31‏/8‏/2007

السياسة الاقتصادية لنجاد والمفترق الصعب


معمر عطوي
تأتي استقالة محافظ المصرف المركزي الإيراني إبراهيم شيباني، بعد سلسلة استقالات وتبدلات في مراكز وزارية ورسمية مهمة، لتؤكد حجم المعضلة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، في ظل حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي تتعرَّض سياسته الاقتصادية للانتقادات، حتى من رأس القيادة الروحية ممثلة بالمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ما يُظهر عدم وجود انسجام كاف بين مراكز القرار في النظام الإسلامي حول هذه القضية.وتشير هذه البرودة بين السلطة التنفيذية والولي الفقيه إلى مدى خروج نجاد عن ثوابت الخطة الاقتصادية العشرينية التي وافقت عليها حكومة الرئيس السابق محمد خاتمي، عام 2004، والتي تهدف إلى تحوُّل إيران الى قوة اقتصادية وعلمية إقليمية كبرى خلال هذه الفترة إذا طُبّقت بنودها.ولم يقتصر الاتهام المبطَّن لنجاد بعدم السير وفق هذه الخطة على خامنئي، بل انسحب على رموز أخرى من النظام، أبرزها رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي اتهم الرئيس أيضاً بعدم تطبيق بنود الإصلاح، والبرلمان الذي وقّع نحو 40 من نوابه الإصلاحيين رسالة الى نجاد وخامنئي طالبوا فيها بإنقاذ الأداء الاقتصادي للحكومة.وهكذا، يبدو من الطبيعي أن يكون استقبال خامنئي لنجاد وأعضاء حكومته الأحد الماضي، مقروناً بحثِّه على ضرورة أن تعمل الحكومة بجدِّية أكبر لتنفيذ الخطة العشرينية، و«تقوية الانسجام مع السلطات الأخرى»، في ظل بلوغ نسبة التضخم 16.6 في المئة وزيادة نسبة الفقر، وارتفاع نسبة البطالة الى ما فوق 12 في المئة.ومع استقالة شيباني التي جاءت بعد أيام من استقالة وزيري النفط كاظم وزيري همانة والمناجم والصناعة علي رضا طهمسبي، بدت البلاد أمام مفترق صعب، وسط الحديث عن وضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب الأميركية، بما تمثل هذه المؤسسة العسكرية العقائدية، من امتدادات واسعة في قطاعات إنتاجية وخدماتية واقتصادية حساسة في الجمهورية الإسلامية.بيد أن هذا المُفترق لا يتحمل نجاد وحده مسؤولية حدوثه، في ظل تمسُّك الدولة بقيم الثورة، وتحمُّلها ضغوطاً سياسية وعقوبات اقتصادية برزت مصاديقها من خلال حصار دولي خانق وقرارات دولية (1737 و1747) على خلفية استمرار البرنامج النووي. وقد دفع ذلك نجاد إلى البحث عن خيارات متعددة أبرزها البحث عن استثمارات جديدة في مجال الطاقة وتحرير هذا القطاع نسبياً من يد الدولة، ومد جسور التعاون مع دول عديدة، ولا سيما في أميركا اللاتينية، وفي المنطقة، من أجل تعزيز التنمية في قطاعات النفط والغاز والتبادل التجاري.ويندرج في هذا الإطار تعيين حسين نقره كار شيرازي نائباً للعلاقات الدولية لوزير النفط، الذي ستشمل مهماته التواصل مع الشركات والحكومات الأجنبية.وربما لجأ نجاد الى ذلك بعد فشل محاولاته السابقة التي تمثّلت بتجميد أسعار بيع منتجات عديدة، بعد ارتفاعها بنسبة 16.1 في المئة، ورفع قيمة فوائد المصارف والإسراف في إنفاق عوائد النفط التي ارتفعت مع ارتفاع أسعار الذهب الأسود خلال المدة الأخيرة.هنا لا يمكن فصل المشهد السياسي عن مجريات الوضع الاقتصادي المتفاقم، الذي يتجه نحو نسبة عالية من التضخم قد تصل في العام الجاري الى 22.4 في المئة، وفق دراسة للبرلمان الإيراني، وخصوصاً بعد أزمة تقنين توزيع البنزين الذي يُشكِّل مفارقة غريبة في بلد يستورد أكثر من 40 في المئة من حاجاته من هذه المادة المكرَّرة، على رغم أنه رابع دولة مُنتجة للنفط في العالم.لقد حدَّد خامنئي ثوابت الحكومة الإيرانية بخصائص عديدة، لعل أبرزها التغيير والإصلاح الحقيقي والصمود أمام «الأطماع الاستكبارية»، بما ينسجم مع شعار نجاد الذي أطلقه قبيل تسلّمه مهماته عام 2005 حول التوزيع العادل للثروة. لكن السؤال يبقى حول إمكان الرئيس المحافظ التوفيق بين شعاراته في محاربة القوى العظمى واستمرار برنامجه النووي، وخططه الاقتصادية التي يحاول من خلالها تعزيز مواقعه قبل الانتخابات البرلمانية في ربيع العام المقبل، التي تتبعها انتخابات رئاسية عام 2009.
"الأخبار"٣١ آب 2007

22‏/8‏/2007

عندما ينقلب السحر على الساحر

معمر عطوي
تُدرك طهران جيداً أن التعاون الذي تبديه تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لن يجدي نفعاً لجهة ترك النظام الإسلامي يسير في طموحاته النووية المثيرة للجدل، من دون عوائق جديدة وعقوبات مشدّدة قد يتخذها مجلس الأمن، بعد تقديم التقرير المُرتقب للمدير العام لوكالة الطاقة محمد البرادعي إلى حكام الوكالة في العاشر من الشهر المقبل في فيينا.فالجولات المكوكية من المحادثات «الثنائية الاتجاه» (مع الأمم المتحدة ممثلة بوكالة الطاقة، ومع الاتحاد الأوروبي ممثلاً بمنسِّق السياسة الخارجية والأمنية خافيير سولانا) لن تصبح في يوم ما (أقلّه في المدى القريب) تأشيرة دخول الجمهورية الإسلامية إلى النادي النووي، حيث يتّضح أن الخلاف الدائر الآن هو بشأن «المسائل العالقة» في البرنامج النووي الإيراني منذ سنوات، حين كانت الأنشطة الحساسة بعيدة عن أعين المفتشين الدوليين.وربما كان حديث نائب رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية محمد سعيدي، أول من أمس، عن «الطريق الطويل» لهذه المحادثات، ودعوته البرادعي إلى التعاون في تقريره المُرتقب، تعبيراً واضحاً عن صعوبة المخاض في هذا الملف الذي يتأثر، بلا شك، بملفات أخرى، على غرار العلاقة المُلتبسة مع دول عربية مثل السعودية والبحرين، والأزمة مع الولايات المتحدة في موضوع «الأمن العراقي»، ومواضيع أخرى، أبرزها لبنان وفلسطين وأفغانستان.في هذا السياق، لا يمكن التوهّم بتاتاً أن كل هذه الملفات قابلة للتفاوض والوصول إلى حل سحري، فيما البدائل الأميركية لمعالجة الملف النووي جاهزة، أمام التعقيدات المُحتملة والمُرجَّحة، في ظل تراجع خيارات الحرب، وتقدم خيار التفاوض، بعدما انقلب السحر على الساحر.لعل أبرز هذه البدائل كان قرار واشنطن وضع الجيش العقائدي لإيران (الحرس الثوري الإسلامي) على لائحة الإرهاب، كإجراء هدف الأميركيون من خلاله إلى تأكيد تفرّدهم وتميّزهم عن شركائهم الأوروبيين، باتخاذ القرارات، رغم جنوحهم للخيار الأوروبي جزئياً باعتماد سياسة العصا من دون الجزرة.فالعقوبات الاقتصادية أصبحت، على ما يبدو، تؤتي ثمارها على الصعيد الإيراني الداخلي، من خلال تفاقم أزمات التضخم والبطالة وتقنين البنزين وزيادة معدلات الفقر، التي أدت الى حصول استقالات في وزارات مهمة أخيراً، فيما بدا أن الخيار الأميركي «بزعزعة النظام الإسلامي من الداخل»، لا يزال سارياً مع استمرار ملاحقة شبكات تجسسية في إيران، تذكِّر بسياسة «الثورات المخملية»، طبعاً من دون تجاهل خطورة تسليح الولايات المتحدة لدول شرق أوسطية تمهيداً لدور محتمل ضد طهران.هذه المعطيات تشكّل مؤشرات واضحة إلى تراجع نفوذ صقور الإدارة الأميركية، التي أصبحت مقتنعة بأن خوض حرب عسكرية، في ظل تخبُّط جنودها في المستنقع العراقي، لن يؤدي سوى إلى الانتحار.لهذا بدت هذه الإدارة الهشة وكأنها تفسح في المجال للمفاوضات السياسية، بغية تحاشي مواجهة مباشرة مع جيش عقائدي، أصبحت تهديدات قادته بإحراق الخليج، معزوفة شبه يومية، تؤكد عدم نية طهران تقديم أي تنازلات إلى إدارة فاشلة.
"الاخبار"٢٢ آب 2007

عندما ينقلب السحر على الساحر

معمر عطوي
تُدرك طهران جيداً أن التعاون الذي تبديه تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لن يجدي نفعاً لجهة ترك النظام الإسلامي يسير في طموحاته النووية المثيرة للجدل، من دون عوائق جديدة وعقوبات مشدّدة قد يتخذها مجلس الأمن، بعد تقديم التقرير المُرتقب للمدير العام لوكالة الطاقة محمد البرادعي إلى حكام الوكالة في العاشر من الشهر المقبل في فيينا.فالجولات المكوكية من المحادثات «الثنائية الاتجاه» (مع الأمم المتحدة ممثلة بوكالة الطاقة، ومع الاتحاد الأوروبي ممثلاً بمنسِّق السياسة الخارجية والأمنية خافيير سولانا) لن تصبح في يوم ما (أقلّه في المدى القريب) تأشيرة دخول الجمهورية الإسلامية إلى النادي النووي، حيث يتّضح أن الخلاف الدائر الآن هو بشأن «المسائل العالقة» في البرنامج النووي الإيراني منذ سنوات، حين كانت الأنشطة الحساسة بعيدة عن أعين المفتشين الدوليين.وربما كان حديث نائب رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية محمد سعيدي، أول من أمس، عن «الطريق الطويل» لهذه المحادثات، ودعوته البرادعي إلى التعاون في تقريره المُرتقب، تعبيراً واضحاً عن صعوبة المخاض في هذا الملف الذي يتأثر، بلا شك، بملفات أخرى، على غرار العلاقة المُلتبسة مع دول عربية مثل السعودية والبحرين، والأزمة مع الولايات المتحدة في موضوع «الأمن العراقي»، ومواضيع أخرى، أبرزها لبنان وفلسطين وأفغانستان.في هذا السياق، لا يمكن التوهّم بتاتاً أن كل هذه الملفات قابلة للتفاوض والوصول إلى حل سحري، فيما البدائل الأميركية لمعالجة الملف النووي جاهزة، أمام التعقيدات المُحتملة والمُرجَّحة، في ظل تراجع خيارات الحرب، وتقدم خيار التفاوض، بعدما انقلب السحر على الساحر.لعل أبرز هذه البدائل كان قرار واشنطن وضع الجيش العقائدي لإيران (الحرس الثوري الإسلامي) على لائحة الإرهاب، كإجراء هدف الأميركيون من خلاله إلى تأكيد تفرّدهم وتميّزهم عن شركائهم الأوروبيين، باتخاذ القرارات، رغم جنوحهم للخيار الأوروبي جزئياً باعتماد سياسة العصا من دون الجزرة.فالعقوبات الاقتصادية أصبحت، على ما يبدو، تؤتي ثمارها على الصعيد الإيراني الداخلي، من خلال تفاقم أزمات التضخم والبطالة وتقنين البنزين وزيادة معدلات الفقر، التي أدت الى حصول استقالات في وزارات مهمة أخيراً، فيما بدا أن الخيار الأميركي «بزعزعة النظام الإسلامي من الداخل»، لا يزال سارياً مع استمرار ملاحقة شبكات تجسسية في إيران، تذكِّر بسياسة «الثورات المخملية»، طبعاً من دون تجاهل خطورة تسليح الولايات المتحدة لدول شرق أوسطية تمهيداً لدور محتمل ضد طهران.هذه المعطيات تشكّل مؤشرات واضحة إلى تراجع نفوذ صقور الإدارة الأميركية، التي أصبحت مقتنعة بأن خوض حرب عسكرية، في ظل تخبُّط جنودها في المستنقع العراقي، لن يؤدي سوى إلى الانتحار.لهذا بدت هذه الإدارة الهشة وكأنها تفسح في المجال للمفاوضات السياسية، بغية تحاشي مواجهة مباشرة مع جيش عقائدي، أصبحت تهديدات قادته بإحراق الخليج، معزوفة شبه يومية، تؤكد عدم نية طهران تقديم أي تنازلات إلى إدارة فاشلة.
"الاخبار"٢٢ آب 2007

18‏/8‏/2007

على ضفاف "الهافل"








