في ظل نظام يعتبر فيه الجيش سلطة قوية حامية للدستور الذي اختطه مصطفى كمال أتاتورك على رأس مجموعة ضباط غيّروا وجه تركيا الإسلامي وحولوها إلى النمط الغربي في عام 1923، وأنهوا حقبة دامت أكثر من أربعة قرون من حكم «الخلافة العثمانية»
أنقرة تشهد اليوم الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية... والمعارضة تقاطع
حوّلت السيطرة الأتاتوركية على تركيا في عام 1923 البلاد من سلطة دينية مستبدة إلى نظام علماني بالغ في تطرفه تجاه مظاهر التديّن، فحظر وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة لعقود خلت. غير ان تغلغل الإسلاميين داخل المجتمع والمؤسسات السياسية مكّنتهم من الوصول إلى رئاسة البرلمان والحكومة، فيما بقيت الرئاسة الأولى بيد العلمانيين، باعتبارها القلعة الأخيرة لهم.يبدو أن هذه القلعة في طريقها إلى السقوط في يد الإسلاميين، إذ تشهد معركة الرئاسة، التي تُجرى مرحلتها الأولى اليوم الجمعة والثانية في أواسط أيار المقبل، وللمرة الأولى، ترشيح شخصية إسلامية إصلاحية، أثارت نقاشاً واسعاً في إمكانية تهديدها أسس النظام العلماني.هذه الشخصية المتمثلة بمرشح حزب العدالة والتنمية الإسلامي وزير الخارجية الحالي عبد الله غول الذي سيصبح قائداً للجيش أيضاً في حال انتخابه رئيساً، من شأنها قيادة البلاد نحو تجربة تعتبر سابقة، وخصوصاً أن الرئيس المرتقب الذي كان تعرّض للسجن العسكري أثناء انقلاب عام 1980، سيتمكّن بمساندة البرلمان من تعديل الدستور، إضافة إلى تعيين كبار القضاة وعمداء الجامعات.منعطفات خطيرةلقد أراد مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، أن تكون الدولة التركية الجديدة ذات هيكلية وهوية علمانيتين، وبالغ في تطبيق ذلك من خلال منع المظاهر الدينية، ليس فقط في الدوائر الرسمية والسياسية، بل أيضاً في بعض قطاعات المجتمع. لذلك بقيت «تركيا الحديثة» ولعقود ثلاثة منذ تأسيسها، خاضعة لحكم الحزب الواحد وتحت حماية المؤسسة العسكرية، التي تضمّ كبار الضباط الأوفياء لأتاتورك.ولكن في عام 1945، فُتح الباب أمام التعددية الحزبية، مع بقاء حظر الأحزاب الدينية طبعاً، وهذا ما مكّن أحزاباً (تحمل شعار الديموقراطية في الظاهر والإسلامية في الباطن)، من التغلغل في المشهد السياسي وفق خطوات طويلة وشاقة، شملت الكثير من قطاعات المجتمع، أبرزها المؤسسات التربوية والبلديات والجمعيات الخيرية، والى حد ضئيل المؤسسة العسكرية نفسها.وثمة منعطفات خطيرة شهدتها تركيا منذ الخمسينيات، بسبب القيود التي فرضها الدستور العلماني. فقد تمكّن الإسلامي عدنان مندريس من الفوز في ثلاث دورات انتخابية نيابية متتالية، سمحت بإعادة بعض المظاهر الإسلامية الى البلاد، لكن مندريس أُعدم في 1960 عندما قام الجيش بأول انقلاب عسكري ضد محاولات الالتفاف على النظام العلماني.
