23‏/6‏/2007

براتيبها باتيل صاحبة البركات الهندوسية


معمر عطوي
لم تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية الهندية، أول من أمس، بعيدة عن تأثيرات العامل الديني في بلد مشحون بالنزاعات الطائفية (هندوس وسيخ ومسلمون) رغم دستوره العلماني، ذلك أن كرسي الرئاسة انتقلت من العالم النووي المسلم أبو بكر زين العابدين عبد الكلام إلى حاكمة ولاية راجاستان الشمالية، براتيبها باتيل (72 عاماً)، التي سبق لها أن تحدّت مشاعر المسلمين عبر انتقادها للحجاب، وادعّت لنفسها «بركات» اكتسبتها نتيجة مخاطبتها لروح أحد مؤسسي المذاهب الهندوسية.ورغم معارضة قادة الجالية الإسلامية، التي تشكل 14 في المئة من عدد سكان الهند (1.1 مليار نسمة)، لترشيح باتيل لكونها «تتعمد إهانة الإسلام»، استطاعت مرشحة التحالف التقدمي المتحد الحاكم أن تصبح المرأة الأولى التي تتسلم سدة الرئاسة، بعد فوزها على منافسها مرشح التحالف الديموقراطي الوطني المعارض، نائب الرئيس بهايرون سينغ شيخوات (84 عاماً)، بحصولها على 66 في المئة من أصوات الهيئة الناخبة المؤلفة من نواب في البرلمان الوطني والبرلمانات المحلية.لكن إشكالية الرئيسة الهندية الجديدة، التي ترتدي اللباس الهندوسي المحتشم الذي لا يتميز كثيراً عن حجاب المسلمات، هي أنها قد فتحت في وقت سابق أبواب الجدل الحاد، عندما وجهت انتقادات حادة للنقاب الإسلامي وقالت إنه زي «همجي بدائي متخلف».ويبدو أن التحالف الحاكم بقيادة رئيسة حزب المؤتمر، صونيا غاندي، قد عزّز من خلال دعمه لباتيل هذا الجدل، الذي قد يحيي العنف الطائفي في البلاد، ولا سيما بعدما وصف التحالف تصريحات الرئيسة حول النقاب بأنها “تعبّر عن رأيها الذي تراه ينطبق على نساء الهند كافة بصفة عامة”، في حين رأت غاندي أن وصول امرأة إلى سدة الرئاسة سيساهم في مكافحة التمييز الذي تعاني منه النساء في الهند.ولعل باتيل استطاعت أن تتفوق على رئيسة الوزراء السابقة أنديرا غاندي، حتى لو كان منصب الرئاسة في الهند فخرياً، ذلك أن فوزها أتى بعد تعرضها لانتقادات لاذعة خلال الحملة الانتخابية بسبب اتهامها بالمحسوبية وسوء الإدارة المالية والتستر على شقيقها الذي اشتبه بتورطه في عملية قتل، وعلى زوجها الذي اشتبه بتورطه في فضيحة وعملية انتحار.وظهر واضحاً أن أبرز أسباب هذا الفوز هو الدعم السياسي الكبير الذي قدمته أحزاب التحالف التقدمي المتحد بقيادة حزب المؤتمر العريق، الذي أسسه المهاتما غاندي، إضافة إلى جبهة اليسار والأحزاب العلمانية الأخرى.وكانت باتيل، التي تؤدي القسَم بعد غد الاربعاء، قد تنقّلت بين العديد من المناصب الوزارية الهامة في ولاية ماهاراشترا، مسقط رأسها، كما انتخبت عضواً في البرلمان ونائب رئيس مجلس الشيوخ.لكن المفارقة الأهم في فوز باتيل، التي تحتل أيضاً منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، هي ادعاؤها في وقت سابق أنها أجرت اتصالاً مع روح الكاهن بابا ليخراج، مؤسس مذهب «هيندو براهما كوماريس»، أحد المذاهب الحديثة للديانة الهندوسية، الذي توفي في عام 1969، بعدما دخلت «روح ليخراج جسد إحدى مريداته». ووصفت باتيل الأمر بأنه مؤشر سماوي يفيد بأن مسؤولية أكبر ستسند إليها، ما جعل أنصارها يصدقون «بركات» بابا ليخراج، التي جعلتها مرشحة للرئاسة وتحقق فوزاً «إلهياً» بامتياز.
"الاخبار"٢٣ تموز2007

9‏/6‏/2007

هـــل بـــدأ العـــدّ العكـــسي لسقـــوط مشـــرف؟


معمر عطوي
ليس حادثاً عرضياً ما يحصل من اضطرابات هذه الأيام في باكستان، حيث يكمن المعقل الأساسي لطلبة العلوم الدينية، الذين شكّلوا نواة «الإمارة الإسلامية» في أفغانستان، تحت إمرة الملا عمر، وبدعم من الاستخبارات الباكستانية.يمكن القول، إن أزمة المسجد الأحمر في إسلام آباد، ليست وليدة حادثة عابرة، بقدر ما يمكن أن تندرج في سياق تنفيس احتقان للشارع الباكستاني، الذي لا يزال يعيش مناخات الاضطرابات التي حصلت على خلفية إقالة الرئيس برويز مشرف لرئيس القضاة افتخار محمد شودري، من منصبه تحت حجة «سوء التصرف». يشار إلى أن شودري، الذي عُرف بقراراته الصارمة ضد بعض تصرفات الحكومة، هو من المحسوبين على التيار الإسلامي العريض في البلاد، حيث تنتشر كبرى الجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، «الجماعة الإسلامية»، التي يتزعمها قاضي حسين احمد، والتي ضاعفت من انتقاداتها لسلطة مشرف منذ غزو أفغانستان عام 2001، لدرجة اتهامه بالعمالة للاستخبارات الأميركية.كما تأتي القضية الكشميرية، وما شهدته في السنوات الأخيرة من تراجع، بعد وقف الحكومة دعمها للأعمال المسلحة ضد الهنود، لتمثّل أحد الأسباب التي زادت من نقمة الشارع الباكستاني، على سياسة الحكومة، رغم أن مشرف كان قائداً للجيش إبّان القتال العنيف بين الهند وباكستان عام 1999 في مرتفعات كارغيل، التي انتهت بانسحاب المقاتلين الكشميريين منها بضغط من رئيس الوزراء السابق نواز شريف.وأكّدت قضية هذا الإقليم المتنازع عليه بين الهند وباكستان، هذا الشرخ الكبير الذي حصل بين السلطة والشرائح الاجتماعية التي يمثّل الإسلاميون غالبيتها، ولا سيما أن كشمير أصبحت في وعي العديد من الحركات الإسلامية قضية كبرى مثل قضية فلسطين وقضية الشيشان.هذا ما دفع زعماء الجماعات الإسلامية «الجهادية» الى اتهام مشرف بمحاولة استرضاء الأميركيين، على أساس أن الإدارة الأميركية تمارس ضغوطها على باكستان لتعترف بهيمنة الهند على المنطقة.ويبدو واضحاً فشل مشرف في محاولة استرضاء الجماعات الإسلامية، على غرار ما فعل سلفه شريف، الذي استطاع توظيف هذه الجماعات الى حد كبير لخدمة أهدافه السياسية.ولعل سبب هذا الفشل يعود إلى أمرين: الأول، هو تعاون مشرف مع الغرب في القضاء على حركة طالبان في أفغانستان، وخصوصاً أن هذه الحركة ترتبط برابط إثني مع امتداداتها البشتونية في منطقة القبائل على الحدود الباكستانية الأفغانية، ولا سيما إقليم وزيرستان، وبرابط عقائدي مع باقي التيارات الإسلامية، التي وجدت في معاهد ومدارس القرآن في باكستان مجالاً حيوياً لتحركها الدعوي والتنظيمي، وفي الساحتين الكشميرية والأفغانية مجالاً حيوياً لإعداد عناصرها عسكرياً وجهادياً.أمّا الثاني، فهو مصادرة قضية كشمير، التي تمثّل أحد مناطق الرباط والجهاد ضد «الكفار» في نظر الإسلاميين.هذا ما جعل مشرف يخسر شارعه ويكتفي بدعم الاستخبارات الأميركية والمحلية الموالية له، ما يفسر تعرضه منذ سيطرته على السلطة في انقلاب قاده ضد شريف، في خريف عام 1999، لمحاولات اغتيال عديدة كانت آخرها منذ يومين، وذلك في تأكيد واضح لما ذكرته مصادر إسلامية باكستانية منذ أشهُر عن إمكان حدوث عملية تغيير قد تطيح النظام العسكري.المصادر الإسلامية المعارضة كانت دائماً تراهن على أن «اليوم الذي سيقابل فيه مشرف مصيره المهزوم ليس بعيداً»، وأن كل الزعماء الذين سبقوه لاقوا المصير نفسه من ذو الفقار علي بوتو الى ايوب خان الى بنازير بوتو وصولاً حتى نواز شريف. فهل بدأ العد العكسي لسقوط الجنرال الذي تمادى كثيراً في محاباة الأميركيين من دون أن يكترث للشارع الذي يزداد احتقاناً يوماً بعد آخر؟
الأخبارالاثنين ٩ تموز 2007

27‏/4‏/2007

إسلاميّو تركيا نحو آخر قلاع العلمانية

معمر عطوي
أعادت انتخابات الرئاسة في تركيا إحياء الجدل القديم بين الإسلاميين والعلمانيين، في ظل نظام يعتبر فيه الجيش سلطة قوية حامية للدستور الذي اختطه مصطفى كمال أتاتورك على رأس مجموعة ضباط غيّروا وجه تركيا الإسلامي وحولوها إلى النمط الغربي في عام 1923، وأنهوا حقبة دامت أكثر من أربعة قرون من حكم «الخلافة العثمانية»
أنقرة تشهد اليوم الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية... والمعارضة تقاطع
حوّلت السيطرة الأتاتوركية على تركيا في عام 1923 البلاد من سلطة دينية مستبدة إلى نظام علماني بالغ في تطرفه تجاه مظاهر التديّن، فحظر وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة لعقود خلت. غير ان تغلغل الإسلاميين داخل المجتمع والمؤسسات السياسية مكّنتهم من الوصول إلى رئاسة البرلمان والحكومة، فيما بقيت الرئاسة الأولى بيد العلمانيين، باعتبارها القلعة الأخيرة لهم.يبدو أن هذه القلعة في طريقها إلى السقوط في يد الإسلاميين، إذ تشهد معركة الرئاسة، التي تُجرى مرحلتها الأولى اليوم الجمعة والثانية في أواسط أيار المقبل، وللمرة الأولى، ترشيح شخصية إسلامية إصلاحية، أثارت نقاشاً واسعاً في إمكانية تهديدها أسس النظام العلماني.هذه الشخصية المتمثلة بمرشح حزب العدالة والتنمية الإسلامي وزير الخارجية الحالي عبد الله غول الذي سيصبح قائداً للجيش أيضاً في حال انتخابه رئيساً، من شأنها قيادة البلاد نحو تجربة تعتبر سابقة، وخصوصاً أن الرئيس المرتقب الذي كان تعرّض للسجن العسكري أثناء انقلاب عام 1980، سيتمكّن بمساندة البرلمان من تعديل الدستور، إضافة إلى تعيين كبار القضاة وعمداء الجامعات.منعطفات خطيرةلقد أراد مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، أن تكون الدولة التركية الجديدة ذات هيكلية وهوية علمانيتين، وبالغ في تطبيق ذلك من خلال منع المظاهر الدينية، ليس فقط في الدوائر الرسمية والسياسية، بل أيضاً في بعض قطاعات المجتمع. لذلك بقيت «تركيا الحديثة» ولعقود ثلاثة منذ تأسيسها، خاضعة لحكم الحزب الواحد وتحت حماية المؤسسة العسكرية، التي تضمّ كبار الضباط الأوفياء لأتاتورك.ولكن في عام 1945، فُتح الباب أمام التعددية الحزبية، مع بقاء حظر الأحزاب الدينية طبعاً، وهذا ما مكّن أحزاباً (تحمل شعار الديموقراطية في الظاهر والإسلامية في الباطن)، من التغلغل في المشهد السياسي وفق خطوات طويلة وشاقة، شملت الكثير من قطاعات المجتمع، أبرزها المؤسسات التربوية والبلديات والجمعيات الخيرية، والى حد ضئيل المؤسسة العسكرية نفسها.وثمة منعطفات خطيرة شهدتها تركيا منذ الخمسينيات، بسبب القيود التي فرضها الدستور العلماني. فقد تمكّن الإسلامي عدنان مندريس من الفوز في ثلاث دورات انتخابية نيابية متتالية، سمحت بإعادة بعض المظاهر الإسلامية الى البلاد، لكن مندريس أُعدم في 1960 عندما قام الجيش بأول انقلاب عسكري ضد محاولات الالتفاف على النظام العلماني.
وكان آخر هذه الانعطافات حظر حزب «الرفاه» الإسلامي بقيادة رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان، في مطلع 1998، بعد إطاحته من السلطة في حزيران 1997 بضغط من الأوساط العلمانية التركية المدنية والعسكرية.ودفعت هذه الأحداث عبد الله غول إلى ترك حزب «الرفاه» على غرار العديد من أعضاء البرلمان المنتمين لهذا الحزب، والانضمام الى حزب الفضيلة آنذاك. لكن حزب الفضيلة تعرض بدوره للحل أيضاً بحكم قضائي بسبب «أنشطة مناهضة للعلمانية» في عام 2001. وحلّ محله حزب العدالة والتنمية، الذي حصل على الغالبية البرلمانية في عام 2002، وأوصل غول في مرحلة أولى إلى رئاسة الحكومة التي انتقلت بعد ذلك إلى رئيس الحزب رجب طيب أردوغان.أتاتورك والحجاباللافت أن الحزب الحاكم الذي برع في تقديم صورته غير الإسلامية على رغم الهوية الملاصقة لأعضائه ومسؤوليه، نجح في ممارسة سياسة براغماتية حافظت على إرث أتاتورك من دون أن تحدث قطيعة مع الموروث الديني المنغرس في المنظومة الاجتماعية منذ قرون.لكن المؤسسة العسكرية المتطرفة في حماية الدستور والهوية العلمانية للبلاد لا تزال حريصة على عدم وصول شخصية من حزب ذي جذور دينية الى الرئاسة، في جمهورية تمنع النساء المحجبات من ارتياد المؤسسات الرسمية والجامعات.وخير شاهد على أزمة الحجاب الجدل الذي رافق ترشيح غول للرئاسة، والذي جاء في إطار تحدي نواب حزب العدالة والتنمية للمؤسسة العسكرية والنظام العلماني لإدخال امرأة محجّبة (زوجة غول) إلى القصر الرئاسي كسيدة أولى للبلاد.ولا يزال أقطاب حزب العدالة والتنمية، الأقوى اليوم على الساحة التركية، ينفون تخطيطهم لتنفيذ برنامج إسلامي، وهذا ما تجلى أخيراً من خلال تعهّد أردوغان وغول العمل بموجب المبادئ العلمانية الرئيسية في البلاد، التي أرساها «مؤسس تركيا الحديثة»، ولا سيما ان الحكومة وفق الدستور التركي تسيطر على معظم السلطات.في المقابل، لا يزال العسكر وبعض الأحزاب العلمانية المعارضة يتعاطون بحذر مع هذه الموجة التي اكتسحت المشهد السياسي متسلّحة بإنجازات تمكّنت من تحقيقها خلال مراحل سيطرتها على بعض البلديات، وفي ما بعد من خلال السلطة التنفيذية التي يتربّع الإسلاميون «الإصلاحيون الديموقراطيون» على عرشها منذ سنوات قليلة.ولعل هذا الحذر نابع من الخوف على هوية تركيا التي تسير نحو منظومة عقائدية لا تزال راسخة في العقل الجماعي لمجتمع متديّن يتماهى مع التحولات الحاصلة في العالم والمتجسّدة بصعود الحركات الدينية وسط موجة تطرف واسعة، وخصوصاً أن هذه الموجة العنيفة جاءت رد فعل على سياسات الدول العظمى تجاه قضايا تعتبر الإساءة إليها مساساً بمقدسات وهويات راسخة في الوعي الجماعي للكثير من المسلمين، ومنهم الأتراك، أبرزها القضية الفلسطينية وما تمثله القدس من بعد في هذا الوعي.المقاطعة هي الحليبدو أن الخوف لدى بعض الأحزاب العلمانية، دفعها الى اتخاذ قرار بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، بعدما بات فوز الإسلاميين حتمياً لما يتمتع به حزب العدالة والتنمية من سيطرة قوية داخل البرلمان (يملك 353 مقعداً من أصل 550). وفي هذا السياق، كان قرار حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديموقراطي) برئاسة دينيز بايكال، أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان التركي، بمقاطعة هذه الانتخابات التي تجري دورتها الأولى اليوم، بحجة «عدم اختيار المرشح ضمن مقاربة تصالحية».ولم يكتف الحزب بقرار المقاطعة بل أشار، على لسان نائب رئيسه مصطفى أوزوريك، إلى انه سيطعن في الانتخابات أمام المجلس الدستوري إذا تمت الدورة الأولى من دون مشاركة 367 نائباً على الأقل.وكان أردوغان قد تعرض لضغوط قوية من النخبة العلمانية التي تضم قادة الجيش والقضاة، حتى لا يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة بسبب مخاوف من أنه سيقوّض الفصل بين الدين والدولة في البلاد. وتعرّضت الحكومة لهزة في وقت سابق من هذا الشهر عندما احتشد أكثر من 350 ألفاً في أنقرة للتعبير عن رفضهم احتمال تولّي أردوغان الرئاسة.وحذر قائد الجيش يشار بويوكانيت والرئيس التركي الحالي أحمد نجدت سيزر من المخاطر التي تتهدّد الجمهورية في تصريحات فُسّرت بأنها تحذيرات لأردوغان. وقال سيزر، الذي ألقى خطاباً في الضباط الطلاب في كلية الحرب في 14 نيسان، إن «النظام العلماني التركي معرّض لتهديدات غير مسبوقة منذ 1923». وأضاف أن الخطر على العلمانية التركية ينبع من قوى داخلية وخارجية على السواء، ملمحاً الى «دول تريد تقديم تركيا نموذجاً لدول العالم الإسلامي الأخرى، باعتبارها دولة إسلامية معتدلة»، ومعتبراً أن «المعتدل» سرعان ما يتحول إلى «راديكالي».مفاجأة أردوغانيبدو ان التكتيك الذي اتبعه حزب «العدالة والتنمية» من خلال صرف النظر عن ترشيح أردوغان، والذي طالما أعلن أنه سيفاجئ شعبه في ما يخص إعلان مرشح حزبه، سببه الخشية من أن يفقد الحزب أصواتاً في الانتخابات العامة المقررة في تشرين الثاني المقبل. فإذا أصبح أردوغان رئيساً وترك العمل السياسي الحزبي، هناك احتمال قوي لأن يضطر إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب قومية، ما يضرّ بالإصلاحات التي تعهد السير فيها منذ وصوله وتمكن من تحقيق بعضها، وأبرزها النمو الاقتصادي والبدء بمحادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي.يبقى السؤال أمام هذا الاستحقاق المثير للجدل: الى أي مدى يمكن تركيا ان تحتمل خضّات سياسية جديدة في ظل منعطفات خطيرة تتحول فيها البلاد من هوية إلى أخرى، وهي على أعتاب النادي الأوروبي ومن خلفها الأزمة الكردية التي لا يبدو أن نهايتها قريبة، وبين هذا وذاك أين سيكون موقع تركيا الإسلاموية على خريطة الشرق الأوسط الجديد؟
الأحزاب الدينية التركيةالأحزاب والحركات الإسلامية في تركيا ذات منبع صوفي في الأصل، حيث كانت الطرق الصوفية هي الملجأ الوحيد للباحثين عن هويتهم الدينية في ظل نظام أتاتورك العلماني. وأبرز هذه الحركات والأحزاب:ــ رسائل النور: أسسها بديع الزمان سعيد النورسي، في أواسط القرن الماضي. تحوّلت إلى «حزب الرفاه» (إسلامي) بعد انقلاب العسكر عام 1980.ــ حزب النظام الوطني: تأسس عام 1970 على يد نجم الدين أربكان، وتميّز برنامجُه بالرغبة في توطيد العلاقات بالدول القريبة من تركيا تاريخيّاً وثقافيّاً.ــ حزب السلامة الوطني: تأسس عام 1972 على يد فريد ملان. خاض الانتخابات البرلمانية واستطاع أن يحقق المركز الثالث في نتائجها، ودخل في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري. قُضي على هذا الحزب عام 1980، بعدما رفع مناصروه في أحد المؤتمرات الشعبية شعار «أنقذوا القدس»، وظهرت دعوات إلى إقامة دولة إسلامية في تركيا.ــ حزب الرفاه: أسسه نجم الدين أربكان عام 1983، وتحول إلى حزب «الفضيلة» بعد انقلاب عسكري عام 1988، ثم استقر أخيراً على اسم حزب «السعادة» الذي لا يمتلك تمثيلاً في البرلمان، ولم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصل عليها 2.5 في المئة في انتخابات عام 2002.ــ حزب العدالة والتنمية: الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، هو أحد نتاجات حزب الرفاه. على رغم صبغته الإسلامية، حافظ على الأداء الديموقراطي والإصلاحي وبقي يعمل تحت عباءة أتاتورك.
مبادئ أتاتوركمثّل حزب الشعب الجمهوري بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ستة مبادئ وضعها في صورة شمس:1 ــ النظام الجمهوري هو النظام النهائي لتركيا.2 ــ الشعب التركي يشكل أمة واحدة قائمة بذاتها، وذات قومية متميزة، وتركيا هي صاحبة السيادة المطلقة على أراضيها كافة ضمن حدودها الجغرافية المعترف بها دولياً.3 ــ تركيا دولة علمانية وأمور الدين منفصلة عن أمور الدولة، لذلك غير مسموح لرجال الدين التدخل في أمور الحكم والإدارة والقضايا العامة.4 ــ النظام التركي الجمهوري العلماني نظام شعبي يقوم على التمثيل النيابي الديموقراطي، وجميع المواطنين متساوون أمام القانون.5 ــ نظام الدولة الاقتصادي هو نظام الحرية المراقبة، وهذا يعني أن للدولة الحق في مراقبة نشاطات القطاع الخاص والتدخل بالقوة، إذا لزم الأمر، لوقف هذه النشاطات إذا كانت ضارّة بالمصلحة العامة.6 ــ طبيعة النظام طبيعة ثورية، لذلك يجب ان يكون نظاماً متطوّراً باستمرار تبعاً لتطوّر مشاكل الحياة حتى يُقضى نهائياً على الفقر والجهل والتخلف.
"الاخبار"الجمعة ٢٧ نيسان 2007