معمر عطوي




تتألق برلين بثوبها الثقافي البرّاق. هنا في العاصمة الألمانية نمط آخر من الحياة، "سستام" مختلف ينطبق على كل التفاصيل، بدءاً من الالتزام التام بمواعيد تحرك وسائل النقل وصولاً الى العقلية العلمية التي أصبحت إحدى ميزات الحياة الاو روبية، مروراً بصورة البنيان "العلائقي" بين الدولة والمواطن.
الوصول الى برلين من بوابة أثينا يعفيك من المرور على حواجز التفتيش والأمن العام مرة أخرى، ذلك انه بمجرد الدخول الى إحدى الدول الاو روبية، يصبح التحرك بين الدول الأخرى الأعضاء في هذه المنظومة الحديثة العهد، عبارة عن رحلات داخلية.
هذا الشعور الجارح انتابني لحظة وضعت قدمي على الرصيف الخارجي لمطار "تيغل" في برلين. عرفت أن عليّ التعايش مع مناخ جديد، يبدأ المرء بالتعاطي معه بحذر وترقب يتلازمان مع علامات التعجب والانبهار. بعدها، يتحول الى نمط هو أحد شروط امكان الانتقال من مرحلة الفوضى الفكرية غير "المُسَستمة" الى مرحلة المنهجة التي لا تطال الجانب الفكري والثقافي فحسب، بل تنسحب على الكثير من ميادين الحياة. ان معروف عن الألمان، انضباطهم والتزامهم المواعيد وإتمام العمل المطلوب منهم. ويصفهم الآخرون بأنهم صارمون في تطبيقهم القوانين والنظام.
أزعم أن هذه المنهجية، هي خارج إطار التفكير والمبتغى لكثير من العرب الذين هاجروا الى أو روبا بهدف العيش أو الدراسة. ولعل صعوبات الاندماج، التي يتحدث عنها المسؤولون عن الجاليات وبعض القيمين على صنع القرار في هذه البلدان، هي احد تجليات البعد عن هذا "السستام"، الذي يشكل للأسف في نظر البعض مناخاً للرهاب الاجتماعي بذريعة تهديد أخلاقي أو تخلٍ عن تقاليد وقيم تتخذ صفة المقدس عند هؤلاء المهاجرين.
في برلين يحتار المرء من أين يبدأ، هل من المعالم التاريخية التي تحكي تاريخ ألمانيا بدءاً من بسمارك مروراً بهتلر وصولاً الى الألمانيتين وجدار برلين، أم من كانط وغوته وفيختة مروراً بهيغل وماركس ونيتشه وصولاً الى غونتر غراس وهابرماس وكليبرغ. قائمة لا تنتهي، تعج بأسماء كبيرة في ميادين عديدة لا تقتصر على الفكر والثقافة، بل تنسحب على العلوم والابتكارات التقنية التي حولت ألمانيا الى دولة صناعية كبرى لها حضورها الكوسموبوليتي.
يصح وصف العاصمة الألمانية بالقلب النابض لكثافة الأنشطة الثقافية فيها، إضافة الى المظاهر الفنية العابرة التي يشهدها الزائر في الأماكن العامة.
النشاط الاول الذي تتألق به برلين كل سنة، هو المهرجان السينمائي العالمي "برليناري" الذي يقام في ساحة الممثلة مارلين ديتريش. كما تتواصل الأنشطة على مدار العام في بيت الثقافات، بما ينطبق على عنوانه. ففي هذا المكان الواقع على ضفاف نهر "شبري" وسط المدينة بين بوابة براندنبورغ وساحة عمود النصر (التي تجري فيها كل سنة فعاليات مهرجان الحب "لاف بارادي")، تقام انشطة ثقافية من جميع أنحاء العالم، تشتمل على عروض أفلام ومسرحيات، لوحات فنية وصور وكتب مترجمة، إضافة الى أعمال تجهيز وحفلات فنية وندوات ومحاضرات وقراءات تقام على الهامش. أما المتاحف، فتحتاج الى مساحة أخرى للكتابة عنها، لكثرة ما في برلين من متاحف، إذ يصح تسميتها بـ "مدينة المتاحف".
الفن في برلين ينساب مع الهواء، فلا يبقى زائر لهذه المدينة إلا ويستنشق عبيره. في الساحات العامة مثل ساحة "ألكسندر" أو "الكودام"، قد تصادفك فرقة موسيقية من أميركا اللاتينية تعزف أعمالاً من تراث الهنود الحمر، أو واحدة افريقية تعتمد على قرع الطبول، أو قد تشاهد فرقة دينية لجماعة كريشنا التي تحظى بمريدين كثر في ألمانيا يرتدون الزي الخاص بهم، ويصلوّن عند قارعة الطريق على أنغام آلة موسيقية قديمة من أعمال شبه القارة الهندية.
وفي محطات القطار، يكثر عازفو البيانو والغيتار وربما الناي والبزق وغيرها من آلات لا يبتغي أصحابها من المارة سوى بعض السنتات يشترون بها زجاجة بيرة وبعض الطعام. "تسوّل بشرف" كما قال لي صديقي المغربي.
وأحيانا يختلط الفعل السياسي الاحتجاجي بالفن كما في اعتصامات الأكراد التي تنتهي بحلقة دبكة، أو احتجاجات المعارضة الصينية التي يمارس أعضاؤها رياضة اليوغا في الساحات العامة الى جانب لافتات الاعتراض. وهناك أنصار البيئة الذين يرتدون في مسيراتهم وجوه حيوانات معرضة للانقراض. أما مهرجان الحب السنوي، فيحتاج الى مساحة أخرى للكتابة، حيث يتحرك مئات الآلاف على أنغام موسيقى التكنو وعروض التعري.
فنون في الهواء الطلقهناك معارض فنية في الهواء الطلق قد يشارك بها كبار الفنانين، وهي تقام احياناً في ساحة "بوتسدامر"، الحديثة بأبنيتها الشاهقة ومنها مبنى "سوني سنتر"، وهي قريبة من مبنى كونسرتو برلين للموسيقى "الفيلارموني" المواجه للمعهد الفني ولمكتبة المدينة الضخمة.
المكتبات العامة جزء من المشهد البرليني، فهي تنتشر في جميع المناطق والأحياء. أما "بسطات" الكتب والأشرطة الموسيقية الكلاسيكية التي تباع بأسعار زهيدة، فهي منتشرة بكثافة أمام المراكز التجارية الكبرى والساحات العامة، وكذلك في أسواق يوم الأحد التي تحتوي على كل ما هو رخيص.
الى جانب ذلك، تأسرك الألعاب البهلوانية سواء على عجلات "المزلاج" أو على الدراجات الهوائية، بتناغمها مع الموسيقى التي يحضرها هؤلاء الشباب معهم الى الساحات العامة لكسب بعض المال لقاء ما يقدمونه من عروض مميزة للمارة. ومن اللافت أيضا أن لكل شارع في برلين عيداً خاصاً في السنة. في هذا اليوم، تعرض البضائع والمأكولات والألعاب الخاصة بالأطفال الى جانب ما يسمى "حدائق البيرة" حيث يمكن للزائر أن يحتسي البيرة الأصلية من مصنعها مباشرة. وللنبيذ "البلدي" مساحات أخرى من هذه الاحتفالات.
مدينة كئيبةللوهلة الاولى عندما وطئت قدماي أرض برلين، بدت لي مدينة كئيبة، ربما لان ذاكرتي استحضرت في تلك الدقائق تاريخ المدينة المجبول بالحروب والدمار والتقسيم، ولعلها تلك الرمزية التي لا زلنا نستعير شعارها لوصف كل فعل عنصري، عنيت الرايخ الثالث وما تركه من آثار مدمرة على ألمانيا الحديثة. لعل أحدى صور هذه الكآبة الكنيسة المحترقة الجاثمة في ساحة "كورفرستن دام"، التي تركها الألمان مثلما هي كشاهد على فظاعة الحرب وأهوالها. لكن الشعور بهذه الكآبة سرعان ما يتلاشى أمام ما تحمله المدينة من مظاهر فرح، وقلب نابض بكل ما هو جميل. حتى الجدار الذي كان يفصل بين شطري العاصمة لم يبق منه إلا قسم صغير لا يتعدى طوله الأمتار قرب منطقة الفارشاوار، وأخرى في ساحة بوتسدامر التي أصبح فيها البرج الذي كان معداً للمراقبة بين الجانبين مقراً لمجموعة من الهبيين الذين يبثون أغاني الراب والروك كدلالات لمعنى ابدال الحرب بالموسيقى.
تستمد المدينة جاذبيتها من سحر نهري "الهافل" و"الشبري"، اللذين ينسابان طولاً وعرضاً، مباشرة أو عبر روافد كثيرة تم حفرها بجهود العمال. لا يقتصر دور هذين النهرين على الملاحة التي تخدم المصانع والتجار فقط، بل يتعدى ذلك الى دور سياحي، حيث تقام رحلات بواسطة الزوارق والسفن الصغيرة، على مدار الساعة للتمتع برؤية المدينة وما فيها من غابات ومعالم وصروح عريقة، إضافة الى جزيرة المتاحف.
وعلى ضفاف النهرين تنتشر المنتزهات المجانية المكللة بالأشجار والمزدانة بالحشائش والأزهار. وفي الأيام المشمسة، تنتشر في هذه الأمكنة الحمامات الشمسية التي يُقبل عليها الألمان بشغف كحالة تعويض عن الأيام الباردة التي تحتل معظم أيام السنة. ناهيك عن حدائق العراة التي يصبح فيها الجسد مُلكاً للطبيعة.
تكثر البحيرات التي تزينها ارهاط البط والوز ومالك الحزين. يمكنك قراءة كتاب أو جريدة على ضفة البحيرة، ففي هذه المدينة أضحت القراءة جزءاً من المشهد العام. كما يمكنك الاستمتاع بوجبة غذائية تلقى بقاياها الى هذه الطيور الجميلة التي ألفت البشر حتى غدت متعايشة معهم بلا أدنى خوف. التعايش مع جميع الحيوانات أيضاً جزء من جمال المشهد. حتى الغربان أصبحت أحد عناصر هذا المشهد الجذاب. يقول كبار السن أنها كانت تتغذى خلال الحرب من جثث القتلى، أما الان فهي تعيش على خيرات هذه البلاد من الحبوب والخضرة التي يصعب تحديد آفاق حقولها.
وللأطفال مساحات واسعة يمكنهم فيها ممارسة العديد من الألعاب، ففي كل حي ملاعب رياضية وحدائق خاصة بالأطفال. أما الدراجات الهوائية، فتكاد تكون إحدى صور المدينة الأكثر حيوية.
العمل شيء مقدس عند غالبية الألمان، علماً أن نسبة البطالة في تزايد (11%). ترى معظمهم يهرول مسرعاً في الصباح الى وسيلة النقل، ولا يعود من عمله حتى المساء.
ضرورات العمل تفرض عليهم النوم باكراً، لذلك لا تشعر بوجود أي ضجيج بعد الساعة التاسعة. أما يوما السبت والأحد، فتجد شعباً آخر يعيش العطلة على طريقته. منهم من يختار تناول زجاجة فودكا في القطار مع بعض الأصدقاء. ومنهم من يرتاد المراقص والحفلات الخاصة أو السينما والمسرح والكونسرتو، بالإضافة الى المنتزهات. ويحرص كبار السن على حضور حفلات الاوبرا أو دعوة الأصدقاء الى عشاء متواضع. وهناك من يرغب بارتياد الملاهي الليلية والعلب الحمراء، أو رحلة بواسطة الدراجة الهوائية وسط الغابات الكثيفة.
مشاهدة السكارى في الشوارع والحدائق ومحطات المترو والقطار أمر شبه اعتيادي. ففي هذه المدينة، ومثل باقي المدن الاوروبية، هناك من اختار طريقة أخرى للعيش. هؤلاء يتقاضون راتباً من الدولة التي تؤمن لهم الماوى أيضاً. وفي الساحات العامة، يوزع عليهم الحساء الساخن، إذ غالباً ما تقوم بذلك هيئات مدنية أو كنسية. وهناك بعض الساحات التي يتم جمعهم فيها ورشّهم بمياه سيارات الإطفاء حتى لا تتفاقم أمراضهم المتكونة من إهمالهم لأنفسهم، والبقاء دائما تحت تأثير الخمرة.
الحوار مع الاسلامفي برلين ثلاث جامعات عريقة هي: الجامعة الحرة، جامعة هومبولدت والجامعة التقنية، إضافة الى معاهد للدراسات العليا التي تختص بالفنون والسينما والمسرح. تلعب هذه الجامعات دوراً رائداً في نشر الأبحاث الفكرية والثقافية والعلمية. وتنظم بشكل متواصل ندوات ومحاضرات يشارك فيها أساتذة ومبدعون من جميع أنحاء العالم. كما أن تعدد الأعراق واللغات التي ينتمي إليها الطلاب وبعض أساتذة الجامعات يعطي مشهد التنوع غنىً فريداً.
أما الحوار الثقافي والحضاري الذي ترعاه وزارة الخارجية، فيشكل مساحة مهمة جداً لتلاقي الثقافات ويصب تلقائياً في مصلحة حوار الحضارات بعيداً عن أية شعارات. ففي ألمانيا، مراكز مهمة لهذا النوع من الحوارات. واذكر على سبيل المثال، نموذج الحوار مع العالم الإسلامي، الذي لم يتراجع مع أحداث 11 أيلول كما في دول غربية كثيرة، إنما تم رفده والسير به الى الأمام. إضافة الى اهتمام المؤسسة الإعلامية "دويتشة فيلله" على هذا الصعيد، تم تأسيس مجلة الكترونية تحت اسم " قنطرة" مهمتها متابعة كل ما يتعلق بفهم الآخر، أي الإسلام كحضارة، بكافة ميادينه السياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية. ويدخل في هذا الإطار مشروع حوار الشرق والغرب الذي يشجع التلاقح الثقافي بين الحضارتين.
حرية القول والعمل مضمونة ما دام الأمن في منأى عن الخطر. المصليات والمساجد تنتشر بكثرة وكذلك الجمعيات العربية والإسلامية، حيث تكاد تضاهي بوجودها محلات المواد الغذائية العربية أو المطاعم، إذ يمكنك ان تحظى بصحن كبة وتبوله على الطريقة اللبنانية أو كسكس مغربي أو حلويات شامية. والحرية في ألمانيا مطلقة مع بعض الاستثناءات لعل أهمها الابتعاد عن كل ما يمكن أن يحرض على الكراهية والعنصرية، وكل ما يمكن ان يعيد تحريك عقدة الذنب تجاه اليهود، التي يبدو أن البعض بدأ يتحرر من ضغطها، خلال ما تشهده برلين من نشاطات وتحركات شبابية تصب في مصلحة القضية الفلسطينية أو معارضة الحرب على العراق، التي دفعت البعض لتجاوز موقف الدولة الرافضة لهذه الحرب عبر المطالبة بوقف انطلاق الطائرات الاميركية من قواعدها على الأرض الألمانية... تلك القواعد الجاثمة منذ أيام الحرب الباردة.


تحولات العدد25

14‏/8‏/2007

الفيليبين قصة تمرّد وفساد

معمر عطوي
لم يتّسم عهد الرئيسة الفيليبينية الحالية، غلوريا ماكاباغال أرويو، بمزايا افضل من عهد سلفها جوزف إسترادا، بسبب استمرار الفساد الذي عشش في زوايا السلطة، إلى جانب استمرار الفشل في معالجة بؤر التوتر بدءاً من الجنوب، حيث تدور معارك مع متمردين
مسلمو الجنوب يسعون للانفصال... وشيوعيو الشمال لا يزالون متمسكين بـ«الثورة»
سادت الفيليبين، خلال حقب متتالية، حالات من فساد السلطة التي أدت إلى ظهور ثورات وانقلابات كانت تأتي في كل مرة بمن هو أكثر فساداً. وفي كانون الثاني من عام 2001، استقال الرئيس جوزف إسترادا من منصب الرئاسة، تحت ضغط التظاهرات الشعبية في أعقاب اتهام البرلمان له رسميّاً بالفساد.وحلّت مكان استرادا نائبته غلوريا أرويو، الكاثوليكية المحافظة، التي أكدت بعد توليها سدة الحكم عزمها على مكافحة الفساد وإزالة الفقر، والاستناد إلى القيم الأخلاقية والدينية في كل خطواتها السياسية، معبّرة عن ذلك بالقول «لديّ شعور بأن الله وضعني على هذا المفصل».وكان إسترادا قد انتخب رئيساً في 1998 لولاية من ست سنوات، واتُّهم بعد أقل من 3 سنوات بالفساد.يُذكر أن الرئيس الفيليبيني الأسبق، فيردناند ماركوس، الذي حكم البلاد بالحديد والنار على مدى 21 عاماً، كان قد عمد في نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات إلى تدبير سلسلة من التفجيرات، انتهت بفرض الأحكام العرفية في البلاد عام 1972. وظل ماركوس في الحكم إلى أن سقط إثر ثورة شعبية في عام 1986.ولم يكن عهد الرئيسة الحالية ارويو أفضل حالاً، فقد فاحت رائحة الفساد في عهدها، الذي حظي بدعم غير محدود من الولايات المتحدة، وذلك بحجة «محاربة الإرهاب» المتمثّل بجماعة ابو سياف الإسلامية السلفية المقرّبة من تنظيم «القاعدة».وشهدت الانتخابات الأخيرة لاختيار أعضاء مجلسي النواب والشيوخ والمجالس المحلية في مقاطعة مندناو الجنوبية، التي جرت في 14 أيار الماضي، صورة أخرى من صور الفساد، حين نقلت صحف ومحطات التلفزة أن القائمين بإحصاء الأصوات تلقّوا أوامر بملء صناديق الاقتراع بأسماء مرشحين مؤيدين للحكومة. وتمكّنت المعارضة من تحقيق فوز في مقاعد مجلس الشيوخ وعدد من مقاعد المجلس التشريعي، في وقت عمّت فيه الاضطرابات والعنف في العديد من المدن والمناطق، الأمر الذي أدى إلى سقوط اكثر من 160 قتيلاً.لكن حزب «لاكاس» الحاكم شدّد على أن التحالفات السياسية للرئيسة أرويو فازت بأكثر من ثلثي مقاعد مجلس النواب. وقال مؤيدون للتحالف الحاكم إنهم حصدوا 190 من مئتي مقعد مخصص للمقاطعات.
تفشّت أخبار الفساد، الذي نخر عهد الرئيسة المحافظة، حتى وصلت إلى خارج البلاد، إذ تعرضت خلال زيارتها الاخيرة إلى العاصمة النيوزيلاندية، ولنغتون، لنقد حاد من أعضاء البرلمان، حين وصف المتحدث باسم حزب «الخضر» كيث لوك، في بيان صحافي، الفيليبين بأنها «منطقة كوارث لحقوق الانسان»، مشيراً الى أن مئات من المدافعين عن حقوق الانسان قتلوا منذ تولي أرويو المنصب في عام 2001.وشهدت الفيليبين حالةً من عدم الاستقرار والتظاهرات المتواصلة واستقالات جماعية في الحكومة، للضغط على الرئيسة الفيليبينية كي تتنحّى بعد اتهامات وُجِّهت إليها بالتلاعب في الانتخابات الرئاسية في عام 2004، إضافة إلى الفساد المالي.وفي 25 شباط 2006، أعلنت ارويو حال الطوارئ في البلاد بعد اعتقال عدد من كبار ضباط الجيش الذين اتهموا بمحاولة انقلاب مفترضة. وبُعيد الاعلان عن حال الطوارئ، اكدت الرئيسة في خطاب متلفز أن «الحكومة سحقت هذا التحرك غير الشرعي». وقالت «بوصفي قائداً للجيوش، فأنا أسيطر على الوضع».وأدّت الرئيسة بالتعاون مع حلفائها في إقليم مينداناو المسلم (جنوب)، الذي يطالب بالاستقلال عن مانيلا، دوراً بارزاً في رسم خطة محكمة في الانتخابات التشريعية لعام 2005، كان من شأنها فوز حليفها، زالدي أمباتوان، بمنصب حاكم الإقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي، فيما كان عددٌ من زعماء «الجبهة الوطنية لتحرير مورو» الإسلامية، قد أعلنوا مقاطعة الانتخابات، متهمين رئيسة الفيليبين بدعم أمباتوان الذي خاض الانتخابات على قائمة الائتلاف الحاكم.ورأت مصادر إسلامية أن الهدف الأبرز من دعم الحكومة لأمباتوان هو إقصاء جبهة مورو، التي تحكم الإقليم منذ 1997، بعدما انقلبت الحكومة على رئيس الجبهة نور ميسوراي في عام 2000 وأودعته السجن، بتهمة التحريض على الثورة على حكمها، ثم فر لاحقاً إلى ماليزيا.وتعوم مينداناو فوق آبار من البترول غير المكتشَف والمقدَّر بنحو 2.3 تريليون برميل، علاوةً على ملايين الأمتار المكعبة من الغاز الطبيعي. وهذا ما يفتح شهية الحكومة على المماطلة في تسليم الأقاليم الباقية لمواطني المنطقة الجنوبية ذات الغالبية المسلمة (تم اعطاؤهم 5 أقاليم من 15).وفي هذا الصدد، ذكر موقع «إخوان أون لاين» «ان مسار التفاوض بين الحكومة الفيليبينية والجيب المسلم، والذي أدّت منظمة المؤتمر الإسلامي دور الوساطة فيه بين حركة مورو الوطنية والحكومة، كان يستهدف حلاًّ عادلاً داخل إطار السيادة الفيليبينية ووحدة التراب الوطني والحصول على الحكم الذاتي فقط، وتم التفاوض حول الحكم الذاتي في مدينة جدة السعودية في عام 1975، لكنه فشل، ثم بدأت جولةٌ ثانية من التفاوض في كانون الأول من العام نفسه وأطلق عليها اسم اتفاق طرابلس».ويضيف الموقع أنه «بموجب هذا الاتفاق، تم الإقرار بمنح المسلمين الحكم الذاتي في 13 منطقة، ثم أصبحت 15 منطقة، وتكونت فيها إدارات ومراكز إدارية أخرى داخل هذه المناطق، غير أن الاتفاق لم ينفَّذ، ودخلت مورو الوطنية في اتفاق ثانٍ في عام 1996، الذي أوصى بالحكم الذاتي في أربع مناطق فقط من 13، ليصل بعد ذلك إلى بقية المناطق التي تم الاتفاق بشأنها في اتفاق طرابلس».ويشير الموقع الاسلامي إلى أن «الحكومة عملت ضد هذا الاتفاق من خلال الادعاء بأن المسلمين سيعملون على طرد السكان المسيحيين من هذه المناطق حين يحكمونها. وعندما طبِّق الحكم الذاتي، حُدِّد في خمس مناطق أو يزيد بالرغم من أن اتفاق طرابلس أفقد المسلمين 42 في المئة من أراضيهم عام 1996، وعلى الرغم من ذلك، لم تنفِّذ الحكومة الفيليبينية بنود الاتفاق، وبالتالي فقد المسلمون الاستقلالَ وأراضيَهم وضُمُّوا إلى الفيليبين بعدما كانوا دولةً مستقلةً تكافح لأكثر من 500 سنة للحفاظ على أراضيها وقيمها الإسلامية».جبهة مورو الإسلاميةنشأت «جبهة مورو الإسلامية»، نتيجة انشقاق عن «حركة مورو الوطنية»، التي فقدت شعبيتها نتيجة التفاوض «غير العادل» مع الحكومة. واعترفت منظمة المؤتمر الإسلامي بالجبهة ممثلاً لمسلمي الفيليبين.وجبهة تحرير مورو تقاتل منذ سبعينيات القرن الماضي من أجل الانفصال عن الفيليبين، وتكوين دولة إسلامية تضم جزر «مينداناو» و«سولو» و«بالاوان» جنوب البلاد، التي قامت مانيلا بضمِّها إلى أراضيها.وبدأت حكومة الفيليبين مسلسل التفاوض مع «جبهة مورو الإسلامية» منذ عام 1997، إلا أن المحادثات انهارت في عام 2000، حين شنَّ الجيش الفيليبيني هجوماً واستولى على العديد من قواعد الجبهة في الغابات، بينها معسكر أبو بكر في إقليم ماغو مينداناو.أبو سيافثمّة جماعة إسلامية أخرى في الفيليبين تتخذ من العنف وسيلة لتحقيق مطالبها تدعى «جماعة أبو سياف»، وهي مجموعة من الاسلاميين المتشددين، لا يزيد عددها على 500 عنصر. وغالبا ما تستولي القوات الحكومية على مناطق زراعية خصبة لأهالي الجنوب بحجة ملاحقة هذه الجماعة التي اتصفت بخطف الرهائن وممارسة أبشع انواع القتل بحق بعضهم.
تواجه الحكومة الفيليبينية نوعاً آخر من التمرد، يتمثل بالثورة الشيوعية التي تنشط في البلاد منذ 1969، وهو ما يجعل حركتهم إحدى أقدم حركات التمرد اليسارية في آسيا.ويقود «الجيش الشعبي» التمرد الشيوعي، ولا سيما في شمال البلاد. وهم يقومون بعمليات عسكرية متواصلة ضد افراد الشرطة في اكثر من منطقة. وتقدر السلطات الفيليبينية عدد عناصر «جيش الشعب» بـ 7000 أي أقل بثلاث مرات على الأقل مما كان عليه في الثمانينيات.وفشلت محادثات سلام رعتها النروج بين المتمردين الشيوعيين والحكومة في عام 2004 بسبب رفض مانيلا إقناع الولايات المتحدة وأوروبا برفع جيش الشعب عن قائمة الإرهاب.غير أن قائد الجيش الفيليبيني الجنرال هيرموجينس ايسبيرون، دعا إلى استئناف محادثات السلام المجمدة مع المتمردين الشيوعيين، مؤكداً على ضرورة موافقتهم على وقف لإطلاق النار لمدة ثلاث سنوات خلال المفاوضات.بأي حال، لم تستطع أرويو أن تمارس ما يحلو لها في البلاد كما كانت تشاء منذ البداية، ولا سيما بعدما خسرت محاولة لتعديل الدستور لتوسيع صلاحياتها، بسبب معارضة الكنيسة الكاثوليكية، التي دعا رؤساء أساقفتها الى اجتماع لـ «التأمل والصلاة» احتجاجاً على هذه المحاولة، الأمر الذي أجبر البرلمان على التخلّي عن خطته. ويبدو أن الرئيسة، التي تخطّت الكثير من الصعاب حتى الآن بدعم أميركي واضح، لا تزال معرّضة للسقوط في اي وقت، تحت وطأة نقمة الجنوبيين المطالبين بالاستقلال وتمرد الشيوعيين المطالبين بالعدالة الاجتماعية وصولاً إلى لوائح الفساد الذي لطّخ العديد من قادة هذا البلد المضطرب.
أرويو تقبل بـ«تجربة» وطن للمسلمين
أعلنت رئيسة الفيليبين غلوريا ماكاباغال أرويو امس أن حكومتها مستعدّة لتجربة اقتراح بإقامة وطن للمسلمين في إطار الجهود الرامية إلى تخفيف التوترات في جنوب البلاد المضطرب.وقالت أرويو، في كلمة أمام رجال أعمال فيليبينيين، «إذا لم يؤثر ذلك سلباً على الوضع التفاوضي للفيليبين ويثر قلقاً بين المسيحيين، يتعين تنفيذ اقتراح بإقامة منطقة يحكمها المسلمون في أرض الأسلاف على سبيل التجربة لإظهار صدقنا في تحقيق السلام».وأضافت أرويو «لقد أعلنّا الكثير من مناطق الحكم (الخاصة) على أرض الأسلاف بين السكان الأصليين.. لا أرى أي سبب يجعل أي شخص يفزع إذا أعلنت أي منطقة خاضعة لحكم المسلمين في أرض الأسلاف».وأوضحت أرويو أنها تريد إجراء محادثات عاجلة مع جبهة تحرير مورو برعاية ماليزيا التي تتوسط في المفاوضات في وقت تستعد فيه القوات الحكومية لشنّ هجمات على المتشددين الاسلاميين في جنوب الفيليبين.وكان قد جرى ضم 600 قرية إلى منطقة الحكم الذاتي للمسلمين في مينداناو، إلا أن جبهة تحرير مورو تريد ضم أكثر من ألف قرية. وكان الجانبان قد أوقفا في أيلول الماضي محادثات السلام بعد فشلهما في الاتفاق على تسمية المناطق التي يجب أن يشملها الوطن المقترح للمسلمين.(د ب أ)
جمهورية الفيليبين
هي جزيرة تقع في جنوب شرق اّسيا (تاريخياً كانت جزءاً من مايكرونيزيا خلال الغزو الأميركي قبل الاستقلال العام 1946). عاصمتها مانيلا.-يتكوّن أرخبيل الفيليبين من 7,107 جزر تقع في غربي المحيط الهادي شرق فيتنام.
"الاخبار" ١٤ آب 2007