وكان آخر هذه الانعطافات حظر حزب «الرفاه» الإسلامي بقيادة رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان، في مطلع 1998، بعد إطاحته من السلطة في حزيران 1997 بضغط من الأوساط العلمانية التركية المدنية والعسكرية.ودفعت هذه الأحداث عبد الله غول إلى ترك حزب «الرفاه» على غرار العديد من أعضاء البرلمان المنتمين لهذا الحزب، والانضمام الى حزب الفضيلة آنذاك. لكن حزب الفضيلة تعرض بدوره للحل أيضاً بحكم قضائي بسبب «أنشطة مناهضة للعلمانية» في عام 2001. وحلّ محله حزب العدالة والتنمية، الذي حصل على الغالبية البرلمانية في عام 2002، وأوصل غول في مرحلة أولى إلى رئاسة الحكومة التي انتقلت بعد ذلك إلى رئيس الحزب رجب طيب أردوغان.أتاتورك والحجاباللافت أن الحزب الحاكم الذي برع في تقديم صورته غير الإسلامية على رغم الهوية الملاصقة لأعضائه ومسؤوليه، نجح في ممارسة سياسة براغماتية حافظت على إرث أتاتورك من دون أن تحدث قطيعة مع الموروث الديني المنغرس في المنظومة الاجتماعية منذ قرون.لكن المؤسسة العسكرية المتطرفة في حماية الدستور والهوية العلمانية للبلاد لا تزال حريصة على عدم وصول شخصية من حزب ذي جذور دينية الى الرئاسة، في جمهورية تمنع النساء المحجبات من ارتياد المؤسسات الرسمية والجامعات.وخير شاهد على أزمة الحجاب الجدل الذي رافق ترشيح غول للرئاسة، والذي جاء في إطار تحدي نواب حزب العدالة والتنمية للمؤسسة العسكرية والنظام العلماني لإدخال امرأة محجّبة (زوجة غول) إلى القصر الرئاسي كسيدة أولى للبلاد.ولا يزال أقطاب حزب العدالة والتنمية، الأقوى اليوم على الساحة التركية، ينفون تخطيطهم لتنفيذ برنامج إسلامي، وهذا ما تجلى أخيراً من خلال تعهّد أردوغان وغول العمل بموجب المبادئ العلمانية الرئيسية في البلاد، التي أرساها «مؤسس تركيا الحديثة»، ولا سيما ان الحكومة وفق الدستور التركي تسيطر على معظم السلطات.في المقابل، لا يزال العسكر وبعض الأحزاب العلمانية المعارضة يتعاطون بحذر مع هذه الموجة التي اكتسحت المشهد السياسي متسلّحة بإنجازات تمكّنت من تحقيقها خلال مراحل سيطرتها على بعض البلديات، وفي ما بعد من خلال السلطة التنفيذية التي يتربّع الإسلاميون «الإصلاحيون الديموقراطيون» على عرشها منذ سنوات قليلة.ولعل هذا الحذر نابع من الخوف على هوية تركيا التي تسير نحو منظومة عقائدية لا تزال راسخة في العقل الجماعي لمجتمع متديّن يتماهى مع التحولات الحاصلة في العالم والمتجسّدة بصعود الحركات الدينية وسط موجة تطرف واسعة، وخصوصاً أن هذه الموجة العنيفة جاءت رد فعل على سياسات الدول العظمى تجاه قضايا تعتبر الإساءة إليها مساساً بمقدسات وهويات راسخة في الوعي الجماعي للكثير من المسلمين، ومنهم الأتراك، أبرزها القضية الفلسطينية وما تمثله القدس من بعد في هذا الوعي.المقاطعة هي الحليبدو أن الخوف لدى بعض الأحزاب العلمانية، دفعها الى اتخاذ قرار بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، بعدما بات فوز الإسلاميين حتمياً لما يتمتع به حزب العدالة والتنمية من سيطرة قوية داخل البرلمان (يملك 353 مقعداً من أصل 550). وفي هذا السياق، كان قرار حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديموقراطي) برئاسة دينيز بايكال، أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان التركي، بمقاطعة هذه الانتخابات التي تجري دورتها الأولى اليوم، بحجة «عدم اختيار المرشح ضمن مقاربة تصالحية».ولم يكتف الحزب بقرار المقاطعة بل أشار، على لسان نائب رئيسه مصطفى أوزوريك، إلى انه سيطعن في الانتخابات أمام المجلس الدستوري إذا تمت الدورة الأولى من دون مشاركة 367 نائباً على الأقل.