18‏/4‏/2007

إيرلندا الشمالية: نهاية نزاع

معمر عطوي
لم يكن اتفاق القطبين المتنازعين على تقاسم السلطةفي إيرلندا الشمالية، مجرّد اتفاق «تاريخي» وحسب، بل مؤشر إلى مزيد من التغيّر في السياسة البريطانية، الداعمة للبروتستانت، تجاه الجيش الجمهوري الإيرلندي، الذي كان التحاور معه أحد المحرمات السياسية، بحسب رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر 8
أيار موعد التقاسم النهائي للسلطة بين البروتستانت والكاثوليك
شكّل اتفاق بلفاست في 26 آذار الماضي، منعطفاً مهماً في تاريخ ايرلندا الشمالية، بعدما وقعه زعيما الحزبين «اللدودين» في البلد: الوحدوي الديموقراطي (بروتستانت) برئاسة ايان بيزلي، الذي يدعو إلى الاندماج مع بريطانيا، والشين فين (الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي ــــــ كاثوليك) برئاسة جيري أدامز، الذي يدعو إلى الاستقلال.وبموجب الاتفاق المذكور، تُشَكَّل إدارة مشتركة بين الطرفين، في الثامن من أيار المقبل، لإدارة الإقليم، وسط توقعات أن يصبح بيزلي رئيساً للحكومة في الإدارة الجديدة، بينما يصبح مارتن ماكغنيس (من شين فين) نائباً له، على أن يتفق المسؤولان على توزيع المناصب الوزارية العشرة في الحكومة شبه المستقلة على أساس النسبية.
سبق هذا الاتفاق انتخابات تشريعية في 7 آذار الماضي، حلّ فيها الحزب الوحدوي الديموقراطي والشين فين، في طليعة الفائزين، حيث حقق الأول 36 مقعداً، بينما حصل الثاني على 28 مقعداً، من أصل 108 مقاعد في الجمعية الإيرلندية الشمالية.وكان الحزبان قد حققا فوزاً كاسحاً بالمقاعد في الانتخابات التشريعية في عام 2003، غير أنهما فشلا في التوصل إلى اتفاق على قيام حكومة تتقاسم السلطة، ما جعل الحكومة البريطانية تدير دفة الحكم في البلاد من لندن.أسباب عديدة قد تكون مهّدت للاتفاق الأخير، يمكن تلخيص أبرزها بالآتي:ــــــ قناعة راسخة داخل «الشين فين»، بأن العنف لم يعد يخدم أهدافه في التوصل لاستقلال الإقليم.ــــــ أدت أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، دوراً كبيراً في تحديد اتجاه الحزب نحو مزيد من المرونة، ولا سيما أن التجييش العالمي الذي حمل شعار محاربة الإرهاب، ترك بصماته على طبيعة حركة الجيش الجمهوري، لجهة التمويل، إضافة إلى التسويغ الشرعي للاستمرار بأعمال عنف، كان المدنيون الضحية الأولى لها.ــــــ أدت أيضاً الجالية الإيرلندية في الولايات المتحدة، بما تشكله من ثقل اقتصادي وانتخابي، دوراً مهماً بالضغط على الإدارة الأميركية من أجل المساعدة على وقف العنف وإحلال السلام في الجزيرة. ودعمت هذه الجالية أيضاً الإقليم بأموال طائلة من أجل تعزيز المؤسسات وتنشيط حركة الاقتصاد كمقدمة لبلورة سلطة قائمة بذاتها.ــــــ الدور البريطاني الذي يتمتع بالحصة الأبرز في إنجاح التسوية، حين «انتهك» حزب العمال أحد «المُطْلَقات» السياسية، التي كانت ترفض بتاتاً الحوار مع الجيش الجمهوري، ورحب بالحوار المباشر مع الشين فين، مقدمة لإبداء مرونة تمتع بها الطرفان.ــــــ يأس الطرفين من استمرار نزاع دام عقوداً من دون أن يؤتي ثماره.نهاية حرب طاحنةقبل الوصول إلى اتفاق بلفاست الأخير، مرّت الأزمة الإيرلندية بمراحل عديدة، كان بداية حلحلتها اتفاق بلفاست في عام 1998، أو ما عرف باتفاق «الجمعة العظيمة».وأسس اتفاق «الجمعة العظيمة»، الذي وقعته كل من ايرلندا وشمال ايرلندا وبريطانيا في عام 1998، بداية لحل سياسي، منهياً حقبة من الحرب الأهلية الطاحنة، التي اتخذت شكلاً مذهبياً بين الكاثوليك والبروتستانت، وامتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، قتل خلالها نحو 3500 شخص.وكانت بريطانيا وإيرلندا قد أعلنتا في عام 1993 أحقية كل سكان ايرلندا الشمالية بتقرير مصيرهم والدعوة إلى بدء محادثات سلام عامة، ما مهّد لإعلان الجيش الجمهوري وقف عملياته العسكرية من جانب واحد، لكن نتيجة التقدم السياسي البطيء أسقطت الهدنة في عام 1996.لكن رئيس «الشين فين»، الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي، جيري أدامز، بقي متمسّكاً بنهجه السلمي، وبعدما أصبح عضواً في البرلمان البريطاني في عام 1997، ضغط باتجاه إعادة «الشين فين» إلى المفاوضات، ونجح في إقناع الجيش الجمهوري بإعلان وقف إطلاق النار في كانون الثاني1997.وفي التاريخ نفسه، وعقب وصول حزب العمال إلى رئاسة الوزراء في بريطانيا، قام رئيس الوزراء الجديد طوني بلير، بمبادرة لحل الخلافات، من خلال دعوته قادة حزب الـ«شين فين» إلى مقر رئاسة الوزراء، واستقبل جيري ادامز، في أول لقاء بين رئيس وزراء بريطاني وقيادي من الجيش الجمهوري الايرلندي منذ عام 1921، حين التقى زعيم الحزب في ذلك الحين مايكل كولينز مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك دافيد لويد جورج.ومهّد لقاء بلير وأدامز لاتفاقية بلفاست (اتفاقية الجمعة العظيمة)، وأهم بنودها مجلس حكم مستقل منتخب في ايرلندا الشمالية، إضافة إلى تقاسم السلطة واستفتاء على توحيد ايرلندا أُجري في أيار 1999، وكانت النسبة 71 في المئة نعم في ايرلندا الشمالية، و94 في المئة نعم في ايرلندا المستقلة.لكن نزع السلاح عُدَّ مفهوماً مأساوياً للاستسلام في نظر بعض أركان الجيش الجمهوري، وظهرت عقبات كثيرة في طريق الحل، كانت أبرزها في تشرين الأول من عام 2001 حين انسحب خمسة وزراء بروتستانت بقيادة زعيم حزب «ألستر» الاتحادي من حكومة بلفاست، مشترطين تخلي الحزب الجمهوري عن سلاحه للعودة.كما جُمِّد البرلمان في ايرلندا الشمالية في تشرين الأول 2002، وسط الحديث عن وجود حلقة من الجواسيس الذين يعملون لحساب الجيش الجمهوري، في داخله.نزع الأسلحةوفي 28 تموز من عام 2005، أفاد مراقبون دوليون بأن الجيش الجمهوري الإيرلندي تخلّص من الأسلحة التي استخدمها طوال 30 عاماً لمقاومة الحكم البريطاني لإيرلندا الشمالية، في خطوة من شأنها المساعدة على إيجاد تسوية سياسية. وقرّرت بريطانيا كإجراء موازٍ خفض قواتها في إيرلندا الشمالية من نحو 11 ألفاً إلى 5 آلاف.ويبقى السؤال الأهم ريثما تتم عملية تقاسم السلطة في أيار المقبل: هل يمكن أن يلعب نجاح الإرادة الشعبية، التي أصبحت الحكم في تقرير المصير، دوراً في إعلان استقلال إيرلندا بأقل خسائر ممكنة؟
قصة النزاع
قسَّمت بريطانيا جزيرة ايرلندا، في عام 1921، إلى جزءين. مُنح الاستقلال لأحدهما وقُسِّم إلى 26 مقاطعة ذات غالبية كاثوليكية، وتحول في ما بعد إلى دولة ايرلندا الحرة، فيما بقيت المقاطعات الست الأخرى الواقعة في شمال ايرلندا جزءاً من المملكة المتحدة.وفي عام 1922، أُعلن استقلال ايرلندا من دون الجزء الشمالي منها، ما أدى إلى نشوب حرب أهلية بين المعتدلين والراديكاليين.وتُعَدُّ ايرلندا الشّمالية جزءاً من المملكة المتّحدة، وتغطّي 5,459 ميلاً مربّعاً (14,139 كيلومتراً مربعاً) من المنطقة الشمالية الشرقية لجزيرة ايرلندا، نحو سدس مساحة الجزيرة. ويقدّر عدد سكان هذا الجزء بـ1,685,000 نسمة وفق إحصاء عام 2001. ويقع ضمن محافظة ألستر، وفي المملكة المتحدة المعروفة بمقاطعاتها الأربع.وتأسّس الجيش الجمهوري الايرلندي، الجناح العسكري لمنظمة الشين فين، في عام 1919 بوصفه وريثاً للمتطوعين الإيرلنديين (منظمة قومية فدائية تأسست عام 1913) لمقاومة النفوذ البريطاني في ايرلندا عسكرياً، من أجل تحقيق جمهورية مستقلة.وخلال الحرب الإيرلندية للاستقلال عن بريطانيا (1919ــــــ1921) استعمل الجيش الايرلندي بقيادة مايكل كولينز التكتيكات الفدائية مثل الكمائن والهجمات والتخريب لإجبار الحكومة البريطانية على التفاوض، وكانت نتائج التسوية تأسيس كيانين سياسيين جديدين: الأول، الدولة الايرلندية وتشمل 26 مقاطعة تم منحها السيادة، لكن بقيت ضمن الإمبراطورية البريطانية، بحيث يقسم أعضاء الحكومة قسم الولاء للعرش البريطاني.أما الثاني فكان ايرلندا الشمالية، التي تضم 6 مقاطعات، وتسمى «محافظة آلستر». وبقيت جزءاً من المملكة المتحدة.لكن هذا التقسيم لم يلق القبول لدى عدد كبير من أعضاء الجيش الإيرلندي، فانقسم إلى قسمين: الأول، بقيادة كولينز وهو المؤيد للمعاهدة مع البريطانيين، والثاني غير المؤيد للمعاهدة تحت قيادة رئيس «الشين فين» إيمون دي فاليرا. وأصبحت مجموعة كولينز أساس الجيش الرسمي للدولة المستقلة، فيما أصبح القسم الثاني، الذي عرف بـ«اللانظاميين» معارضة مسلحة ضد الحكومة المستقلة الجديدة.في نهاية الستينيات، اندلعت أحداث عنف في ايرلندا الشمالية، التي كانت لا تزال تابعة للحكم البريطاني، بسبب مطالبة طائفة الروم الكاثوليك (وهم الأقلية) بحقوقهم المدنية وبالانفصال عن بريطانيا والوحدة مع جمهورية ايرلندا، في خطوة واجهها الايرلنديون البروتستانت وقوات الشرطة التابعة لايرلندا الشمالية. وانقسم الجيش الجمهوري الايرلندي في دبلن (عاصمة جمهورية ايرلندا ــــــ الجنوبية) حول التدخل في الأحداث خوفاً من حمام الدم، لكن الرأي المؤيد للتدخل، وخصوصاً بتأثير قسم من الجيش الموجود في ايرلندا الشمالية، شق طريقه للأمام، وانقسم الجيش إلى «الرسميين» في دبلن، والى «الجيش الجمهوري» في بلفاست. وبدأت حملة عسكرية اضطرت بريطانيا إلى التدخل بقواتها وفصل المناطق البروتستانتية عن الكاثوليكية، ما أدى إلى حرب شاملة من الجيش الجمهوري ضد الجيش البريطاني، تطورت في منتصف السبعينيات إلى مواجهات عنيفة جداً، أدّت إلى تدمير بلفاست، وجزء كبير من المدن الأخرى. وامتد نشاط الجيش الجمهوري إلى لندن، حيث قام بتفجير الأهداف التجارية والمطاعم والفنادق هناك.ومع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وبعد وفاة العديد من المعتقلين من الجيش الجمهوري في السجون البريطانية، إثر إضرابهم عن الطعام، أو ما سمي إضراب الجوع، قوي الجناح السياسي للجيش الجمهوري «الشين فين»، بشكل كبير، وأصبح أكثر حيوية بقيادة جيري آدمز الذي أثار أولاً الحوار الداخلي، وخصوصاً حول سقوط المدنيين في العمليات وحول «كفاية القوة العسكرية فقط» لتوحيد ايرلندا.ومنذ أوائل التسعينيات، بدأت تتبلور خطط لإقامة السلام في الإقليم، بدأت تظهر داخل الحزب الجمهوري، الذي أصبح يدمج بين انتمائه للكاثوليكية والإيديولوجية الماركسية اللينينية، وامتدت علاقاته لتشمل تيارات يسارية في أميركا اللاتينية وشرق أوروبا والشرق الأوسط.وبدأ الحديث عن وقف العنف يتخذ موقعه في الأداء السياسي للحزب، رغم تصلّب بعض الأقطاب داخله وتمسكهم بالخيار المسلح لتحقيق أهدافهم.لكن اتفاق بلفاست، الذي قصم ظهر البعير، ترك آثاره بشكل كبير على الاتجاه المتشدد داخل الجيش الجمهوري، إلى أن تراجع هذا الاتجاه وصولاً حتى عام 2005، تاريخ الإعلان عن ترك السلاح.
اتفاق بلفاست
يستند اتفاق بلفاست لعام 1998 في أحد أهم مبادئه إلى البيان الذي وقعه ألبرت رينولدز عن جمهورية ايرلندا ورئيس وزراء بريطانيا السابق جون ميجور في عام 1993 والذي ينص على حق شعوب ايرلندا الشمالية في تحديد مصيرها.وتم الاتفاق على:ــــــ إلغاء القانون الخاص بحكومة ايرلندا، الذي يفرض سيادة بريطانية على الجزيرة كلها.ــــــ تأييد حق جميع سكان ايرلندا الشمالية في حمل جنسيات ايرلندية أو بريطانية، والاتفاق على عدم تغيير هذا الوضع مهما تغير وضع ايرلندا الشمالية السياسي.ــــــ الرجوع الى الشعب في أي خطوات تُتَّخَذ بشأن مستقبل ايرلندا، مع الإشارة إلى أن جميع الأطراف متفاهمون على أن معظم سكان ايرلندا الشمالية يرغبون في الاستمرار كجزء من بريطانيا، لكن معظم سكان جزيرة ايرلندا ككل ومعهم أقلية لا بأس بها من الشمال يتطلعون إلى تكوين ايرلندا متحدة، أي انفصال شمال ايرلندا عن بريطانيا.ــــــ لن يتغير أي موقف سياسي لايرلندا الشمالية إلا بموافقة سكانها من خلال الاستفتاءات التي تقام بأمر من وزير الخارجية البريطاني، وتكون المدة بين الاستفتاء والآخر سبع سنوات، على الأقل.
"الاخبار"الاربعاء ١٨ نيسان 2007