3‏/8‏/2007

الشيوعيون السوريون في مهبّ التاريخ (وفي ظل السلطة)



معمر عطوي
هل البعد «الرومانسي» هو كل ما بقي من الشيوعية في دمشق؟ ماذا بقي اليوم من هذه الحركة التقدمية التي حملت الوعي الثوري عربياً، وصولاً الى السعوديّة؟ في كتابه «اليسار السوري في واقعه الراهن» (دار عشتروت)، يقدم الباحث سلامة كيلة مساهمة جادة في الإجابة عن هذا السؤال
يكتسب الحديث عن حركة يسارية سورية أهمية مزدوجة، في ظل حكم الحزب الواحد الذي ذابت فيه الايديولوجيات، تماهياً أو استسلاماً، عبر عقود. يكمن البعد الأول في ما يمكن تسميته عراقة اليسار السوري متمثّلاً بالحزب الشيوعي الذي لم يكن محصوراً بسوريا فحسب، بل امتد الى ما يعرف بسوريا الطبيعية. إذ كان على المستوى اللبناني السوري حزباً واحداً، قبل أن تبرز عوامل تنظيمية داخلية وسياسية في كلا البلدين، قسّمت الحزب الى حزبين. أمّا على المستوى الأردني والسعودي، فكان لليسار السوري الفضل في نشر مبادئه وأفكاره في مثل هذه البلدان التي لم تكن أنظمتها منفتحة على دول المنظومة الاشتراكية، مثل دمشق. أما البعد الثاني، فيتمثل في مدى استفادة النظام السوري البعثي من هذه الحركة النقابية العمالية. إذ كان يحتاج الى شعاراتها، مع بداية انغراسه في الحقل السياسي المتعطش إلى التغيير في وجه الاقطاعيات. هذه النقاط يتناولها «اليسار السوري في واقعه الراهن» للكاتب سلامة كيلة الذي صدر عن «دار عشتروت» في بيروت (تُصدر أيضاً مجلة «عشتروت» الفكرية الثقافية).يمثّل الكتاب تجربةً غنية تحفل بالمعلومات والأحداث والمفاصل الأساسية التي مرّ بها اليسار ممثلاً بالحزب الشيوعي السوري. وهو يؤلّف مادة أرشيفية تحتاج اليها المكتبة العربية، خصوصاً أنّه لم يصلها الكثير عن المشهد السياسي السوري الغارق في أحادية الحزب الواحد، فيما تسعى الأحزاب الأخرى الى التماهي في «جبهته التقدمية» الى درجة الذوبان أو معارضة النظام وتالياً اختيار السجن أو المنفى في ظلّ محاولات فاشلة للالتفاف على السلطة.يقصد سلامة كيلة باليسار السوري، اليسار الماركسي الشيوعي الذي مرّ بمراحل كثيرة ومتنوعة، حاولت خلالها الإنتلجنسيا «المتنوّرة»، المشبعة بأفكار الماركسية اللينينية السوفياتية، تحقيق الاستقلال والتطوّر والوحدة القومية. كان ذلك قبل 1937، العام المفارقة في حركة الشيوعيين السوريين الذين ظلُّوا حتى أواسط الستينيات يدعمون التطور الرأسمالي «عبر الالتحاق بالبورجوازية تحت شعار تحقيق الديموقراطية في إطار سيادة الملكية الخاصة».أمّا المرحلة الثالثة فشهدت التحاق الحركة الشيوعية بالنظام الذي كان يُمثّل الفئات الوسطى والريفية، ويطمح الى تدمير البنى (الإقطاعية) القديمة، ويدعو الى تدخّل الدولة في البناء الاقتصادي، ويسعى إلى تحقيق الإصلاح الزراعي وإقرار حقوق العمّال تحت شعار الاشتراكية. ويرى الكاتب أنّ هذه المرحلة «كانت تحقّق التطور الرأسمالي وإن في شكل جديد، لأنها تنطلق من تقديس الملكية الخاصة».يدخل كيلة في مناقشة مستفيضة لا بالتحوّلات التي عصفت بتيارات اليسار من الناحية السياسية وتطورات المشهد السياسي السوري والعربي فحسب، بل بالتطور الايديولوجي العقائدي لهذه التيارات والمخاضات العسيرة التي مرّت بها، فيما كانت تسعى الى التوفيق بين شعاراتها ذات البعد السوفياتي وواقعها القطري والقومي والتحديات المصيرية التي مثّلت قضية فلسطين أبرز تجلياتها.ولا يمكن هنا استبعاد الجانب الأمني الذي اتسمت به الأنظمة التوتاليتارية. فهذا الجانب الذي كان النظام السوري أحد أبرز الانظمة العربية المحترفة في استخدامه على الساحة السياسية، أسهم الى حدّ كبير من خلال لغة الترهيب، في زرع الشقاق داخل التيار اليساري. هكذا تحوّل إلى مجموعة تيارات متنافسة، منها مَن تنافس لكسب ود النظام البعثي وفق «اجتهاد» خاص، يسوّغ لمفهوم الاستمرارية والبقاء، ومنها مَن تنافس مع الآخر على خلفية الرضوخ أو عدم الرضوخ لإملاءات السلطة.نتيجة هذا التنافس الذي أوجد تيارات عدّة تتبنى الطروحات اليسارية، برز الشقاق واضحاً بين مَن رضي أن يكون مطيّة في يد النظام لمحاربة «المد الأصولي»، خصوصاً في الثمانينيات حين شهدت مدن سورية مثل دمشق وحماة احداث عنف غير مسبوقة بين السلطة والإخوان المسلمين. فيما كان احتضان النظام لشريحة أخرى من اليسار، نتيجة للتقارب بين دمشق وموسكو خلال حقبة الاتحاد السوفياتي السابق.ربما كانت سنة 1969 بداية الانشقاق داخل الحزب الذي اكتمل عام 1972. هنا يرى الكاتب أنّه مع هذا الانشقاق «كانت تتزامن لحظتان، الأولى تلك التي عبّرت عن السعي إلى إعادة الحزب الى ما كان قد تبلور عليه في ثلاثينيات القرن العشرين... واللحظة الثانية هي تلك التي تبلورت في رؤية تنطلق من ضرورة الديموقراطية في إطار اقتصادي رأسمالي، وضرورة التحالف في سبيل نظام ديموقراطي، وكانت تتردد أكثر في مواجهة انتصار الوحدة المصرية السورية وسلطة عبد الناصر، ثم سلطة البعث في مراحلها الأولى، حيث كان الحزب مع النظام الديموقراطي على أساس الملكيّة الخاصّة».وفي المرحلة الاخيرة أي الخمس سنوات الأخيرة التي مرّ بها اليسار السوري، ضاع بين برنامجين، الأول يميني يدافع عن السلطة والآخر يميني أيضاً يدعو الى الليبرالية.وهنا لا نستطيع بالطبع فصل المسار السوري عن التطورات في الساحة الدولية، ولا سيما بعد تفتّت الاتحاد السوفياتي، وما تركه هذا التفتت من انعكاسات أدّت الى شرذمة اليسار عالمياً، وتحول جزء منه الى الليبرالية. فيما اختار الجزء الآخر الدفاع عن البيئة أو مناهضة العولمة مثل أحزاب الخضر في أوروبا.يمكن أن يمثّل «اليسار السوري في واقعه الراهن» ـــــ إلى جانب كتاب «الانقياد» للكاتب يعقوب قريو الذي يتحدث فيه عن القيادي الشيوعي السوري خالد بكداش ـــــ مادةً «دسمة» تؤرخ للحزب الشيوعي السوري الذي أصبح ظلاًّ من ظلال السلطة، لا يملك سوى الدور «الرومانسي» الذي يجسّده شبان حالمون بالتغيير، لكن في الوقت نفسه راضخون للسلطة. هذه السلطة التي تتخذ من بعض شعارات اليسار «الرنانة» عناصر وهمية تضفي على «السينوغرافيا» السياسية الأحادية النظرة، أضواء باهتة للإيهام بأنّ ثمة تعددية في إطار الوحدة.
"الاخبار"٣ آب 2007