وكان أردوغان قد تعرض لضغوط قوية من النخبة العلمانية التي تضم قادة الجيش والقضاة، حتى لا يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة بسبب مخاوف من أنه سيقوّض الفصل بين الدين والدولة في البلاد. وتعرّضت الحكومة لهزة في وقت سابق من هذا الشهر عندما احتشد أكثر من 350 ألفاً في أنقرة للتعبير عن رفضهم احتمال تولّي أردوغان الرئاسة.وحذر قائد الجيش يشار بويوكانيت والرئيس التركي الحالي أحمد نجدت سيزر من المخاطر التي تتهدّد الجمهورية في تصريحات فُسّرت بأنها تحذيرات لأردوغان. وقال سيزر، الذي ألقى خطاباً في الضباط الطلاب في كلية الحرب في 14 نيسان، إن «النظام العلماني التركي معرّض لتهديدات غير مسبوقة منذ 1923». وأضاف أن الخطر على العلمانية التركية ينبع من قوى داخلية وخارجية على السواء، ملمحاً الى «دول تريد تقديم تركيا نموذجاً لدول العالم الإسلامي الأخرى، باعتبارها دولة إسلامية معتدلة»، ومعتبراً أن «المعتدل» سرعان ما يتحول إلى «راديكالي».مفاجأة أردوغانيبدو ان التكتيك الذي اتبعه حزب «العدالة والتنمية» من خلال صرف النظر عن ترشيح أردوغان، والذي طالما أعلن أنه سيفاجئ شعبه في ما يخص إعلان مرشح حزبه، سببه الخشية من أن يفقد الحزب أصواتاً في الانتخابات العامة المقررة في تشرين الثاني المقبل. فإذا أصبح أردوغان رئيساً وترك العمل السياسي الحزبي، هناك احتمال قوي لأن يضطر إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب قومية، ما يضرّ بالإصلاحات التي تعهد السير فيها منذ وصوله وتمكن من تحقيق بعضها، وأبرزها النمو الاقتصادي والبدء بمحادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي.يبقى السؤال أمام هذا الاستحقاق المثير للجدل: الى أي مدى يمكن تركيا ان تحتمل خضّات سياسية جديدة في ظل منعطفات خطيرة تتحول فيها البلاد من هوية إلى أخرى، وهي على أعتاب النادي الأوروبي ومن خلفها الأزمة الكردية التي لا يبدو أن نهايتها قريبة، وبين هذا وذاك أين سيكون موقع تركيا الإسلاموية على خريطة الشرق الأوسط الجديد؟
الأحزاب الدينية التركيةالأحزاب والحركات الإسلامية في تركيا ذات منبع صوفي في الأصل، حيث كانت الطرق الصوفية هي الملجأ الوحيد للباحثين عن هويتهم الدينية في ظل نظام أتاتورك العلماني. وأبرز هذه الحركات والأحزاب:ــ رسائل النور: أسسها بديع الزمان سعيد النورسي، في أواسط القرن الماضي. تحوّلت إلى «حزب الرفاه» (إسلامي) بعد انقلاب العسكر عام 1980.ــ حزب النظام الوطني: تأسس عام 1970 على يد نجم الدين أربكان، وتميّز برنامجُه بالرغبة في توطيد العلاقات بالدول القريبة من تركيا تاريخيّاً وثقافيّاً.ــ حزب السلامة الوطني: تأسس عام 1972 على يد فريد ملان. خاض الانتخابات البرلمانية واستطاع أن يحقق المركز الثالث في نتائجها، ودخل في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري. قُضي على هذا الحزب عام 1980، بعدما رفع مناصروه في أحد المؤتمرات الشعبية شعار «أنقذوا القدس»، وظهرت دعوات إلى إقامة دولة إسلامية في تركيا.ــ حزب الرفاه: أسسه نجم الدين أربكان عام 1983، وتحول إلى حزب «الفضيلة» بعد انقلاب عسكري عام 1988، ثم استقر أخيراً على اسم حزب «السعادة» الذي لا يمتلك تمثيلاً في البرلمان، ولم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصل عليها 2.5 في المئة في انتخابات عام 2002.ــ حزب العدالة والتنمية: الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، هو أحد نتاجات حزب الرفاه. على رغم صبغته الإسلامية، حافظ على الأداء الديموقراطي والإصلاحي وبقي يعمل تحت عباءة أتاتورك.