6‏/4‏/2007

«رسائــــــل استباقيّــــة»... قبــــل الحـــرب

معمر عطوي
كانت «الهدية» الايرانية، التي قدّمها الرئيس محمود احمدي نجاد الى الشعب البريطاني بإعلانه الإفراج عن الجنود البحارة الـ 15، سوى مفاجأة تحمل الكثير من الدلالات، التي تصبّ في مصلحة التحليلات المكثفة هذه الايام، حول مناخات الحرب المتوقعة على ايران.يطرح اطلاق البحارة خلال فترة لم تتجاوز اسبوعين من اعتقالهم تساؤلات عديدة عن التوقيت والاهداف، تقود نحو مجالات الاستفادة التي استطاعت ايران من خلالها توظيف هذه القضية لمصلحتها.استطاعت ايران من خلال مناسبة دينية هي المولد النبوي واسبوع الوحدة الاسلامية، توجيه اشارة ذات طابع رسالي تبشيري بحت، من خلال الاصرار على ان الاطلاق هو بمثابة «هدية من شعب ايران الى الشعب البريــطانـــي» بمقتضــــى «الرحــــمة الاسلاميــة».وفي الوقت عينه، حاول نجاد الايحاء بأن هذه الخطوة لا تعني إطلاقاً حصول خطأ من الجانب الايراني، اجبره على اتخاذ هذا القرار، وذلك بتقليده قائد البحرية ابا القاسم امنغا وساماً لاحتجازه البحارة.اطلق نجاد حملة دعائية اراد من خلالها اثارة اكثر من تساؤل في الرأي العام البريطاني، منها استهجانه اسناد مهمة قتالية صعبة الى «سيدة ام»، هي فاي تورني. اضافة الى اسئلة تحريضية عن مغزى وجود القوات البريطانية في الخليج، بما يشبه نقل المعركة إلى ساحة المهاجم وتوسيع الهوة بين السلطة البريطانية والشعب.من خلال هذه الاشارات، يمكن القول إن الرئيس الايراني استطاع الى حد ما خوض جزء من المعركة الاعلامية، التي قد يقطف ثمارها في حال بدء الحرب عبر تحركات شعبية بريطانية وأوروبية معارضة لها. ولعل الموقف الاوروبي، الذي رأى في خطوة الاطلاق «بداية لمزيد من التعاون» مع ايران، يصب في هذا الاتجاه.يمكن القول إن ايران نجحت في توظيف خطوات اخرى في هذه القضية، مثل إشراك تركيا وسوريا وقطر في الوساطات التي سبقت هذا الاطلاق. ولهذا الامر اشارات أيضاً مفادها أن طهران تعمل على دفع فواتير الى حليفتها التقليدية دمشق، في وقت تستقبل فيه هذه الاخيرة وفوداً غربية، هدفها غير المعلن هو محاولة تحييد سوريا في حال نشوب حرب في منطقة الخليج، لأن تورّط دمشق من شأنه ان يهدد امن اسرائيل ويشعل الجبهة الجنوبية اللبنانية، وبالتالي، ستنشأ حرب إقليمية قد تتعدى في تداعياتها الاهداف المرسومة لها.وعلى الجانب التركي، يعوّل الجانب الايراني كثيراً على النظام الاسلامي «المعتدل» في انقرة، لعدم فتح اجوائه وأراضيه منطلقاً لخوض هذه الحرب. وفي الاتجاه نفسه يظهر التقارب الايراني ـــ القطري.وفي وقت تدق فيه طبول الحرب على خلفية البرنامج النووي الايراني، تستعر حرب امنية خفية ظهرت بعض اشكالها من خلال اختفاء الجنرال الايراني المسؤول في الحرس الثوري السابق محمد علي اصغري في تركيا، اعقبها اختفاء عميل سابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي في جنوب ايران.ويبدو أن قضية الدبلوماسيين الخمسة الذين اعتقلوا في شمال العراق الى جانب الدبلوماسي الذي اطلق منذ ايام في بغداد، لا تنفصل عن هذا السياق.المفارقة التي يستحق التوقف عندها هي أن هذه المبادرة الايرانية، التي يمكن تسميتها اجراءً استباقياً «حسن النية» لحرب متوقع حدوثها بين لحظة واخرى، يتزامن مع نشاط متزايد في العراق لتيارات مقاومة تدعمها ايران، ضد الاحتلالين الاميركي والبريطاني، وهو ما يشير الى أن الجمهورية الاسلامية ليست بحاجة الى اوراق ابتزاز ضد الغرب ما دام ان الساحة العراقية يمكن ان تستخدم في هذه الحرب.
"الاخبار"الجمعة ٦ نيسان 2007