15‏/7‏/2007

أسراب الغربان المهاجرة الى مدينة تلتحف السواد


معمر عطوي


تكثر الغربان في مدينة جدة مثل اليمام، تشعر أنها أصبحت جزءاً من مشهد سوداوي عام يتمرأى في الأسواق التجارية التي تزدحم بالنساء، كأنها الليل الذي يستر تلك النظرات التي تصطاد الشباب بشبقيتها. إيحاءات تفضح ذلك النظام المُكبل بالكبت والستر. لا يفهمها إلا أولئك الذين ألفوا المواعيد الغرامية في سيارات (تماهت مع النساء بلون زجاجها الغامق الدخاني). أما البعض الآخر منهم، لا يجازف بالتعرض للجلد تحت عنوان "حد الزنا"، فيجنح لخيار"السلم الأخلاقي".
ورغم شدة القوانين والتضييق، يجد البعض الفرصة ليمارس ما يحلو له لعله تخطى عقدة الخوف، فاسترسل في طقوس اللذة على طريقته، غير آبه بحقل الألغام الذي يسير فيه.
يقول لي زميلي المصري: "يا عمي ادّيها في المليان ما تخفش، غمزة واحدة وبتديك نمرة تلفونها أو تطلب نمرتك". لن يغريك المظهر الخارجي عندما تعرف كيف اختط بعض الناس طقوسهم الخاصة في ممارسة اللذة.
"هناك أماكن تشعرك أنك في دولة منفتحة"، كما همس في أذني أحد السعوديين، مضيفا "يبغالك فلوس وسيارة، عندها تفعل ما تريد". وعندما تسأله عن سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (او "المطاوعة" كما يطلقون على أفراد الشرطة الدينية)، يجيب :"اسكت يا خوي، حكي فاضي، هناك أمكنة ُيمنع "المطاوعة" من دخولها، لأن مالكيها من الأمراء ومشايخ النفط".
العامل الأجنبي معرض دائماً للمحاسبة، فالتعامل هنا على أساس جدلية العلاقة بين السيد والعبد. هو أول من يقاد الى ساحة "السيّاف" الذي ينفذ "حكم الله" على طريقة الذبح في العراق. فالذبح ليس عادة إرهابية، بل هو وسيلة تطبيق العقوبة على طريقة علماء الوهابية الذين يتفننون اليوم في نقد الإرهاب والقتل ودعوة الإسلام للتسامح، بعدما زرعوا تلك الجرثومة الخبيثة في رؤوس الآلاف من المؤمنين بدين واحد هو المذهب السلفي.
قهوة محرمة
جافة هي الحياة كما هي الأرض اليباب، حياة خارج الحياة، لا تتجاوز سوى الطعام والنوم وساعات العمل الشاقة، أما وقت الفراغ فهو إما للقراءة أو لمشاهدة التلفزيون. الحياة الاجتماعية شبه معدومة. التسلية شبه غائبة إلا في بعض الأمكنة التي لم يكن يتاح لنا ارتيادها بكثرة بسبب غلاء الأسعار او البعد الجغرافي.
العلاقة مع الجنس الآخر شبه محرّمة حتى لو اقتصرت على فنجان قهوة في أحد المقاهي. حدث هذا مع زميل لي كان قد واعد امرأة في مطعم، وأثناء جلوسهما، دخل "المطاوعة" وسألوه عن هوية المرأة، فبادر بسرعة للقول "إنها زوجتي"، ومن حسن حظه أنه ينتمي الى "عشيرة" المتزوجين والا لكان مصيره السجن والتعزير. والمفارقة أن "الشرطة الدينية" لا تستطيع التدقيق في هوية المرأة التي غالباً ما تختفي وراء خمارها.
بدوية تقود السيارة
يحدثني السائق الباكستاني بسخرية عن عدم السماح للمرأة بقيادة السيارة فيقول: "تستطيع المرأة أن ترافق سائقها "الأجنبي" الى أي مكان، لكنها لا تستطيع القيادة بحجة عدم الوقوع في الفتنة". والمفارقة الأكثر لفتاً للانتباه هي أن هناك نساءً في المجتمعات البدوية والتي تعيش على الرعي في الجنوب- يقدن السيارة بعيداً عن أعين السلطات. قرأت تحقيقاً أعده أحد الزملاء عن نساء يقدن سيارة "بيك آب" لجلب الطعام للأغنام او إحضار المياه، وقد تسلحن برشاشات اوتوماتيكية للدفاع عن أنفسهن. بمعنى ما، المرأة في المجتمع البدوي هي السباقة لاستخدام وسائل التطور.
لا تستطيع المرأة العمل في المحلات التجارية حتى لو كانت مخصصة للألبسة النسائية الداخلية، لكن البائع يستطيع أن يسترسل في شرح مميزات السراويل الداخلية وحمالات النهود لزبوناته، مع مزيد من الإيحاءات التي تنتهي أحياناً بلقاء حميمي في غرفة تبديل الملابس.
نساء للبيع.. شرعاً
ثمة ظواهر أخرى يمكن اكتشافها من أخبار المناطق البعيدة عن المدن، حيث تباع المرأة كالنعجة الى زوجها الذي لا يستطيع أن يأخذها الى منزله قبل دفع كل الأقساط المتوجبة عليه، مع إمكان معاشرتها في منزل ذويها. وهناك حالات حصلت فيها ولادات، ورغم ذلك لم يسمح الأب لصهره بأخذ زوجته قبل دفع المهر كاملاً.
يستطيع الزائر لمدينة جدة التقاط الكثير من المفارقات، ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الدور الجيوسياحي للمدينة الواقعة على البحر الأحمر. ثمة أشكال فنية تنتشر عند دوارات الطرق والساحات العامة تشير الى إرادة القيمين عليها إبراز الوجه الحضاري لمدينة هي محط رحال الحجيج القادمين من جميع أقطار العالم. هم ينزلون في مدينة الحجاج المعدة لهم بالقرب من مطار الملك عبد العزيز، في قلب الصحراء، ثم يتوجهون براً الى مكة عبر مدينة جدة، التي أعد سكانها من مواطنين ومقيمين مراكزاً تجارية خاصة بالبضائع التي يصطحبها الحجاج والمعتمرون كهدايا الى ذويهم وأصدقائهم في أوطانهم. من هنا تدخل المدينة الى مشهد "معولم" من بابه الواسع.
تلتقي أشخاصا يتحدثون مختلف اللغات، ويتمتعون بثقافات متعددة، اكانوا من زوارها ام من المقيمين. تنوع في المشارب والأهواء والأعراق واللغات، وكذلك البضائع والمأكولات. ليس من الصعب على الزائر ارتياد مطعم لبناني او اندونيسي او فلبيني. وهناك خيارات كثيرة للتسوق، وبسطات غير قانونية على قارعة الطريق يديرها الحجاج والمعتمرون الذين يأتون ببضائع بلدانهم، لا سيما الأفارقة الذين يروجون لأدوية من الأعشاب المنشطة جنسياً وأشياء أخرى، او أبناء الجمهوريات السوفياتية السابقة الذين يأتون بما خف حمله ورخص ثمنه.
ثمة ُبعد آخر للحج غير التعبد، هو هذا اللقاء المتعدد الثقافة، إضافة الى البعد التجاري. هناك من يستغل تأشيرة الحج او العمرة للبقاء والعمل بشكل غير مشروع، وتطلق الحكومة على هؤلاء اسم "المتخلفون".
جوهرة البحر الأحمر
يسحرك البحر الأحمر بمنظره الفاتن الذي يعطي جفاف الصحراء بعض ملامحه الجمالية. هو غني بأسماكه بما فيها القرش، وغني بالمنتجعات التي تغطي بعضاً من واجهته في منطقة "أبحر" الشمالية. لكن متعة السير مساءً على ذلك الشاطىء الذي يحتاج الكثير من الترتيب والتحديث، سرعان ما تصطدم بمشهد العائلات التي افترشت الأرض بكثافة الى جانب سياراتها المتوقفة عبثاً. مشهد لا ينقصه سوى أسراب الغربان التي تخطف ما تبقى من مأكولات الرواد. تكثر هذه "الافتراشات" يومي الخميس والجمعة، أي في العطلة الأسبوعية، وتمتد الجلسات التي لا توفر مكاناً، بما فيها قلب الصحراء، حتى الفجر أحياناً كثيرة. عادة ينصب المتنزهون خيماً، ويحضرون الطعام الذي غالباً ما يكون جاهزاً مثل "مناسف اللحم" و"الكبسة"، أو قد يرغب البعض بالشواء. إضافة الى ما سبق، توجد النرجيلة والجراك الذي هو عبارة عن نرجيلة ذات حجم كبير قد يصل طولها الى 150 سنتم، وذات تنباك ثقيل جداً.
ثقافة مجاملات
لا مجال للحديث عن حركة ثقافية نشطة سوى تلك التي تدخل في باب المجاملات، مثل مناقشة ديوان شعري لأحد الأمراء أو المشايخ أو المتنفذين. هناك لقاءات تسمى "الديوانية" تحاول ممارسة نشاط ثقافي، وغالباً ما تكون أدبية أو ذات بُعد ديني. يدلي خلالها كل من المشاركين بدلوه وتنتهي بمأدبة من الطعام الدسم.
مدينة بلا مسرح (سوى محاولات طلابية خجولة، غير مختلطة، يسيطر عليها الخوف الدائم من الوقوع في اطروحات "تابوية ")، مدينة بلا سينما، او قاعة عزف، برغم توافر أسباب الغنى والثراء فيها. طبعاً، هناك حركة نشطة على صعيد الفنون التشكيلية لا يمكن تجاهلها، كما ان الاهتمام بالتراث والمقتنيات الأثرية والجمالية وفن العمارة القديمة، يشهد تطوراً يمكن من خلاله استشراف مشهد فني مرموق فيما لو استمر العمل على تعزيز المتاحف والمعارض الفنية بهذه الوتيرة.
شعر نبطي
لعل الشعر النبطي "العامي" هو أحد أهم أشكال الحركة الثقافية. في هذا السياق، تكثر المسابقات والندوات الشعرية التي يغلب عليها طابع المديح، وتتعدد الإصدارات الشعرية التي يحاول الشباب من الجنسين احتلال الجزء الأكبر من مساحتها. يمكن القول أن ثمة محاولات ناجحة على صعيد كتابة الشعر الحديث وفن القصة التي تتغذى من قضايا الواقع.
ثمة لقاءات ثقافية يقوم بتمويلها بعض الأثرياء الذين يبتغون الشهرة الشخصية، لذلك تشهد هذه الجلسات بذخاً في غير محله، وتبقى أسيرة لمناقشات لا تخرج عن محدودية الفكرة التي يروج لها صاحب الدعوة، إضافة الى "الحتميات التاريخية" لسلطة الرقابة على أشكالها. في السياسة، لا مجال للخروج عن دائرة استعراض "منجزات" العهد. أما الفلسفة، فتبقى خارج البحث، اذ هي "نوع من الزندقة"، فـ "من تمنطق تزندق" حسب التراث السلفي. لذلك، لا وجود لقسم فلسفة في أي من جامعات المملكة برغم وجود مثقفين كثر يحاولون التغيير والدخول في التنوير، لكن نهايتهم إما السجون واما المنفى. ومن يبقى، عليه التعبير بالألغاز واستخدام الحيل اللغوية لإيصال فكرته.
المرأة أيضاً حاضرة بقوة في مجال الثقافة، وان كانت مشاركاتها في المؤتمرات والندوات من خلف الحجاب، او الدوائر المغلقة التي تفسح لها المجال للمشاركة صوتياً، ومتابعة الرجال من خلال شاشة التلفزيون على غرار قاعات الجامعات (حيث يلقي الأستاذ محاضرته على مجموعة من الفتيات المختبئات خلف ستار "القاعات المغلقة" لمنع الاختلاط). وأزعم هنا أن النساء في السعودية أقدر من الرجال في مسائل الأدب والثقافة، بل تدل بعض مساهماتهن في الصحف عن وعي جدي للواقع، وجهود كبيرة للنجاح في معركة تحدي مقولات ذكورية حول "دونية النساء"، ومحاولات دؤوبة للتغيير.
لعل الجانب الآخر من المفارقات هو هذا التعامل "الاجحافي" بحق الشباب. فالشاب العازب دائماً في موقع الاتهام، ومن تداعيات هذه النظرة الى العازبين عدم السماح لهم بالسكن في المباني العائلية على غرار الفصل العنصري رغم أن المجال متاح أكثر أمام المتزوجين للقيام بالمغامرات العاطفية خارج مؤسسة الزواج.
إن النشاطات التي تشهدها المدينة بهدف التنشيط التجاري والسياحي، أو كما يقول القيمون "التوعوية والترفيهية"، تستثني الشباب في حيز كبير منها، بل تضيق هامش حركتهم لدرجة أنهم يشعرون بان وجودهم استثناء في هذا المجتمع القائم على تقديس العائلة. لذلك تحظى بحصة اكبر النشاطات التي تقام على هامش المناسبات العامة مثل مهرجان "جدة غير" مثلاً.
اما البطالة، فتتصاعد في المجتمع السعودي، وقد حملت السلطات على السير في سياسة "السعودة"، وهي خطوات تأهيلية للمتخرجين يتم بعدها توظيفهم محل موظفين أجانب.

تحولات 15 تموز 2007

23‏/6‏/2007

براتيبها باتيل صاحبة البركات الهندوسية


معمر عطوي
لم تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية الهندية، أول من أمس، بعيدة عن تأثيرات العامل الديني في بلد مشحون بالنزاعات الطائفية (هندوس وسيخ ومسلمون) رغم دستوره العلماني، ذلك أن كرسي الرئاسة انتقلت من العالم النووي المسلم أبو بكر زين العابدين عبد الكلام إلى حاكمة ولاية راجاستان الشمالية، براتيبها باتيل (72 عاماً)، التي سبق لها أن تحدّت مشاعر المسلمين عبر انتقادها للحجاب، وادعّت لنفسها «بركات» اكتسبتها نتيجة مخاطبتها لروح أحد مؤسسي المذاهب الهندوسية.ورغم معارضة قادة الجالية الإسلامية، التي تشكل 14 في المئة من عدد سكان الهند (1.1 مليار نسمة)، لترشيح باتيل لكونها «تتعمد إهانة الإسلام»، استطاعت مرشحة التحالف التقدمي المتحد الحاكم أن تصبح المرأة الأولى التي تتسلم سدة الرئاسة، بعد فوزها على منافسها مرشح التحالف الديموقراطي الوطني المعارض، نائب الرئيس بهايرون سينغ شيخوات (84 عاماً)، بحصولها على 66 في المئة من أصوات الهيئة الناخبة المؤلفة من نواب في البرلمان الوطني والبرلمانات المحلية.لكن إشكالية الرئيسة الهندية الجديدة، التي ترتدي اللباس الهندوسي المحتشم الذي لا يتميز كثيراً عن حجاب المسلمات، هي أنها قد فتحت في وقت سابق أبواب الجدل الحاد، عندما وجهت انتقادات حادة للنقاب الإسلامي وقالت إنه زي «همجي بدائي متخلف».ويبدو أن التحالف الحاكم بقيادة رئيسة حزب المؤتمر، صونيا غاندي، قد عزّز من خلال دعمه لباتيل هذا الجدل، الذي قد يحيي العنف الطائفي في البلاد، ولا سيما بعدما وصف التحالف تصريحات الرئيسة حول النقاب بأنها “تعبّر عن رأيها الذي تراه ينطبق على نساء الهند كافة بصفة عامة”، في حين رأت غاندي أن وصول امرأة إلى سدة الرئاسة سيساهم في مكافحة التمييز الذي تعاني منه النساء في الهند.ولعل باتيل استطاعت أن تتفوق على رئيسة الوزراء السابقة أنديرا غاندي، حتى لو كان منصب الرئاسة في الهند فخرياً، ذلك أن فوزها أتى بعد تعرضها لانتقادات لاذعة خلال الحملة الانتخابية بسبب اتهامها بالمحسوبية وسوء الإدارة المالية والتستر على شقيقها الذي اشتبه بتورطه في عملية قتل، وعلى زوجها الذي اشتبه بتورطه في فضيحة وعملية انتحار.وظهر واضحاً أن أبرز أسباب هذا الفوز هو الدعم السياسي الكبير الذي قدمته أحزاب التحالف التقدمي المتحد بقيادة حزب المؤتمر العريق، الذي أسسه المهاتما غاندي، إضافة إلى جبهة اليسار والأحزاب العلمانية الأخرى.وكانت باتيل، التي تؤدي القسَم بعد غد الاربعاء، قد تنقّلت بين العديد من المناصب الوزارية الهامة في ولاية ماهاراشترا، مسقط رأسها، كما انتخبت عضواً في البرلمان ونائب رئيس مجلس الشيوخ.لكن المفارقة الأهم في فوز باتيل، التي تحتل أيضاً منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، هي ادعاؤها في وقت سابق أنها أجرت اتصالاً مع روح الكاهن بابا ليخراج، مؤسس مذهب «هيندو براهما كوماريس»، أحد المذاهب الحديثة للديانة الهندوسية، الذي توفي في عام 1969، بعدما دخلت «روح ليخراج جسد إحدى مريداته». ووصفت باتيل الأمر بأنه مؤشر سماوي يفيد بأن مسؤولية أكبر ستسند إليها، ما جعل أنصارها يصدقون «بركات» بابا ليخراج، التي جعلتها مرشحة للرئاسة وتحقق فوزاً «إلهياً» بامتياز.
"الاخبار"٢٣ تموز2007

9‏/6‏/2007

هـــل بـــدأ العـــدّ العكـــسي لسقـــوط مشـــرف؟


معمر عطوي
ليس حادثاً عرضياً ما يحصل من اضطرابات هذه الأيام في باكستان، حيث يكمن المعقل الأساسي لطلبة العلوم الدينية، الذين شكّلوا نواة «الإمارة الإسلامية» في أفغانستان، تحت إمرة الملا عمر، وبدعم من الاستخبارات الباكستانية.يمكن القول، إن أزمة المسجد الأحمر في إسلام آباد، ليست وليدة حادثة عابرة، بقدر ما يمكن أن تندرج في سياق تنفيس احتقان للشارع الباكستاني، الذي لا يزال يعيش مناخات الاضطرابات التي حصلت على خلفية إقالة الرئيس برويز مشرف لرئيس القضاة افتخار محمد شودري، من منصبه تحت حجة «سوء التصرف». يشار إلى أن شودري، الذي عُرف بقراراته الصارمة ضد بعض تصرفات الحكومة، هو من المحسوبين على التيار الإسلامي العريض في البلاد، حيث تنتشر كبرى الجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، «الجماعة الإسلامية»، التي يتزعمها قاضي حسين احمد، والتي ضاعفت من انتقاداتها لسلطة مشرف منذ غزو أفغانستان عام 2001، لدرجة اتهامه بالعمالة للاستخبارات الأميركية.كما تأتي القضية الكشميرية، وما شهدته في السنوات الأخيرة من تراجع، بعد وقف الحكومة دعمها للأعمال المسلحة ضد الهنود، لتمثّل أحد الأسباب التي زادت من نقمة الشارع الباكستاني، على سياسة الحكومة، رغم أن مشرف كان قائداً للجيش إبّان القتال العنيف بين الهند وباكستان عام 1999 في مرتفعات كارغيل، التي انتهت بانسحاب المقاتلين الكشميريين منها بضغط من رئيس الوزراء السابق نواز شريف.وأكّدت قضية هذا الإقليم المتنازع عليه بين الهند وباكستان، هذا الشرخ الكبير الذي حصل بين السلطة والشرائح الاجتماعية التي يمثّل الإسلاميون غالبيتها، ولا سيما أن كشمير أصبحت في وعي العديد من الحركات الإسلامية قضية كبرى مثل قضية فلسطين وقضية الشيشان.هذا ما دفع زعماء الجماعات الإسلامية «الجهادية» الى اتهام مشرف بمحاولة استرضاء الأميركيين، على أساس أن الإدارة الأميركية تمارس ضغوطها على باكستان لتعترف بهيمنة الهند على المنطقة.ويبدو واضحاً فشل مشرف في محاولة استرضاء الجماعات الإسلامية، على غرار ما فعل سلفه شريف، الذي استطاع توظيف هذه الجماعات الى حد كبير لخدمة أهدافه السياسية.ولعل سبب هذا الفشل يعود إلى أمرين: الأول، هو تعاون مشرف مع الغرب في القضاء على حركة طالبان في أفغانستان، وخصوصاً أن هذه الحركة ترتبط برابط إثني مع امتداداتها البشتونية في منطقة القبائل على الحدود الباكستانية الأفغانية، ولا سيما إقليم وزيرستان، وبرابط عقائدي مع باقي التيارات الإسلامية، التي وجدت في معاهد ومدارس القرآن في باكستان مجالاً حيوياً لتحركها الدعوي والتنظيمي، وفي الساحتين الكشميرية والأفغانية مجالاً حيوياً لإعداد عناصرها عسكرياً وجهادياً.أمّا الثاني، فهو مصادرة قضية كشمير، التي تمثّل أحد مناطق الرباط والجهاد ضد «الكفار» في نظر الإسلاميين.هذا ما جعل مشرف يخسر شارعه ويكتفي بدعم الاستخبارات الأميركية والمحلية الموالية له، ما يفسر تعرضه منذ سيطرته على السلطة في انقلاب قاده ضد شريف، في خريف عام 1999، لمحاولات اغتيال عديدة كانت آخرها منذ يومين، وذلك في تأكيد واضح لما ذكرته مصادر إسلامية باكستانية منذ أشهُر عن إمكان حدوث عملية تغيير قد تطيح النظام العسكري.المصادر الإسلامية المعارضة كانت دائماً تراهن على أن «اليوم الذي سيقابل فيه مشرف مصيره المهزوم ليس بعيداً»، وأن كل الزعماء الذين سبقوه لاقوا المصير نفسه من ذو الفقار علي بوتو الى ايوب خان الى بنازير بوتو وصولاً حتى نواز شريف. فهل بدأ العد العكسي لسقوط الجنرال الذي تمادى كثيراً في محاباة الأميركيين من دون أن يكترث للشارع الذي يزداد احتقاناً يوماً بعد آخر؟
الأخبارالاثنين ٩ تموز 2007