مبادئ أتاتوركمثّل حزب الشعب الجمهوري بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ستة مبادئ وضعها في صورة شمس:1 ــ النظام الجمهوري هو النظام النهائي لتركيا.2 ــ الشعب التركي يشكل أمة واحدة قائمة بذاتها، وذات قومية متميزة، وتركيا هي صاحبة السيادة المطلقة على أراضيها كافة ضمن حدودها الجغرافية المعترف بها دولياً.3 ــ تركيا دولة علمانية وأمور الدين منفصلة عن أمور الدولة، لذلك غير مسموح لرجال الدين التدخل في أمور الحكم والإدارة والقضايا العامة.4 ــ النظام التركي الجمهوري العلماني نظام شعبي يقوم على التمثيل النيابي الديموقراطي، وجميع المواطنين متساوون أمام القانون.5 ــ نظام الدولة الاقتصادي هو نظام الحرية المراقبة، وهذا يعني أن للدولة الحق في مراقبة نشاطات القطاع الخاص والتدخل بالقوة، إذا لزم الأمر، لوقف هذه النشاطات إذا كانت ضارّة بالمصلحة العامة.6 ــ طبيعة النظام طبيعة ثورية، لذلك يجب ان يكون نظاماً متطوّراً باستمرار تبعاً لتطوّر مشاكل الحياة حتى يُقضى نهائياً على الفقر والجهل والتخلف.
"الاخبار"الجمعة ٢٧ نيسان 2007

18‏/4‏/2007

إيرلندا الشمالية: نهاية نزاع

معمر عطوي
لم يكن اتفاق القطبين المتنازعين على تقاسم السلطةفي إيرلندا الشمالية، مجرّد اتفاق «تاريخي» وحسب، بل مؤشر إلى مزيد من التغيّر في السياسة البريطانية، الداعمة للبروتستانت، تجاه الجيش الجمهوري الإيرلندي، الذي كان التحاور معه أحد المحرمات السياسية، بحسب رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر 8
أيار موعد التقاسم النهائي للسلطة بين البروتستانت والكاثوليك
شكّل اتفاق بلفاست في 26 آذار الماضي، منعطفاً مهماً في تاريخ ايرلندا الشمالية، بعدما وقعه زعيما الحزبين «اللدودين» في البلد: الوحدوي الديموقراطي (بروتستانت) برئاسة ايان بيزلي، الذي يدعو إلى الاندماج مع بريطانيا، والشين فين (الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي ــــــ كاثوليك) برئاسة جيري أدامز، الذي يدعو إلى الاستقلال.وبموجب الاتفاق المذكور، تُشَكَّل إدارة مشتركة بين الطرفين، في الثامن من أيار المقبل، لإدارة الإقليم، وسط توقعات أن يصبح بيزلي رئيساً للحكومة في الإدارة الجديدة، بينما يصبح مارتن ماكغنيس (من شين فين) نائباً له، على أن يتفق المسؤولان على توزيع المناصب الوزارية العشرة في الحكومة شبه المستقلة على أساس النسبية.
سبق هذا الاتفاق انتخابات تشريعية في 7 آذار الماضي، حلّ فيها الحزب الوحدوي الديموقراطي والشين فين، في طليعة الفائزين، حيث حقق الأول 36 مقعداً، بينما حصل الثاني على 28 مقعداً، من أصل 108 مقاعد في الجمعية الإيرلندية الشمالية.وكان الحزبان قد حققا فوزاً كاسحاً بالمقاعد في الانتخابات التشريعية في عام 2003، غير أنهما فشلا في التوصل إلى اتفاق على قيام حكومة تتقاسم السلطة، ما جعل الحكومة البريطانية تدير دفة الحكم في البلاد من لندن.أسباب عديدة قد تكون مهّدت للاتفاق الأخير، يمكن تلخيص أبرزها بالآتي:ــــــ قناعة راسخة داخل «الشين فين»، بأن العنف لم يعد يخدم أهدافه في التوصل لاستقلال الإقليم.