13‏/3‏/2007

كوريا الشمالية والاتفاق المباغت

معمر عطوي
نجحت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، رغم معارضة تيارفاعل فيها، في التوصل إلى تسوية تاريخية مع كوريا الشمالية بشأن ملفها النووي، يتوقع أن تعيد العلاقات بينهما بعد أكثر من نصف قرن من القطيعة؛ فهل تنجح هذه التجربة، التي يرى كثيرون أنها قد تشكل نموذجاً لتسوية مشابهة مع إيران؟
«تسوية تاريخية» تنتظر معالجة رزمة من الملفات العالقة
دخل الملف النووي الكوري الشمالي مرحلة جديدة، وضعت صدقية بيونغ يانغ على المحك، لجهة تنفيذ ما تعهدت به خلال المفاوضات السداسية، التي جرت الشهر الماضي في بكين، حيث أعلن عن اتفاق تاريخي تعهد فيه النظام الشيوعي بالتخلي التدريجي عن أسلحته ومفاعلاته النووية في مقابل حوافز اقتصادية ومساعدات غذائية وإنسانية، وأخرى في مجال الطاقة، التزمت بتقديمها أمام الأطراف الأخرى المعنية بهذا الملف، وهي: الولايات المتحدة، الصين، اليابان، روسيا وكوريا الجنوبية.ولتأكيد مضمون الاتفاق المشترك، الذي صدر عن الدول الست بعد اجتماع بكين في 13 شباط الماضي، يقوم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، اليوم، بزيارة الى بيونغ يانغ، ليبحث مع قادتها في تفكيك برنامج أسلحتهم النووي، على أن تعود الأطراف الستة الى الاجتماع في بكين في 19 الشهر الجاري لمتابعة ما تم الاتفاق عليه.ويرى البرادعي، الذي رحّب بالاتفاق السداسي، أن دعوة النظام الشيوعي له للقيام بهذه الزيارة “خطوة أولى على الطريق الطويل” المؤدي الى نزع الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية. وقد أعرب عن “سعادته لزيارة كوريا الشمالية ليقيم أطار تعاون جديد هناك”، مع وكالته، التي طردت السلطات الكورية مفتشيها في كانون الأول 2002، قبل أن تنسحب في السنة التالية من معاهدة الحد من الانتشار النووي.وكانت كوريا الشمالية قد أعلنت منذ عام 2005 عن امتلاكها للسلاح النووي، في خطوة توّجت سلسلة تجارب على صواريخ باليستية أثارت استياء دول المنطقة. لكن تجربتها الذرية في تشرين الأول الماضي أثارت جدلاً غير مسبوق، دفع بالدول الغربية والإقليمية، بينها دول صديقة مثل روسيا والصين، إلى اتباع سياسة جديدة: الدعوة الى تكثيف المساعي السياسية والدبلوماسية، بالتوازي
مع تنفيذ نظام عقوبات أقرّها مجلس الأمن الدولي। كما اعتمدت تكتيك “العصا والجزرة” لإجبار بيونغ يانغ على التخلي عن أنشطتها النووية، وخاصة أن المصالح الأميركية في الدول الحليفة مثل اليابان وكوريا الجنوبية ومنطقة شمال شرق آسيا باتت مهددة، بل حتى الأراضي الأميركية نفسها، مثل آلاسكا।سرعة التوصل إلى اتفاق، في خلال محادثات بكين في شباط الماضي، فاجأت الكثيرين، وكانت محل ترحيب عالمي। لكنها لم تضع حداً للنزاع القائم. فرغم الاتفاق على مجموعة كبيرة من القضايا الخلافية، إلا أن إمكان تطبيقها لا يزال محل تشكيك واسع، وخصوصاً من الإدارة الأميركية، التي شدد مسؤولون فيها على أن عملية التطبيع بين واشنطن وبيونغ يانغ، التي يتوقع أن تنهي نصف قرن من القطيعة، قد تستغرق سنوات، بسبب العراقيل القانونية وقضية حقوق الإنسان.تطالب
تطالباشنطن بيونغ يانغ بضرورة الإسراع في تطبيق المرحلة الأولى من اتفاق بكين (إغلاق مفاعل يونغبيون خلال 60 يوماً، والسماح لمفتشي الأمم المتحدة بدخوله)، تمهيداً لمرحلة لاحقة، يتوقع أن تكون أشد حساسية، (إزالة المفاعل والكشف عن كامل البرنامج النووي الكوري الشمالي)।أما كوريا الشمالية فتصرّ من جهتها على الحصول على مساعدات بقيمة 300 مليون دولار وخطوات نحو “إقامة علاقات دبلوماسية كاملة” مع الولايات المتحدة، وإزالة اسمها عن لائحة الدول الراعية للإرهاب.خلاف في المقاربة عبرت عنه اجتماعات نيويورك، التي عقدت الجولة الأولى منها أوائل الأسبوع الماضي، بين الجانبين الأميركي والكوري. وصفت المحادثات، وهي الأولى من نوعها على هذا المستوى منذ عام 2000، بأنها «جيدة جداً»، ويمكن أن تسفر عن نتائج بعد استئنافها خلال الأسبوع الجاري. وكانت الولايات المتحدة قد وافقت على رفع العقوبات المالية التي اتخذتها قبل سنة ضد بيونغ يانغ، حين أمرت الخزانة الأميركية بتجميد نحو 24 مليون دولار من موجودات كوريا الشمالية في مصرف في مكاو، إثر اتهامه بتبييض مبالغ من الدولارات المزورة. وقال كبير المفاوضين الأميركيين، كريستوفر هيل، لصحيفة “نيويورك تايمز”، إن الأمر يتعلق بـ“تحديد روزنامة عمل حول علاقاتنا الثنائية، ما يتضمن إقامة علاقات دبلوماسية، وهذا يأتي قبل إخراج كوريا الشمالية من لائحة الدول الراعية للإرهاب”.معروف أن العلاقات بين البلدين قد شهدت تحسناً في تسعينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، وتوّجت بزيارة وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مادلين أولبرايت إلى بيونغ يانغ أواخر عام 2000.لكن بوش وضع النظام الكوري الشمالي في عام 2002 في “محور الشر”، إثر معلومات استخبارية أميركية أفادت بأن بيونغ يانغ تطوّر برنامجاً لليورانيوم المخصّب لمآرب عسكرية.الكوريتانلعل أهمية اتفاق بكين قد تجاوزت موضوع رفع العقوبات والشعارات البراقة بشأن “شبه جزيرة خالية من السلاح النووي” أو مساعدات غذائية واقتصادية، إلى مسألة أهم، هي إعادة رسم خريطة جديدة من العلاقات الإقليمية، التي سادتها العدائية منذ عقود؛ فقد نص اتفاق بكين على صيغ واضحة من التفاوض بين الدولة الشيوعية وجارتيها الجنوبيتين: كوريا الجنوبية واليابان.لقاء رئيس الوزراء الكوري الجنوبي السابق لي هاي ــ شان مع رئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى في كوريا الشمالية كيم يونغ نا في بيونغ يانغ الأسبوع الماضي جاء في هذا الإطار، وشكل سابقة مهمة على طريق تعزيز العلاقة بين شطري كوريا. لكن رغم ما عبر عنه الطرفان من أجواء إيجابية سادت الاجتماع، لا يزال هناك الكثير من القضايا العالقة بين الطرفين، ليس أهمها الحاجة إلى الاتفاق على تفاصيل خاصة بالمساعدات التي طلبها الشطر الشمالي من جاره الجنوبي، والتي تصل إلى 400 ألف طن من الأرزّ و300 ألف طن من الأسمدة، علماً بأن سيول أوضحت أن بدء تسليم هذه الأسمدة قد يبدأ اعتباراً من أواخر آذار الجاري أو أوائل نيسان المقبل، مشيرة إلى أن قيمة هذه الكميات من الأسمدة تبلغ 105 ملايين دولار.ولعل أبرز ما في هذا الملف الشائك من قضايا عالقة هو جمع شمل العائلات التي فرّقتها الحرب الكورية التي امتدت بين عامي 1950 و1953. وكان البلدان قد اتّفقا الأسبوع الماضي، أثناء محادثات على المستوى الحكومي في بيونغ يانغ، على استئناف جهود المصالحة بينهما. ومعروف أن أكثر من 10 آلاف كوري شمالي فرّوا إلى كوريا الجنوبية منذ نهاية الحرب الكورية، تاركين خلفهم أعداداً كبيرة من أقاربهم في الشطر الشمالي.المسألة اليابانيةأما في ما يتعلق بملف العلاقات الكورية ـــ اليابانية، فلا تزال عقدة المخطوفين اليابانيين تعرقل إمكان تطويرها، ولا سيما أن البلدين قد اجتمعا الأسبوع الماضي في هانوي، حيث اصطدما بطريق مسدود على طريق تطبيع العلاقات بينهما. وكانت السلطات الكورية الشمالية قد اعترفت في عام 2002 بأنها خطفت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، 13 يابانياً، تمت إعادة خمسة أشخاص منهم، بهدف تعليم رجال استخباراتها اللغة والعادات والثقافة اليابانية ليتمكنوا من القيام بمهمات تجسسية خلف الحدود. وتطالب طوكيو بإعادة من بقي من المخطوفين على قيد الحياة، لكن بيونغ يانغ تؤكد أنهم توفّوا ولا يمكن إعادتهم.في المقابل، تطالب بيونغ يانغ طوكيو بوقف قمع الكوريين الشماليين المقيمين في اليابان، واتخاذ خطوات لتعويضها عن فترة الاستعمار الياباني لشبه الجزيرة الكورية (1910-1945). ويقول المسؤولون الكوريون الشماليون إن على طوكيو “ تنظيف ماضيها المثقل بالجرائم والذي لا يمكن مساواته، لوحشيته، بموضوع الخطف”.
اتفاق بكين
في ما يلي النص الحرفي لاتفاق بكين بين الصين واليابان وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وروسيا والولايات المتحدة، الذي جاء تحت عنوان “خطة لنزع السلاح النووي الكوري الشمالي”:“الخطوات الأولى للتطبيق:1 - عقدت الأطراف محادثات جدية وبناءة حول خطوات سيتخذها كل منها في المرحلة الأولى لتطبيق البيان الصادر في 19 أيلول 2005. تعيد الأطراف التأكيد على هدفها المشترك وعلى أنها ستجعل شبه الجزيرة الكورية، في وقت قريب، خالية من السلاح النووي، بطريقة سلمية. وتكرر أنها ستطبق بسرعة تعهداتها الواردة في بيانها المشترك، على مراحل، وفق مبدأ: “خطوة خطوة”.2 - وافقت الأطراف على اتخاذ الخطوات التالية بالتوازي في المرحلة الأولى:أ- تتعهد جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية بالعمل على الإنهاء التام لمفاعل “يونغبيون” النووي، من ضمنه منشأة إعادة المعالجة، ودعوة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مجدداً للقيام بجميع أعمال الرقابة والتحقق الضرورية، بحسب الاتفاق بين الوكالة وبين كوريا الشمالية.ب- ستناقش كوريا الشمالية مع الأطراف الأخرى لائحة بكل برامجها النووية، وفقاً لما وصفه البيان المشترك، بينها البلوتيونيوم المستخلص من قضبان الوقود المستخدمة، والتي من المفترض إزالتها بشكل مطابق للبيان المشترك.ج- ستبدأ كوريا الشمالية والولايات المتحدة بمحادثات ثنائية تهدف الى حل القضايا الثنائية العالقة بينهما والتحرك قدماً نحو علاقات دبلوماسية تامة. وستبدأ الولايات المتحدة بعملية رفع اسم كوريا الشمالية عن لائحة الدول الراعية للإرهاب، وتدفع قدماً بمسار إنهاء تطبيق التجارة مع العدو على كوريا الشمالية.د- وستبدأ كوريا واليابان محادثات ثنائية تهدف الى اتخاذ خطوات لتطبيع علاقاتهما، بالاستناد الى إعلان بيونغ يانغ، وعلى قاعدة تسوية الماضي المشؤوم والقضايا المعلقة ذات الاهتمام.ه- ومع التذكير بالقسمين 1 و3 من البيان المشترك في 19 أيلول 2005، توافق الأطراف على التعاون في الاقتصاد والطاقة والمساعدة الإنسانية مع كوريا.في هذا المجال، وافقت الأطراف على توفير مساعدة عاجلة في مجال الطاقة في الخطوات العملية الأولى. الشحنة الأولية للمساعدة العاجلة للطاقة تساوي 50 ألف طن من الوقود الثقيل تبدأ خلال الستين يوماً المقبلة.وافقت الأطراف على أن الخطوات الأولية المذكورة آنفاً ستطبق خلال ستين يوماً، وأنها ستقوم بخطوات منسّقة نحو تحقيق هذا الهدف.3 - وافقت الأطراف على تأسيس مجموعات العمل التالية من أجل تنفيذ الخطوات الأولية ومن أجل التطبيق الكامل للبيان المشترك:أ‌- إخلاء شبه جزيرة كوريا من السلاح النووي.ب‌- تطبيع العلاقات الأميركية الكورية الشمالية.ج‌- تطبيع العلاقات اليابانية الكورية الشمالية.د- التعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة.ه- آلية السلام والأمن في شمال شرق آسيا.تناقش مجموعات العمل وتضع خططاً محددة لتطبيق البيان المشترك في المجالات المعنية بها. وستعدّ هذه المجموعات تقريراً لرؤساء وفود الأطراف حول تطور عملها. من حيث المبدأ، يجب ألا يؤثر التقدم في إحدى اللجان على تطور عمل اللجان الأخرى. وستطبق الخطط التي وضعتها مجموعات العمل الخمس ككل متكامل وبطريقة منسقة.ووافقت الأطراف على أن تجتمع مجموعات العمل كلها خلال الثلاثين يوماً المقبلة.4 - خلال مرحلة الخطوات الأولية والمرحلة التالية – التي تتضمن فقرة تصرح بموجبها كوريا الشمالية بشكل تام عن كل برامجها النووية وإنهاء كل المفاعلات النووية الموجودة، بما فيها مفاعلات ومصنع إعادة معالجة الغرافيت المعدل – سيتم تزويد بيونغ يانغ بمساعدات اقتصادية وفي مجال الطاقة ومساعدات إنسانية، تصل إلى ما يوازي مليون طن من الوقود الثقيل، بينها الشحنة الأولية التي تساوي 50 ألف طن.وستحدد الوسائل التفصيلية للمساعدة عبر مشاورات وتقييمات ملائمة، في مجموعات العمل حول التعاون الاقتصادي والطاقة.5 - ما إن تنجز الخطوات الأولية، تجتمع فوراً الأطراف الستة على مستوى وزراء، لتأكيد تطبيق البيان المشترك وتتحرى الطرق والوسائل لتعزيز التعاون الأمني في شمال شرق آسيا.6 - تعيد الأطراف التأكيد على أنها ستتخذ خطوات إيجابية لتعزيز الثقة المتبادلة، وستقوم بجهود مشتركة من أجل إحلال سلام وأمن دائمين في شمال شرق آسيا. وستعمل الأطراف المعنية مباشرة بهذا الملف على التفاوض حول نظام سلام دائم في شبه الجزيرة الكورية في إطار لقاء منفصل مناسب.7 - وافقت الأطراف الستة على عقد جولة سادسة من المفاوضات في 19 آذار للاستماع الى تقارير مجموعات العمل ومناقشة خطوات المرحلة التالية.
عدد "الاخبار"الثلاثاء ١٣ آذار 2007

22‏/2‏/2007

طموح روسيا إلى عالم متعدّد الأقطاب

معمر عطوي
يبدو أن الاتحاد الروسي قد عاد الى دائرة الاحداث العالمية بقوة في الاشهر الاخيرة ليقوم بالدور الملائم لحجمه السياسي والاقتصادي والجيوبوليتيكي في المجال الحيوي «الاوراسي»، إن لم نقل قد عاد ليحيي مجد «السوفياتيات» الضائع منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي.يمثل ببراعة هذه الاتجاه الجديد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي ركزت خطاباته الاخيرة على ضرورة وضع حد لسيطرة القطب الواحد وإعادة تكوين التحالفات الدولية وفق نسق جديد يأخذ في الحساب العامل الاقتصادي والازمات الاجتماعية أسباباً اساسية لحدوث الخلل في التوازن الاقتصادي بين الدول، وبالتالي انعكاس «اللاعدالة» في توزيع الثروة على تكوين كيانات سياسية خاضعة تسمى الاطراف، وإقطاب تمتلك القوة والاقتصاد والحق في التسلح وبالتالي الهيمنة.ويبدو أن بوتين ومن خلال خطابه الأخير الذي ألقاه في مؤتمر «الأزمات العالمية هي مسؤولية عالمية» الأمني الذي عقد في مدينة ميونيخ الالمانية اوائل هذا الشهر، قد أتقن فن التعبير عن مشروعه الاقليمي ــــــ الدولي بشكل بدا من خلاله انه يطمح الى ايجاد موقع ملائم لروسيا على الحلبة الدولية يمتلك قوة الاتحاد السوفياتي ونفوذه، لكنه يتلافى اخطاء الاتحاد بتقديم نموذج آخر لمعادلة القطبين قائم على نزع التسلح بدل سباق التسلح من المجال النووي الى حرب الفضاء، وعلى حل المشكلات الاقتصادية مقدمة لحل المشكلات الاجتماعية التي يرى انها السبب الاساسي في تصاعد موجات الإرهاب.ولعل ما طرحه بوتين في خطابه الشهير الذي نشرت نصه «الأخبار»، يعدّ «مانفستو» جديداً يشبه البيان الشيوعي في أنه يستحضر كارل ماركس في التركيز على العامل الاقتصادي سبباً للنزاعات السياسية، لكنه يتفرد عنه بابتعاده عن لغة ايديولوجية اشتهر بها سلفه «الاتحاد السوفياتي».لذلك رأى من هذا المنطلق، أن الحرب الباردة «خلّفت لنا قنابل لم تنفجر»، مستخدماً تعبيراً مجازياً قاصداً من خلاله «القوالب الايديولوجية، وازدواجية المعايير والنماذج الاخرى لتفكير التكتلات، والعالم الاحادي القطب، الذي اصبح مركزاً واحداً للسلطة وللقوة، ولاتخاذ القرار».ويبدو أنه استفاد في هذا المضمار من تجربة الاتحاد السوفياتي السابق الذي تداعى من الداخل بسبب سياساته الخاطئة. فحسب بوتين، أن التفرد في القرارات والتعاطي مع العالم من منطلق الملكية الخاصة او «عالم السيد الواحد» هو الذي يساهم في تدمير هذا السيد لأنه يقوضه من الداخل.وفي هذا الاستشراف الواضح لتدمير القطب الواحد المتمثل بالولايات المتحدة، يكون بوتين في موقع التحذير لا التهديد، بمعنى أنّ توقع انهيار النظام الامبريالي العالمي في واشنطن لن يكون بسبب سباق التسلح ولا المنافسة في السيطرة على مواقع النفوذ، بل من خلال آليات خاطئة في التعاطي مع قضايا العالم الشائكة بدءاً بالارهاب والتدخل في شؤون الدول بطريقة مناقضة للقيم الديموقراطية التي تدّعي الولايات المتحدة التمتع بها في بلادها ونشرها في دول الاطراف، وصولاً الى التحكم باقتصاديات البلدان الفقيرة واستغلال ثرواتها.ويظهر المنحى الانساني واضحاً في خطاب روسيا الجديد، فهي التي كانت لها صولات وجولات في حل النزاعات بالقوة، قد اضحت تفتش عن طريقة أخرى لحل النزاعات بعيداً عن العنف الذي تمارسه ومارسته الولايات المتحدة دوماً، متسائلاً «كيف تستطيع دول تحظر الاعدام أن تشارك بسهولة في عمليات عسكرية يقتل فيها مئات بل آلاف الناس؟.. لماذا يجب الآن عند كل فرصة مناسبة الضرب والقصف؟ هل ينقصنا التهذيب السياسي واحترام القيم الديموقراطية والقانون في ظروف غياب خطر الابادة المتبادلة؟».ومما لا شك فيه أن السياسة الروسية الجديدة التي هي قيد التبلور اليوم، هي وليدة عوامل عديدة موضوعية وذاتية.فعلى المستوى الذاتي استطاعت موسكو في ظل سياسة بوتين التي امتشقت سيف محاربة الفساد والمافيات، أن تتخلص من جزء كبير من الديون التي كانت تثقل كاهلها، بالإضافة إلى التخلص الى حد ما من تداعيات سقوط الاتحاد السوفياتي وإعادة لملمة الأوضاع وفق سياسات جديدة.كما أدّت روسيا دوراً رائداً في الإمساك بورقة الغاز عامل ضغط يهدد دول الاتحاد الاوروبي كلها.وفي الموضوع الأمني، استطاعت موسكو التخفيف الى درجة كبيرة من حدة المشكلات «الانفصالية» في الشيشان وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وثمة عوامل موضوعية تتعلق بالتغيرات التي شهدها العالم في العقدين الاخيرين، والتي استفاد منها الاتحاد الروسي الى درجة كبيرة، عل ابرزها غرق المنافس الاساسي اي الولايات المتحدة في مستنقعي العراق وأفغانستان، وتراجع قوة حليف واشنطن الرئيسي في المنطقة، اسرائيل، امام ضربات المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وبروز قوى اقتصادية جديدة في العالم مرشحة لأن تتحول دول اقطاباً على الساحة العالمية. من الواضح أن موسكو قد استفادت من التطورات العالمية المذهلة في السنوات الاخيرة، لتعيد صوغ سياستها في ضوء هذه التطورات. فالخطاب الروسي الجديد يشير بجلاء إلى آليات جديدة في التعاطي مع التحولات بدءاً من الشرق الاوسط والمياه الدافئة، مروراً بشرق آسيا وجنوبها وصولاً الى اوروبا.بدا هذا واضحاً في التزام موسكو البرنامج النووي الايراني، اضافة الى مواصلتها، مع الصين في اطار اللجنة السداسية، معالجة الملف النووي الكوري الشمالي بأقل خسائر ممكنة لمصلحة بيونغ يانغ، رغم أن روسيا نفسها تتخوف من السلاح النووي الكوري الذي دخل حيز التجربة اواخر العام الماضي. اما في الشرق الاوسط، فأكدت روسيا أنها تسعى الى بعث «امجاد» سلَفها السوفياتي من خلال تبنيها سياسة الممانعة للمشروع الاميركي الاسرائيلي، ففي هذا الاطار، استقبلت مسؤولي حماس رغم محاربة دول العالم قاطبة لهم، وقدمت لحكومتهم التي انتخبت ديموقراطياً، الدعم السياسي والمادي، ووقفت الى جانب حزب الله خلال حرب تموز بخلاف العديد من الدول العربية، وربما قدمت له الدعم اللوجستي من خلال حليفتها سوريا التي ترتبط معها بعلاقات وثيقة، جعلت الاخيرة تستند في صمودها امام الضغوط الاميركية الى هذا الدعم الذي برز أحد تجلياته برفض موسكو التسريع ببت المحكمة الدولية التي ستحقق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، في تماه واضح مع دمشق.
عدد"الاخبار" الخميس ٢٢ شباط 2007