27‏/4‏/2007

إسلاميّو تركيا نحو آخر قلاع العلمانية

معمر عطوي
أعادت انتخابات الرئاسة في تركيا إحياء الجدل القديم بين الإسلاميين والعلمانيين، في ظل نظام يعتبر فيه الجيش سلطة قوية حامية للدستور الذي اختطه مصطفى كمال أتاتورك على رأس مجموعة ضباط غيّروا وجه تركيا الإسلامي وحولوها إلى النمط الغربي في عام 1923، وأنهوا حقبة دامت أكثر من أربعة قرون من حكم «الخلافة العثمانية»
أنقرة تشهد اليوم الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية... والمعارضة تقاطع
حوّلت السيطرة الأتاتوركية على تركيا في عام 1923 البلاد من سلطة دينية مستبدة إلى نظام علماني بالغ في تطرفه تجاه مظاهر التديّن، فحظر وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة لعقود خلت. غير ان تغلغل الإسلاميين داخل المجتمع والمؤسسات السياسية مكّنتهم من الوصول إلى رئاسة البرلمان والحكومة، فيما بقيت الرئاسة الأولى بيد العلمانيين، باعتبارها القلعة الأخيرة لهم.يبدو أن هذه القلعة في طريقها إلى السقوط في يد الإسلاميين، إذ تشهد معركة الرئاسة، التي تُجرى مرحلتها الأولى اليوم الجمعة والثانية في أواسط أيار المقبل، وللمرة الأولى، ترشيح شخصية إسلامية إصلاحية، أثارت نقاشاً واسعاً في إمكانية تهديدها أسس النظام العلماني.هذه الشخصية المتمثلة بمرشح حزب العدالة والتنمية الإسلامي وزير الخارجية الحالي عبد الله غول الذي سيصبح قائداً للجيش أيضاً في حال انتخابه رئيساً، من شأنها قيادة البلاد نحو تجربة تعتبر سابقة، وخصوصاً أن الرئيس المرتقب الذي كان تعرّض للسجن العسكري أثناء انقلاب عام 1980، سيتمكّن بمساندة البرلمان من تعديل الدستور، إضافة إلى تعيين كبار القضاة وعمداء الجامعات.منعطفات خطيرةلقد أراد مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، أن تكون الدولة التركية الجديدة ذات هيكلية وهوية علمانيتين، وبالغ في تطبيق ذلك من خلال منع المظاهر الدينية، ليس فقط في الدوائر الرسمية والسياسية، بل أيضاً في بعض قطاعات المجتمع. لذلك بقيت «تركيا الحديثة» ولعقود ثلاثة منذ تأسيسها، خاضعة لحكم الحزب الواحد وتحت حماية المؤسسة العسكرية، التي تضمّ كبار الضباط الأوفياء لأتاتورك.ولكن في عام 1945، فُتح الباب أمام التعددية الحزبية، مع بقاء حظر الأحزاب الدينية طبعاً، وهذا ما مكّن أحزاباً (تحمل شعار الديموقراطية في الظاهر والإسلامية في الباطن)، من التغلغل في المشهد السياسي وفق خطوات طويلة وشاقة، شملت الكثير من قطاعات المجتمع، أبرزها المؤسسات التربوية والبلديات والجمعيات الخيرية، والى حد ضئيل المؤسسة العسكرية نفسها.وثمة منعطفات خطيرة شهدتها تركيا منذ الخمسينيات، بسبب القيود التي فرضها الدستور العلماني. فقد تمكّن الإسلامي عدنان مندريس من الفوز في ثلاث دورات انتخابية نيابية متتالية، سمحت بإعادة بعض المظاهر الإسلامية الى البلاد، لكن مندريس أُعدم في 1960 عندما قام الجيش بأول انقلاب عسكري ضد محاولات الالتفاف على النظام العلماني.
وكان آخر هذه الانعطافات حظر حزب «الرفاه» الإسلامي بقيادة رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان، في مطلع 1998، بعد إطاحته من السلطة في حزيران 1997 بضغط من الأوساط العلمانية التركية المدنية والعسكرية.ودفعت هذه الأحداث عبد الله غول إلى ترك حزب «الرفاه» على غرار العديد من أعضاء البرلمان المنتمين لهذا الحزب، والانضمام الى حزب الفضيلة آنذاك. لكن حزب الفضيلة تعرض بدوره للحل أيضاً بحكم قضائي بسبب «أنشطة مناهضة للعلمانية» في عام 2001. وحلّ محله حزب العدالة والتنمية، الذي حصل على الغالبية البرلمانية في عام 2002، وأوصل غول في مرحلة أولى إلى رئاسة الحكومة التي انتقلت بعد ذلك إلى رئيس الحزب رجب طيب أردوغان.أتاتورك والحجاباللافت أن الحزب الحاكم الذي برع في تقديم صورته غير الإسلامية على رغم الهوية الملاصقة لأعضائه ومسؤوليه، نجح في ممارسة سياسة براغماتية حافظت على إرث أتاتورك من دون أن تحدث قطيعة مع الموروث الديني المنغرس في المنظومة الاجتماعية منذ قرون.لكن المؤسسة العسكرية المتطرفة في حماية الدستور والهوية العلمانية للبلاد لا تزال حريصة على عدم وصول شخصية من حزب ذي جذور دينية الى الرئاسة، في جمهورية تمنع النساء المحجبات من ارتياد المؤسسات الرسمية والجامعات.وخير شاهد على أزمة الحجاب الجدل الذي رافق ترشيح غول للرئاسة، والذي جاء في إطار تحدي نواب حزب العدالة والتنمية للمؤسسة العسكرية والنظام العلماني لإدخال امرأة محجّبة (زوجة غول) إلى القصر الرئاسي كسيدة أولى للبلاد.ولا يزال أقطاب حزب العدالة والتنمية، الأقوى اليوم على الساحة التركية، ينفون تخطيطهم لتنفيذ برنامج إسلامي، وهذا ما تجلى أخيراً من خلال تعهّد أردوغان وغول العمل بموجب المبادئ العلمانية الرئيسية في البلاد، التي أرساها «مؤسس تركيا الحديثة»، ولا سيما ان الحكومة وفق الدستور التركي تسيطر على معظم السلطات.في المقابل، لا يزال العسكر وبعض الأحزاب العلمانية المعارضة يتعاطون بحذر مع هذه الموجة التي اكتسحت المشهد السياسي متسلّحة بإنجازات تمكّنت من تحقيقها خلال مراحل سيطرتها على بعض البلديات، وفي ما بعد من خلال السلطة التنفيذية التي يتربّع الإسلاميون «الإصلاحيون الديموقراطيون» على عرشها منذ سنوات قليلة.ولعل هذا الحذر نابع من الخوف على هوية تركيا التي تسير نحو منظومة عقائدية لا تزال راسخة في العقل الجماعي لمجتمع متديّن يتماهى مع التحولات الحاصلة في العالم والمتجسّدة بصعود الحركات الدينية وسط موجة تطرف واسعة، وخصوصاً أن هذه الموجة العنيفة جاءت رد فعل على سياسات الدول العظمى تجاه قضايا تعتبر الإساءة إليها مساساً بمقدسات وهويات راسخة في الوعي الجماعي للكثير من المسلمين، ومنهم الأتراك، أبرزها القضية الفلسطينية وما تمثله القدس من بعد في هذا الوعي.المقاطعة هي الحليبدو أن الخوف لدى بعض الأحزاب العلمانية، دفعها الى اتخاذ قرار بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، بعدما بات فوز الإسلاميين حتمياً لما يتمتع به حزب العدالة والتنمية من سيطرة قوية داخل البرلمان (يملك 353 مقعداً من أصل 550). وفي هذا السياق، كان قرار حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديموقراطي) برئاسة دينيز بايكال، أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان التركي، بمقاطعة هذه الانتخابات التي تجري دورتها الأولى اليوم، بحجة «عدم اختيار المرشح ضمن مقاربة تصالحية».ولم يكتف الحزب بقرار المقاطعة بل أشار، على لسان نائب رئيسه مصطفى أوزوريك، إلى انه سيطعن في الانتخابات أمام المجلس الدستوري إذا تمت الدورة الأولى من دون مشاركة 367 نائباً على الأقل.وكان أردوغان قد تعرض لضغوط قوية من النخبة العلمانية التي تضم قادة الجيش والقضاة، حتى لا يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة بسبب مخاوف من أنه سيقوّض الفصل بين الدين والدولة في البلاد. وتعرّضت الحكومة لهزة في وقت سابق من هذا الشهر عندما احتشد أكثر من 350 ألفاً في أنقرة للتعبير عن رفضهم احتمال تولّي أردوغان الرئاسة.وحذر قائد الجيش يشار بويوكانيت والرئيس التركي الحالي أحمد نجدت سيزر من المخاطر التي تتهدّد الجمهورية في تصريحات فُسّرت بأنها تحذيرات لأردوغان. وقال سيزر، الذي ألقى خطاباً في الضباط الطلاب في كلية الحرب في 14 نيسان، إن «النظام العلماني التركي معرّض لتهديدات غير مسبوقة منذ 1923». وأضاف أن الخطر على العلمانية التركية ينبع من قوى داخلية وخارجية على السواء، ملمحاً الى «دول تريد تقديم تركيا نموذجاً لدول العالم الإسلامي الأخرى، باعتبارها دولة إسلامية معتدلة»، ومعتبراً أن «المعتدل» سرعان ما يتحول إلى «راديكالي».مفاجأة أردوغانيبدو ان التكتيك الذي اتبعه حزب «العدالة والتنمية» من خلال صرف النظر عن ترشيح أردوغان، والذي طالما أعلن أنه سيفاجئ شعبه في ما يخص إعلان مرشح حزبه، سببه الخشية من أن يفقد الحزب أصواتاً في الانتخابات العامة المقررة في تشرين الثاني المقبل. فإذا أصبح أردوغان رئيساً وترك العمل السياسي الحزبي، هناك احتمال قوي لأن يضطر إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب قومية، ما يضرّ بالإصلاحات التي تعهد السير فيها منذ وصوله وتمكن من تحقيق بعضها، وأبرزها النمو الاقتصادي والبدء بمحادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي.يبقى السؤال أمام هذا الاستحقاق المثير للجدل: الى أي مدى يمكن تركيا ان تحتمل خضّات سياسية جديدة في ظل منعطفات خطيرة تتحول فيها البلاد من هوية إلى أخرى، وهي على أعتاب النادي الأوروبي ومن خلفها الأزمة الكردية التي لا يبدو أن نهايتها قريبة، وبين هذا وذاك أين سيكون موقع تركيا الإسلاموية على خريطة الشرق الأوسط الجديد؟
الأحزاب الدينية التركيةالأحزاب والحركات الإسلامية في تركيا ذات منبع صوفي في الأصل، حيث كانت الطرق الصوفية هي الملجأ الوحيد للباحثين عن هويتهم الدينية في ظل نظام أتاتورك العلماني. وأبرز هذه الحركات والأحزاب:ــ رسائل النور: أسسها بديع الزمان سعيد النورسي، في أواسط القرن الماضي. تحوّلت إلى «حزب الرفاه» (إسلامي) بعد انقلاب العسكر عام 1980.ــ حزب النظام الوطني: تأسس عام 1970 على يد نجم الدين أربكان، وتميّز برنامجُه بالرغبة في توطيد العلاقات بالدول القريبة من تركيا تاريخيّاً وثقافيّاً.ــ حزب السلامة الوطني: تأسس عام 1972 على يد فريد ملان. خاض الانتخابات البرلمانية واستطاع أن يحقق المركز الثالث في نتائجها، ودخل في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري. قُضي على هذا الحزب عام 1980، بعدما رفع مناصروه في أحد المؤتمرات الشعبية شعار «أنقذوا القدس»، وظهرت دعوات إلى إقامة دولة إسلامية في تركيا.ــ حزب الرفاه: أسسه نجم الدين أربكان عام 1983، وتحول إلى حزب «الفضيلة» بعد انقلاب عسكري عام 1988، ثم استقر أخيراً على اسم حزب «السعادة» الذي لا يمتلك تمثيلاً في البرلمان، ولم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصل عليها 2.5 في المئة في انتخابات عام 2002.ــ حزب العدالة والتنمية: الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، هو أحد نتاجات حزب الرفاه. على رغم صبغته الإسلامية، حافظ على الأداء الديموقراطي والإصلاحي وبقي يعمل تحت عباءة أتاتورك.
مبادئ أتاتوركمثّل حزب الشعب الجمهوري بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ستة مبادئ وضعها في صورة شمس:1 ــ النظام الجمهوري هو النظام النهائي لتركيا.2 ــ الشعب التركي يشكل أمة واحدة قائمة بذاتها، وذات قومية متميزة، وتركيا هي صاحبة السيادة المطلقة على أراضيها كافة ضمن حدودها الجغرافية المعترف بها دولياً.3 ــ تركيا دولة علمانية وأمور الدين منفصلة عن أمور الدولة، لذلك غير مسموح لرجال الدين التدخل في أمور الحكم والإدارة والقضايا العامة.4 ــ النظام التركي الجمهوري العلماني نظام شعبي يقوم على التمثيل النيابي الديموقراطي، وجميع المواطنين متساوون أمام القانون.5 ــ نظام الدولة الاقتصادي هو نظام الحرية المراقبة، وهذا يعني أن للدولة الحق في مراقبة نشاطات القطاع الخاص والتدخل بالقوة، إذا لزم الأمر، لوقف هذه النشاطات إذا كانت ضارّة بالمصلحة العامة.6 ــ طبيعة النظام طبيعة ثورية، لذلك يجب ان يكون نظاماً متطوّراً باستمرار تبعاً لتطوّر مشاكل الحياة حتى يُقضى نهائياً على الفقر والجهل والتخلف.
"الاخبار"الجمعة ٢٧ نيسان 2007