ــــــ أدت أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، دوراً كبيراً في تحديد اتجاه الحزب نحو مزيد من المرونة، ولا سيما أن التجييش العالمي الذي حمل شعار محاربة الإرهاب، ترك بصماته على طبيعة حركة الجيش الجمهوري، لجهة التمويل، إضافة إلى التسويغ الشرعي للاستمرار بأعمال عنف، كان المدنيون الضحية الأولى لها.ــــــ أدت أيضاً الجالية الإيرلندية في الولايات المتحدة، بما تشكله من ثقل اقتصادي وانتخابي، دوراً مهماً بالضغط على الإدارة الأميركية من أجل المساعدة على وقف العنف وإحلال السلام في الجزيرة. ودعمت هذه الجالية أيضاً الإقليم بأموال طائلة من أجل تعزيز المؤسسات وتنشيط حركة الاقتصاد كمقدمة لبلورة سلطة قائمة بذاتها.ــــــ الدور البريطاني الذي يتمتع بالحصة الأبرز في إنجاح التسوية، حين «انتهك» حزب العمال أحد «المُطْلَقات» السياسية، التي كانت ترفض بتاتاً الحوار مع الجيش الجمهوري، ورحب بالحوار المباشر مع الشين فين، مقدمة لإبداء مرونة تمتع بها الطرفان.ــــــ يأس الطرفين من استمرار نزاع دام عقوداً من دون أن يؤتي ثماره.نهاية حرب طاحنةقبل الوصول إلى اتفاق بلفاست الأخير، مرّت الأزمة الإيرلندية بمراحل عديدة، كان بداية حلحلتها اتفاق بلفاست في عام 1998، أو ما عرف باتفاق «الجمعة العظيمة».وأسس اتفاق «الجمعة العظيمة»، الذي وقعته كل من ايرلندا وشمال ايرلندا وبريطانيا في عام 1998، بداية لحل سياسي، منهياً حقبة من الحرب الأهلية الطاحنة، التي اتخذت شكلاً مذهبياً بين الكاثوليك والبروتستانت، وامتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، قتل خلالها نحو 3500 شخص.وكانت بريطانيا وإيرلندا قد أعلنتا في عام 1993 أحقية كل سكان ايرلندا الشمالية بتقرير مصيرهم والدعوة إلى بدء محادثات سلام عامة، ما مهّد لإعلان الجيش الجمهوري وقف عملياته العسكرية من جانب واحد، لكن نتيجة التقدم السياسي البطيء أسقطت الهدنة في عام 1996.لكن رئيس «الشين فين»، الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي، جيري أدامز، بقي متمسّكاً بنهجه السلمي، وبعدما أصبح عضواً في البرلمان البريطاني في عام 1997، ضغط باتجاه إعادة «الشين فين» إلى المفاوضات، ونجح في إقناع الجيش الجمهوري بإعلان وقف إطلاق النار في كانون الثاني1997.وفي التاريخ نفسه، وعقب وصول حزب العمال إلى رئاسة الوزراء في بريطانيا، قام رئيس الوزراء الجديد طوني بلير، بمبادرة لحل الخلافات، من خلال دعوته قادة حزب الـ«شين فين» إلى مقر رئاسة الوزراء، واستقبل جيري ادامز، في أول لقاء بين رئيس وزراء بريطاني وقيادي من الجيش الجمهوري الايرلندي منذ عام 1921، حين التقى زعيم الحزب في ذلك الحين مايكل كولينز مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك دافيد لويد جورج.ومهّد لقاء بلير وأدامز لاتفاقية بلفاست (اتفاقية الجمعة العظيمة)، وأهم بنودها مجلس حكم مستقل منتخب في ايرلندا الشمالية، إضافة إلى تقاسم السلطة واستفتاء على توحيد ايرلندا أُجري في أيار 1999، وكانت النسبة 71 في المئة نعم في ايرلندا الشمالية، و94 في المئة نعم في ايرلندا المستقلة.لكن نزع السلاح عُدَّ مفهوماً مأساوياً للاستسلام في نظر بعض أركان الجيش الجمهوري، وظهرت عقبات كثيرة في طريق الحل، كانت أبرزها في تشرين الأول من عام 2001 حين انسحب خمسة وزراء بروتستانت بقيادة زعيم حزب «ألستر» الاتحادي من حكومة بلفاست، مشترطين تخلي الحزب الجمهوري عن سلاحه للعودة.