9‏/2‏/2007

مشربيات عربية بعيون غربية


معمر عطويتجلس الفنانة الألمانية مارييل بوبه في معرضها المتواضع في برلين منهمكة برسم نوافذ صغيرة وأشكال هندسية مستوحاة من الفن الشرقي الإسلامي على ورق الكرتون المقوى، في محاولة لمحاكاة صور تاريخية من المجتمع الإسلامي الذي اشتهر بصناعة المشربيات في إطار تقاليده التي تقضي

13‏/1‏/2007

قلق الصواريخ” يدفع طوكيو نحو “العسكرة”

معمر عطوي
لم يكن القرار الياباني بتحويل وكالة الدفاع الى وزارة للدفاع الثلاثاء الماضي، نابعاً من رغبة في التحرر من عقدة الهزيمة، التي منيت بها طوكيو في الحرب العالمية الثانية وأداء دور أكبر في الشؤون الامنية العالمية فقط، بل كانت هناك أسباب أخرى أهمها تزايد الخطرين الصيني والكوري الشمالي على الجزيرة “المسالمة”.ومن المفيد الإشارة في هذا المضمار إلى أن وكالة الدفاع في اليابان قد تأسست عام 1954، وظلت خارج دائرة الضوء على مدى عقود لأن الدستور الياباني والرأي العام يودان تجنّب أي شيء يعيد ذكريات الأجواء العسكرية الخاصة بالحرب، مع لفت الانتباه الى الشروط الاميركية والدولية التي فُرضت على طوكيو بسبب تحالفها مع النظام النازي في المانيا، وما ترتب عليها من حظر جعل اليابان دولة اقتصادية غير عسكرية.
إلا أن التطورات العسكرية التي طرأت على المنطقة الآسيوية منذ عقود، وسباق التسلح في ظل ظهور دول كانت ضمن المنظومة الاشتراكية، مثل الصين وكوريا الشمالية، دفعت الدولة المسالمة المحتمية بأحضان القوات الأميركية إلى تغيير استراتيجيتها.وتتخوّف اليابان من الصواريخ البالستية الكورية ومن مخزون الأسلحة الكيماوية والبيولوجية الكورية. وليس أدل على هذا القلق من تصريح وزير الدفاع الياباني، رئيس وكالة الدفاع السابقة، فوميو كيوما، الذي قال إن “إطلاق كوريا الشمالية صاروخاً وإجراءها تجربة نووية في العام الماضي يعنيان أن الوضع الأمني في الخارج بالقرب من اليابان لا يزال صعباً”. ودفع تصاعد القلق الأمني الياباني منذ منتصف التسعينيّات الساسة اليابانيين، بالتفاهم مع حلفائهم في الولايات المتحدة، الى البحث في تغيير استراتيجياتها واللجوء الى تعزيز الوضع العسكري لديها، وذلك بعدما باتت الصين، العدو التاريخي لليابان، تمثل تهديداً إقليمياً حقيقياً نتيجة قيام بكين بزيادة تمويل الأنشطة العسكرية لديها وترسانة الصواريخ الضخمة.ويمكن القول إن البداية الفعلية لخروج الجزيرة من “عزلتها العسكرية” كانت أثناء حرب الخليج عام 1991، حين فرضت واشنطن على طوكيو دفع مبالغ كبيرة لتمويل الحرب ضد نظام صدام حسين في العراق.وفي عام 1995 بدأت اليابان ببحث موضوع ارسال قوات الى الخارج. كما وقعّت في تلك الفترة مع الولايات المتحدة اتفاقاً بشأن توسيع التعاون في مجال نظام الدفاع بالصواريخ الباليستية. وفي عام 2003 أعلنت طوكيو عزمها على تطوير قدراتها الدفاعية الصاروخية بتنفيذ نظام للدفاع الصاروخي يعتمد على التكنولوجيا الاميركية.ولم يتوقف الامر عند ذلك، ففي عام 2004 انخرطت اليابان في تنفيذ خطط عالمية للدفاع، من خلال إرسال نحو 550 جندياً إلى جنوب العراق، في أخطر مهمة يقوم بها الجيش الياباني في الخارج منذ عام 1945، تماهياً مع طلب البيت الأبيض الذي كان يعمل على حشد أكبر مشاركة عسكرية عالمية ممكنة لتسويغ احتلاله للبلد العربي. لكن هذه المهمة انتهت في تموز من العام الماضي.ولمعرفة الخصوصية التي باتت تميز مؤسسة الدفاع اليابانية في ظل “وزارة” عما كانت عليه حين كانت “وكالة”، فإن ما ذكره رئيس الوزراء شينزو آبي، خلال تدشين الوزارة، من أن وكالة الدفاع “كانت هيئة تابعة لمكتب رئيس الوزراء ولم يكن بوسعها طرح قضاياها المهمة في اجتماعات مجلس الوزراء أو تقديم طلبات الميزانية من دون موافقة رئيس الوزراء”، لهو دليل على ضعف صلاحياتها التي ستتغير بلا شك مع كونها وزارة، إذ تتمتع بسلطة وضع السياسات وطلب الميزانية كأي وزارة أخرى. كما تهدف الى تقديم مقترحات بشأن استراتيجية الامن القومي، إضافة الى تعزيز أنشطة قوات الدفاع الذاتي في الخارج. ويبدو ان طوكيو لم تقتصر في وضع استراتيجيتها الجديدة على تحويل الوكالة الى وزارة، بل قامت أيضاً بإنشاء وحدة استخبارات جديدة في الجيش، لجمع المعلومات، في أول خطوة من نوعها.ويبدو ان ما قامت به اليابان على الصعيد الدفاعي والاستخباري قد نقل القلق الذي كان لديها من طموحات الدول المجاورة العسكرية، الى هذه الدول نفسها، التي عانت في السابق عدواناً عسكرياً يابانياً خلال الحرب.وجسّدت هذا القلق وكالة أنباء الصين الجديدة “شينخوا”، حين قالت إن تغيير اسم الوكالة الى وزارة، “يعطي أسباباً كافية للناس كي يقلقوا بشأن ما إذا كانت اليابان ستلتزم النهج السلمي”.من هنا يبدو المشهد الشرق آسيوي بالغ الحساسية في ظل هواجس وهواجس مضادة تعززها الأحلاف الدولية وتسوّغ استحداثها الصواريخ العابرة للقارات.
عدد "الاخبار"السبت ١٣ كانون الثاني 2007

6‏/1‏/2007

هل ينجح أردوغان حيث فشل العرب؟

معمر عطوي
المتابع لتطورات الحياة السياسية التركية والمنعطفات الخطيرة التي مرت بها التيارات الإسلامية في ظل النظام المتطرف بعلمانيته، يدرك أن شخصية رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان هي شخصية استثنائية، إذا صح القول، برزت إلى ساحة الأحداث وسط ظروف أيضاً استثنائية، ميزتها تحولات سياسية عاصفة إقليمياً ودولياً، حملت خلالها انتخابات محلية إلى السلطة تياراً كان في ما مضى من التيارات الممنوعة من ممارسة العمل السياسي.لقد خط الرجل سياسة جديدة لتركيا العلمانية، التي تجلببت، مع وصول حزبه (العدالة والتنمية) إلى السلطة، بعباءة إسلامية من دون أن تخلع طربوش مؤسس “تركيا الحديثة” مصطفى كمال اتاتورك.واللافت أن أردوغان لم يأت على ذكر الدين، في خطاب فوزه، بل استشهد بأتاتورك اثناء قوله إن الحكم هو للشعب، ودعوته إلى تطبيق المبادئ العلمانية في تركيا. وأدى عمدة إسطنبول السابق دوره بذكاء وحنكة سياسيتين عندما وضع “مسَلَّمات الإسلام” جانباً، ليتعامل مع السياسة من منطلق كونها “فن الممكن”.تبلور ذلك من خلال مواقفه التي واكبت التحولات الإقليمية والدولية وإجراءات بحث انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، أي الغمز من قناة الديموقراطية واحترام رأي الشعب. وربما كانت التعديلات الدستورية والقانونية التي أقرها البرلمان خلال الأعوام الماضية، والتي تعترف بحق الأكراد في استخدام لغتهم في وسائل الإعلام والمدارس والمعاهد الخاصة، تصب في هذا الإطار.واستطاع أردوغان تقليص حجم الهوة بين الإسلاميين والعسكر المدعومين من رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر والقوى العلمانية، في ما يتعلق بفهم وتفسير المخاطر التي تهدد النظام العلماني الديموقراطي.وكان الموقف التركي متميزاً إزاء المواقف التي برزت خلال حرب الخليج “الثالثة”، وخصوصاً مواقف دول الجوار العراقي، تجاه فتح الجبهة الشمالية أمام قوات الاحتلال الاميركي. كان غير متوقع، إن لم نقل مفاجأة للمراقبين، الذين رصدوا الثمن السياسي الذي قد تقبضه أنقرة بدخول قواتها إلى شمال العراق لمحاربة الأكراد، والاقتصادي المتمثل بزيادة المساعدات وموافقة البنك الدولي على منحها قروضاً ميسّرة إضافية.ومما لا شك فيه، أن الفترة التي تسلم فيها مهامه أحيطت بضغوط أميركية كثيفة استهدفت الموافقة على نشر قوات أميركية في البلاد أو فتح الأجواء أمام الطائرات التي تستخدم للإغارة على مواقع في العراق.ورغم معارضته لبعض التوجهات الأميركية، يحاول أردوغان قدر المستطاع تجنب غضب واشنطن، التي لا تزال أنقرة بحاجة إلى مساعداتها المالية ودعمها السياسي، إن كان لجهة الانضمام إلى المنظومة الأوروبية أو لجهة دعم ترشيح أردوغان نفسه لرئاسة الجمهورية هذا العام، إذ يرى في الدعم الأميركي تعزيزاً لدوره وحضوره في مواجهة مؤسسة الجيش والأحزاب العلمانية.وفي الأعوام الاخيرة أدت تركيا أردوغان دوراً مكثفاً في تعزيز العلاقات على المستويين الإقليمي والدولي، وقامت بمساع ووساطات على أكثر من خط. ففي ملف انضمامها للاتحاد الأوروبي، قامت بالعديد من الإصلاحات الداخلية، كما أبدت بعض المرونة تجاه القضية القبرصية تمهيداً لبحث مسألة الانضمام.وتمكنت أنقرة على الصعيد الإقليمي من أن تنسج العديد من العلاقات من خلال موقفها الموحد مع إيران وسوريا تجاه المسألة الكردية وتجاه التمسك بوحدة العراق. كما تلقت المبادرة السورية، التي تمثلت بزيارة الرئيس بشار الأسد لأنقرة، بإيجابية بالغة أفسحت في المجال أمام تعزيز التعاون على أكثر من صعيد، أبرزه الأمني، كما رفع الجانبان من مستوى التنسيق في مواجهة الأكراد. واستطاعت أنقرة تحقيق مكسب آخر بضمان عدم تطرق سوريا إلى قضية لواء الإسكندرون السوري المسلوب من الدولة الإسلامية.وسعت أنقرة في هذا السياق إلى القيام بمساع دبلوماسية لإعادة المفاوضات بين دمشق وتل أبيب، كذلك إلى إعادة بعض الحرارة لخط العلاقات بين دمشق وواشنطن.كما كان لزيارة الملك السعودي عبد الله إلى أنقرة منتصف العام الماضي، أهمية عززت حضور تركيا في المنطقة العربية. وأرست أنقرة لعبة توازن استطاعت من خلالها التوفيق بين دعم حركة “حماس” في تولي الحكومة الفلسطينية، واستقبال قادتها من جهة، وانتقاد الممارسات الإسرائيلية في فلسطين ولبنان من جهة أخرى، واستمرت، في الوقت نفسه، بعلاقتها مع تل أبيب.ولعل موافقة تركيا على المشاركة في القوات الدولية في لبنان، رغم معارضة الشارع التركي والعديد من الأحزاب، تصب في سياسة الغزل تجاه واشنطن وتل أبيب، التي تجد من مصلحتها مشاركة قوات إسلامية سنية في مواجهة مع حزب الله الشيعي. كما تصب هذه الخطوة في زيادة رصيد تركيا أمام الدول الأوروبية وتعزز رصيدها في الانضمام إلى النادي الأوروبي.إلا أن أردوغان يصر على بقاء علاقته الطيبة مع طهران، فقد حرصت أنقرة على عدم الانخراط في حلف الدول العربية والإسلامية السنية الذي روجت له دوائر الاستخبارات الأميركية تحت شعار مواجهة “الخطر الشيعي الإيراني”.ويبدو ان اردوغان يفهم جيداً مدى تأثير الدور السوري على بعض التيارات السياسية المعارضة في لبنان، لذلك استبق زيارته لبيروت بزيارة لدمشق، مبدياً استعداده لبحث مسألة تقريب وجهات النظر بين الرياض ودمشق. وفي السياق نفسه، يأتي الدور الإيراني الذي يفهمه المسؤول التركي جيداً، وهذا ما تمثل بدعوته السلطة اللبنانية إلى محاورة طهران.ويبقى السؤال المطروح هنا: هل يستطيع أردوغان بما يملك من علاقات وحنكة سياسية أن ينجح في تسوية المسألة اللبنانية، حيث عجز العرب عن ذلك؟
عدد "الاخبار"السبت ٦ كانون الثاني 2007

3‏/1‏/2007

ليس دفاعاً عن صدّام

معمر عطوي *
بقطع النظر عمّن هو صدام حسين وبعيداً عن تقويم حزب البعث وممارساته «الشمولية» في السلطة المستبدة، لا بد من الإحاطة الكلية بالأجواء التي رافقت صدور حكم إعدام الرئيس العراقي المخلوع واثنين من اعوانه في قضية الدجيل بعدما تم تنفيذه بصدام عقب تصديق محكمة التمييز الجنائية العليا।ذلك أن الشعور بـ«نشوة الانتصار» في وقت يعيش فيه العراق ما يشبه تنفيذ خطة للإبادة الجماعية على المستوى الطائفي، يصبح من السخافة إن لم يكن نوعاً من الاختباء وراء الاصبع، خصوصاً اذا علمنا ما جلبته مرحلة «ما بعد ــ صدام» من ويلات على الشعب العراقي تتخطى في مشهديتها التراجيدية كل ما فعله نظام البعث من حلبجة حتى الدجيل والأنفال وغيرها।ومما لا شك فيه أن رؤية الرئيس العراقي السابق في قفص الاتهام اثناء تلاوة حكم الاعدام عليه وعلى اعوانه في قضية الدجيل، ومن ثم معلقاً على حبل المشنقة في اول ايام عيد الاضحى، وسط اصوات تبارك الحكم اريد منها الاستفزاز المذهبي لا اكثر، في ايحاء واضح لاستفزاز مشاعر شريحة لا بأس بها من العراقيين، قد مثّل مفصلاً خطيراً في ما تؤول اليه الأوضاع على المستوى العربي، الذي انقلبت فيه القيم وتحول فيه المصطلح الى تعبير ملتبس، فبات من يناصر التغيير تحت عباءة اميركا «وطنياً شريفاً» وثائراً، ومن يقاتل فلول الغزو الاميركي ــ الاسرائيلي ارهابياً ومغامراً. وليس المقصود هنا أن نظام صدام حسين يندرج في صف «الوطني الشريف»، لكن من غير الجائز تحت اي ذريعة من ذرائع الاضطهاد والحرمان والتنكيل، (التي ليست حكراً على نظام صدام حسين السابق فقط ضمن المنظومة العربية و«العالمثالثية») أن نبرر نتائج بنيت على مقدمات فاسدة، وبالتالي يصبح التسليم بهذه النتائج والترحيب بها اعترافاً غير مباشر بمقدمات فاسدة اقل ما يقال فيها أنها خطيئة تاريخية ينبغي رفض كل ما يتمخض عنها. ففي علم المنطق الأرسطي قاعدة اساسية تقول إن فساد المقدمة يعني فساد النتيجة. وهذا يترتب على كل ما ينتج من احتلال العراق بما فيه القضاء على نظام البعث ومحاكمة جلاوزته.اذن، الأمر هنا ليس دفاعاً عن صدام الطاغية، بل هو دفاع عن سيادة عربية مفقودة بفعل الاحتلال الاميركي للمنطقة، وهوية اصبحت ملتبسة في ظل سيطرة قوى لا يمكن وصفها بأقل من تعبير «عملاء اميركيين» تعبر عن فرحها بالحكم على الطاغية حتى ولو جاء هذا الحكم من طاغية أكبر، لطالما كان بعض هذه القوى نفسها ينعتها بـ «الشيطان الاكبر».لا يمكن تجاهل ضحايا الظلم بأي شكل من الاشكال، ولا يمكن مصادرة الحق في الشماتة من القاتل او السرور بنيله جزاءً قد يستحقه، لكن لا بد من مراقبة التوقيت الذي حدد يوم البت بالحكم عشية انتخابات نيابية اميركية واجه فيها الحزب الجمهوري الحاكم مشكلة كبيرة في ظل تقدم خصمه الديموقراطي، خصوصاً أن فشل تحقيق نتائج غزو العراق هو احد ابرز الاسباب التي استعملها الديموقراطيون ضد الجمهوريين في حملاتهم الانتخابية.فجاء توقيت الحكم بإعدام صدام وأعوانه بمثابة محاولة سافرة وفاشلة في الوقت نفسه، لحفظ بعض ماء الوجه للرئيس جورج بوش وإدارته المحافظة التي واجهت فشلاً ذريعاً في تحقيق سياساتها في العراق وقبل ذلك في افغانستان.كما جاء توقيت تنفيذه في ايام العيد أيضاً ذا دلالات خبيثة واستفزازية.كان من الممكن ايجاد اوسع مشاركة ممكنة لحالة السعادة التي قد يشعر بها ذوو ضحايا الدجيل والانفال وكركوك وحلبجة وغيرها، لو كانت المحكمة العراقية محكمة ثورية حقيقية خرجت من رحم انتفاضة شعبية على غرار الثورة الايرانية او الثورة البولشفية او حتى الثورة البوليفارية، عندها كان من الممكن الترحيب بنتائج محاكمة هي صنيعة الضحايا انفسهم لا نتاج عملية تصفية حسابات بين ادارة مخابراتية وعميلها السابق الذي انقلب على مخططاتها.لم تكن إدانة صدام حسين صورة مذلة لجلاوزة النظام العراقي الذين يستحقون العقاب على ما اقترفوه بحق شعوبهم، مثل غيرهم من جلاوزة الانظمة العربية الاخرى، والتي تستأنس الولايات المتحدة في دعمها، بل هي طعنة في كرامة كل مواطن عربي شعر بأن قفص الاتهام يتسع في عهد غوانتنامو وأبو غريب ليمتد من المحيط الى الخليج. رؤية صدام وأعوانه في قضايا قد يستحقون اقصى الاحكام عليها، تستحضر مشهداً آخر لمحاكمات مرتقبة قد يكون ضحيتها السيد حسن نصر الله او خالد مشعل او ابطال المقاومة العراقية الذين نأوا بأنفسهم عن تنفيذ مخططات الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية بتنفيذ فصول الفتنة الطائفية وقتل الابرياء ليصطادوا جنوداً ينتمون الى محكمة، اقل ما يقال فيها أنها لا تشبه ضحايا المجازر.
الاخبار -عدد الاربعاء ٣ كانون الثاني 2007