18‏/4‏/2007

إيرلندا الشمالية: نهاية نزاع

معمر عطوي
لم يكن اتفاق القطبين المتنازعين على تقاسم السلطةفي إيرلندا الشمالية، مجرّد اتفاق «تاريخي» وحسب، بل مؤشر إلى مزيد من التغيّر في السياسة البريطانية، الداعمة للبروتستانت، تجاه الجيش الجمهوري الإيرلندي، الذي كان التحاور معه أحد المحرمات السياسية، بحسب رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر 8
أيار موعد التقاسم النهائي للسلطة بين البروتستانت والكاثوليك
شكّل اتفاق بلفاست في 26 آذار الماضي، منعطفاً مهماً في تاريخ ايرلندا الشمالية، بعدما وقعه زعيما الحزبين «اللدودين» في البلد: الوحدوي الديموقراطي (بروتستانت) برئاسة ايان بيزلي، الذي يدعو إلى الاندماج مع بريطانيا، والشين فين (الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي ــــــ كاثوليك) برئاسة جيري أدامز، الذي يدعو إلى الاستقلال.وبموجب الاتفاق المذكور، تُشَكَّل إدارة مشتركة بين الطرفين، في الثامن من أيار المقبل، لإدارة الإقليم، وسط توقعات أن يصبح بيزلي رئيساً للحكومة في الإدارة الجديدة، بينما يصبح مارتن ماكغنيس (من شين فين) نائباً له، على أن يتفق المسؤولان على توزيع المناصب الوزارية العشرة في الحكومة شبه المستقلة على أساس النسبية.
سبق هذا الاتفاق انتخابات تشريعية في 7 آذار الماضي، حلّ فيها الحزب الوحدوي الديموقراطي والشين فين، في طليعة الفائزين، حيث حقق الأول 36 مقعداً، بينما حصل الثاني على 28 مقعداً، من أصل 108 مقاعد في الجمعية الإيرلندية الشمالية.وكان الحزبان قد حققا فوزاً كاسحاً بالمقاعد في الانتخابات التشريعية في عام 2003، غير أنهما فشلا في التوصل إلى اتفاق على قيام حكومة تتقاسم السلطة، ما جعل الحكومة البريطانية تدير دفة الحكم في البلاد من لندن.أسباب عديدة قد تكون مهّدت للاتفاق الأخير، يمكن تلخيص أبرزها بالآتي:ــــــ قناعة راسخة داخل «الشين فين»، بأن العنف لم يعد يخدم أهدافه في التوصل لاستقلال الإقليم.ــــــ أدت أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، دوراً كبيراً في تحديد اتجاه الحزب نحو مزيد من المرونة، ولا سيما أن التجييش العالمي الذي حمل شعار محاربة الإرهاب، ترك بصماته على طبيعة حركة الجيش الجمهوري، لجهة التمويل، إضافة إلى التسويغ الشرعي للاستمرار بأعمال عنف، كان المدنيون الضحية الأولى لها.ــــــ أدت أيضاً الجالية الإيرلندية في الولايات المتحدة، بما تشكله من ثقل اقتصادي وانتخابي، دوراً مهماً بالضغط على الإدارة الأميركية من أجل المساعدة على وقف العنف وإحلال السلام في الجزيرة. ودعمت هذه الجالية أيضاً الإقليم بأموال طائلة من أجل تعزيز المؤسسات وتنشيط حركة الاقتصاد كمقدمة لبلورة سلطة قائمة بذاتها.ــــــ الدور البريطاني الذي يتمتع بالحصة الأبرز في إنجاح التسوية، حين «انتهك» حزب العمال أحد «المُطْلَقات» السياسية، التي كانت ترفض بتاتاً الحوار مع الجيش الجمهوري، ورحب بالحوار المباشر مع الشين فين، مقدمة لإبداء مرونة تمتع بها الطرفان.ــــــ يأس الطرفين من استمرار نزاع دام عقوداً من دون أن يؤتي ثماره.نهاية حرب طاحنةقبل الوصول إلى اتفاق بلفاست الأخير، مرّت الأزمة الإيرلندية بمراحل عديدة، كان بداية حلحلتها اتفاق بلفاست في عام 1998، أو ما عرف باتفاق «الجمعة العظيمة».وأسس اتفاق «الجمعة العظيمة»، الذي وقعته كل من ايرلندا وشمال ايرلندا وبريطانيا في عام 1998، بداية لحل سياسي، منهياً حقبة من الحرب الأهلية الطاحنة، التي اتخذت شكلاً مذهبياً بين الكاثوليك والبروتستانت، وامتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، قتل خلالها نحو 3500 شخص.وكانت بريطانيا وإيرلندا قد أعلنتا في عام 1993 أحقية كل سكان ايرلندا الشمالية بتقرير مصيرهم والدعوة إلى بدء محادثات سلام عامة، ما مهّد لإعلان الجيش الجمهوري وقف عملياته العسكرية من جانب واحد، لكن نتيجة التقدم السياسي البطيء أسقطت الهدنة في عام 1996.لكن رئيس «الشين فين»، الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي، جيري أدامز، بقي متمسّكاً بنهجه السلمي، وبعدما أصبح عضواً في البرلمان البريطاني في عام 1997، ضغط باتجاه إعادة «الشين فين» إلى المفاوضات، ونجح في إقناع الجيش الجمهوري بإعلان وقف إطلاق النار في كانون الثاني1997.وفي التاريخ نفسه، وعقب وصول حزب العمال إلى رئاسة الوزراء في بريطانيا، قام رئيس الوزراء الجديد طوني بلير، بمبادرة لحل الخلافات، من خلال دعوته قادة حزب الـ«شين فين» إلى مقر رئاسة الوزراء، واستقبل جيري ادامز، في أول لقاء بين رئيس وزراء بريطاني وقيادي من الجيش الجمهوري الايرلندي منذ عام 1921، حين التقى زعيم الحزب في ذلك الحين مايكل كولينز مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك دافيد لويد جورج.ومهّد لقاء بلير وأدامز لاتفاقية بلفاست (اتفاقية الجمعة العظيمة)، وأهم بنودها مجلس حكم مستقل منتخب في ايرلندا الشمالية، إضافة إلى تقاسم السلطة واستفتاء على توحيد ايرلندا أُجري في أيار 1999، وكانت النسبة 71 في المئة نعم في ايرلندا الشمالية، و94 في المئة نعم في ايرلندا المستقلة.لكن نزع السلاح عُدَّ مفهوماً مأساوياً للاستسلام في نظر بعض أركان الجيش الجمهوري، وظهرت عقبات كثيرة في طريق الحل، كانت أبرزها في تشرين الأول من عام 2001 حين انسحب خمسة وزراء بروتستانت بقيادة زعيم حزب «ألستر» الاتحادي من حكومة بلفاست، مشترطين تخلي الحزب الجمهوري عن سلاحه للعودة.كما جُمِّد البرلمان في ايرلندا الشمالية في تشرين الأول 2002، وسط الحديث عن وجود حلقة من الجواسيس الذين يعملون لحساب الجيش الجمهوري، في داخله.نزع الأسلحةوفي 28 تموز من عام 2005، أفاد مراقبون دوليون بأن الجيش الجمهوري الإيرلندي تخلّص من الأسلحة التي استخدمها طوال 30 عاماً لمقاومة الحكم البريطاني لإيرلندا الشمالية، في خطوة من شأنها المساعدة على إيجاد تسوية سياسية. وقرّرت بريطانيا كإجراء موازٍ خفض قواتها في إيرلندا الشمالية من نحو 11 ألفاً إلى 5 آلاف.ويبقى السؤال الأهم ريثما تتم عملية تقاسم السلطة في أيار المقبل: هل يمكن أن يلعب نجاح الإرادة الشعبية، التي أصبحت الحكم في تقرير المصير، دوراً في إعلان استقلال إيرلندا بأقل خسائر ممكنة؟
قصة النزاع
قسَّمت بريطانيا جزيرة ايرلندا، في عام 1921، إلى جزءين. مُنح الاستقلال لأحدهما وقُسِّم إلى 26 مقاطعة ذات غالبية كاثوليكية، وتحول في ما بعد إلى دولة ايرلندا الحرة، فيما بقيت المقاطعات الست الأخرى الواقعة في شمال ايرلندا جزءاً من المملكة المتحدة.وفي عام 1922، أُعلن استقلال ايرلندا من دون الجزء الشمالي منها، ما أدى إلى نشوب حرب أهلية بين المعتدلين والراديكاليين.وتُعَدُّ ايرلندا الشّمالية جزءاً من المملكة المتّحدة، وتغطّي 5,459 ميلاً مربّعاً (14,139 كيلومتراً مربعاً) من المنطقة الشمالية الشرقية لجزيرة ايرلندا، نحو سدس مساحة الجزيرة. ويقدّر عدد سكان هذا الجزء بـ1,685,000 نسمة وفق إحصاء عام 2001. ويقع ضمن محافظة ألستر، وفي المملكة المتحدة المعروفة بمقاطعاتها الأربع.وتأسّس الجيش الجمهوري الايرلندي، الجناح العسكري لمنظمة الشين فين، في عام 1919 بوصفه وريثاً للمتطوعين الإيرلنديين (منظمة قومية فدائية تأسست عام 1913) لمقاومة النفوذ البريطاني في ايرلندا عسكرياً، من أجل تحقيق جمهورية مستقلة.وخلال الحرب الإيرلندية للاستقلال عن بريطانيا (1919ــــــ1921) استعمل الجيش الايرلندي بقيادة مايكل كولينز التكتيكات الفدائية مثل الكمائن والهجمات والتخريب لإجبار الحكومة البريطانية على التفاوض، وكانت نتائج التسوية تأسيس كيانين سياسيين جديدين: الأول، الدولة الايرلندية وتشمل 26 مقاطعة تم منحها السيادة، لكن بقيت ضمن الإمبراطورية البريطانية، بحيث يقسم أعضاء الحكومة قسم الولاء للعرش البريطاني.أما الثاني فكان ايرلندا الشمالية، التي تضم 6 مقاطعات، وتسمى «محافظة آلستر». وبقيت جزءاً من المملكة المتحدة.لكن هذا التقسيم لم يلق القبول لدى عدد كبير من أعضاء الجيش الإيرلندي، فانقسم إلى قسمين: الأول، بقيادة كولينز وهو المؤيد للمعاهدة مع البريطانيين، والثاني غير المؤيد للمعاهدة تحت قيادة رئيس «الشين فين» إيمون دي فاليرا. وأصبحت مجموعة كولينز أساس الجيش الرسمي للدولة المستقلة، فيما أصبح القسم الثاني، الذي عرف بـ«اللانظاميين» معارضة مسلحة ضد الحكومة المستقلة الجديدة.في نهاية الستينيات، اندلعت أحداث عنف في ايرلندا الشمالية، التي كانت لا تزال تابعة للحكم البريطاني، بسبب مطالبة طائفة الروم الكاثوليك (وهم الأقلية) بحقوقهم المدنية وبالانفصال عن بريطانيا والوحدة مع جمهورية ايرلندا، في خطوة واجهها الايرلنديون البروتستانت وقوات الشرطة التابعة لايرلندا الشمالية. وانقسم الجيش الجمهوري الايرلندي في دبلن (عاصمة جمهورية ايرلندا ــــــ الجنوبية) حول التدخل في الأحداث خوفاً من حمام الدم، لكن الرأي المؤيد للتدخل، وخصوصاً بتأثير قسم من الجيش الموجود في ايرلندا الشمالية، شق طريقه للأمام، وانقسم الجيش إلى «الرسميين» في دبلن، والى «الجيش الجمهوري» في بلفاست. وبدأت حملة عسكرية اضطرت بريطانيا إلى التدخل بقواتها وفصل المناطق البروتستانتية عن الكاثوليكية، ما أدى إلى حرب شاملة من الجيش الجمهوري ضد الجيش البريطاني، تطورت في منتصف السبعينيات إلى مواجهات عنيفة جداً، أدّت إلى تدمير بلفاست، وجزء كبير من المدن الأخرى. وامتد نشاط الجيش الجمهوري إلى لندن، حيث قام بتفجير الأهداف التجارية والمطاعم والفنادق هناك.ومع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وبعد وفاة العديد من المعتقلين من الجيش الجمهوري في السجون البريطانية، إثر إضرابهم عن الطعام، أو ما سمي إضراب الجوع، قوي الجناح السياسي للجيش الجمهوري «الشين فين»، بشكل كبير، وأصبح أكثر حيوية بقيادة جيري آدمز الذي أثار أولاً الحوار الداخلي، وخصوصاً حول سقوط المدنيين في العمليات وحول «كفاية القوة العسكرية فقط» لتوحيد ايرلندا.ومنذ أوائل التسعينيات، بدأت تتبلور خطط لإقامة السلام في الإقليم، بدأت تظهر داخل الحزب الجمهوري، الذي أصبح يدمج بين انتمائه للكاثوليكية والإيديولوجية الماركسية اللينينية، وامتدت علاقاته لتشمل تيارات يسارية في أميركا اللاتينية وشرق أوروبا والشرق الأوسط.وبدأ الحديث عن وقف العنف يتخذ موقعه في الأداء السياسي للحزب، رغم تصلّب بعض الأقطاب داخله وتمسكهم بالخيار المسلح لتحقيق أهدافهم.لكن اتفاق بلفاست، الذي قصم ظهر البعير، ترك آثاره بشكل كبير على الاتجاه المتشدد داخل الجيش الجمهوري، إلى أن تراجع هذا الاتجاه وصولاً حتى عام 2005، تاريخ الإعلان عن ترك السلاح.
اتفاق بلفاست
يستند اتفاق بلفاست لعام 1998 في أحد أهم مبادئه إلى البيان الذي وقعه ألبرت رينولدز عن جمهورية ايرلندا ورئيس وزراء بريطانيا السابق جون ميجور في عام 1993 والذي ينص على حق شعوب ايرلندا الشمالية في تحديد مصيرها.وتم الاتفاق على:ــــــ إلغاء القانون الخاص بحكومة ايرلندا، الذي يفرض سيادة بريطانية على الجزيرة كلها.ــــــ تأييد حق جميع سكان ايرلندا الشمالية في حمل جنسيات ايرلندية أو بريطانية، والاتفاق على عدم تغيير هذا الوضع مهما تغير وضع ايرلندا الشمالية السياسي.ــــــ الرجوع الى الشعب في أي خطوات تُتَّخَذ بشأن مستقبل ايرلندا، مع الإشارة إلى أن جميع الأطراف متفاهمون على أن معظم سكان ايرلندا الشمالية يرغبون في الاستمرار كجزء من بريطانيا، لكن معظم سكان جزيرة ايرلندا ككل ومعهم أقلية لا بأس بها من الشمال يتطلعون إلى تكوين ايرلندا متحدة، أي انفصال شمال ايرلندا عن بريطانيا.ــــــ لن يتغير أي موقف سياسي لايرلندا الشمالية إلا بموافقة سكانها من خلال الاستفتاءات التي تقام بأمر من وزير الخارجية البريطاني، وتكون المدة بين الاستفتاء والآخر سبع سنوات، على الأقل.
"الاخبار"الاربعاء ١٨ نيسان 2007

6‏/4‏/2007

«رسائــــــل استباقيّــــة»... قبــــل الحـــرب

معمر عطوي
كانت «الهدية» الايرانية، التي قدّمها الرئيس محمود احمدي نجاد الى الشعب البريطاني بإعلانه الإفراج عن الجنود البحارة الـ 15، سوى مفاجأة تحمل الكثير من الدلالات، التي تصبّ في مصلحة التحليلات المكثفة هذه الايام، حول مناخات الحرب المتوقعة على ايران.يطرح اطلاق البحارة خلال فترة لم تتجاوز اسبوعين من اعتقالهم تساؤلات عديدة عن التوقيت والاهداف، تقود نحو مجالات الاستفادة التي استطاعت ايران من خلالها توظيف هذه القضية لمصلحتها.استطاعت ايران من خلال مناسبة دينية هي المولد النبوي واسبوع الوحدة الاسلامية، توجيه اشارة ذات طابع رسالي تبشيري بحت، من خلال الاصرار على ان الاطلاق هو بمثابة «هدية من شعب ايران الى الشعب البريــطانـــي» بمقتضــــى «الرحــــمة الاسلاميــة».وفي الوقت عينه، حاول نجاد الايحاء بأن هذه الخطوة لا تعني إطلاقاً حصول خطأ من الجانب الايراني، اجبره على اتخاذ هذا القرار، وذلك بتقليده قائد البحرية ابا القاسم امنغا وساماً لاحتجازه البحارة.اطلق نجاد حملة دعائية اراد من خلالها اثارة اكثر من تساؤل في الرأي العام البريطاني، منها استهجانه اسناد مهمة قتالية صعبة الى «سيدة ام»، هي فاي تورني. اضافة الى اسئلة تحريضية عن مغزى وجود القوات البريطانية في الخليج، بما يشبه نقل المعركة إلى ساحة المهاجم وتوسيع الهوة بين السلطة البريطانية والشعب.من خلال هذه الاشارات، يمكن القول إن الرئيس الايراني استطاع الى حد ما خوض جزء من المعركة الاعلامية، التي قد يقطف ثمارها في حال بدء الحرب عبر تحركات شعبية بريطانية وأوروبية معارضة لها. ولعل الموقف الاوروبي، الذي رأى في خطوة الاطلاق «بداية لمزيد من التعاون» مع ايران، يصب في هذا الاتجاه.يمكن القول إن ايران نجحت في توظيف خطوات اخرى في هذه القضية، مثل إشراك تركيا وسوريا وقطر في الوساطات التي سبقت هذا الاطلاق. ولهذا الامر اشارات أيضاً مفادها أن طهران تعمل على دفع فواتير الى حليفتها التقليدية دمشق، في وقت تستقبل فيه هذه الاخيرة وفوداً غربية، هدفها غير المعلن هو محاولة تحييد سوريا في حال نشوب حرب في منطقة الخليج، لأن تورّط دمشق من شأنه ان يهدد امن اسرائيل ويشعل الجبهة الجنوبية اللبنانية، وبالتالي، ستنشأ حرب إقليمية قد تتعدى في تداعياتها الاهداف المرسومة لها.وعلى الجانب التركي، يعوّل الجانب الايراني كثيراً على النظام الاسلامي «المعتدل» في انقرة، لعدم فتح اجوائه وأراضيه منطلقاً لخوض هذه الحرب. وفي الاتجاه نفسه يظهر التقارب الايراني ـــ القطري.وفي وقت تدق فيه طبول الحرب على خلفية البرنامج النووي الايراني، تستعر حرب امنية خفية ظهرت بعض اشكالها من خلال اختفاء الجنرال الايراني المسؤول في الحرس الثوري السابق محمد علي اصغري في تركيا، اعقبها اختفاء عميل سابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي في جنوب ايران.ويبدو أن قضية الدبلوماسيين الخمسة الذين اعتقلوا في شمال العراق الى جانب الدبلوماسي الذي اطلق منذ ايام في بغداد، لا تنفصل عن هذا السياق.المفارقة التي يستحق التوقف عندها هي أن هذه المبادرة الايرانية، التي يمكن تسميتها اجراءً استباقياً «حسن النية» لحرب متوقع حدوثها بين لحظة واخرى، يتزامن مع نشاط متزايد في العراق لتيارات مقاومة تدعمها ايران، ضد الاحتلالين الاميركي والبريطاني، وهو ما يشير الى أن الجمهورية الاسلامية ليست بحاجة الى اوراق ابتزاز ضد الغرب ما دام ان الساحة العراقية يمكن ان تستخدم في هذه الحرب.
"الاخبار"الجمعة ٦ نيسان 2007