كما جُمِّد البرلمان في ايرلندا الشمالية في تشرين الأول 2002، وسط الحديث عن وجود حلقة من الجواسيس الذين يعملون لحساب الجيش الجمهوري، في داخله.نزع الأسلحةوفي 28 تموز من عام 2005، أفاد مراقبون دوليون بأن الجيش الجمهوري الإيرلندي تخلّص من الأسلحة التي استخدمها طوال 30 عاماً لمقاومة الحكم البريطاني لإيرلندا الشمالية، في خطوة من شأنها المساعدة على إيجاد تسوية سياسية. وقرّرت بريطانيا كإجراء موازٍ خفض قواتها في إيرلندا الشمالية من نحو 11 ألفاً إلى 5 آلاف.ويبقى السؤال الأهم ريثما تتم عملية تقاسم السلطة في أيار المقبل: هل يمكن أن يلعب نجاح الإرادة الشعبية، التي أصبحت الحكم في تقرير المصير، دوراً في إعلان استقلال إيرلندا بأقل خسائر ممكنة؟
قصة النزاع
قسَّمت بريطانيا جزيرة ايرلندا، في عام 1921، إلى جزءين. مُنح الاستقلال لأحدهما وقُسِّم إلى 26 مقاطعة ذات غالبية كاثوليكية، وتحول في ما بعد إلى دولة ايرلندا الحرة، فيما بقيت المقاطعات الست الأخرى الواقعة في شمال ايرلندا جزءاً من المملكة المتحدة.وفي عام 1922، أُعلن استقلال ايرلندا من دون الجزء الشمالي منها، ما أدى إلى نشوب حرب أهلية بين المعتدلين والراديكاليين.وتُعَدُّ ايرلندا الشّمالية جزءاً من المملكة المتّحدة، وتغطّي 5,459 ميلاً مربّعاً (14,139 كيلومتراً مربعاً) من المنطقة الشمالية الشرقية لجزيرة ايرلندا، نحو سدس مساحة الجزيرة. ويقدّر عدد سكان هذا الجزء بـ1,685,000 نسمة وفق إحصاء عام 2001. ويقع ضمن محافظة ألستر، وفي المملكة المتحدة المعروفة بمقاطعاتها الأربع.وتأسّس الجيش الجمهوري الايرلندي، الجناح العسكري لمنظمة الشين فين، في عام 1919 بوصفه وريثاً للمتطوعين الإيرلنديين (منظمة قومية فدائية تأسست عام 1913) لمقاومة النفوذ البريطاني في ايرلندا عسكرياً، من أجل تحقيق جمهورية مستقلة.وخلال الحرب الإيرلندية للاستقلال عن بريطانيا (1919ــــــ1921) استعمل الجيش الايرلندي بقيادة مايكل كولينز التكتيكات الفدائية مثل الكمائن والهجمات والتخريب لإجبار الحكومة البريطانية على التفاوض، وكانت نتائج التسوية تأسيس كيانين سياسيين جديدين: الأول، الدولة الايرلندية وتشمل 26 مقاطعة تم منحها السيادة، لكن بقيت ضمن الإمبراطورية البريطانية، بحيث يقسم أعضاء الحكومة قسم الولاء للعرش البريطاني.أما الثاني فكان ايرلندا الشمالية، التي تضم 6 مقاطعات، وتسمى «محافظة آلستر». وبقيت جزءاً من المملكة المتحدة.لكن هذا التقسيم لم يلق القبول لدى عدد كبير من أعضاء الجيش الإيرلندي، فانقسم إلى قسمين: الأول، بقيادة كولينز وهو المؤيد للمعاهدة مع البريطانيين، والثاني غير المؤيد للمعاهدة تحت قيادة رئيس «الشين فين» إيمون دي فاليرا. وأصبحت مجموعة كولينز أساس الجيش الرسمي للدولة المستقلة، فيما أصبح القسم الثاني، الذي عرف بـ«اللانظاميين» معارضة مسلحة ضد الحكومة المستقلة الجديدة.