13‏/12‏/2006

فيجي: جنرال “الأكثرية” يقود انقلاباً لمصلحة الأقلّية

معمر عطوي
رغم الشعار الذي رفعه قائد الجيش الفيجي الادميرال فوريكي باينيماراما، عنواناً للانقلاب الذي وقع الاسبوع الماضي، وهو “محاربة الفساد”، فإن البعد العرقي الذي يتجذر في المشكلة الفيجية بين هنود وسكان اصليين يطرح نفسه بقوة في “رزمة” اسبابه.ومعروف أن فيجي تجمع على أراضيها مجموعات عرقية متباينة تضم هنوداً وسكاناً أصليين من الميلانيزين والبولينيزين بينهم مسلمون ينحدرون من أصول هندية وباكستانية.وبدأت الخلفية العرقية لهذا الانقلاب تتجلى بعد ايام من حدوثه في جمهورية هي عبارة عن أرخبيل مكون من 322 جزيرة، أكبرها فيتي ليفو وفانوا ليفو.ويمكن تتبع بدايات المشكلة من الانتخابات التشريعية التي شهدها الارخبيل في ايار 2006، والتي شهدت استقطاباً على اساس عرقي في الساحة السياسية؛ فقد فاز فيها حزب فيجي الموحد (ميلانيزيون وقوميون) بزعامة رئيس الوزراء لايسينيا كاراسي، الذي هو الآن رهن الاقامة الجبرية، بـ36 مقعداً في البرلمان الذي يضم 71 مقعداً. وحصل حزب العمال بزعامة م. شودري، الذي يمثل الاقلية الهندية، على 31 مقعداً.وكان شودري قد أطيح في انقلاب عام 2000 وأزيح عن رئاسة الوزراء، بعدما كان أول هندي يتولى هذا المنصب، ليخلفه كاراسي فيه.ويبدو أن هذه الوقائع اسست لحالة من التوتر العرقي، ازدادت منذ اشهر، مع تهديدات بحدوث انقلاب عسكري، لوّح به قائد الجيش، الذي يتبع لقومية الميلانيزين، لكنه معروف باعتداله ووقوفه الى جانب الاقلية الهندية؛ فقد طلب الادميرال فوريكي باينيماراما التخلي عن مشروع قانون يعفو عن بعض القوميين الذين دبروا انقلاب عام 2000 الذي كاد يودي بحياته.ومن المفارقات “المضحكة” للانقلاب الحالي، إعلان الجيش المتواصل عن نيته تنفيذه قبل أشهر من حدوثه، خصوصاً انه الرابع في البلاد التي لا تتجاوز مساحتها 18270 كيلومتراً مربعاً.اما المفارقة الاخرى فهي تأجيل موعده من يوم الجمعة قبل الماضي الى الثلاثاء بسبب متابعة قائد الجيش والضباط المؤيدين له مباراة “الركبي”، والتي دارت بين الجيش والشرطة، لتكون بمثابة “بروفا” للانقلاب “الابيض” الذي نفذ بسيطرة الجيش على اسلحة الشرطة من دون اي عنف.والمفارقة الاهم في هذا الانقلاب، تتمثل في الاعلان الذي وضعه الانقلابيون في الصحف المحلية بحثاً عن وزراء للحكومة الجديدة، فيما وصلت صورته “المضحكة” الى اوجها مع اعلان رئيس الحكومة المعيّن من قيادة الجيش الطبيب العسكري البالغ من العمر 77 عاماً، سينيلاغاكالي، أن الانقلاب “غير شرعي”.غير أن السبب الآخر للانقلاب، والمتمثل بمحاربة الفساد، بدأ يتبلور من خلال طرد العديد من الوزراء المتورطين في صفقات مشبوهة؛ فمنذ وقوع الانقلاب، أعلن النظام العسكري عن إجراء تحقيق في الممارسات الفاسدة لنظام الحكم السابق. وأقال العديد من الشخصيات البارزة في البلاد. وقال قائد الجيش إنه يرغب في أن يلتقي مجلس زعماء القبائل سريعاً من أجل إعادة تنصيب الرئيس راتو جوزيف أيلوليو، الذي كان يتولى سدة الحكم قبل انقلاب عام ألفين.والجدير ذكره أن المجلس الأعلى للزعماء، وهو الهيئة التقليدية في البلاد التي تمثل أقاليم فيجي الأربعة عشر، يعارض إطاحة الجيش لرئيس الوزراء كاراسي ويصفها بأنها غير مشروعة.وكان رئيس المجلس، راتو أوفيني بوكيني، الذي وصف الانقلاب بأنه “غير شرعي وغير دستوري”، قال إن زعماء القبائل ما زالوا يعترفون بكاراسي رئيساً للوزراء وبراتو جوني مادراويوي رئيساً للبلاد.إلا أن قلة من السكان الاصليين، الذين يؤلّفون حوالى نصف سكان فيجي، يدعمون الانقلاب الذي قاده باينيماراما الذي يتحدر من اصول ميلانيزية، ويؤكد انه مدافع عن حقوق الاقلية الهندية التي تؤلّف 37 في المئة من السكان.ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذا المشهد السياسي الجديد في الارخبيل “الهادئ” عن تداعيات عدم قبول الدول التي تتمتع بنفوذ مباشر في البلاد، خصوصاً استراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، التعاون مع الهيئة الحاكمة الجديدة؛ ويبدو أن الانقلابيين استعدوا لهذه المرحلة من وقف وصول الدعم العسكري والاقتصادي، باللجوء الى قوى اقليمية مثل الصين وتايوان وإندونيسيا إذا تعرّض الارخبيل لعقوبات.لكن، في أي حال، سيترك “تدويل” الازمة انعكاساته على الوضع الداخلي، وبالتالي على طبيعة التحالفات بين الدول الاقليمية، وربما هذا ما دفع استراليا الى رفض التدخل العسكري الذي طلبه رئيس الوزراء الفيجي المخلوع اثناء محاصرته في منزله. فانقلاب “الاقلية” الذي يقوده جنرال منحدر من قومية الاكثرية يترك اكثر من علامة استفهام عن الاهداف والغايات.
عدد (الاخبار)الاربعاء ١٣ كانون الأول 2006

11‏/11‏/2006

أنت غيرتي



تقولين لي اني أغار
نعم اغار
وهل يصلح العشق دون غيرة؟
أنت غيرتي
والحب نار

...

تلوميني لأني اغار
وأنا المجروح بخمسة من الاسهم
أنا الخارج من ُلجّج الدمار

...

وتسأليني عن غيرتي
أنت غيرتي
والغيرة لا تعني ريبة ً
بل مللا من طول انتظار

...

تعيرّيني بغيرتي
وأنت قلبي
فهل من يملك قلبا كقلبي
لا يغار؟!

...

غيرتي حبٌ فائض
وعشقي خوفٌ عليك من نسمةٍ
وفي هذا المقام
الغيرة فخار

...

أغار عليك من حجابك
وان كان لشعرك دثار

...

اغار من فرشاة اسنان
ُتقبل ثغرك وتبقي اثار

...
اغار من ثوبك الدرّي
يغطي جسمك كأوراق غار

...

أغار من عطر يعانق جسمك
وهل يحتاج العناق الى قرار؟

...

هوني عليك يا حبيبتي
أنا الغيران مني
يكفكفني دمعك
دقات قلبك المسكونة بالخوف
وابتسامة وجهك
المتلأليء كالمنار

أنا الغيران مني
أبحث عنك
ولا أبغى انتصار


معمر عطوي
11-11-2006

31‏/10‏/2006

صائد القنافذ يكلّل مسيرته بقتل ضبع


معمر عطوي
صيد القنافذ بدل الطيور عادة لدى بعض أهالي الشحّار الغربي. وقد احتل صلاح أبو عاصي (62 سنة)، الصدارة في تنفيذ هذه المهمة، فأصبحت الطبيعة جزءاً من حياته، يتسلل إليها شاقاً الدروب بين الأشجار والأعشاب الشائكة نحو “منطقة المناجم” التي تعتبر معقل حيوانات متعددة مثل الثعالب والقنافذ (النيص) والخنازير.الوادي الواقع على شكل مثلث، بين عين درافيل وبعورتا وعبيه، صار شبه مهجور في الفترة الأخيرة، سُدّت الطرق المؤدية إليه، وتحولت مناجم الفحم القديمة التي كانت تستخدم لتزويد القطارات بالطاقة في منتصف القرن الماضي، الى ملاذات للقنافذ والضباع والثعالب.يروي أبو عاصي أن رحلة الصيد كانت تتم على النحو التالي: يذهب الصياد نهاراً فيضع على باب جحر القنفذ، عيداناً صغيرة، ثم يعود قبل منتصف الليل، حاملاً سلاح الصيد و“ضوءاً” يعمل على البطارية، فإذا كانت العيدان مقلوبة باتجاه الخارج يعرف ان القنفذ خرج ليرعى، وسيعود قبل طلوع الفجر. عندها يجلس الصياد أمام الجحر وينتظر عودته. وعندما يسمع صوته أو يراه قادماً، يقترب منه ويوجّه إليه الضوء، ويقوم بالوقت عينه بقنصه بالبندقية.بعض الصيادين يستخدمون كلاب الصيد المدرّبة، يخرجون مع كلابهم ليلاً ويطلقونها لتقتفي أثر القنافذ السارحة. وعندما تصل الكلاب الى أحد هذه القنافذ، تحيط بها، ولا تسمح لها بالهروب حتى يصل إليها الصياد.والقنفذ هذا الحيوان الغريب الذي ما إن ترى صورته حتى يقشعر بدنك، ورد اسمه في المعاجم على النحو التالي: إنه الدلول أو الدلدول، المعروف شعبياً بالقنفذ أو النيص. وهو حيوان بري يغطي ظهره ومؤخرته شوك طويل وحاد، يدافع به عن نفسه. وحول رأسه وبطنه، شعر خشن. يأكل الخضر والفاكهة والبلوط، وله أسنان قوية جداً يستطيع بواسطتها كسر حبة الصنوبر السوداء وأكل ما بداخلها. ويروي الصيادون، ان لحم القنفذ من أطيب اللحوم وأطراها، وهو يشبه الى حدٍ كبير لحم الأرنب، ويؤكل نيئاً أو مشوياً أو مطبوخاً.أما الريش أو الشوك الذي على ظهر القنفذ، والذي يشبه المسلّة، ويمتاز باللون الأسود والأبيض، فيستخدمه سلاحاً للدفاع عن نفسه، نظراً إلى رأسه الصلب والحاد جداً. وقد يكون إطلاق اسم “ريش” عليه عائداً إلى استخدامه ريشةً للكتابة. غير انه في الواقع لا يشبه ريش الطيور في شيء.عندما ذهب أبو عاصي للمرة الأولى في رحلة صيد بحثاً عن القنافذ، كان يبلغ من العمر 22 سنة. ويروي أنه خلال “تجربته” الطويلة تمكّن من اصطياد أكثر من ثمانين قنفذاً وعدداً من الثعالب والخنازير، وقد كلل هذه المسيرة “الحافلة” قبل سنتين بقتل “ضبع كاسر”، كما يروي.على رغم تقدم سنه لا يزال صلاح يخدم المزارعين الذين يطلبون منه التخلص من “الوحوش التي تفتك بمزروعاتهم”. لكنه يعترف أن للنيص فوائد لا يدركها كثيرون، ويقول “طبعاً هناك خلل يحدث لدى قتل النيص. لأن لكل حيوان مهمة إيجابية في الحياة الفطرية. لكن القنفذ يسبّب أيضاً بعض الأضرار للمزروعات”، وهذا ما يبرر رغبة المزارعين في التخلص منه.
عدد الثلاثاء ٣١ تشرين الأول