13‏/3‏/2007

كوريا الشمالية والاتفاق المباغت

معمر عطوي
نجحت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، رغم معارضة تيارفاعل فيها، في التوصل إلى تسوية تاريخية مع كوريا الشمالية بشأن ملفها النووي، يتوقع أن تعيد العلاقات بينهما بعد أكثر من نصف قرن من القطيعة؛ فهل تنجح هذه التجربة، التي يرى كثيرون أنها قد تشكل نموذجاً لتسوية مشابهة مع إيران؟
«تسوية تاريخية» تنتظر معالجة رزمة من الملفات العالقة
دخل الملف النووي الكوري الشمالي مرحلة جديدة، وضعت صدقية بيونغ يانغ على المحك، لجهة تنفيذ ما تعهدت به خلال المفاوضات السداسية، التي جرت الشهر الماضي في بكين، حيث أعلن عن اتفاق تاريخي تعهد فيه النظام الشيوعي بالتخلي التدريجي عن أسلحته ومفاعلاته النووية في مقابل حوافز اقتصادية ومساعدات غذائية وإنسانية، وأخرى في مجال الطاقة، التزمت بتقديمها أمام الأطراف الأخرى المعنية بهذا الملف، وهي: الولايات المتحدة، الصين، اليابان، روسيا وكوريا الجنوبية.ولتأكيد مضمون الاتفاق المشترك، الذي صدر عن الدول الست بعد اجتماع بكين في 13 شباط الماضي، يقوم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، اليوم، بزيارة الى بيونغ يانغ، ليبحث مع قادتها في تفكيك برنامج أسلحتهم النووي، على أن تعود الأطراف الستة الى الاجتماع في بكين في 19 الشهر الجاري لمتابعة ما تم الاتفاق عليه.ويرى البرادعي، الذي رحّب بالاتفاق السداسي، أن دعوة النظام الشيوعي له للقيام بهذه الزيارة “خطوة أولى على الطريق الطويل” المؤدي الى نزع الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية. وقد أعرب عن “سعادته لزيارة كوريا الشمالية ليقيم أطار تعاون جديد هناك”، مع وكالته، التي طردت السلطات الكورية مفتشيها في كانون الأول 2002، قبل أن تنسحب في السنة التالية من معاهدة الحد من الانتشار النووي.وكانت كوريا الشمالية قد أعلنت منذ عام 2005 عن امتلاكها للسلاح النووي، في خطوة توّجت سلسلة تجارب على صواريخ باليستية أثارت استياء دول المنطقة. لكن تجربتها الذرية في تشرين الأول الماضي أثارت جدلاً غير مسبوق، دفع بالدول الغربية والإقليمية، بينها دول صديقة مثل روسيا والصين، إلى اتباع سياسة جديدة: الدعوة الى تكثيف المساعي السياسية والدبلوماسية، بالتوازي
مع تنفيذ نظام عقوبات أقرّها مجلس الأمن الدولي। كما اعتمدت تكتيك “العصا والجزرة” لإجبار بيونغ يانغ على التخلي عن أنشطتها النووية، وخاصة أن المصالح الأميركية في الدول الحليفة مثل اليابان وكوريا الجنوبية ومنطقة شمال شرق آسيا باتت مهددة، بل حتى الأراضي الأميركية نفسها، مثل آلاسكا।سرعة التوصل إلى اتفاق، في خلال محادثات بكين في شباط الماضي، فاجأت الكثيرين، وكانت محل ترحيب عالمي। لكنها لم تضع حداً للنزاع القائم. فرغم الاتفاق على مجموعة كبيرة من القضايا الخلافية، إلا أن إمكان تطبيقها لا يزال محل تشكيك واسع، وخصوصاً من الإدارة الأميركية، التي شدد مسؤولون فيها على أن عملية التطبيع بين واشنطن وبيونغ يانغ، التي يتوقع أن تنهي نصف قرن من القطيعة، قد تستغرق سنوات، بسبب العراقيل القانونية وقضية حقوق الإنسان.تطالب
تطالباشنطن بيونغ يانغ بضرورة الإسراع في تطبيق المرحلة الأولى من اتفاق بكين (إغلاق مفاعل يونغبيون خلال 60 يوماً، والسماح لمفتشي الأمم المتحدة بدخوله)، تمهيداً لمرحلة لاحقة، يتوقع أن تكون أشد حساسية، (إزالة المفاعل والكشف عن كامل البرنامج النووي الكوري الشمالي)।أما كوريا الشمالية فتصرّ من جهتها على الحصول على مساعدات بقيمة 300 مليون دولار وخطوات نحو “إقامة علاقات دبلوماسية كاملة” مع الولايات المتحدة، وإزالة اسمها عن لائحة الدول الراعية للإرهاب.خلاف في المقاربة عبرت عنه اجتماعات نيويورك، التي عقدت الجولة الأولى منها أوائل الأسبوع الماضي، بين الجانبين الأميركي والكوري. وصفت المحادثات، وهي الأولى من نوعها على هذا المستوى منذ عام 2000، بأنها «جيدة جداً»، ويمكن أن تسفر عن نتائج بعد استئنافها خلال الأسبوع الجاري. وكانت الولايات المتحدة قد وافقت على رفع العقوبات المالية التي اتخذتها قبل سنة ضد بيونغ يانغ، حين أمرت الخزانة الأميركية بتجميد نحو 24 مليون دولار من موجودات كوريا الشمالية في مصرف في مكاو، إثر اتهامه بتبييض مبالغ من الدولارات المزورة. وقال كبير المفاوضين الأميركيين، كريستوفر هيل، لصحيفة “نيويورك تايمز”، إن الأمر يتعلق بـ“تحديد روزنامة عمل حول علاقاتنا الثنائية، ما يتضمن إقامة علاقات دبلوماسية، وهذا يأتي قبل إخراج كوريا الشمالية من لائحة الدول الراعية للإرهاب”.معروف أن العلاقات بين البلدين قد شهدت تحسناً في تسعينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، وتوّجت بزيارة وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مادلين أولبرايت إلى بيونغ يانغ أواخر عام 2000.لكن بوش وضع النظام الكوري الشمالي في عام 2002 في “محور الشر”، إثر معلومات استخبارية أميركية أفادت بأن بيونغ يانغ تطوّر برنامجاً لليورانيوم المخصّب لمآرب عسكرية.الكوريتانلعل أهمية اتفاق بكين قد تجاوزت موضوع رفع العقوبات والشعارات البراقة بشأن “شبه جزيرة خالية من السلاح النووي” أو مساعدات غذائية واقتصادية، إلى مسألة أهم، هي إعادة رسم خريطة جديدة من العلاقات الإقليمية، التي سادتها العدائية منذ عقود؛ فقد نص اتفاق بكين على صيغ واضحة من التفاوض بين الدولة الشيوعية وجارتيها الجنوبيتين: كوريا الجنوبية واليابان.لقاء رئيس الوزراء الكوري الجنوبي السابق لي هاي ــ شان مع رئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى في كوريا الشمالية كيم يونغ نا في بيونغ يانغ الأسبوع الماضي جاء في هذا الإطار، وشكل سابقة مهمة على طريق تعزيز العلاقة بين شطري كوريا. لكن رغم ما عبر عنه الطرفان من أجواء إيجابية سادت الاجتماع، لا يزال هناك الكثير من القضايا العالقة بين الطرفين، ليس أهمها الحاجة إلى الاتفاق على تفاصيل خاصة بالمساعدات التي طلبها الشطر الشمالي من جاره الجنوبي، والتي تصل إلى 400 ألف طن من الأرزّ و300 ألف طن من الأسمدة، علماً بأن سيول أوضحت أن بدء تسليم هذه الأسمدة قد يبدأ اعتباراً من أواخر آذار الجاري أو أوائل نيسان المقبل، مشيرة إلى أن قيمة هذه الكميات من الأسمدة تبلغ 105 ملايين دولار.ولعل أبرز ما في هذا الملف الشائك من قضايا عالقة هو جمع شمل العائلات التي فرّقتها الحرب الكورية التي امتدت بين عامي 1950 و1953. وكان البلدان قد اتّفقا الأسبوع الماضي، أثناء محادثات على المستوى الحكومي في بيونغ يانغ، على استئناف جهود المصالحة بينهما. ومعروف أن أكثر من 10 آلاف كوري شمالي فرّوا إلى كوريا الجنوبية منذ نهاية الحرب الكورية، تاركين خلفهم أعداداً كبيرة من أقاربهم في الشطر الشمالي.المسألة اليابانيةأما في ما يتعلق بملف العلاقات الكورية ـــ اليابانية، فلا تزال عقدة المخطوفين اليابانيين تعرقل إمكان تطويرها، ولا سيما أن البلدين قد اجتمعا الأسبوع الماضي في هانوي، حيث اصطدما بطريق مسدود على طريق تطبيع العلاقات بينهما. وكانت السلطات الكورية الشمالية قد اعترفت في عام 2002 بأنها خطفت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، 13 يابانياً، تمت إعادة خمسة أشخاص منهم، بهدف تعليم رجال استخباراتها اللغة والعادات والثقافة اليابانية ليتمكنوا من القيام بمهمات تجسسية خلف الحدود. وتطالب طوكيو بإعادة من بقي من المخطوفين على قيد الحياة، لكن بيونغ يانغ تؤكد أنهم توفّوا ولا يمكن إعادتهم.في المقابل، تطالب بيونغ يانغ طوكيو بوقف قمع الكوريين الشماليين المقيمين في اليابان، واتخاذ خطوات لتعويضها عن فترة الاستعمار الياباني لشبه الجزيرة الكورية (1910-1945). ويقول المسؤولون الكوريون الشماليون إن على طوكيو “ تنظيف ماضيها المثقل بالجرائم والذي لا يمكن مساواته، لوحشيته، بموضوع الخطف”.
اتفاق بكين
في ما يلي النص الحرفي لاتفاق بكين بين الصين واليابان وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وروسيا والولايات المتحدة، الذي جاء تحت عنوان “خطة لنزع السلاح النووي الكوري الشمالي”:“الخطوات الأولى للتطبيق:1 - عقدت الأطراف محادثات جدية وبناءة حول خطوات سيتخذها كل منها في المرحلة الأولى لتطبيق البيان الصادر في 19 أيلول 2005. تعيد الأطراف التأكيد على هدفها المشترك وعلى أنها ستجعل شبه الجزيرة الكورية، في وقت قريب، خالية من السلاح النووي، بطريقة سلمية. وتكرر أنها ستطبق بسرعة تعهداتها الواردة في بيانها المشترك، على مراحل، وفق مبدأ: “خطوة خطوة”.2 - وافقت الأطراف على اتخاذ الخطوات التالية بالتوازي في المرحلة الأولى:أ- تتعهد جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية بالعمل على الإنهاء التام لمفاعل “يونغبيون” النووي، من ضمنه منشأة إعادة المعالجة، ودعوة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مجدداً للقيام بجميع أعمال الرقابة والتحقق الضرورية، بحسب الاتفاق بين الوكالة وبين كوريا الشمالية.ب- ستناقش كوريا الشمالية مع الأطراف الأخرى لائحة بكل برامجها النووية، وفقاً لما وصفه البيان المشترك، بينها البلوتيونيوم المستخلص من قضبان الوقود المستخدمة، والتي من المفترض إزالتها بشكل مطابق للبيان المشترك.ج- ستبدأ كوريا الشمالية والولايات المتحدة بمحادثات ثنائية تهدف الى حل القضايا الثنائية العالقة بينهما والتحرك قدماً نحو علاقات دبلوماسية تامة. وستبدأ الولايات المتحدة بعملية رفع اسم كوريا الشمالية عن لائحة الدول الراعية للإرهاب، وتدفع قدماً بمسار إنهاء تطبيق التجارة مع العدو على كوريا الشمالية.د- وستبدأ كوريا واليابان محادثات ثنائية تهدف الى اتخاذ خطوات لتطبيع علاقاتهما، بالاستناد الى إعلان بيونغ يانغ، وعلى قاعدة تسوية الماضي المشؤوم والقضايا المعلقة ذات الاهتمام.ه- ومع التذكير بالقسمين 1 و3 من البيان المشترك في 19 أيلول 2005، توافق الأطراف على التعاون في الاقتصاد والطاقة والمساعدة الإنسانية مع كوريا.في هذا المجال، وافقت الأطراف على توفير مساعدة عاجلة في مجال الطاقة في الخطوات العملية الأولى. الشحنة الأولية للمساعدة العاجلة للطاقة تساوي 50 ألف طن من الوقود الثقيل تبدأ خلال الستين يوماً المقبلة.وافقت الأطراف على أن الخطوات الأولية المذكورة آنفاً ستطبق خلال ستين يوماً، وأنها ستقوم بخطوات منسّقة نحو تحقيق هذا الهدف.3 - وافقت الأطراف على تأسيس مجموعات العمل التالية من أجل تنفيذ الخطوات الأولية ومن أجل التطبيق الكامل للبيان المشترك:أ‌- إخلاء شبه جزيرة كوريا من السلاح النووي.ب‌- تطبيع العلاقات الأميركية الكورية الشمالية.ج‌- تطبيع العلاقات اليابانية الكورية الشمالية.د- التعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة.ه- آلية السلام والأمن في شمال شرق آسيا.تناقش مجموعات العمل وتضع خططاً محددة لتطبيق البيان المشترك في المجالات المعنية بها. وستعدّ هذه المجموعات تقريراً لرؤساء وفود الأطراف حول تطور عملها. من حيث المبدأ، يجب ألا يؤثر التقدم في إحدى اللجان على تطور عمل اللجان الأخرى. وستطبق الخطط التي وضعتها مجموعات العمل الخمس ككل متكامل وبطريقة منسقة.ووافقت الأطراف على أن تجتمع مجموعات العمل كلها خلال الثلاثين يوماً المقبلة.4 - خلال مرحلة الخطوات الأولية والمرحلة التالية – التي تتضمن فقرة تصرح بموجبها كوريا الشمالية بشكل تام عن كل برامجها النووية وإنهاء كل المفاعلات النووية الموجودة، بما فيها مفاعلات ومصنع إعادة معالجة الغرافيت المعدل – سيتم تزويد بيونغ يانغ بمساعدات اقتصادية وفي مجال الطاقة ومساعدات إنسانية، تصل إلى ما يوازي مليون طن من الوقود الثقيل، بينها الشحنة الأولية التي تساوي 50 ألف طن.وستحدد الوسائل التفصيلية للمساعدة عبر مشاورات وتقييمات ملائمة، في مجموعات العمل حول التعاون الاقتصادي والطاقة.5 - ما إن تنجز الخطوات الأولية، تجتمع فوراً الأطراف الستة على مستوى وزراء، لتأكيد تطبيق البيان المشترك وتتحرى الطرق والوسائل لتعزيز التعاون الأمني في شمال شرق آسيا.6 - تعيد الأطراف التأكيد على أنها ستتخذ خطوات إيجابية لتعزيز الثقة المتبادلة، وستقوم بجهود مشتركة من أجل إحلال سلام وأمن دائمين في شمال شرق آسيا. وستعمل الأطراف المعنية مباشرة بهذا الملف على التفاوض حول نظام سلام دائم في شبه الجزيرة الكورية في إطار لقاء منفصل مناسب.7 - وافقت الأطراف الستة على عقد جولة سادسة من المفاوضات في 19 آذار للاستماع الى تقارير مجموعات العمل ومناقشة خطوات المرحلة التالية.
عدد "الاخبار"الثلاثاء ١٣ آذار 2007

22‏/2‏/2007

طموح روسيا إلى عالم متعدّد الأقطاب

معمر عطوي
يبدو أن الاتحاد الروسي قد عاد الى دائرة الاحداث العالمية بقوة في الاشهر الاخيرة ليقوم بالدور الملائم لحجمه السياسي والاقتصادي والجيوبوليتيكي في المجال الحيوي «الاوراسي»، إن لم نقل قد عاد ليحيي مجد «السوفياتيات» الضائع منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي.يمثل ببراعة هذه الاتجاه الجديد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي ركزت خطاباته الاخيرة على ضرورة وضع حد لسيطرة القطب الواحد وإعادة تكوين التحالفات الدولية وفق نسق جديد يأخذ في الحساب العامل الاقتصادي والازمات الاجتماعية أسباباً اساسية لحدوث الخلل في التوازن الاقتصادي بين الدول، وبالتالي انعكاس «اللاعدالة» في توزيع الثروة على تكوين كيانات سياسية خاضعة تسمى الاطراف، وإقطاب تمتلك القوة والاقتصاد والحق في التسلح وبالتالي الهيمنة.ويبدو أن بوتين ومن خلال خطابه الأخير الذي ألقاه في مؤتمر «الأزمات العالمية هي مسؤولية عالمية» الأمني الذي عقد في مدينة ميونيخ الالمانية اوائل هذا الشهر، قد أتقن فن التعبير عن مشروعه الاقليمي ــــــ الدولي بشكل بدا من خلاله انه يطمح الى ايجاد موقع ملائم لروسيا على الحلبة الدولية يمتلك قوة الاتحاد السوفياتي ونفوذه، لكنه يتلافى اخطاء الاتحاد بتقديم نموذج آخر لمعادلة القطبين قائم على نزع التسلح بدل سباق التسلح من المجال النووي الى حرب الفضاء، وعلى حل المشكلات الاقتصادية مقدمة لحل المشكلات الاجتماعية التي يرى انها السبب الاساسي في تصاعد موجات الإرهاب.ولعل ما طرحه بوتين في خطابه الشهير الذي نشرت نصه «الأخبار»، يعدّ «مانفستو» جديداً يشبه البيان الشيوعي في أنه يستحضر كارل ماركس في التركيز على العامل الاقتصادي سبباً للنزاعات السياسية، لكنه يتفرد عنه بابتعاده عن لغة ايديولوجية اشتهر بها سلفه «الاتحاد السوفياتي».لذلك رأى من هذا المنطلق، أن الحرب الباردة «خلّفت لنا قنابل لم تنفجر»، مستخدماً تعبيراً مجازياً قاصداً من خلاله «القوالب الايديولوجية، وازدواجية المعايير والنماذج الاخرى لتفكير التكتلات، والعالم الاحادي القطب، الذي اصبح مركزاً واحداً للسلطة وللقوة، ولاتخاذ القرار».ويبدو أنه استفاد في هذا المضمار من تجربة الاتحاد السوفياتي السابق الذي تداعى من الداخل بسبب سياساته الخاطئة. فحسب بوتين، أن التفرد في القرارات والتعاطي مع العالم من منطلق الملكية الخاصة او «عالم السيد الواحد» هو الذي يساهم في تدمير هذا السيد لأنه يقوضه من الداخل.وفي هذا الاستشراف الواضح لتدمير القطب الواحد المتمثل بالولايات المتحدة، يكون بوتين في موقع التحذير لا التهديد، بمعنى أنّ توقع انهيار النظام الامبريالي العالمي في واشنطن لن يكون بسبب سباق التسلح ولا المنافسة في السيطرة على مواقع النفوذ، بل من خلال آليات خاطئة في التعاطي مع قضايا العالم الشائكة بدءاً بالارهاب والتدخل في شؤون الدول بطريقة مناقضة للقيم الديموقراطية التي تدّعي الولايات المتحدة التمتع بها في بلادها ونشرها في دول الاطراف، وصولاً الى التحكم باقتصاديات البلدان الفقيرة واستغلال ثرواتها.ويظهر المنحى الانساني واضحاً في خطاب روسيا الجديد، فهي التي كانت لها صولات وجولات في حل النزاعات بالقوة، قد اضحت تفتش عن طريقة أخرى لحل النزاعات بعيداً عن العنف الذي تمارسه ومارسته الولايات المتحدة دوماً، متسائلاً «كيف تستطيع دول تحظر الاعدام أن تشارك بسهولة في عمليات عسكرية يقتل فيها مئات بل آلاف الناس؟.. لماذا يجب الآن عند كل فرصة مناسبة الضرب والقصف؟ هل ينقصنا التهذيب السياسي واحترام القيم الديموقراطية والقانون في ظروف غياب خطر الابادة المتبادلة؟».ومما لا شك فيه أن السياسة الروسية الجديدة التي هي قيد التبلور اليوم، هي وليدة عوامل عديدة موضوعية وذاتية.فعلى المستوى الذاتي استطاعت موسكو في ظل سياسة بوتين التي امتشقت سيف محاربة الفساد والمافيات، أن تتخلص من جزء كبير من الديون التي كانت تثقل كاهلها، بالإضافة إلى التخلص الى حد ما من تداعيات سقوط الاتحاد السوفياتي وإعادة لملمة الأوضاع وفق سياسات جديدة.كما أدّت روسيا دوراً رائداً في الإمساك بورقة الغاز عامل ضغط يهدد دول الاتحاد الاوروبي كلها.وفي الموضوع الأمني، استطاعت موسكو التخفيف الى درجة كبيرة من حدة المشكلات «الانفصالية» في الشيشان وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وثمة عوامل موضوعية تتعلق بالتغيرات التي شهدها العالم في العقدين الاخيرين، والتي استفاد منها الاتحاد الروسي الى درجة كبيرة، عل ابرزها غرق المنافس الاساسي اي الولايات المتحدة في مستنقعي العراق وأفغانستان، وتراجع قوة حليف واشنطن الرئيسي في المنطقة، اسرائيل، امام ضربات المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وبروز قوى اقتصادية جديدة في العالم مرشحة لأن تتحول دول اقطاباً على الساحة العالمية. من الواضح أن موسكو قد استفادت من التطورات العالمية المذهلة في السنوات الاخيرة، لتعيد صوغ سياستها في ضوء هذه التطورات. فالخطاب الروسي الجديد يشير بجلاء إلى آليات جديدة في التعاطي مع التحولات بدءاً من الشرق الاوسط والمياه الدافئة، مروراً بشرق آسيا وجنوبها وصولاً الى اوروبا.بدا هذا واضحاً في التزام موسكو البرنامج النووي الايراني، اضافة الى مواصلتها، مع الصين في اطار اللجنة السداسية، معالجة الملف النووي الكوري الشمالي بأقل خسائر ممكنة لمصلحة بيونغ يانغ، رغم أن روسيا نفسها تتخوف من السلاح النووي الكوري الذي دخل حيز التجربة اواخر العام الماضي. اما في الشرق الاوسط، فأكدت روسيا أنها تسعى الى بعث «امجاد» سلَفها السوفياتي من خلال تبنيها سياسة الممانعة للمشروع الاميركي الاسرائيلي، ففي هذا الاطار، استقبلت مسؤولي حماس رغم محاربة دول العالم قاطبة لهم، وقدمت لحكومتهم التي انتخبت ديموقراطياً، الدعم السياسي والمادي، ووقفت الى جانب حزب الله خلال حرب تموز بخلاف العديد من الدول العربية، وربما قدمت له الدعم اللوجستي من خلال حليفتها سوريا التي ترتبط معها بعلاقات وثيقة، جعلت الاخيرة تستند في صمودها امام الضغوط الاميركية الى هذا الدعم الذي برز أحد تجلياته برفض موسكو التسريع ببت المحكمة الدولية التي ستحقق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، في تماه واضح مع دمشق.
عدد"الاخبار" الخميس ٢٢ شباط 2007

9‏/2‏/2007

مشربيات عربية بعيون غربية


معمر عطويتجلس الفنانة الألمانية مارييل بوبه في معرضها المتواضع في برلين منهمكة برسم نوافذ صغيرة وأشكال هندسية مستوحاة من الفن الشرقي الإسلامي على ورق الكرتون المقوى، في محاولة لمحاكاة صور تاريخية من المجتمع الإسلامي الذي اشتهر بصناعة المشربيات في إطار تقاليده التي تقضي

13‏/1‏/2007

قلق الصواريخ” يدفع طوكيو نحو “العسكرة”