في نهاية الستينيات، اندلعت أحداث عنف في ايرلندا الشمالية، التي كانت لا تزال تابعة للحكم البريطاني، بسبب مطالبة طائفة الروم الكاثوليك (وهم الأقلية) بحقوقهم المدنية وبالانفصال عن بريطانيا والوحدة مع جمهورية ايرلندا، في خطوة واجهها الايرلنديون البروتستانت وقوات الشرطة التابعة لايرلندا الشمالية. وانقسم الجيش الجمهوري الايرلندي في دبلن (عاصمة جمهورية ايرلندا ــــــ الجنوبية) حول التدخل في الأحداث خوفاً من حمام الدم، لكن الرأي المؤيد للتدخل، وخصوصاً بتأثير قسم من الجيش الموجود في ايرلندا الشمالية، شق طريقه للأمام، وانقسم الجيش إلى «الرسميين» في دبلن، والى «الجيش الجمهوري» في بلفاست. وبدأت حملة عسكرية اضطرت بريطانيا إلى التدخل بقواتها وفصل المناطق البروتستانتية عن الكاثوليكية، ما أدى إلى حرب شاملة من الجيش الجمهوري ضد الجيش البريطاني، تطورت في منتصف السبعينيات إلى مواجهات عنيفة جداً، أدّت إلى تدمير بلفاست، وجزء كبير من المدن الأخرى. وامتد نشاط الجيش الجمهوري إلى لندن، حيث قام بتفجير الأهداف التجارية والمطاعم والفنادق هناك.ومع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وبعد وفاة العديد من المعتقلين من الجيش الجمهوري في السجون البريطانية، إثر إضرابهم عن الطعام، أو ما سمي إضراب الجوع، قوي الجناح السياسي للجيش الجمهوري «الشين فين»، بشكل كبير، وأصبح أكثر حيوية بقيادة جيري آدمز الذي أثار أولاً الحوار الداخلي، وخصوصاً حول سقوط المدنيين في العمليات وحول «كفاية القوة العسكرية فقط» لتوحيد ايرلندا.ومنذ أوائل التسعينيات، بدأت تتبلور خطط لإقامة السلام في الإقليم، بدأت تظهر داخل الحزب الجمهوري، الذي أصبح يدمج بين انتمائه للكاثوليكية والإيديولوجية الماركسية اللينينية، وامتدت علاقاته لتشمل تيارات يسارية في أميركا اللاتينية وشرق أوروبا والشرق الأوسط.وبدأ الحديث عن وقف العنف يتخذ موقعه في الأداء السياسي للحزب، رغم تصلّب بعض الأقطاب داخله وتمسكهم بالخيار المسلح لتحقيق أهدافهم.لكن اتفاق بلفاست، الذي قصم ظهر البعير، ترك آثاره بشكل كبير على الاتجاه المتشدد داخل الجيش الجمهوري، إلى أن تراجع هذا الاتجاه وصولاً حتى عام 2005، تاريخ الإعلان عن ترك السلاح.
اتفاق بلفاست
يستند اتفاق بلفاست لعام 1998 في أحد أهم مبادئه إلى البيان الذي وقعه ألبرت رينولدز عن جمهورية ايرلندا ورئيس وزراء بريطانيا السابق جون ميجور في عام 1993 والذي ينص على حق شعوب ايرلندا الشمالية في تحديد مصيرها.وتم الاتفاق على:ــــــ إلغاء القانون الخاص بحكومة ايرلندا، الذي يفرض سيادة بريطانية على الجزيرة كلها.ــــــ تأييد حق جميع سكان ايرلندا الشمالية في حمل جنسيات ايرلندية أو بريطانية، والاتفاق على عدم تغيير هذا الوضع مهما تغير وضع ايرلندا الشمالية السياسي.ــــــ الرجوع الى الشعب في أي خطوات تُتَّخَذ بشأن مستقبل ايرلندا، مع الإشارة إلى أن جميع الأطراف متفاهمون على أن معظم سكان ايرلندا الشمالية يرغبون في الاستمرار كجزء من بريطانيا، لكن معظم سكان جزيرة ايرلندا ككل ومعهم أقلية لا بأس بها من الشمال يتطلعون إلى تكوين ايرلندا متحدة، أي انفصال شمال ايرلندا عن بريطانيا.ــــــ لن يتغير أي موقف سياسي لايرلندا الشمالية إلا بموافقة سكانها من خلال الاستفتاءات التي تقام بأمر من وزير الخارجية البريطاني، وتكون المدة بين الاستفتاء والآخر سبع سنوات، على الأقل.
"الاخبار"الاربعاء ١٨ نيسان 2007