14‏/10‏/2006

محمد يونس: رجل السلام قدّيس الفقراء

معمر عطوي
بقطع النظر عن المعايير المتبعة في منح جائزة نوبل، التي جاءت تكفيراً عن ذنب ارتكبه ألفرد نوبل باختراعه لمادة الديناميت القاتلة، فإن تحوّل الجائزة المخصصة للسلام من الفضاء السياسي الى الفضاء الاقتصادي والإنمائي يعيد مصطلح السلام الى بيئته الأصلية، ذلك أن المجتمع السويّ الخالي من التعقيدات والفاقة والظلم يؤلّف مناخاً ممكناً لمجتمع قائم على الحوار بدل الاقتتال
“إنكم تدعمون حلماً بصياغة عالم خال من الفقر”. عبارة نطق بها البروفسور البنغالي محمد يونس أمس، عقب فوزه بجائزة نوبل للسلام مناصفة مع مصرف “غرامين” أي “بنك القرية”، الذي أسسه عام 1976، لتثير تساؤلات عن مدى تحقق شروط إمكان وجود عالم خال من الفقر.الفكرة بحد ذاتها ضرب من الخيال، لكن يونس اختار أن يضيء شمعة على أن يلعن الظلام. فتحول النموذج الذي قدمه، من خلال “بنك غرامين”، طوق النجاة الذي أنقذ عشرات الملايين من الفقراء في بنغلادش وبعض دول العالم النامي من هول الفقر.النقطة الأبرز في هذا الحدث هي التحول الذي طرأ على هذه الجائزة، التي كانت تعنى بالسياسة فانتقلت الى الاقتصاد والتنمية، لتكتشف أن ثمة علاقة جدلية بين مشاريع القضاء على الفقر وبين إيجاد مناخ ملائم للسلام، ذلك أن مع انتشار الفقر الى جانب الظلم والتخلف والأمية لا يمكن تحقق مناخ كهذا. من هنا جاء بيان لجنة نوبل النروجية أمس ليؤكد أن “تحقيق السلام الدائم لن يكون ممكناً من دون تمكن مجموعات كبيرة من السكان من التخلص من الفقر. حيث تمثل القروض الصغيرة إحدى هذه الوسائل”.رسالة في الحياةومحمد يونس (مواليد عام 1940)، الذي يقف وراء حركة غرامين للمصارف المتناهية الصغر التي تعرف باسم (مصارف الفقراء)، والتي قدمت مساعدات لملايين من مواطني بنغلادش، هو ابن مدينة شيتاغونغ الساحلية، التي كانت تعدّ في ذلك الوقت مركزاً تجارياً لمنطقة البنغال الشرقي في شمال شرق الهند.من هناك، وفي أسرة تتمتع برغد العيش (هو ثالث أبناء أسرة رزقت بـ14 طفلاً، توفي خمسة منهم بعد ولادتهم بسنوات قليلة)، يعمل الوالد فيها صائغاً، انطلق الاقتصادي الواعد نحو تحقيق طموحاته. كان لأمّه صفية خاتون دور في تكوين شخصيته، وهي التي كانت لا تردّ سائلاً من المحتاجين، فعلّمته أن تكون له رسالة في الحياة.بدأت طموحاته تكبر شيئاً فشيئاً، بعدما حصل عام 1965 على منحة من مؤسسة “فولبرايت” لدراسة الدكتوراه في جامعة “فاندربيلت” في ولاية تينيسي الأميركية، حيث بدأت خلال فترة وجوده بالبعثة حرب تحرير بنغلادش واستقلالها عن باكستان عام 1972. وهو ما دفعه للاشتراك في الحركة الطالبية البنغالية المؤيدة للاستقلال، ليعود بعدها الى بنغلادش المستقلة حديثاً ويصبح رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاغونغ. كان أهالي بلاده يعانون في ذلك الحين ظروفاً معيشية صعبة.ولعل فترة المجاعة التي مرت فيها بنغلادش في عام 1974، والتي قتل فيها نحو مليون ونصف مليون شخص، كانت محطة من محطات التحول نحو تحقيق الطموحات. وبدأ يونس منذ عام 1974 بقيادة طلابه في رحلات ميدانية إلى قرية “جوبرا” القريبة من الجامعة.وفي هذه القرية، لمعت في ذهنه فكرة أثناء محاورته امرأة هناك كانت تصنّع كراسي من البامبو، فقد علم من المرأة أنها لا تملك رأس المال الخاص بها، ولذلك فهي تلجأ إلى اقتراضه من أحد المرابين في القرية لشراء البامبو الخام، وكان هذا الوضع ينسحب على أحوال الملايين من الفقراء الذين لاحظ أنهم لا يحتاجون سوى لرأس مال يتيح لهم الاستفادة من عوائد أموالهم، فبدأ مشروعه بإقراض 42 امرأة يعملن في نسج السلال نحو 27 دولاراً لتوسيع أعمالهن، من جيبه الخاص، ومن دون فائدة، ودونما تحديد لموعد الرد، معتبراً أن تشجيع النساء على العمل وتحسين ظروفهن هو المنطلق لتحسين ظروف المجتمع.لكنه بعد ذلك خاض صراعاً مريراً في سبيل إقناع المصرف المركزي بوضع نظام لإقراض الفقراء من دون ضمانات، واستمر هذا الصراع من عام 1976 حتى عام 1979 عندما نجح المشروع الذي أقامه في قرية جوبرا بمساعدة طلابه نجاحاً باهراً وغيّر مسار حياة 500 أسرة من الفقراء. عندها، اقتنع المصرف المركزي بنجاح الفكرة وتبنّى “مشروع غرامين” الذي حصل على صفة مصرف في عام 1983. وكبر المصرف مع الوقت حتى بات يمنح 5.7 مليارات دولار من القروض الصغيرة تتوزع على نحو 6.5 ملايين مقترض. وانتشرت صيغته في أكثر من 40 بلداً، كما تبنّى البنك الدولي فكرته.“قديس الفقراء”لعل أبرز ما يمتلكه “رجل السلام” الجديد، أو كما يعرف بـ“بقديس الفقراء”، هو نظرته النقدية لمؤشرات التنمية السائدة، واهتمامه بالطبقة الاجتماعية المسحوقة، اي نظرة تبدأ من القاع الى القمة وليس العكس.اضافة إلى ذلك، عمل يونس وفق المثل القائل “لا تعط الفقير مالًا بل علّمه حرفة”، معتبراً أن حثّ الفقراء على مساعدة انفسهم بأنفسهم هو المحرك الأساسي لعجلة التنمية في أي مجتمع، مؤكداً ذلك بقوله إن “الاحسان ليس الحل للفقر، لأنه يقضي على روح المبادرة”.دكتوراه فخريةمن الجدير ذكره أن البروفسور يونس حاز في 24 حزيران الماضي شهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الاميركية في بيروت، حيث وصف الدكتوراه بأنها تدعم رؤياه لأهمية القروض الصغيرة في التغلب على الفقر وفي حفظ الكرامة الانسانية، قائلاً “إني اؤمن بأن في الإمكان بناء عالم خال من الفقر، الفقر يجب أن يكون في المتحف، والصغار سيلومون آباءهم لأنهم قبلوا به لفترات طويلة”.مكتشف الرأسمال الاجتماعيوقال عنه رئيس الجامعة الاميركية في بيروت واتربوري “اكتشف يونس في السبعينيات من القرن الماضي ما سمّي لاحقاً الرأسمال الاجتماعي، الذي يمثّله تعاون مجموعات من الناس، محمد يونس اطلق هذا الرأسمال بين النساء البنغاليات فأطلق معه ثورة مصرفية وإنمائية”.لقد كانت “جائزة نوبل” التي سيتسلمها يونس في العاشر من كانون الأول المقبل محطة مهمة على طريق تعزيزه مشروعه “نحو عالم خال من الفقر”؛ فقد قال أمس “ستشتد الحرب على الفقر في شتى انحاء العالم. سيتعزز النضال ضد الفقر من خلال القروض الصغيرة في غالبية الدول”.لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن تحقيق ذلك في ظل تضخم السياسة الرأسمالية التي تشنّ حرباً “هوجاء” على العالم فتزيد الفقراء فقراً والأغنياء غنىً؟ من السهل التكهن بإيجاد “عالم محمد يونس” لكن الإرادة وحدها قد لا تكون كفيلة بإيجاد شروط إمكان تحققه.
105 أعوام على جائزة نوبل للسلام
منحت جائزة نوبل للسلام للمرة الأولى عام 1901 الى مؤسس اللجنة الدولية للصليب الاحمر هنري دونانت (سويسرا) ومؤسس جمعية السلام الفرنسي فريدريك باس.وحصل على هذه الجائزة خلال الاعوام الـ15 الماضية كل من: الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومحمد البرادعي (مصر)، ونغاري ماتاي (كينيا) وشيرين عبادي (إيران)، وجيمي كارتر (الولايات المتحدة)، ومنظمة الأمم المتحدة وأمينها العام كوفي انان (غانا)، وكيم داي ـــ جونغ (كوريا الجنوبية) ومنظمة “أطباء بلا حدود” غير الحكومية الفرنسية.كما حصل عليها كل من جون هيوم وديفيد تريمبل (ايرلندا الشمالية)، والحملة العالمية لحظر الألغام المضادة للأفراد ومنسّقتها جودي وليامز (الولايات المتحدة)، والاسقف كارلوس بيلو وجوزيه راموس هورتا (تيمور الشرقية)، وحركة “بغواش” المناهضة للأسلحة النووية (تأسست في كندا)، وجوزف روتبلات (بريطانيا)، وياسر عرفات (فلسطين) وإسحق رابين وشمعون بيريز (إسرائيل)، ونلسون مانديلا وفرديريك دو كليرك (جنوب افريقيا)، وريغوبرتا مينشو (غواتيمالا).وتبلغ قيمة الجائزة اليوم 10 ملايين كرونة (1.37 مليون دولار). وهي تقدم عادة في العاشر من كانون الأول الموافق ذكرى وفاة مخترع الديناميت السويدي ألفريد نوبل.
عدد(الاخبار) السبت ١٤ تشرين الأول 2006

2‏/10‏/2006

الأزمة الجورجية ــ الروسية: أعمق من قضية تجسس عابرة


معمر عطوي
لا يمكن اختصار النزاع الدائر حالياً بين جورجيا وروسيا بقضية تجسس عابرة، ابطالها ضباط روس يعملون في القاعدة العسكرية الروسية في تبليسي، ذلك ان الخلاف اعمق من ذلك في بلد يتمتع بموقع جيو ــ ستراتيجي مهم على السفوح الجنوبية لجبال القوقاز.
تعود الازمة بين موسكو وتبليسي الى سنين طويلة خلت، منذ كانت جورجيا “دولة مشاغبة” من دول الاتحاد السوفياتي। لكن منذ حصولها على الاستقلال عام 1991 بعد تفكك المنظومة الاشتراكية، تشهد العلاقات بين البلدين لعبة شد حبال تحضر فيها واشنطن كلاعب هام، في محاولة لتعزيز نفوذها في القوقاز على حساب “الدب الروسي”।لعل أبرز تداعيات هذه التجاذبات الدولية قيام ثورة “الزهور” في عام 2003، التي أسقطت الرئيس إدوارد شيفاردنادزه وأتت بميخائيل ساكاشفيلي رئيساً للبلاد. وهو الذي لا تنظر اليه موسكو بعين الرضا منذ وصوله الى السلطة عام 2004 بسبب سياساته المؤيدة للغرب بما في ذلك الانضمام إلى حلف شمالي الأطلسي.ويبدو البعد الدولي للصراع الدائر في جورجيا، القريبة من ثروات بحر قزوين النفطية، واضحاً في الاحداث الاخيرة التي فجرت ازمة دبلوماسية بين موسكو وتبليسي. فقد ظهر هذا البعد خلال المحادثات التي جرت الجمعة الماضي بين حلف شمالي الاطلسي وروسيا، حيث اتهم وزير الدفاع الروسي سيرغي ايفانوف بعض دول الحلف ببيع أسلحة سراً للدولة السوفياتية السابقة، فيما اتهمت وسائل الاعلام الروسية ساكاشفيلي بتأجيج الصراع بدعوة من الولايات المتحدة. وعزز ذلك في الأشهر الماضية، تكثيف التعاون الأمني بين جورجيا والولايات المتحدة، بإرسال واشنطن نحو 200 من القوات الخاصة الأميركية بهدف إعادة تأهيل الجيش الجورجي.ولطالما كانت جورجيا احدى مناطق التوتر بين الروس والاميركيين؛ ففي عهد الرئيس الاميركي جورج بوش (الأب) كانت صفقة مقايضة عدم الاعتراض السوفياتي على الحملة الأميركية على العراق في عام 1990، في مقابل عدم الاعتراض الأميركي على التدخل السوفياتي في منطقة البلطيق، احدى النقاط الاساسية في المفاوضات بين واشنطن وموسكو.في المقابل، تنظر موسكو تقليدياً إلى الجمهورية القوقازية على أنها تقع في نطاق نفوذها وتشعر بالغضب من جهود جورجيا للتحول نحو الغرب، ومن بين ذلك طلبها الانضمام إلى عضوية حلف شمالي الاطلسي، كذلك مراهنة تبليسي الدائم على الولايات المتحدة في طرح مبادرات سلام جديدة تأمل في أن تعيد لها منطقتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية (اعلنتا انفصالهما عن جورجيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991)، وينتشر هناك حوالى 3000 جندي روسي كقوة لحفظ السلام.وقد تكون قضية التجسس، التي سببت ازمة دبلوماسية بين جورجيا وروسيا، احد اهم الارهاصات التي تسعى جورجيا من خلالها الى اعادة تسليط الضوء على المسألة الابخازية، بيد أن تحويل موسكو القضية الى مجلس الامن الدولي قد يكون علامة فارقة في تدويل هذه الازمة المستعصية.
عدد (الأخبار)الإثنين ٢ تشرين الأول 2006