معمر عطوي
لم يكن القرار الياباني بتحويل وكالة الدفاع الى وزارة للدفاع الثلاثاء الماضي، نابعاً من رغبة في التحرر من عقدة الهزيمة، التي منيت بها طوكيو في الحرب العالمية الثانية وأداء دور أكبر في الشؤون الامنية العالمية فقط، بل كانت هناك أسباب أخرى أهمها تزايد الخطرين الصيني والكوري الشمالي على الجزيرة “المسالمة”.ومن المفيد الإشارة في هذا المضمار إلى أن وكالة الدفاع في اليابان قد تأسست عام 1954، وظلت خارج دائرة الضوء على مدى عقود لأن الدستور الياباني والرأي العام يودان تجنّب أي شيء يعيد ذكريات الأجواء العسكرية الخاصة بالحرب، مع لفت الانتباه الى الشروط الاميركية والدولية التي فُرضت على طوكيو بسبب تحالفها مع النظام النازي في المانيا، وما ترتب عليها من حظر جعل اليابان دولة اقتصادية غير عسكرية.
إلا أن التطورات العسكرية التي طرأت على المنطقة الآسيوية منذ عقود، وسباق التسلح في ظل ظهور دول كانت ضمن المنظومة الاشتراكية، مثل الصين وكوريا الشمالية، دفعت الدولة المسالمة المحتمية بأحضان القوات الأميركية إلى تغيير استراتيجيتها.وتتخوّف اليابان من الصواريخ البالستية الكورية ومن مخزون الأسلحة الكيماوية والبيولوجية الكورية. وليس أدل على هذا القلق من تصريح وزير الدفاع الياباني، رئيس وكالة الدفاع السابقة، فوميو كيوما، الذي قال إن “إطلاق كوريا الشمالية صاروخاً وإجراءها تجربة نووية في العام الماضي يعنيان أن الوضع الأمني في الخارج بالقرب من اليابان لا يزال صعباً”. ودفع تصاعد القلق الأمني الياباني منذ منتصف التسعينيّات الساسة اليابانيين، بالتفاهم مع حلفائهم في الولايات المتحدة، الى البحث في تغيير استراتيجياتها واللجوء الى تعزيز الوضع العسكري لديها، وذلك بعدما باتت الصين، العدو التاريخي لليابان، تمثل تهديداً إقليمياً حقيقياً نتيجة قيام بكين بزيادة تمويل الأنشطة العسكرية لديها وترسانة الصواريخ الضخمة.ويمكن القول إن البداية الفعلية لخروج الجزيرة من “عزلتها العسكرية” كانت أثناء حرب الخليج عام 1991، حين فرضت واشنطن على طوكيو دفع مبالغ كبيرة لتمويل الحرب ضد نظام صدام حسين في العراق.وفي عام 1995 بدأت اليابان ببحث موضوع ارسال قوات الى الخارج. كما وقعّت في تلك الفترة مع الولايات المتحدة اتفاقاً بشأن توسيع التعاون في مجال نظام الدفاع بالصواريخ الباليستية. وفي عام 2003 أعلنت طوكيو عزمها على تطوير قدراتها الدفاعية الصاروخية بتنفيذ نظام للدفاع الصاروخي يعتمد على التكنولوجيا الاميركية.ولم يتوقف الامر عند ذلك، ففي عام 2004 انخرطت اليابان في تنفيذ خطط عالمية للدفاع، من خلال إرسال نحو 550 جندياً إلى جنوب العراق، في أخطر مهمة يقوم بها الجيش الياباني في الخارج منذ عام 1945، تماهياً مع طلب البيت الأبيض الذي كان يعمل على حشد أكبر مشاركة عسكرية عالمية ممكنة لتسويغ احتلاله للبلد العربي. لكن هذه المهمة انتهت في تموز من العام الماضي.ولمعرفة الخصوصية التي باتت تميز مؤسسة الدفاع اليابانية في ظل “وزارة” عما كانت عليه حين كانت “وكالة”، فإن ما ذكره رئيس الوزراء شينزو آبي، خلال تدشين الوزارة، من أن وكالة الدفاع “كانت هيئة تابعة لمكتب رئيس الوزراء ولم يكن بوسعها طرح قضاياها المهمة في اجتماعات مجلس الوزراء أو تقديم طلبات الميزانية من دون موافقة رئيس الوزراء”، لهو دليل على ضعف صلاحياتها التي ستتغير بلا شك مع كونها وزارة، إذ تتمتع بسلطة وضع السياسات وطلب الميزانية كأي وزارة أخرى. كما تهدف الى تقديم مقترحات بشأن استراتيجية الامن القومي، إضافة الى تعزيز أنشطة قوات الدفاع الذاتي في الخارج. ويبدو ان طوكيو لم تقتصر في وضع استراتيجيتها الجديدة على تحويل الوكالة الى وزارة، بل قامت أيضاً بإنشاء وحدة استخبارات جديدة في الجيش، لجمع المعلومات، في أول خطوة من نوعها.ويبدو ان ما قامت به اليابان على الصعيد الدفاعي والاستخباري قد نقل القلق الذي كان لديها من طموحات الدول المجاورة العسكرية، الى هذه الدول نفسها، التي عانت في السابق عدواناً عسكرياً يابانياً خلال الحرب.وجسّدت هذا القلق وكالة أنباء الصين الجديدة “شينخوا”، حين قالت إن تغيير اسم الوكالة الى وزارة، “يعطي أسباباً كافية للناس كي يقلقوا بشأن ما إذا كانت اليابان ستلتزم النهج السلمي”.من هنا يبدو المشهد الشرق آسيوي بالغ الحساسية في ظل هواجس وهواجس مضادة تعززها الأحلاف الدولية وتسوّغ استحداثها الصواريخ العابرة للقارات.
عدد "الاخبار"السبت ١٣ كانون الثاني 2007

6‏/1‏/2007

هل ينجح أردوغان حيث فشل العرب؟

معمر عطوي
المتابع لتطورات الحياة السياسية التركية والمنعطفات الخطيرة التي مرت بها التيارات الإسلامية في ظل النظام المتطرف بعلمانيته، يدرك أن شخصية رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان هي شخصية استثنائية، إذا صح القول، برزت إلى ساحة الأحداث وسط ظروف أيضاً استثنائية، ميزتها تحولات سياسية عاصفة إقليمياً ودولياً، حملت خلالها انتخابات محلية إلى السلطة تياراً كان في ما مضى من التيارات الممنوعة من ممارسة العمل السياسي.لقد خط الرجل سياسة جديدة لتركيا العلمانية، التي تجلببت، مع وصول حزبه (العدالة والتنمية) إلى السلطة، بعباءة إسلامية من دون أن تخلع طربوش مؤسس “تركيا الحديثة” مصطفى كمال اتاتورك.واللافت أن أردوغان لم يأت على ذكر الدين، في خطاب فوزه، بل استشهد بأتاتورك اثناء قوله إن الحكم هو للشعب، ودعوته إلى تطبيق المبادئ العلمانية في تركيا. وأدى عمدة إسطنبول السابق دوره بذكاء وحنكة سياسيتين عندما وضع “مسَلَّمات الإسلام” جانباً، ليتعامل مع السياسة من منطلق كونها “فن الممكن”.تبلور ذلك من خلال مواقفه التي واكبت التحولات الإقليمية والدولية وإجراءات بحث انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، أي الغمز من قناة الديموقراطية واحترام رأي الشعب. وربما كانت التعديلات الدستورية والقانونية التي أقرها البرلمان خلال الأعوام الماضية، والتي تعترف بحق الأكراد في استخدام لغتهم في وسائل الإعلام والمدارس والمعاهد الخاصة، تصب في هذا الإطار.واستطاع أردوغان تقليص حجم الهوة بين الإسلاميين والعسكر المدعومين من رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر والقوى العلمانية، في ما يتعلق بفهم وتفسير المخاطر التي تهدد النظام العلماني الديموقراطي.وكان الموقف التركي متميزاً إزاء المواقف التي برزت خلال حرب الخليج “الثالثة”، وخصوصاً مواقف دول الجوار العراقي، تجاه فتح الجبهة الشمالية أمام قوات الاحتلال الاميركي. كان غير متوقع، إن لم نقل مفاجأة للمراقبين، الذين رصدوا الثمن السياسي الذي قد تقبضه أنقرة بدخول قواتها إلى شمال العراق لمحاربة الأكراد، والاقتصادي المتمثل بزيادة المساعدات وموافقة البنك الدولي على منحها قروضاً ميسّرة إضافية.ومما لا شك فيه، أن الفترة التي تسلم فيها مهامه أحيطت بضغوط أميركية كثيفة استهدفت الموافقة على نشر قوات أميركية في البلاد أو فتح الأجواء أمام الطائرات التي تستخدم للإغارة على مواقع في العراق.ورغم معارضته لبعض التوجهات الأميركية، يحاول أردوغان قدر المستطاع تجنب غضب واشنطن، التي لا تزال أنقرة بحاجة إلى مساعداتها المالية ودعمها السياسي، إن كان لجهة الانضمام إلى المنظومة الأوروبية أو لجهة دعم ترشيح أردوغان نفسه لرئاسة الجمهورية هذا العام، إذ يرى في الدعم الأميركي تعزيزاً لدوره وحضوره في مواجهة مؤسسة الجيش والأحزاب العلمانية.وفي الأعوام الاخيرة أدت تركيا أردوغان دوراً مكثفاً في تعزيز العلاقات على المستويين الإقليمي والدولي، وقامت بمساع ووساطات على أكثر من خط. ففي ملف انضمامها للاتحاد الأوروبي، قامت بالعديد من الإصلاحات الداخلية، كما أبدت بعض المرونة تجاه القضية القبرصية تمهيداً لبحث مسألة الانضمام.وتمكنت أنقرة على الصعيد الإقليمي من أن تنسج العديد من العلاقات من خلال موقفها الموحد مع إيران وسوريا تجاه المسألة الكردية وتجاه التمسك بوحدة العراق. كما تلقت المبادرة السورية، التي تمثلت بزيارة الرئيس بشار الأسد لأنقرة، بإيجابية بالغة أفسحت في المجال أمام تعزيز التعاون على أكثر من صعيد، أبرزه الأمني، كما رفع الجانبان من مستوى التنسيق في مواجهة الأكراد. واستطاعت أنقرة تحقيق مكسب آخر بضمان عدم تطرق سوريا إلى قضية لواء الإسكندرون السوري المسلوب من الدولة الإسلامية.وسعت أنقرة في هذا السياق إلى القيام بمساع دبلوماسية لإعادة المفاوضات بين دمشق وتل أبيب، كذلك إلى إعادة بعض الحرارة لخط العلاقات بين دمشق وواشنطن.كما كان لزيارة الملك السعودي عبد الله إلى أنقرة منتصف العام الماضي، أهمية عززت حضور تركيا في المنطقة العربية. وأرست أنقرة لعبة توازن استطاعت من خلالها التوفيق بين دعم حركة “حماس” في تولي الحكومة الفلسطينية، واستقبال قادتها من جهة، وانتقاد الممارسات الإسرائيلية في فلسطين ولبنان من جهة أخرى، واستمرت، في الوقت نفسه، بعلاقتها مع تل أبيب.ولعل موافقة تركيا على المشاركة في القوات الدولية في لبنان، رغم معارضة الشارع التركي والعديد من الأحزاب، تصب في سياسة الغزل تجاه واشنطن وتل أبيب، التي تجد من مصلحتها مشاركة قوات إسلامية سنية في مواجهة مع حزب الله الشيعي. كما تصب هذه الخطوة في زيادة رصيد تركيا أمام الدول الأوروبية وتعزز رصيدها في الانضمام إلى النادي الأوروبي.إلا أن أردوغان يصر على بقاء علاقته الطيبة مع طهران، فقد حرصت أنقرة على عدم الانخراط في حلف الدول العربية والإسلامية السنية الذي روجت له دوائر الاستخبارات الأميركية تحت شعار مواجهة “الخطر الشيعي الإيراني”.ويبدو ان اردوغان يفهم جيداً مدى تأثير الدور السوري على بعض التيارات السياسية المعارضة في لبنان، لذلك استبق زيارته لبيروت بزيارة لدمشق، مبدياً استعداده لبحث مسألة تقريب وجهات النظر بين الرياض ودمشق. وفي السياق نفسه، يأتي الدور الإيراني الذي يفهمه المسؤول التركي جيداً، وهذا ما تمثل بدعوته السلطة اللبنانية إلى محاورة طهران.ويبقى السؤال المطروح هنا: هل يستطيع أردوغان بما يملك من علاقات وحنكة سياسية أن ينجح في تسوية المسألة اللبنانية، حيث عجز العرب عن ذلك؟
عدد "الاخبار"السبت ٦ كانون الثاني 2007

3‏/1‏/2007

ليس دفاعاً عن صدّام

معمر عطوي *
بقطع النظر عمّن هو صدام حسين وبعيداً عن تقويم حزب البعث وممارساته «الشمولية» في السلطة المستبدة، لا بد من الإحاطة الكلية بالأجواء التي رافقت صدور حكم إعدام الرئيس العراقي المخلوع واثنين من اعوانه في قضية الدجيل بعدما تم تنفيذه بصدام عقب تصديق محكمة التمييز الجنائية العليا।ذلك أن الشعور بـ«نشوة الانتصار» في وقت يعيش فيه العراق ما يشبه تنفيذ خطة للإبادة الجماعية على المستوى الطائفي، يصبح من السخافة إن لم يكن نوعاً من الاختباء وراء الاصبع، خصوصاً اذا علمنا ما جلبته مرحلة «ما بعد ــ صدام» من ويلات على الشعب العراقي تتخطى في مشهديتها التراجيدية كل ما فعله نظام البعث من حلبجة حتى الدجيل والأنفال وغيرها।ومما لا شك فيه أن رؤية الرئيس العراقي السابق في قفص الاتهام اثناء تلاوة حكم الاعدام عليه وعلى اعوانه في قضية الدجيل، ومن ثم معلقاً على حبل المشنقة في اول ايام عيد الاضحى، وسط اصوات تبارك الحكم اريد منها الاستفزاز المذهبي لا اكثر، في ايحاء واضح لاستفزاز مشاعر شريحة لا بأس بها من العراقيين، قد مثّل مفصلاً خطيراً في ما تؤول اليه الأوضاع على المستوى العربي، الذي انقلبت فيه القيم وتحول فيه المصطلح الى تعبير ملتبس، فبات من يناصر التغيير تحت عباءة اميركا «وطنياً شريفاً» وثائراً، ومن يقاتل فلول الغزو الاميركي ــ الاسرائيلي ارهابياً ومغامراً. وليس المقصود هنا أن نظام صدام حسين يندرج في صف «الوطني الشريف»، لكن من غير الجائز تحت اي ذريعة من ذرائع الاضطهاد والحرمان والتنكيل، (التي ليست حكراً على نظام صدام حسين السابق فقط ضمن المنظومة العربية و«العالمثالثية») أن نبرر نتائج بنيت على مقدمات فاسدة، وبالتالي يصبح التسليم بهذه النتائج والترحيب بها اعترافاً غير مباشر بمقدمات فاسدة اقل ما يقال فيها أنها خطيئة تاريخية ينبغي رفض كل ما يتمخض عنها. ففي علم المنطق الأرسطي قاعدة اساسية تقول إن فساد المقدمة يعني فساد النتيجة. وهذا يترتب على كل ما ينتج من احتلال العراق بما فيه القضاء على نظام البعث ومحاكمة جلاوزته.اذن، الأمر هنا ليس دفاعاً عن صدام الطاغية، بل هو دفاع عن سيادة عربية مفقودة بفعل الاحتلال الاميركي للمنطقة، وهوية اصبحت ملتبسة في ظل سيطرة قوى لا يمكن وصفها بأقل من تعبير «عملاء اميركيين» تعبر عن فرحها بالحكم على الطاغية حتى ولو جاء هذا الحكم من طاغية أكبر، لطالما كان بعض هذه القوى نفسها ينعتها بـ «الشيطان الاكبر».لا يمكن تجاهل ضحايا الظلم بأي شكل من الاشكال، ولا يمكن مصادرة الحق في الشماتة من القاتل او السرور بنيله جزاءً قد يستحقه، لكن لا بد من مراقبة التوقيت الذي حدد يوم البت بالحكم عشية انتخابات نيابية اميركية واجه فيها الحزب الجمهوري الحاكم مشكلة كبيرة في ظل تقدم خصمه الديموقراطي، خصوصاً أن فشل تحقيق نتائج غزو العراق هو احد ابرز الاسباب التي استعملها الديموقراطيون ضد الجمهوريين في حملاتهم الانتخابية.فجاء توقيت الحكم بإعدام صدام وأعوانه بمثابة محاولة سافرة وفاشلة في الوقت نفسه، لحفظ بعض ماء الوجه للرئيس جورج بوش وإدارته المحافظة التي واجهت فشلاً ذريعاً في تحقيق سياساتها في العراق وقبل ذلك في افغانستان.كما جاء توقيت تنفيذه في ايام العيد أيضاً ذا دلالات خبيثة واستفزازية.كان من الممكن ايجاد اوسع مشاركة ممكنة لحالة السعادة التي قد يشعر بها ذوو ضحايا الدجيل والانفال وكركوك وحلبجة وغيرها، لو كانت المحكمة العراقية محكمة ثورية حقيقية خرجت من رحم انتفاضة شعبية على غرار الثورة الايرانية او الثورة البولشفية او حتى الثورة البوليفارية، عندها كان من الممكن الترحيب بنتائج محاكمة هي صنيعة الضحايا انفسهم لا نتاج عملية تصفية حسابات بين ادارة مخابراتية وعميلها السابق الذي انقلب على مخططاتها.لم تكن إدانة صدام حسين صورة مذلة لجلاوزة النظام العراقي الذين يستحقون العقاب على ما اقترفوه بحق شعوبهم، مثل غيرهم من جلاوزة الانظمة العربية الاخرى، والتي تستأنس الولايات المتحدة في دعمها، بل هي طعنة في كرامة كل مواطن عربي شعر بأن قفص الاتهام يتسع في عهد غوانتنامو وأبو غريب ليمتد من المحيط الى الخليج. رؤية صدام وأعوانه في قضايا قد يستحقون اقصى الاحكام عليها، تستحضر مشهداً آخر لمحاكمات مرتقبة قد يكون ضحيتها السيد حسن نصر الله او خالد مشعل او ابطال المقاومة العراقية الذين نأوا بأنفسهم عن تنفيذ مخططات الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية بتنفيذ فصول الفتنة الطائفية وقتل الابرياء ليصطادوا جنوداً ينتمون الى محكمة، اقل ما يقال فيها أنها لا تشبه ضحايا المجازر.
الاخبار -عدد الاربعاء ٣ كانون الثاني 2007