1‏/10‏/2006

كوريا “تقتحم” النادي النووي

معمر عطوي
تفجير في ذكرى ميلاد كيم إيل سونغ واستشهاد تشي غيفارا
بإعلانها عن نجاح تجربتها النووية الأولى أمس، تكون كوريا الشمالية قد وضعت حداً للتكهنات والشكوك، لتنضم «رسمياً» الى النادي النووي العالمي، وإن بصورة “غير شرعية” بحسب المعايير الدولية التي يضعها “السيد الأميركي”। وبهذا تكون شبة الجزيرة الكورية قد دخلت فصلاً جديداً من «مسلسل الرعب النووي»، الذي يطرح إشكاليات معاصرة حول خطورة الأسلحة غير التقليدية وجدوى استخدام ورقة التهديد بامتلاكها أو باختبارها، في لعبة تحسين شروط المواقع على ساحة التجاذبات السياسية الدولية.
ربما ليس مصادفة أن يتزامن موعد التجربة النووية الكورية مع ذكرى ميلاد الزعيم الكوري الشمالي الراحل كيم ايل - سونغ (1912 ــ 1994)، والد «الزعيم» الحالي لكوريا الشمالية كيم جونغ - ايل، ومع ذكرى استشهاد الثائر الأممي أرنستو تشي غيفارا؛ فالتوجهات الايديولوجية الشيوعية للنظام الحاكم تشكل بحد ذاتها «مصدر إزعاج» واضح للولايات المتحدة وحلفائها في آسيا، في عملية استحضار، قد تكون رمزية، لملامح الحرب الباردة।فكوريا الشمالية مصممة، على ما يبدو، الى جانب دول أخرى أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم “الدول المارقة”، ألا تكون “مكسر عصا” لواشنطن، طالما أنها باتت تشكل تهديداً فعلياً، ليس فقط للقواعد الأميركية في اليابان، بل حتى للأراضي الأميركية نفسها।ولم يكن إعلانها الرسمي والعلني، عن امتلاكها السلاح النووي، في شهر شباط 2001، وتعليقها إلى أجل غير مسمى مشاركتها في المفاوضات حول برنامجها النووي، صدفة للأميركيين الذين يرصدون، منذ أيام الحرب الباردة، تحركات بيونغ يانغ وطبيعة نشاطاتها العسكرية مع الاتحاد السوفياتي السابق، الذي كان يشكل رافداً أساسياً، الى جانب الصين، لما تمتلكه من ترسانة غير تقليدية للأسلحة.القوة تحمي العدالةكان إعلان كوريا الشمالية عن تطوير أو امتلاك أو تجارب تتعلق بالأسلحة النووية، مرتبطاً دوماً بخطر واشنطن في المنطقة، ذلك أن اميركا، بنظر الدولة الشيوعية، هي الخطر الذي لا يمكن أن تأمن جانبه طالما انه يسعى الى السيطرة على العالم بذهنية تسلطية، ويلاحق كل الفلول الباقية من المنظومة الاشتراكية، إضافة إلى القوى الاسلامية واليسارية التي تقف على يسار “الامبراطور الاميركي”.وكانت بيونغ يانغ، لدى إعلانها عن حيازتها للأسلحة النووية عام 2001 ، قد اتهمت واشنطن بالسعي إلى إسقاط نظامها. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية في عاصمة كوريا الشمالية “نحن صنعنا أسلحة نووية للدفاع عن النفس والتعامل مع سياسة إدارة بوش الهادفة إلى عزل وتقييد (الشمال)”، مضيفاً أن “الواقع الحالي يثبت أن القوة فقط هي التي يُمكنها حماية العدالة والحق”.وفي عام 2002، اعترفت كوريا الشمالية بتطوير “إجراءات عسكرية مضادة قوية، بما في ذلك أسلحة نووية” لمواجهة ما سمته “تهديدات نووية من الولايات المتحدة”.وكانت معلومات صحافية واستخبارية عديدة تتحدث منذ سنوات طويلة عن إخفاء بيونغ يانغ معلومات حول تطويرها لأسلحة خطيرة وصواريخ باليستية ذات قدرات على حمل رؤوس بيولوجية وكيميائية ونووية.
المثير للجدل أن المفاوضات السداسية التي تشمل كلاً من الولايات المتحدة واليابان وروسيا والصين والكوريتين الشمالية والجنوبية لم تفلح في إقناع بيونغ يانغ بالتخلي عن تطوير أسلحة نووية، ذلك أن التجربة مع واشنطن والدول التي تدور في فلكها لا تثبت حسن نيات “الكاوبوي الأميركي” الذي يسعى لاصطياد “الثيران” المعارضة لسياسته في العالم واحداً تلو الآخر।حبر على ورقووافقت كوريا الشمالية، بموجب معاهدة العام 1994، على تجميد برنامجها النووي في مقابل الحصول على نصف مليون طن من وقود النفط في العام على شكل مساعدات।لكنها ألغت المعاهدة عندما اعترفت مصادر عسكرية أميركية أن مدمرتين من طراز “آجيس”، التي تحمل صواريخ موجهة مضادة للصواريخ في أوزاكا اليابانية، ستتمركز على مقربة من الشاطئ الكوري الشمالي.وقد اعتمدت بيونغ يانغ، خلال مفاوضاتها المتقطعة حول برنامجها النووي، سياسة حافة الهاوية والتصعيد المتواصل في سبيل الحصول على مساعدات اقتصادية، لطالما وصفتها بـ“التعويض الكافي” على وقف البرنامج النووي.الأزمة الراهنةومنذ طرد العاصمة الكورية الشمالية للمفتشين التابعين لوكالة الطاقة الذرية الدولية في كانون الأول من العام 2002، ثمة محاولات استخبارية مكثفة لرصد تحركات أو غازات معينة تثبت إجراء محاولات لاستخلاص البلوتونيوم، علماً أن المعالجة الكيميائية للوقود المنضب من مفاعل ينبعث منها غاز الكريبتون 75، الذي لا يمكن رصده.ويرجح جون وولفستال، الذي عمل مراقباً ميدانياً تابعاً للحكومة الأميركية في كوريا الشمالية خلال العامين 1995 و1996، أن الولايات المتحدة نشرت أجهزة رصد للكريبتون 75 في كوريا الجنوبية وفي المياه قبالة كوريا الشمالية، وفي الجو من خلال طائرات تجسس، مشيراً إلى تقارير تفيد عن رصد مسؤولين أميركيين لغاز الكريبتون.وكانت كوريا الشمالية دوماً بمثابة عالم مجهول بالنسبة للاستخبارات، على حد قول وولفستال، الذي يؤكد أنه «نادراً ما يخرج من هذا البلد، الذي يعيش بمعزل عن الدنيا، أي شيء يمكن الاعتماد عليه».خطر الصواريخولعل ما يمكن أن يقوم به السلاح الصاروخي اليوم من تهديد، قد أعاد خلط الأوراق وعزز مخاوف الدول تجاه بعضها البعض. وبات واضحاً ان معظم البلدان تجنح الى السلم في اتخاذ قراراتها ضد الدول المعارضة للسياسة الأميركية، مثل إيران التي تعاونت مع كوريا الشمالية لإنتاج صواريخ شهاب 5 و6، بسبب ما يمكن أن تشكله هذه الدول من خطر بامتلاكها لصواريخ بعيدة المدى وعابرة للقارات.ويعتقد مسؤولون أميركيون أن صاروخ «تايبودونغ» الكوري الشمالي، قادر على ضرب ألاسكا وهاواي وغيرها من مناطق الساحل البعيدة عن البر الأميركي، في حين أن نسخة معدلة من الصاروخ تدعى «تايبودونغ ـ 2» يمكن أن تضرب مناطق أخرى من الأراضي الأميركية.وليس أدل على التذرع بهذا الخطر، من بدء طوكيو وواشنطن العمل الحثيث على إقامة درع صاروخي، بعدما أطلقت كوريا الشمالية صاروخاً فوق اليابان عام 1998.مخاوف واشنطنوالحديث عن إمكانية امتلاك كوريا الشمالية لأسلحة غير تقليدية، قد دفع الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية الى تشكيل ما يشبه الحلف لمواجهة خطر محتمل، كما بدت الصين وروسيا، الحلفاء التقليديون لبيونغ يانغ، بعد تجربة الصواريخ في الخامس من تموز الماضي، أكثر حذراً تجاه ترسانة الحليف الشيوعي، وهذا ما تجسد في مواقفها الداعية الى “ضبط النفس”، والتي تطورت مع التجربة الاخيرة الى مستوى الانتقاد الشديد ووصف إجراء بيونغ يانغ بـ“التجاهل السافر” للضغوط الدولية.مخاوف متبادلةومما لا شك فيه أن المخاوف لا تقتصر على الدول التي أعطت لنفسها حق امتلاك أسلحة غير تقليدية بل أيضاً لكوريا الشمالية هواجسها ومبرراتها؛ فقد أعلنت أكثر من مرة أن أنباء اختبارات نووية كورية جنوبية جعلتها أكثر إصراراً على عدم التخلي عن برنامج التسلح النووي.ودعمت بيونغ يانغ موقفها بمعلومات عن قيام سيول باختبارات سرية لانتاج 0.2 غرام من اليورانيوم المخصب في العام 2000.كما تشكل القواعد الأميركية المنتشرة في اليابان وشمال شرق آسيا تهديداً كبيراً للدولة الشيوعية التي تسعى الى حماية وجودها وسط تحولات عالمية بدأت مع الحرب الباردة وتصاعدت وتيرتها مع تفكك المنظومة الاشتراكية وظهور الاسلام السياسي، ومن ثم رواج ما يسمى “الحروب الاستباقية” و“الحروب الوقائية” التي تحمل مشروعاً جديداً للعالم، لا يهدد فقط بالسيطرة على الثروات النفطية والطبيعية، بل بـ“فوضى خلاقة” لا إمكانية معها للرضوخ لشروط المجتمع الدولي في عدم امتلاك الطاقة النووية كحق طبيعي.

الأخبار-الثلاثاء ١٠ تشرين الأول 2006

21‏/9‏/2006

تايلاند: سياسة الحكومة تجاه «الثعابين» تطيح رئيسها

معمر عطوي
ما الذي قصد به قادة الجيش التايلاندي بـ «حماية وحدة البلاد» لتبرير انقلابهم على حكومة تاكسين شيناوترا؟سؤال يطرح نفسه، أمام حالة الهدوء النسبي التي تشهدها تايلاند بعد عملية انقلاب عسكري ناجحة، قام بها قائد الجيش سونثي بونياراتغلين الذي حل الحكومة، وعطل دستور العام 1997، بمباركة الملك بوميبول ادولايدج، الذي وافق على تعيينه رئيساً موقتاً للمجلس العسكري للإصلاح السياسي الحاكم.وفيما تشير المعارضة إلى أن الهدف الأساسي للانقلاب هو الفساد الذي تغرق به الحكومة ورئيسها، تُظهر المعطيات السياسية والميدانية أن ثمة مشكلة أكبر من موضوع الفساد، تتعلق بأقاليم يالا وباتاني وناراثيوات الجنوبية، الواقعة قرب الحدود الماليزية، وتقطنها غالبية مسلمة من شعب الملاي، على خلاف الأقاليم الأخرى ذات الغالبية البوذية.
فهذه الأقاليم الثلاثة، التي تشهد اضطرابات مسلحة، تطالب بالاستقلال منذ بداية العام 2004، إضافة إلى احتجاجات شعبية على صلة بالوضع الاجتماعي والخدماتي المزري، أوجدت شرخاً بين بعض قادة العسكر، وعلى رأسهم قائد الجيش الذي ينتمي للطائفة الإسلامية المؤيدة بمعظمها للملك، والحكومة التي يرأسها شيناوترا، بسبب سياسات الحكومة التي تعامل مواطني هذه الأقاليم كمواطنين من الدرجة الثانية، والتي دفعت قائد الجيش أكثر من مرة إلى انتقاد أسلوبها في مواجهة التمرد الإسلامي، والدعوة إلى التفاوض معهم.فالجنرال بونياراتغلين يرى أن الحكومة بحاجة إلى انتهاج أسلوب آخر غير هذه الاستراتيجية التي تتبعها منذ فترة طويلة وتقوم على استخدام القوة ضد المقاتلين المسلمين في الجنوب ورفض التفاوض معهم، فيما دعا مسؤول عسكري تايلاندي إلى التفاوض مع من سماهم «الثعابين» كاستراتيجية يتوجب اتباعها من أجل الوصول إلى سلام دائم في البلاد.يبدو أن «وحدة البلاد»، التي يتذرع بها الانقلابيون، لم تكن السبب الوحيد وراء هذا الانقلاب الذي شهدته بانكوك هذا الأسبوع، فالفساد السياسي والمالي الذي تعيشه السلطة الحاكمة ربما كان وراء تشكيل لجنة إصلاح سياسي، تم بين قائدي الجيش والشرطة .ولعل إرهاصات التطورات السياسية الأخيرة، قد بلغت ذروتها الشهر الماضي أمنياً مع مقتل قائد الجيش في إقليم يالا العقيد سوثيزاك برايرتساري، في كمين مسلح اتهم بنصبه مسلحون إسلاميون.والمتابع للتطورات في تايلاند يكتشف أن المؤسسة العسكرية التي انقلبت على الحكومة لم تكن بعيدة عن ممارسة العنف ضد مواطني الأقاليم الثلاثة، بذريعة محاولة القضاء على المتمردين، فلطالما تعاملت الحكومة مع هذه المناطق انطلاقاً من منظور أمني، بيد أن فرضية كهذه حرمت الأقاليم الجنوبية الكثير من حقوقها المدنية والاجتماعية لم تكن لتنال رضا الملك، الذي يسعى إلى كسب ثقة 1.8 مليون مسلم في جنوب البلاد.وعلى ما يبدو فإن مشكلة تايلاند متشعبة إلى مشكلات أمنية سببها الحكومة والمتمردون، وأخرى اقتصادية، ربما ساهمت في خلق مناخ مناهض للحكومة تحول إلى أرض خصبة لاحتضان العنف.الأمر الآخر الذي عزز مناخ المعارضة لرئيس الوزراء «المخلوع» هو استشراء الفساد الذي دفع بأنصار المعارضة مراراً إلى تنظيم مسيرات شعبية هدفها الضغط على شيناوترا لدفعه إلى التنحي عن منصبه بعد اتهامه بالفساد وسوء استخدام السلطة.قد يكون هذا الهدوء الذي تشهده تايلاند بعد الانقلاب، إرهاصاً لتطورات دستورية يكون فيها الملك اللاعب الأساسي في اختيار رئيس حكومة جديد يرضي المعارضة والمؤسسة العسكرية على السواء. وقد يكون هذا الوضع بمثابة الهدوء الذي يسبق عاصفة سياسية وأمنية لا تُحمد عقباها.
(الأخبار)عدد الخميس ٢١ أيلول 2006

16‏/8‏/2006

يانوكوفيتش يُعيد بوصلة كييف باتجاه موسكو

معمر عطوي

رئيس الوزراء الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش لموسكو بعد ايام قليلة من عودته الى الحياة السياسية، لترسّخ معالم جديدة على الخريطة السياسية في اوكرانيا، التي تؤكد حدوث توافق، ولو على مضض، بين تيار موال لروسيا تعيش غالبيته شرقي ضفة نهر «دنايبر»، وآخر ذي اتجاه غربي تدعمه الولايات المتحدة ودول اوروبا الغربية ويتركز نفوذه في غربي النهر.
ومما لا شك فيه ان تصريحات يانوكوفيتش منذ ايام حول عدم اعادة النظر باتفاقات الغاز مع موسكو، تأتي في سياقها الطبيعي اذا ما علمنا أن للبعد الاقتصادي تأثيره في لعبة «عض الاصابع» بين روسيا واوكرانيا، اللتين أبرمتا اتفاقاً، يحدد أسعار الغاز الروسي بــ 230 دولاراً لكل ألف متر مكعب، دخل حيز التنفيذ في اول العام الجاري. ففي وقت تمارس الولايات المتحدة جهوداً واضحة في دعم تيار الرئيس فيكتور يوتشينكو للحد من النفوذ الروسي في كييف، تحاول أوروبا التوفيق بين استقلالية القرار المحلي عن التأثير الروسي، والحفاظ على خيط رفيع من العلاقات الودية مع موسكو، لضمان استمرار وصول الغاز الروسي الى دول الاتحاد الاوروبي، الذي يمر عبر اوكرانيا، وبخاصة ان نجاح «الثورة البرتقالية» العام 2004، الذي أزعج الكرملين، قد دفع «الدب الروسي» الى رفع اسعار الغاز ثلاثة اضعاف عن السعر الذي كان معمولاً به في عهد الرئيس السابق ليونيد كوتشما.
ولعلّ الامر الذي ساهم في زيادة تعقيد الوضع السياسي في أوكرانيا هو أن الانتخابات التشريعية، التي جرت في أيار الماضي، لم تفرز غالبية واضحة لتشكيل الحكومة من دون الدخول في تحالف واسع، وهو ما ادى الى انحسار نفوذ «الثورة البرتقالية» بقيادة يوتشينكو وصديقته رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكو.
غير ان اتفاقاً تمّ بين يوتشينكو ويانوكوفيتش أدى الى ضمان الحفاظ على دور الغالبية الروسية. وفي الوقت نفسه، حافظ على علاقة جيدة مع الغرب، وجنَّب البلاد الدخول في حالة من الفوضى كان من الممكن ان تقود الى مواجهة على غرار ما حصل اثر الاتهامات المتبادلة بين تيار «الثورة البرتقالية» وحلفاء روسيا.
ولعلَّ ما قامت به كتلة «أوكرانيا لنا»، الموالية للرئيس يوتشينكو، بانضمامها إلى الائتلاف البرلماني الذي يشارك فيه حزب الأقاليم (الذي يتزعمه يانوكوفيتش) والحزبان الاشتراكي والشيوعي، قد جنَّب البلاد مواجهة جديدة، كان من شأنها اعادة أوكرانيا الى ساحة التجاذب بين روسيا والغرب، التي ليست لمصلحة اي من الطرفين، في ظل الشرخ الدولي الواضح في الملف النووي الايراني وانقسام اوروبا على العديد من القضايا الساخنة في العالم.
وشكّل تصريح يوتشينكو في موسكو في 24 كانون الثاني الماضي حول «شراكة استراتيجية للأبد» بين أوكرانيا وروسيا، خطوة متقدمة على طريق تحسين العلاقات. ولم يتناقض هذا التصريح مع توقيع كييف على «اعلان مبادئ» يحمي المساعى الاوكرانية الرامية الى تحقيق مزيد من التقارب مع اوروبا والى دفع اصلاحات السوق.
ويبدو ان اهتزاز التحالف الذي كان قائما بين أحزاب «الثورة البرتقالية» ويوتشينكو في أيلول 2005 بعد إقالة تيموشينكو على خلفية اتهامات بالتقصير ومزاعم بالفساد، قد صرف النظر عن اتهامات تتعلق بالفساد الاداري طالت «تيار روسيا»، وساهم بالتالي في اعادة اتجاه البوصلة نحو روسيا لكن من دون فك الارتباط بالغرب.



(الأخبار)عدد الاربعاء ١٦ آب

8‏/8‏/2006

زينب

زينب

دمعة ساخنة

عين ثكلى

خريطة بلدان محروقة

واوطان ينمو فيها الانسان...

تسال زينب خالتها

عن سر طول الوقت

عن باب "مخلوع" في الصف الخامس

عن صنبور لا "يبصق"

عن رجل يسلبها المذياع في الليل

يتمرآى بصورة سجان...

تبحث زينب في علب الطبشور

عن رائحة وسادتها

عن حبة رمل تشبهها

عن صوت ينسيها الاشجان...

تجلس في الصف السادس

في حضن امرأة لا تعرفها

في يدها كسرة خبز

كأس شاي بلا سكر

وحديث خوف يصطك الاسنان

زينب تسال عن أم ٍ

في بيت

لايشبه مآواها..

عن صورة جدٍ

تلتصق أزلا بالحائط

عن قلم فارق اناملها

في لحظات منسية

عن اوراق

عن الوان..

زينب تسأل خالتها

عن سر الوقت الابدي

في غرف قاتمة

رؤوس تصطف نائمة

شبان يأتون بالرز

وعلب الفول والحمص

وعجوز تشعل موقدة

تطبخ ما حضر من رزق

تستحضر صور المآساة

ويغيب الفنان...

في مدرسة رسمية

في الصف السادس

أمام رزمة خرائط ملونة

تفتقد زينب عائلةً ً

تفتقد زينب ذاكرةً

مدرسة

العابا

وطحين الفران...

زينب تسأل خالتها

عن سر الوقت

عن صوت يستلب نافذة

يكسر بابا

يلقي اشلاءً في الملعب

يختطف جسرًا

ذاكرةً

أحلامًا

ينتزع الافنان...

معمر عطوي

بيروت. 08.08.2006